المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : نظرة عجلى في قول السادة الأحناف : نرد خبر الواحد إذا خالف القياس وكان الراوي غير فقيه!!!



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-05-12 ||, 03:13 AM
بسم الله الرحمن الرحيم...



أنا اسأل أصوليي الحنفية عن مسوغ رفضهم رواية الصحابي -غير الفقيه- إذا خالف القياس ؟



إننا قد نجد لهم العذر الجميل لو اعتبروا غير الفقهاء من الصحابة أولئك المشتغلين بالجهاد والتجارة....أما وأنهم حشروا في فرقة "غير الفقهاء" أبا هريرة وابن عمر فإن الأسئلة لا تفارق الذهن : هل حقا كان قولهم هذا مستندا إلى دليل ؟ أم أن الأمر لا يتعدى تطويع الأصول لخدمة الفروع-كما هي عادتهم- ...

يقول عبد العزيز البخاري " ووجه ذلك ان ضبط حديث رسول الله عليه السلام عظيم الخطر وقد كان النقل بالمعنى مستفيضا عنهم فإذا قصر فقه الراوي عن درك معاني حديث رسول الله وإحاطتها لم يؤمن أن يذهب عليه شئ من معانيه في نقله فيدخله شبهة زائدة بخلاف القياس فيحتاط في مثله"

(كشف الأسرار) .

قلت : وقد ردوا بهذا الأصل رواية أبي هريرة في المصراة لأن رواية لعائشة رضي الله عنها خالفت مارواه أبو هريرة وهو غير فقيه فيحتمل أن يكون قد فاته شئ !! ويستدلون بما لا دلالة فيه ومنه قول عائشة "رحم الله أبا هريرة كان رجلا مهذارا فماذا يصنع بالمهراس" في ردها على رواية أبي هريرة في غسل اليد ثلاثا عند الإستيقاظ من نوم الليل....



************



وقد اختلفوا في نسبة هذا الأصل إلى أبي حنيفة فأثبت النسبة علي جمعة في المدخل ونفاها شيخنا حسن العلمي في بلوغ الأماني وقال بل هي من محدثات عيسى بن أبان وتابعه عليها السرخسي والطحاوي وجمع من أهل العلم....



***********

وقد حاول من اثبتها ان يضيف قيودا فقال : لا يرد قول هذا الصحابي إن خالف القياس إلا إذا لم يجد الفقيه له مخرجا من المخارج ...فجعلوا هذا الفقيه الحنفي القاصر في فهم روح التشريع بالمقايسة إلى الصحابة والتابعين -وهم عجم في الغالب- أذكى من الصحابي العربي الذي تربى في مدرسة النبوة سنوات طويلة وعاين ما لم يعاينه غيره وخبر مالم يخبروه....



**************

إن قاعدة كهذه تصلح دليلا في يد من يروم هدم الشريعة جملة فيتهم أبا هريرة وابن عمر وووو... بالوهم والخلط وقلة الفهم وكفى بهذا الخطر موعظة...



*************

وإن القاعدة تقول لا يترك اليقين لظن والنص عندنا يقين للعدالة الظاهرة والفطنة الحاضرة ....أما ما رآه الفقيه فإن أوجه القصور اللاحقة به لا تعد ولا تحصى , فترك الأول للثاني والحال هذه ظلم شديد...

والله أعلم...

عصمت الله عنايت الله محمد
09-12-19 ||, 08:18 PM
قال المحدث الكشميري في العرف الشذي للكشميري - (3 / 69)
وأما ما ذكر صاحب المنار وغيره من أن حديث المصراة يرويه أبو هريرة وهو غير فقيه ، ورواية الذي ليس بفقيه غير معتبر إذا كانت خلاف القياس ، والقياس يقتضي بالفرق بين اللبن القليل والكثير ، ولبن الناقة أو الشاة أو البقرة وغيرها من الأقيسة ، فأقول : إن مثل هذا قابل الإسقاط من الكتب فإنه لا يقول به عالم وأيضاً هذه الضابطة لم ترد عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ولكنها منسوبة إلى عيسى بن أبان ، وذلك صنف كتاباً في بيع المصراة فذكر فيه كلاماً وزعمه الناس ضابطة فلا يقبل نسبتها إلى عيسى بن أبان أيضاً .
حكي أنه وقع مناظرة بين حنفي وشافعي في مسجد رصافة في بغداد في مسألة المصراة ، فقال الحنفي : لم يكن أبو هريرة قابل الاجتهاد ولم يكن فقيهاً إذ أسقطت عليه حية سوداء ، فكان الحنفي يعدو لا تدعه الحية ، فقيل له : استغفر من قولك ، فاستغفر فتركته الحية ، والله أعلم."
و هذا علم وإنصاف.

اخلاص
09-12-28 ||, 08:14 AM
يمكنكم مراجعة كتاب التعارض و الترجيح للاستاذ الفذ عبد اللطيف البرزنجي رحمة الله في توضيح هذه المسالة .

عمرو بن الحسن المصري
12-10-03 ||, 06:10 PM
السلام عليكم

اسمحوا لي في تفصيل عدة أمور هامة تتعلق بتلك المسألة،،

لقد اتفق الحنفية مع المُحدثين في تقسيم الرواة إلى معروف ومجهول؛ وذلك من حيث اللفظ، وأما من حيث الدِلالة والأحكام؛ فمُختلف، قسّم الحنفية الرواة إلى: معروف، ومجهول. بتفصيل، سأقتصر على تفصيل القسم الأول -المعروف- لعلاقته بالطرح ولعدم تشتت الموضوع.
فأقول وبالله التوفيق..
المعروف من الرواة عند المُحدثين: هو معروف الوصف. وهو إما مُعدل أو مُجرح، فيُعمل بما عُلم فيهم من الجرح أو التعديل حسب مراتبهما.
والمعروف عند الحنفية: هو من عُرف برواية أكثر من حديثين. وهو نوعان:
الأول/ من عُرف بالفقه والتقدم في الاجتهاد: وهذا يُقبل حديثه اتفاقًا إن وافق القياس أو خالفه، فإن وافقه تأيد به، وإن خالفه تُرك القياس به.
الثاني/ من عُرف بالرواية دون الفقه والفُتيا: وهذا يُقبل حديثه اتفاقًا إذا وافق القياس، وأما إذا خالف القياس؛ فقد اختلف الحنفية فيه: فمنهم من ذهب إلى تقديم القياس على حديثه، وذهب بعضهم إلى تقديم حديثه على القياس. ويُنظر: كشف الأسرار (2/ 384)، (3/ 20)، وأصول السرخسي (1/ 342)، وشرح المنار (2/ 622)، والتلويح على التوضيح (2/ 7)، وقفو الأثر ص(86).
وقد اختلف العلماء في تقديم القياس على خبر الواحد؛ فقال أهل الأثر: إن خبر الآحاد مُقدّم على القياس؛ لأن الرأي لا يكون إلا حيث لا نص وقد وُجد النص فلا مجال للرأي، ولأن الراوي لا يكون إلا في حالة الضرورة، والضرورة تُدفع بوجود أثر منسوب للنبي صلى الله عليه وسلم، ولأن القياس في الجملة ظني، وحديث الآحاد ظني في ثبوته، وإذا تعارض ظني منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بظني منسوب إلى الفقيه؛ فالمنطق يُوجب ترجيح المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن كبار الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم وكبار التابعين من بعدهم كانوا يرجعون عن آرائهم إذا نُقل إليهم حديث يُخالفها.
وهذا مسلك عامة فُقهاء الأثر، لا يجعلون للرأي مجالًا عند وجود حديث، ولو كان من أخبار الآحاد، ولا يشترطون فقه الراوي ولا موافقة القياس ولو كان ضعيفًا، ولقد سلك هذا المسلك الشافعي من بعد وبينه في الرسالة بيانًا كاملًا، وقال ذلك القول من فقهاء الحنفية أبو الحسن الكرخي.
وقال عيسى بن أبان: إن كان راوي خبر الآحاد عدلًا فقيهًا وجب تقديم خبره على القياس، وإن كان غير فقيه كان موضع الاجتهاد بمعنى أنه لا يرد خبره المُخالف للقياس جملة؛ بل يجتهد المُجتهد فإذا وجد ذلك الخبر له وجه منا لتخريج أي لا يسند فيه باب الرأي مُطلقًا؛ قُبل، بأن كان يُخالف قياسًا ولكنه يوافق من بعض الوجوه قياسًا آخر لا يُترك بل يُعمل به، وهذا معنى قولهم: لا يُترك خبر الواحد العدل الضابط غير الفقيه إلا للضرورة بأن يسند فيه باب الرأي من كل الوجوه، وهذا كله إذا كان الراوي عدلًا، أما إذا كان الراوي مجهولًا لم تُعرف عدالته، فإن خبره المُخالف للقياس يُرد ويؤخذ بالقياس، ولا يجتهد المُجتهد في تخريجه باستنباط ضرب من ضروب الرأي يوافقه. راجع: أبو حنيفة ص(245).
وأصحاب هذا الرأي يشترطون في قبول خبر الواحد أحد شرطين: فقه الراوي أو موافقة الخبر للقياس، فلو انتفي أحد الشرطين لم يُقبل خبر الواحد إلا بوجود الآخر، فيشترطون فقه الراوي إذا كان الخبر مُخالفًا للقياس، ويشترطون موافقة خبر الواحد للقياس إذا كان الراوي غير فقيه، ولذلك يحتاطون من التغيير المثحتمل عند فقد أحد الشرطين؛ فرواية الفقيه لخبر مُخالف للقياس، وموافقة الخبر للقياس من راوٍ غير فقيه، ينفيان احتمال تطرق الخطأ والتغيير إلى الرواية.
وهذه المسألة قد تسبتت فيما يُشاع عن الإمام أبي حنيفة من تقديمه للقياس إذا تعارض مع خبر الواحد، والحق أن تقديم الخبر على القياس هو الأقرب لمنهج وقواعد أبي حنيفة؛ حيث احتج بالمُرسل وبرواية المستور وبأقوال الصحابة ليستوعب بذلك العمل بجميع السنة المشرفة، وما كان ليُعارض الأخبار بالقياس.
وقبل الخوض في تحرير مذهب أبي حنيفة في تقديم الخبر على القياس، يحسن بنا أن نقف على الأصل الذي من أجله اشتُرط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس؛

(أصل قاعدة اشتراط فقه الراوي)..
رُوي عن إبراهيم النخعي قال: كانوا يأخذون من حديث أبي هريرة ويدعون. انظر: أصول السرخسي (1/ 341)، والفصول في الأصول (3/ 227).
ورَوى عبدالله بن أحمد عن أبيه قال: حدثنا أبو أُسامة عن الأعمش قال: كان إبراهيم صيرفيًّا في الحديث أجيئه بالحديث. قال: فكتبت مما أخذته عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: كانوا يتركون أشياء من أحاديث أبي هريرة. وانظر العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد ص(140).
ورُوي عن الثوري عن منصور عن إبراهيم قال: كانوا يرون في أحاديث أبي هريرة شيئًا وما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان من حديث صفة جنة أو نار، أو حث على عمل صالح، أو نهي عن شرٍّ جاء القرآن به. انظر: البداية والنهاية لابن كثير (8/ 109)، والفصول في الأصول (3/ 127).
قال الذهبي في ترجمة إبراهيم النخعي: ونقموا عليه قوله: لم يكن أبو هريرة فقيهًا. انظر: ميزان الاعتدال (1/ 75) وأورده أيضًا في سير أعلام النبلاء (2/ 438) ثم قال: هذا لا شئ؛ بل احتج المسلمون قديمًا وحديثًا بحديثه لحفظه وجلالته وإتقانه، وناهيك أن مثل ابن عباس يتأدب معه ويقول: أفت يا أبار هريرة. اهـ. وقد استوفى الرد على النخعي ومن تبعه من الحنفية في ذلك الأستاذ عبد المنعم صالح العلي في كتابه الجامع "دفاع عن أبي هريرة" فليرجع إليه ص(237- 346).
وقد كان أبو حنيفة رحمه الله يعتمد كثيرًا على ما رواه له شيخه حمّاد ابن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي، ولا شك أن الحنفية تأثروا بكلام النخعي في أبي هريرة عند تأصيلهم لقاعدة اشتراط فقه الراوي.
فهذا عيسى بن أبان يُتابع إبراهيم النخعي فيما قال فيقول: ويُقبل من حديث أبي هريرة ما لم يتم وهمه فيه؛ لأنه كان عدلًا.
وقال: ويُقبل من حديث أبي هريرة ما لم يرده القياس، ولم يُخالف نظائره من السنة المعروفة، إلا أن يكون شئ من ذلك قَبِلَهُ الصحابة والتابعون ولم يردوه.
وقال في موضع آخر: ولم ينزل حديث أبي هرير منزلة حديث غيره من المعروفين بحمل الحديث والحفظ، لكثرة ما أنكر الناس من حديثه وشكهم في أشيا من روايته. راجع: الفصول في الأصول (3/ 127).
أوضح عيسى بن أبان أن إنكار الصحابة على أبي هريرة هو سبب الشك فيما رواه أبو هريرة مُخالفًا للقياس. وإنكار الصحابة على أبي هريرة كان لأمرين:
الأول/ إكثاره للرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه العموم؛ وقد رد على ذلك أبو هريرة فقال: إ الناس يقولون أكثر أبو هريرة، ولولا ىيتان في كتاب الله ما حدثت حديثًا قط: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنتِ..) إلى قوله: (الْرَّحِيمُ) [البقرة: 159، 160]. إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على شبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون، ويحفظ ما لا يحفظون. رواه البُخاري (1189 ومُسلم (6552).
الثاني/ إنكارهم أحاديث معيَّنة على وجه الخصوص؛ منها:
1- أخرج الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الوضوء مما مست النار ولو من ثَوْرِ أَقِطٍ -أي قطعية من لبن مُجفف-). فقال له ابن عبَّاس: يا أبا هريرة؛ أنتوضأ من الدهن؟ أنتوضأ من الحميم؟ قال: فقال أبو هريرة: يا ابن أخي؛ إذا سمعت حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلًا. أخرجه الترمذي في سننه (79). فلم يقبل ابن عباس هذا الحديث وعارضه بالقياس.
2- وروى مُسلم عن أبي بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبا هريرة يقص يقول في قصصه: من أدركه الفجر جنبًا فلا يصم. قال: فذكرت ذلك لعبدالرحمن بن الحارث؛ فأنكر ذلك، فانطلق عبدالرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألها عبدالرحمن عن ذلك. قال: فكلتاهما قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يُصبح جُنبًا من غير حلم ثم يصوم. فانطلقنا حتى دخلنا على مروان، فذكر ذلك له عبدالرحمن فقال مروان: عزمت عليك إلا ما ذهبت إلى أبي هريرة فرددت عليه ما يقول. قال: فجئنا أبا هريرة -وأبو بكر بن عبدالرحمن حاضر ذلك كله- فذكر له عبدالرحمن فقال أبو هريرة: أهما قالتاه لك؟ قال: نعم. قال: هما أعلم. ثم رد أبو هريرة ما كان يقول في ذلك إلى الفضل بن العباس. فقال أبو هريرة: سمعت ذلك من الفضل ولم أسمعه من النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فرجع أبو هريرة عمّا كان يقول في ذلك. رواه مُسلم في صحيحه (2645).
3- وروى أبو عبدالله الحاكم من طريق عروة بن الزبير قال: بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لأن أُمَتَّعَ بسوط في سبيل الله أحب إِلَيَّ من أن أعتق ولد الزنا). وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ولد الزنا شر الثلاثة) -رواهما أبو داود الأول موقوفًا والثاني مرفوعًا (3963). وقال الخطابي في معالم السنن (4/ 73): اختلف الناس في تأويل هذا الحديث: فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما جاء في رجل بعينه كان موسومًا بالشر. وقال بعضهم: إنما صار ولد الزنا شرًّا من والديه؛ لأن الحد قد يُقام عليهما فتكون العقوبة تمحيصًا لهما. وفي مُسند أحمد (2/ 311) عن عا ئشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل عمل أبويه). وفي السنن الكبرى للبيهقي (10/ 59) عن الحسن قال: إنما سُمي ولد الزنا شر الثلاثة: أن امرأة قالت له لست لأبيك الذي تدعي له، فقتلها فسُمي شر الثلاثة.- (وإن الميت يُعذب ببكاء الحي) -شارك أبا هريرة في روايته عمر وابن عمر والمغيرة بن شعبة كما في البُخاري (1286، 1290، 1291)- فقالت عائشة: رَحم الله أبا هريرة أساء سمعًا فأساء إصابة، أما قوله: (لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلىَّ من أن أعتق ولد الزنا). إنها لمّا نزلت: (فَلَا اْقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ) [البلد: 11، 12] قيل: يا رسول الله؛ ما عندنا ما نعتق إلا أن أحدا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو أمرناهن فزنين فجئن بالأولاد فأعتقناهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلىَّ من أن آمر بالزنا ثم أعتق الولد). وأما قوله: (ولد الزنا شر الثلاثة). فلم يكن الحديث على هذا، إنما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (من يعذرني من فلان). قيل: يا رسول الله؛ مع ما به ولد الزنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هو شر الثلاثة). والله عز وجل يقول: (وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى) [الأنعام: 164]. وأما قوله: (إن الميت ليعذب ببكاء الحي). فلم يكن الحديث على هذا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بدار رجل من اليهود قد مات وأهله يبكون عليه فقال: (إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب). والله عز وجل يقول: (لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) [البقرة: 286]. رواه الحاكم في مُستدركه (2/ 234).
ولم يقتصر استدراك أم المؤمنين عائشة على أبي هريرة وحده؛ بل كان لها استدراكات على جمع من الصحابة، جمعها الزركشي في كتابه "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة" وقد جابن الحقُّ عائشة في بعض هذه الاستدراكات لا سيّما فيما اتفق على روايته جماعة من الصحابة.
5- روى البُخاري ومُسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعًا أو ليخلعهما جميعًا). أخرجه البُخاري في صحيحه (5856)، ومُسلم (5617).
ورُوي أن عائشة كانت تمشي في خف واحد وتُنكر على أبي هريرة هذا الحديث. أخرجه ابن أبي شيبة في مُصنفه (5/ 176).
قال ابن عبدالبر في التمهيد (18/ 179): وقد رُوي عن عائشة مُعارضة لأبي هريرة في حديثه، ولم يلتفت أهل العلم إلى ذلك لضعف إسناد حديثها؛ ولأن السنن لا تُعارض بالرأي. وراجع الإجابة ص(114).
قال أبو بكر الجصَّاص في الفصول في الأصول (3/ 129): جعل عيسى رحمه الله ما ظهر من مقابلة السلف لحديث أبي هريرة بقياس الأصول، وتثبتهم فيه علة لجواز مُقابلة رواياته بالقياس، فما وافق القياس منها قبله، وما خالفه لم يقبله، إلا أن يكون خبرًا قد قبله الصحابة فيُتبعون فيه، ولم يجعل حديث أبي هريرة في ذلك كحديث غيره من الصحابة؛ لأنه لم يظهر من الصحابة من التثبت في حديث غيره ومثابلته بالقياس مثل ما ظهر منهم في حديثه، فجعل ذلك أحد الوجوه الموجبة للتثبت في خبره، وعرضه على النظائر من الأصول، فإن لم ترده النظائر من الأصول قبله، وإن كانت نظائره من الأصول بخلافه عمل على النظائر ولم يعمل بالخبر كما اعتبر ابن عباس في روايته في الوضوء مما مست النار بما ذكر من النظائر، وكما فعلت عائشة في مشيها في خف واحد. والأصل في ذلك: أن خبر الواحد مقبول على جهة الاجتهاد وحسن الظن بالراوي كالشهادات، فمتى كثر غلط الراوي وظهر من السلف التثبت في روايته، كان ذلك مسوغًا للاجتهاد في مقابلته بالقياس وشواهد الأصول. اهـ.
هذا أصل قاعدة اشتراط فقه الراوي وهو مبنيٌّ على القول بأن أبا هريرة لم يكن من فقهاء الصحابة، وقد أنكر أهل العلم على الحنفية ذلك القول وأثبتوا خلافه -راجع دفاع عن أبي هريرة ص(225- 246) فقد استوفى الرد على ذلك-، ومن انكر من الحنفية هذا الأصل لم يقل بالقاعدة والعكس صحيح.
والآن دعونا ننتقل إلى بيان مسألة أخرى لصيقة بهذا الموضوع، وهي:

(الترجيح بفقه الراوي)..
وهي أن أبا حنيفة يعتبر فقه الراوي من وجوه الترجيح بين الأحاديث المُتعارضة، فيُقدّم خبر الفقيه على غيره، ولعل هذا من وجوه الترجيح بين الأحاديث المُتعارضة، فيُقدِّم خبر الفقيه على غيره، ولعل هذا من الأسباب التي دعت البعض إلى القول بأن أبا حنيفة يشترط فقه الراوي لتقديم خبره على القياس، أو أن أبا حنيفة يرد خبر الواحد إذا خالف القياس.
اجتمع أبو حنيفة مع الأوزاعي بمكة، فقال الأوزاعي: ما بالكم لا ترفعون عن الركوع والرفع منه. فقال: لأجل أنه لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شئ. فقال الأوزاعي: كيف لم يصح وقد حدثني الزهري عن سالم عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وعند الركوع وعند الرفع منه؟ فقال أبو حنيفة: حدثنا حمّاد عن إبراهيم عن علقمة والأسود عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يرفع يديه إلا عند افتتاح الصلاة ثم لا يعود لشئ من ذلك. فقال الأوزاعي: أُحدثك عن الزهري عن سالم عن أبيه؛ وتقول حدثني حمّاد عن إبراهيم؟ فقال أبو حنيفة: كان حماد أفقه من الزُّهري، وكان إبراهيم أفقه من سالم، وعلقمة ليس بدون من ابن عمر في الفقه، وإن كان لابن عمر صحبة وله فضل صحبة؛ فالأسود له فضل كثير، وعبدُ الله: عبدُ الله. ذكر هذه المُناظرة الكمال ابن الهمام في فتح القدير (1/ 311)، والسرخسي في المبسوط (1/ 14)، والسيد مُحمد مرتضى الزبيدي في كتابه عقود الجواهر المنيفة (1/ 58) نقلًا عن الحارثي في مُسنده.
قال الكمال ابن الهمام بعد ذكر هذه المُناظرة: فرجَّح بفقه الراوي كما رجَّح الأوزاعي بعلو الإسناد، وهذا المذهب المنصور عندنا.
وقال السرخسي: فرجَّح الأوزاعي حديثه بعلو إسناده، ورجَّح أبو حنيفة حديثه بفقه رواته وهو المذهب؛ لأن الترجيح بفقه الرواة لا علو الإسناد.
وقال الفخر البزدوي: قصرت رواية من لم يُعرف بالفقه عند مُعارضة من عُرف بالفقه في باب الترجيح، وهذا مذهبنا في الترجيح. راجع: كشف الأسرار (2/ 397)، والكافي (3/ 1272).
وقال علي القاري في شرح النُخبة ص(104): المذهب المنصور عند علمائنا الحنفية: الأفقهية دون الأكثرية.
وقال الحازمي في الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار ص(39): الوجه الثالث والعشرون -أي من وجوه الترجيح-/ أن يكون رواة أحد الحديثين -مع تساويهم في الحفظ والإتقان- فقهاء عارفين باجتناء الأحكام من مثمرات الألفاظ؛ فالاسترواح إلى حديث الفقهاء أَوْلَى.
وحكى علي بن خشرم قال: قال لنا وكيع: أي الإسنادين أحب إليكم؟ الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله؟ أو سُفيان عن منصور عن إبراهيم عن علقمة؟ فقلنا: الأعمش عن أبي وائل عن عبدالله. فقال: يا سُبحان الله؛ الأعمش شيخ وأبو وائل شيخ وسُفيان فقيه ومنصور فقيه وإبراهيم فقيه وعلقمة فقيه، وحديث تتداوله الفقهاء خير من أن تتداوله الشيوخ. رواه الحاكم في معرفة علوم الحديث ص(11) وذكره ابن الأثير في جامع الأصول (1/ 62) ثم قال: فهذا من طريق الفقهاء رباعي إلى ابن مسعود وثنائي من طريق المشايخ، ومع ذلك قدّم الرباعي لأجل فقه رجاله.
وقال السيوطي في تدريب الراوي (2/ 198): ثالثًا -أي من وجوه الترجيح-/ فقه الراوي؛ سواء كان الحديث مرويًّا بالمعنى أو باللفظ؛ لأن الفقيه إذا سمع ما يمتنع حمله على ظاهره بحث عنه حتى يطلع على ما يزول به الإشكال بخلاف العامي.
وقال أبو زهرة بعد مناظرة أبي حنيفة والأوزاعي: وهذه المُناظرة تدل على أن أبا حنيفة كان يُلاحظ فقه الراوي عند الترجيح فهو يُقدِّم رواية الأفقه على من دونه فقهًا، ولذلك تقصر رواية غير الفقيه عن أن تُعارض رواية الفقيه؛ إذ الأول أشد وعيًا وأقوى ضبطًا وأكمل إدراكًا وأَوْلَى بالاتباع. وانظر: أبو حنيفة ص(245).

ولخشية الإطالة في تفصيل تلك المسألة عمومًا وتحرير مذهب أبي حنيفة في تقديم الخبر على القياس خصوصًا؛ أعزو القارئ الكريم إلى مُراجعة كتاب منهج الحنفية في نقد الحديث الفصل الخامس: تقسيم الراوي الذي جعل خبره حجة. والصفحات من (255) إلى (284) عمومًا وخصوصًا الصفحات (257) إلى (274).

والله ولي التوفيق،،

عمرو بن الحسن المصري
14-01-10 ||, 10:52 PM
السلام عليكم

تَحْرِيرُ مَسْأَلَةِ ’’الْتَرْجِيحُ بِفِقْهِ الرَّاوِي‘‘ .. عِنْدَ الحَنَفِيَّةِ،، (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)