المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : موقف أهل الظاهر من الرأي



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-06-13 ||, 07:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


المسألة الأولى : تعريف الرأي.

الرأي في اللغة : التفكر. ويأتي في الإصطلاح بمعنيين :
المعنى الأول : العلم والإعتقاد الصحيح كقوله تعالى :"ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق.
المعنى الثاني : القول الذي لا يستند إلى برهان من نصوص الشرع .وهذا المعنى هو المعنى السائد لمصطلح الرأي.

المسألة الثانية : سبب إبطال أهل الظاهر للرأي.

يعتقد أهل الظاهر أن الظن والقول الذي لا يسنده دليل حرام في الشرع لقوله تعالى :"إن الظن لا يغني من الحق شيئا" فقالوا : لا بد من طلب البرهان واليقين في كل شئ لقوله تعالى :"قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين" .
وقد نظروا في النصوص فوجودها مانعة من القول على الله تعالى أو رسوله بغير علم , بل النصوص آمرة باتباع ما جاء به الرسول عن ربه فقط , قال تعالى : "وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول". أما الآراء فلا هي طاعة لله ولا طاعة لرسوله بل اتباع لهوى النفس..
فإما أن يتبع الإنسان حكم ربه وإما أن يتبع رأيه ولا سبيل إلى شئ ثالث , فيحتج أهل الظاهر على أهل الرأي : الله تعالى حرم القول بالرأي الذي لا يسنده دليل , والنبي عليه السلام حرم التقول كذلك والصحابة نهوا عن الرأي والتابعون مثلهم , فكيف تقولون به وتمدحونه وتجعلون لأهل الرأي مزية وفضيلة؟ .
فيستدلون بحديث معاذ في الرأي وفيه :"أجتهد رأيي ولا ألو" وهذا الحديث ساقط فقد ضعفه عامة اهل الحديث قال الترمذي :"وليس إسناده بمتصل" وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية :"لا يصح وإن كان عامة الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم " .
ويستدلون بقوله تعالى :"الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" وهذه الآية حجة عليهم لا لهم , وذلك أن الضمير في "أحسنه" راجع إلى "القول" فيكون المعنى : مدح الذين يستمعون نصوص الوحي فيتبعون أحسنها .
ثم يستدلون ببعض ما جاء عن الصحابة من الأخذ بالرأي , وهذا من انعدام الأمانة العلمية فإنهم يغفلون عن كثرة الآثار الواردة عنهم الناهية عن الرأي والقياس , وما يذكر من أخذ بعضهم بالرأي فلا يصلح أن يجعل أصلا للإستنباط لجواز الخطأ عليهم , ولأنهم كانوا ينهون عن أن يقلدهم أحد في رأيهم الذي رأوه, ثم لأن كل واحد منهم قد حفظ عنه ذم القول بالرأي..ولقد قال عثمان رضي الله عنه في رأي رآه :" فقال أنهيت عنها إني لم أنه عنها إنما كان رأيا أشرت به فمن شاء أخذه ومن شاء تركه"


ثم إن أهل الظاهر يحتجون عليهم بقول المعصوم الذي لا تنبغي مخالفته إذ يقول-فيما رواه البخاري-:إن الله لا ينزع العلم انتزاعا ولكن ينزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون".
ولقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مصيبا؛ لأن الله كان يريه، وإنما هو منا الظن والتكلف"
قال ابن القيم رحمه الله :" مراد عمر رضي الله عنه قوله تعالى إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله فلم يكن له رأي غير ما أراه الله إياه وأما ما رأى غيره فظن وتكلف"

ولقول الحسن البصري : "إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا".
ولقول ابن شهاب الزهري:" إياكم وأصحاب الرأي أعيتهم الأحاديث أن يعوها"

المسألة الثالثة : هل يوجد رأي حسن ؟ :

نقل عن عبد الله بن المبارك رحمه الله وغيره أنه قال : "ليكن الذي تعتمد عليه هذا الأثر، وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث" وقد سبق وقلنا أن معنى الرأي في اللغة التفكر فيكون المعنى هنا : أن تستعين بالفكر الثاقب والبصيرة النافذة في النظر في النصوص والجمع بينها واستنباط الأحكام الدقيقة التي تحتاج لتمعن وذكاء وروية , فهذا هو الرأي الذي يفسر الحديث وليس الرأي الذي هو مجرد تحكم من الشخص لا يستند فيه إلى نص شرعي من كتاب ولا سنة. ولذلك يقال : فلان ذو رأي . أي ذو نظر ثاقب وفهم مليح.

المسألة الرابعة : حقيقة مذهب أهل الظاهر من الرأي :

اتفق أهل الظاهر قديما وحديثا على أن القول بالرأي حرام لا يجوز, ما خالف في ذلك احد اصلا ..وما أبطلوا القياس إلا لأنه فرع من فروع القياس ولذلك صح عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال لأبي حنيفة :"اتق الله فإنا نقف نحن ومن خالفنا بين يدي الله فنقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول أنت وأصحابك : رأينا وقسنا , فيفعل الله بنا وبكم ما يشاء" .

المسألة الخامسة : الأدلة الواضحة على بطلان القول بالرأي :

أولا : من كتاب الله :

- قال تعالى :"ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب".
ومعلوم أن الرأي شرع من دون الله إذ الله تعالى أمرنا باتباع وحيه فقط , فلما نقول في الدين برأينا حلا وحرمة وننسب الحكم إلى الشرع نكون قد افترينا على الله الكذب لأنه لم يقل ذلك ومالم يقله تعالى فواجب اطراحه.
- قال تعالى :" َها أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ".
هذه الآية صريحة في عدم القول في مسألة ما باي شئ حتى يكون لنا بها علم , من كتاب أو سنة لأن الله تعالى قال : "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا".

ثانيا : من السنة :

عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال" رواه الطبراني والحاكم وصححه على شرط الشيخين وابن عبد البر وغيرهم.
ففي الحديث نهي عن الراي وعن القياس , إذ القياس فرع عن القول بالرأي لأنه ليس حكم الله ولا حكم رسوله فهو رأي وظن, وقد روى ابن القاسم عن مالك رحمه الله أنه كان يقول :" إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين".

ثالثا : من أقوال السلف:

ونحن نستدل بأقوال السلف لأن أهل الرأي يرونها حجة -لكن منهجهم العام حجة لاتنكر-, فنقول:

-قال ابن عباس رضي الله عنهما :" قال من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنة من رسول الله ص - لم يدر على ما هو منه إذا لقي الله عز و جل"
- قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه :" قال أصبح أهل الرأي أعداء السنن أعيتهم أن يعوها وتفلتت منهم أن يرووها فاستبقوها بالرأي "
- وعنه قال : "أيها الناس اتهموا الرأي في الدين"
- قال ابن مسعود رضي الله عنه :" قال لا يأتي عليكم عام إلا وهو شر من الذي قبله أما أني لا أقول أمير خير من أمير ولا عام أخصب من عام ولكن فقهاؤكم يذهبون ثم لا تجدون منهم خلفا ويجيء قوم يقيسون الأمور برأيهم"