المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقه المآل بين أهل الظاهر وغيرهم



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-06-17 ||, 01:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه .



أما بعد :



فإن من القضايا الأصولية التي لاقت رواجا واهتماما متزايدا هذه الأيام , ما اصطلح على تسميته ب: فقه المآل. وإن النظر في هذا المفهوم كان موجودا فيما كتبه القدماء من أهل الأصول , لكنه لم يكن بالشكل الذي عليه اليوم...

وكحال كل قضية اصولية وجه إليها المتكلمون أنظارهم , فلا بد وأنها بنيت على مبادئ أصولية معروفة عندهم لم يوافقهم فيها أهل الظاهر لمخالفتها الصريح المنصوص عليه من الكتاب و السنة...

وفي موضوعي هذا عدة قضايا, اعرضها على المشايخ لعلني أكون واهما في بعض ما ذكرت :

القضية الأولى : معنى فقه المآل عند المتكلمين.

القضية الثانية : أهداف العمل به عند المتكلمين.

القضية الثالثة: مراتبه من جهة القطع والظن عند المتكلمين.

القضية الرابعة : موقف أهل الظاهر من معنى فقه المآل ومن مراتبه من جهة الإعتبار والرفض.

القضية الخامسة : ضوابط العمل بالمآل.





*****



القضية الأولى : معنى فقه المآل.


قد تقرر أن البحث عن الإصطلاحات خطوة علمية مهمة للوصول إلى الحق في المسألة,فمن خلاله يمكن أن نعرف هل الخلاف حقيقي أم وهمي , ومدى عمقه , وكما يقال فلا حجر على الإصطلاحات بعد فهم المعنى.

أما عن مفهوم المآل لغة :



فإنه يأتي بعدة معان أنسبها في مقامنا هذا معنى : الرجوع , وهو معنى منقول عن الإمام ابن الأعرابي رحمه الله [1].



وأما المعنى الإصطلاحي :



"الحكم على مقدمات التصرفات بالنظر إلى نتائجها"[2]. وأورد عليه اعتراضات –كعادتهم- لكنها لا تهمنا الآن فالغرض هو فهم المعنى العام .

وقيل :" تنقيح مناط التصرف بالنظر إلى ما يؤول إليه المناط المآلي" .

علل هولاء قولهم بأن المجتهد ينظر في مناطين : حالي ومآلي, فيوازن بين المناطين فإن رأى مصلحة في المناط المآلي وضررا في المناط الحالي متيقنا أو متوقعا حكم به وأعمله.



القضية الثانية : أهداف العمل به .



لإعتبار المآل ارتباط وثيق بالمصالح والمفاسد , فإن الغرض منه الموازنة بين المصالح والمفاسد , تترتب عليها جلب المصلحة ودفع المفسدة المتوقعة أو المتيقنة, وهذا هو الهدف الذي حققته الشريعة الإسلامية , يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه :" أن الشريعة مبناها على تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها".

كما أن النظر المآلي يعمد إلى الذرائع المفضية إلى ما يخالف قصد الشارع فيبطلها , وإلى ما يوافق قصده فيفتحها ..فإذا كان عمل ما ذريعة إلى محظور –متوقع أو متيقن- فإنه يحرم عملا بهذا النظر المآلي...



القضية الثالثة: مراتبه من جهة القطع والظن.



تنقسم الذرائع إلى قسمين : 1- قطعية الإفضاء . 2- ظنية الإفضاء.

فأما الصنف الأول فمجمع على وجوب مراعاته وقد" نص الشاطبي على ترجيح المنع من الذريعة التي يكون هذا مآلها , دون نظر إلى أصل الإذن أو براءة المتذرع من القصد السئ والبواعث الممنوعة "[3]. ومنه قاعدة "ما أدى إلى محرم فهو حرام".

أما الصنف الثاني فينقسم إلى قسمين :

1-غالب الإفضاء : وقد ألحقه المالكية والحنابلة بقسم القطعي الإفضاء , جريا على اصلهم في اعتبار الظن واقع في طريق العلم .[4] ومن الأمثلة التي تصلح في هذا المقام : بيع العنب للخمار وبيع السلاح وقت الفتن..

وخالفهم الحنفية والشافعية فلم يلحقوه بالقطعي الإفضاء ولم يراعوه من جهة العموم , وإلا فإن الشافعية يرون كراهة بعض ما يؤدي إلى لإفضاء غالب[5]. ويلحق به ما كان غير غالب الإفضاء فإن الشافعي وأبا حنيفة اعتبرا منعه ترجيحا بلا مرجح . وأما مالك فكان أكثر اعتمادا عليه من الحنابلة .[6]

2- ناذر الإفضاء : كحفر البئر في المكان الذي لا تطئه الأقدام إلا في القليل النادر جدا , ومذهب الجماهير من أهل العلم , أنه باق على أصله في الإباحة[7].





القضية الرابعة : موقف أهل الظاهر من معنى فقه المآل ومن مراتبه :



الذي يظهر – والله أعلم- أن أهل الظاهر لا يعترضون –بالجملة- على شئ من حدود "اعتبار المآل" , إلا شيئا واحدا : وهو زيادة قيد في التعريف يجعله واضحا , فإذا أخذنا على سبيل المثال التعريف الأول الذي أوردته : "الحكم على مقدمات التصرفات بالنظر إلى نتائجها". فإنني لا أستطيع أن أسلم لأحد به هكذا مخافة أن يلزمني بإلزامات كنت في غنى عنها لو وضعت شرطي في الحد , وهو كالتالي :"الحكم على مقدمات التصرفات بالنظر إلى نتائجها المتيقنة" , فكلمة المتيقنة هي "الهادم-الباني" لكل ما قالوه مما سبق وأن أوردته.

قد يقول أحد الأفاضل : زيادتك لكلمة" المتيقنة" لغو إذ كنتم تبطلون سد الذرائع بالجملة وتعتبرونه تشريع من دون الله , وهذا هو المفهوم من كلام ابن حزم.

فيقال له : بل هذا خطأ , فإن ابن حزم نفسه اشترط التيقن فقط , ألا تسمع إلى قوله:"فكل من تحكم بتهمة أو احتياط لم يستيقن أمره أو بشئ خوف ذريعة إلى مالم يكن بعد, فقد حكم بالظن , وإذا حكم بالظن فقد حكم بالكذب والباطل"[8]. فواضح من كلام الإمام أنه يشترط التيقن من هذا الإحتياط قبل الحكم عليه بشئ.



ومما ينبني على ما ذكرته الآن امور :



1- اعتبار المآل الجالب للمصالح المتيقنة الدافع للمفاسد المتيقنة , اصل معتبر, دلت عليه النصوص قال تعالى :" وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" قال الإمام ابن حيان الظاهري مفسرا للآية :" لما نهى عن الاعتداء بأمر بالمساعدة والتظافر على الخير ، إذ لا يلزم من النهي عن الاعتداء التعاون على الخير ، لأنّ بينهما واسطة وهو الخلو عن الاعتداء والتعاون. وشرح الزمخشري البر والتقوى بالعفو والإغضاء ، قال : ويجوز أن يراد العموم لكل بر وتقوى ، فيتناول العفو انتهى. وقال قوم : هما بمعنى واحد "[9]



2- الذرائع القطعية الإفضاء : واجب اعتبارها , لما فيها من إلحاق الضرر المؤكد بالمسلمين وغيرهم , وهو نوع من الظلم نهينا عنه في غيرما آية وغيرما حديث . وليس هنا شئ من إعمال الراي أو غيره , فإن حفر بئر في قارعة الطريق مفض حتما بأحد الناس إلى الوقوع فيه , وهذا عمل فاسد (جريمة) حرم علينا اقترافه.



3- الذرائع الظنية الإفضاء بشقيها الغالب وغير الغالب: يحرم الحكم باطرادها في حق كل الناس , لكوننا لا نعلم هل كل مشتر للعنب سيصنع به خمرا وكل مشتر لسلاح أنه سيقتل به ...فإذا تيقنا من فلان بعينه أنه سيقتل حرم سدت الذريعة آنذاك في وجهه.



القضية الخامسة : ضوابط العمل بالمآل:



يشترط الجمهور[10] :

• أن يكون الوقوع راجحا.
• أن يكون الأمر المتوقع منضبط المناط والحكم.
• أن لا يوقع إعمالُ مناط المآل في مآلٍ أعظمَ منه.



ويشترط أهل الظاهر :

· يقينية الوقوع.

· اقتصار الحكم على الموضوع والأشخاص المتيقن من أمرهم.

· أن لا يوقع إعمال مناط المآل في مآل أعظم منه .



والفرق بيننا وبينهم :



1-أن عدم اشتراطهم لليقينية أداهم للقول بالأرجحية واشتراط أهل الظاهر لليقين أداهم للقول باليقينية.

2-أن اشتراط أهل الظاهر لليقين جعلهم يفرقون بين ذريعة متيقنة في حق شخص غير متيقنة في حق الجمع الكبير فيقتصر بالحكم على المتيقن من أمره كمسألة بيع العنب في مجتمع اشتهر بصناعة الخمر مثلا..أم الجمهور فقولهم بالأرجحية جعلهم لا يفرقون.



3- ونتفق معهم في الشرط الثالث , فمثلا : قد نضطر إلى استعمال وسيلة محرمة الأصل للوصول إلى مصلحة راجحة –كما نص على ذلك القرافي وغيره- كأن ندفع لأهل الكفر مالا كي يكفوا عن تعذيب أسارى المسلمين . أو أخذ ضريبة من السكان لمواجهة وباء قد انتشر أو فصلاح مرافق عامة ...


والله تعالى أعلم.


--------------------------------------------------------------------------------

[1] - تهذيب اللغة للأزهري , مادة / آل.

[2] - اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات ص 19

[3] - السابق ص 27

[4] - نهاية السؤل للإسنوي ( تجد كلامه في هذه النقطة عند حديثه على حد الفقه ورد على الإعتراضات )

[5] - اعتبار المآل ص 29

[6] - السابق.

[7] - السابق.

[8] - اتلإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ص795 ط.دار الحديث.

[9] - البحر المحيط.

[10] - من أحد المقالات المنشورة بالنت.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-06-17 ||, 02:27 PM
[10] - من أحد المقالات المنشورة بالنت.

بارك الله فيكم ونفع بكم.
سؤال: هل يصح التوثيق بهذه الطريقة؟

سومة البجيتي
14-08-09 ||, 08:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم بارك الله فيكم ..ولكن هل من يفيدني عن تعدد مرجعية الإفتاء في البلد الواحد أو المصر الواحد ؟؟؟؟

عمر إبراهيم العراقي
15-10-21 ||, 12:32 PM
بارك الله فيكم

نريد أمثلة تطبيقة موسعة من القرآن الكريم أو السيرة النبوية أو سير الصحابة على اعتبار المآل في الأحكام الشرعية

أسماء عمار
16-01-20 ||, 10:27 PM
أحسن الله إليكم

كامل محمد عامر
16-02-10 ||, 05:24 PM
إن قضية سد الذرائع أشبه ما تكون بقاعدة فقهية استنبطها الفقهاء من جزئيات كثيرة فكأنها على حد تعبير الشاطبى "استقراء لجزئيات" ولكنه استقراء غير كامل وعليه كما يقول علماء الأصول المحدثين فلا يصح أن نبنى عليها أحكاماً وقد ذكر الشاطبى فى كتاب الموافقات أن شرط قبول القاعدة أو العلم أن تتصف بالعموم والاضطراد وأن تتصف بالثبات وأن تكون حاكمة لا محكوم عليها فإذا طبقنا هذا على قاعدة سد الذرائع فنجدها غير مطردة وغير ثابتة. فهل تعتبر هذه القواعد الفقهية أحد أدلة الأحكام فيستند إليها عند عدم وجود نصّ أو إجماع في المسألة؟ وبعبارة أخرى: هل يجوز أن تجعل القاعدة الفقهية دليلاً شرعياً يستنبط منه حكم شرعي؟ ففي التقرير الذي صدِّرت به مجلة الأحكام العدلية قالوا: "فحكام الشرع ما لم يقفوا على نقل صريح لا يحكمون بمجرد الاستناد إلى واحدة من هذه القواعد. [مجلة الأحكام العدلية صـ 10 مع شرح على حيدر المسمى "درر الحكام شرح مجلة الأحكام"]. وقال ابن نجيم في الفوائد الزينية كما نقله عنه الحموي في مقدمة [غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر (1/ 37)] : "لا يجوز الفتوى بما تقتضيه الضوابط لأنها ليست كلية بل أغلبية"[غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر المؤلف: أحمد بن محمد مكي، أبو العباس، شهاب الدين الحسيني الحموي الحنفي (المتوفى: 1098هـ)]
فكأن كل مسألة قضية مستقلة نبحث عن دليل مفصل لها كما قالوا فى تعريف الفقه "العلم بالأحكام العملية من أدلتها التفصيلية" فلا تكون القواعد دليل نرجع اليه وهنا يمكن أن نستأنس بالحديث الذى رواه مسلم عَنْ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ فَقَالَ "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ"[ صحيح مسلم :كِتَاب الْبِرِّ وَالصِّلَةِ وَالْآدَابِ بَاب تَفْسِيرِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ]
الأدلة على عدم الأخذ بقاعدة سد الذرائع
عن زَكَرِيَّاء عَنْ عَامِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ "[البخاري: كِتَاب الْإِيمَانِبَاب فَضْلِ مَنْ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ]
قَوْلُهُ (لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ) أَيْ لَا يَعْلَمُ حُكْمَهَا وفِي رِوَايَةِ للتِّرْمِذِيِّ (لَا يَدْرِي كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَمِنَ الْحَلَالِ هِيَ أَمْ مِنَ الْحَرَامِ) وَمَفْهُومُ
قَوْلِهِ: (كَثِيرٌ) أَنَّ مَعْرِفَةَ حُكْمِهَا مُمْكِنٌ لَكِنْ لِلْقَلِيلِ مِنَ النَّاسِ وَهُمُ الْمُجْتَهِدُونَ [فتح الباري لابن حجر]
فَالشُّبُهَاتُ عَلَى هَذَا فِي حَقِّ غَيْرِ المجتهدين؛ وليست فى حق جميع الناس. وهذا حض منه عليه السلام على الورع، ونص جليّ على أن ما حول الحِمى ليست من الحِمى، وأن تلك المشتبهات ليست بيقين من الحرام.
ويقول تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ } [الأنعام: 119] فما لم يفصل فهو حلال بقوله تعالى:{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } [البقرة: 29] وهذا مستحب للمرء خاصة فيما أشكل عليه. وهذا الحديث ينفى قاعدة تحريم المباح خيفة الوقوع فى الحرام فإن ما يوقن تحليله فلا يزيله الشك عن ذلك
ومن حرم المشتبه خيفة الوقوع فى الحرام وأفتى بذلك وحكم به على الناس فقد زاد في الدين ما لم يأذن به الله تعالى
ويدل على عدم اضطراد هذه القاعدة حديث عَائِشَة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا فَقَالَ "سَمُّوا عَلَيْهِ أَنْتُمْ وَكُلُوهُ" قَالَتْ وَكَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِالْكُفْرِ [البخاري: كِتَاب الذَّبَائِحِ وَالصَّيْدِ بَاب ذَبِيحَةِ الْأَعْرَابِ وَنَحْوِهِمْ]
فيجب أن نحض الناس على الورع كما حضهم النبي ونندبهم إليه، ونشير عليهم باجتناب ما حاك في النفس، ولا نقضي بذلك على أحد ولا نفتيه به فتيا إلزام، كما لم يقض بذلك رسول الله على أحد.
وقد احتج العض بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ } [البقرة: 104] قالوا: فنهوا عن لفظة { رَاعِنَا } لتذرعهم بها إلى سب النبي عليه السلام. و هذا لا حجة فيه؛ لأن الحديث الصحيح قد جاء بأنهم كانوا يقولون: راعنا من الرعونة، وليس هذا مسنداً، وإنما هو قول لصاحب ولاحجة في قوله، لأنه أخبر عما عنده، ولم يسند ذلك إلى النبي وهذه الآية ليس فيها دليل على سد الذرائع لأنهم إذ نهوا عن قول {راعنا}، وأمروا بأن يقولوا { انْظُرْنَا } ، ومعنى اللفظين واحد، فقد صح بلا شك أنه لا يحل تعدي ظواهر الأوامر بوجه من الوجوه، وهذه حجة قوية في إبطال القول بالقياس وبالعلل، وبالله تعالى التوفيق. وأيضاً فإنما أمر الله تعالى (بأن لا يقولوا: {رَاعِنَا} وأن يقولوا {انْظُرْنَا}) المؤمنين الفضلاء أصحاب رسول الله المعظمين له، الذي لم يعنوا بقول: {رَاعِنَا} قط الرعونة، وأما المنافقون الذين كانوا يقولون: {رَاعِنَا} يعنون من الرعونة، فما كانوا يلتفتون إلى أمر الله تعالى، ولا يؤمنون به.
وقد قال بعض الصحابة في الحُمُر، إنما حرمت لأنها كانت حمولة الناس، وقال بعضهم: إنما حرمت لأنها كانت تأكل القذر، وكلا القولين غير صواب، لأن الدجاج تأكل من القذر ما لا تأكله الحمير، ولم يحرم قط الدجاج والناس كانوا أفقر إلى الخيل للجهاد منهم إلى الحمير، وقد أباح أكل الخيل في حين تحريمه الحمير، فبطل كلا القولين.
قول الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ }[النحل: 116]. وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ }[يونس: 59] .
فصح بهاتين الآيتين أن كل من حلل أو حرم ما لم يأت بإذن من الله تعالى في تحريمه أو تحليله فقد افترى على الله كذباً، ونحن على يقين من أن الله تعالى قد أحل لنا كل ما خلق في الأرض، إلا ما فصل لنا تحريمه بالنص لقوله تعالى: { وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ }[الأنعام: 119]
فبطل بهذين النصين الجليين أن يحرم أحد شيئاً باحتياط أو خوف تذرع.
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من توهم أنه أحدث ألا يلتفت إلى ذلك، وأن يتمادى في صلاته، ، هذا في الصلاة التي هي أوكد الشرائع، حتى يسمع صوتاً أو يشم رائحة "فعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ح وَعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّجُلُ الَّذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَا يَنْفَتِلْ أَوْ لَا يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" [البخاري:كِتَاب الْوُضُوءِبَاب مَنْ لَا يَتَوَضَّأُ مِنْ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ]
فلو كان الحكم بالاحتياط حقاً لكانت الصلاة أولى ما احتيط لها، ولكن الله تعالى لم يجعل لغير اليقين حكماً. فوجب أن كل ما تيقن تحريمه فلا ينتقل إلى التحليل إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وكل ما تيقن تحليله فلا سبيل أن ينتقل إلى التحريم إلا بيقين آخر من نص أو إجماع، وبطل الحكم بالإحتياط. وصح أن لا حكم إلا لليقين وحده
والاحتياط كله هو ألا يحرم المرء شيئاً إلا ما حرم الله تعالى، ولا يحل شيئاً إلا ما أحل الله تعالى.