المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من أكل أو جامع يظن الشمس قد غربت أو أن الفجر لم يطلع فبان خلافه!!



أبوبكر بن سالم باجنيد
09-07-16 ||, 02:52 AM
من أكل يظنه ليلاً فبان نهاراً فسد صومه على المشهور في المذاهب الأربعة؛ إذ نفي الإثم لا يلزم منه سقوط القضاء، وهو أيضاً قول ابن عباس ومعاوية وسعيد بن جبير والزهري وسفيان الثوري.

وذهب شيخ الإسلام إلى أنه يتم صومه ولا قضاء عليه، وهو قول الظاهرية، وإسحاق بن راهويه، وحكي عن عطاء وعروة بن الزبير والحسن البصري ومجاهد.

ويؤيد قول الجمهور ما يلي:
1- عن أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غيم، ثم طلعت الشمس. قيل لهشام بن عروة: فأُمِروا بالقضاء؟ قال: بُدٌّ من قضاء. البخاري.

فإن قيل: جاء عن هشام أنه قال: لا أدري أقضوا أم لا؟

فالجواب: أن الرواية الأولى أشهر، وعليها الأكثر..قال العيني: (وفي رواية الأكثرين: بد من قضاء).

وإن قيل: قال ابن خزيمة -رحمه الله- في صحيحه: (ليس في هذا الخبر أنهم أمروا بالقضاء. و هذا من قول هشام : "بد من ذلك" لا في الخبر. و لا يبين عندي أن عليهم القضاء).
وقال ابن تيمية رحمه الله: (فلو أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء لشاع ذلك كما نقل عن فطرهم، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه لم يأمرهم به).

فالجواب عما قالوه: أنه على فرض أن قول هشام هذا هو محض اجتهاد، وهو وارد، إلا أن عدم النقل لا يعني نقل العدم. والأصل هنا بدليل الوضع: القضاء، ولا عبرة بالظن البيِّـن خطـؤه..

ولبيان عدم صحة استدلال المسقطين للقضاء بهذا الدليل.. نقول كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (حديث أسماء لا يحفظ فيه إثبات القضاء ولا نفيــه، وقد اختلف في هذه المسألة).

2-عن زيد بن أسلم عن أخيه خالد: أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أفطر في رمضان في يوم ذي غيم، ورأى أنه قد أمسى وغابت الشمس، فجاءه رجل فقال: يا أمير المؤمنين قد طلعت الشمس، فقال عمر: الخَطْب يسير، وقد اجتهدنا. مالك في الموطأ.

قال مالك والشافعي: الخطب يسير – يعني قضاء يوم مكانه. وقد رواه حنظلة قال: كنت عند عمر -رضي الله عنه- في رمضان فأفطر وأفطر الناس، فصعد المؤذن ليؤذن، فقال: أيها الناس، هذه الشمس لم تغرب، فقال عمر: من كان أفطر فليصم يوماً مكانه. البيهقي وغيره.

وقال العيني: وعن عمر بن الخطاب روايتان في القضاء، وعن عمر أنه قال: من أكل فليقض يوماً مكانه. رواه الأثرم.
وذكر ابن بطال في شرحه على البخاري أن الرواية بالقضاء عن عمر جاءت من رواية أهل الحجاز وأهل العراق.

وأما ما أخرجه عبدالرزاق من أن عمر قال: والله لا نقضيه، والله ما تجانفنا لإثم. فقد قال البيهقي:
(وكان يعقوب بن سفيان الفارسي يحمل على زيد بن وهب بهذه الرواية المخالفة للروايات المتقدمة ويعدها مما خولف فيه، وزيد ثقة إلا أن الخطأ غير مأمون).

ورجح البيهقي اللفظ الذي جاء عن عمر: (الخطب يسير، نقضي يوماً).
وقال: (وفي تظاهر هذه الروايات عن عمر رضي الله عنه في القضاء دليل على خطأ رواية زيد بن وهب في ترك القضاء).

ولكنَّ ابن القيم -رحمه الله- رد كلام البيهقي -رحمه الله- بقوله: (وفيما قاله نظر ،فإن الرواية لم تتظاهر عن عمر بالقضاء ، وإنما جاءت من رواية علي بن حنظلة عن أبيه، وكان أبوه صديقا لعمر، فذكر القصة وقال فيها : " من كان أفطر فليصم يوما مكانه " ولم أر الأمر بالقضاء صريحا إلا في هذه الرواية.
وأما رواية مالك فليس فيها ذكر للقضاء ولا لعدمه، فتعارضت رواية حنظلة ورواية زيد بن وهب ، وتفضلها رواية زيد بن وهب بقدر ما بين حنظلة وبينه من الفضل .
وقد روى البيهقي بإسناد فيه نظر عن صهيب : أنه أمر أصحابه بالقضاء في قصة جرت لهم مثل هذه . فلو قدر تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء ،لأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم ،ولو أكل نسيا لصومه لم يجب عليه قضاؤه والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي ،فإن كل واحد منهما قد فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله ،وقد استويا في أكثر الأحكام وفي رفع الآثار، فما الموجب للفرق بينهما في هذا الموضع ؟
وقد جعل أصحاب الشافعي وغيرهم الجاهل المخطئ أولى بالعذر من الناسي في مواضع متعددة . وقد يقال إنه في صورة الصوم أعذر منه ، فإنه مأمور بتعجيل الفطر استحبابا ،فقد بادر إلى أداء ما أمر به واستحبه له الشارع فكيف يفسد صومه ؟ وفساد صوم الناسي أولى منه ،لأن فعله غير مأذون له فيه ،بل غايته أنه عفو ،فهو دون المخطئ الجاهل في العذر).

وابن تيمية -رحمه الله- يقول عن عدم القضاء: (وهو الثابت عن عمر، وقال به طائفة من السلف والخلف).

فدل على الاختلاف على عمر، وإن كانت الرواية الأشهر عنه: القضاء.

3- القياس على ما إذا غُمَّ الهلال فأفطرواْ، ثم تبين لهم أنه أول أيام رمضان، أن عليهم القضاء، وحكي اتفاقاً.

4- أنه لا يشبه الناسي؛ إذ كان بإمكانه التحرز بأن يمسك إلى أن يعلم، فأصبح مفطراً بفعله ولم يسقط عنه القضاء.

قال ابن القيم في "تهذيب السنن": (ولو قد تعارض الآثار عن عمر لكان القياس يقتضي سقوط القضاء؛ لأن الجهل ببقاء اليوم كنسيان نفس الصوم، ولو أكل ناسياً لصومه لم يجب عليه قضاؤه، والشريعة لم تفرق بين الجاهل والناسي؛ فإن كل واحد منهما فعل ما يعتقد جوازه وأخطأ في فعله، فهذا أطعمه الله وسقاه بالنسيان، وهذا أطعمه الله وسقاه بإخفاء النهار).

قلت: هذا القياس على الناسي هو قياس مع الفارق كما بينا؛ فمسألتنا ليست في جاهلٍ بالحــكم، بل جاهلٍ بالزمن قادر على التحرز.

5- أن ما استدل به المسقطون للقضاء من عمومات دالة على نفي الإثم والمؤاخذة.. كقول الله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا }، وحديث: ( رُفِع عن أمتي الخطأ والنسيان ) لا تنهض للدلالة على إسقاط القضاء.

ولا شك أن المخطئ تلحقه غرامات المتلفات وتلزمه الكفارات في الشرع، فقاتل الخطأ تلزمه الكفارة مثلاً..

قال الحافظ ابن رجب -رحمه الله- في "جامع العلوم والحِكَم":

(الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئاً، فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فيصادف قتله مسلماً.
والنسيان: أن يكون ذاكراً لشيء، فينساه عند الفعل.

وكلاهما معفو عنه، يعني: أنه لا إثــم فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، كما أن من نسي الوضوء ولو ظاناً أنه متطهر، فلا إثم عليه بذلك، ثم إن تبين له أنه كان قد صلى محدِثاً فإن عليه الإعادة..)

إلى أن قال: (ولو ترك الصلاة ناسياً ثم ذكر فإن عليه القضاء)

وذكر فروعاً في النسيان حصل الخلاف في لزوم الحكم فيها، ومنها:
ترك التسمية على الوضوء نسياناً لو قلنا بوجوبها،
وترك التسمية على الذبيحة نسياناً،
ولو صلى حاملاً نجاسة لا يعفى عنها ناسياً ثم علم بها هل تلزمه الإعادة؟،
ولو أكل في صيامه ناسياً أو جامع ناسياً هل يبطل صيامه؟،
ولو حلف لا يفعل شيئاً ثم فعله ناسياً هل يحنث؟،

إلى أن قال: (ولو قتل مؤمناً خطأً فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ يظنه أنهمال نفسه)

ثم قال : ( والأظهر -والله أعلم- أن الناسي والمخطئ إنما عفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما؛ لأن الإثم مرتب على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصد لهما فلا إثم عليهما. وأما رفع الأحكام عنهمـا فليس مراداً من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخــر ).


6- لهذه المسألة نظائر جاء بها الشرع؛ فلو اجتهد فصلى المغرب، فبان أن الشمس لم تغرب لزمته الإعادة، فكذلك هنا، بعلة أنها عبادة على البدن مؤقتة بزمان يصل إليه يقيناً، والشرع لا يفرق بين متماثلين.

وأما ما استدل به القائلون بعدم لزوم القضاء من حديث فرض عاشوراء؛ فيجاب عنه بأحد وجهين:

الأول: أنه لا دليل فيه على أن لا قضاء.. بل غاية ما فيه الإمساك بقية اليوم.
الثاني: أن صوم عاشوراء لم يفرَض إلا في ذلك الوقت من النهار، وفرقٌ بين ما فُرِض في الوقت وبين ما كان مفروضاً من قبل؛ إذ الذمة لم تشغَل بشيء بعد، وفطرهم إنما كان قبل الوجوب، فلا قضاء.

فالأول لا يلزم القضاء لأن ما قبل الأمر لا مطالبة به ولا تشتغل به الذمة، وهو في الحكم كحال الكافر إذا أسلم والصغير إذا بلغ في نهار يوم من رمضان على الراجح. انظر: بيان مشكل الآثار للطحاوي.

7- أن هذا دَين وحق لله تعالى، والأصل فيه أن يُقضَى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فدَينُ الله أحق أن يقضَى)

*تنبيه :
مسألة : من أكل شاكاً في طلوع الفجر فلا شيء عليه ، ومن أكل شاكاً في غروب الشمس فسد صومه؛ لأن الأصل بقاء النهار فلا يجوز له أن يأكل حتى يتيقن غروبها أو يغلب على ظنه، والفرق بين هذه والتي قبلها: أن هذه قد دام الشك فيها، ولم يتبين له الحال بعد ذلك، على أن فيها خلافاً بين أهل العلم. والله أعلم.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-07-21 ||, 12:44 AM
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا
ليتكم تتحفونا بمثل هذه الدرر، وتكرروا علينا نثرها...

أبوبكر بن سالم باجنيد
09-07-23 ||, 10:49 AM
وإياكم
بارك الله فيكم، وأحسن إليكم

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-08-20 ||, 07:59 PM
ما شاء الله ... تبارك الله ...
بحث ماتع ... سهلٌ نافع ...
جزاك الله خيراً ...
طالع أيضاً:
الفَرْقُ بَيْنَ الشَّكِّ فِيْ طُلُوْعِ الفَجْرِ، وَالشَّكِّ فِيْ غُرُوْبِ الشَّمْسِ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

أبوبكر بن سالم باجنيد
09-09-03 ||, 02:14 AM
وإيــاكم
سددكم اللــه

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-08-13 ||, 02:20 PM
للمناسبــة

أبوبكر بن سالم باجنيد
11-08-10 ||, 07:54 AM
للمناقشـة

أبوبكر بن سالم باجنيد
12-08-04 ||, 06:44 AM
كان الأخ الشيخ ملفي العنزي يبحث عن هذا الموضوع وأنه لم يجده، فرفعته.

محمد هرز جامع
12-08-04 ||, 08:33 AM
أدلتك لا تسلم من المناقشة ، بل منها ما حكايته بطلانه.

أبوبكر بن سالم باجنيد
12-08-04 ||, 02:17 PM
أدلتك لا تسلم من المناقشة ، بل منها ما حكايته بطلانه.
الأخ الكريم.. بيّن وجه بطلان ذلك، فالدعاوى لا تقبل بلا بينات.. وهذا الملتقى إنما هو للنقاش العلمي بالحجج والأدلة، لا لطرح الآراء عارية عن الدليل والتعليل. بارك الله فيك

محمد هرز جامع
12-08-04 ||, 06:57 PM
أبشر، يا سيدي.