المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التورق المنظم كما تجريه المصارف الإسلامية ونوافذها في أوربا دراسة فقهية مقارنة، د. محمد البنا



محمد بن فائد السعيدي
09-07-29 ||, 01:20 AM
التورق المنظم
كما تجريه المصارف الإسلامية ونوافذها في أوربا
دراسة فقهية مقارنة

د. محمد عبد اللطيف محمود البنا
دكتوراه في الفقه المقارن
المستشار الشرعي لموقع إسلام أون لاين



بحث مقدم للدورة التاسعة عشرة للمجلس ـ اسطنبول
8 رجب 1430 هـ / 30 يونيو 2009 م




المقدمة
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول والله وبعد
فالناظر للمعاملات الاقتصادية الحديثة يجد تطورا هائلا في عقودها، كما يجد عقودا صارت من التركيب بمكان، بما يحتاج لأمرين:
دراسة اقتصادية مستوعبة يتبين فيها الفقيه حقيقة المعاملة جيدا ثم يبدأ في التحرك نحو الحكم الشرعي .
ودراية فقهية ملمة بالجوانب الاقتصادية المعتمدة شرعا، وذلك ليستطيع المزج عن بينة وجدارة وثقة وعلم، أو يرج المعاملة من دائرة الحل.
ولن يستطيع الفقيه فعل ذلك بدون معرفة الضوابط الشرعية في المعاملات ولقد وضعت الشريعة الإسلامية مجموعة من القواعد التي تتم بها عقود المعاوضات حتى تستحل الأموال بوجه الحق لا الباطل يقول الله تعالى: " وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ {188}"( )
وأهم هذه القواعد ما يلي:
أولا: حرمة الربا:
ومن القواعد التي تضبط التعامل بين الناس حرمة الربا، وهو دليل كذلك على أن المعاملة يجب أن تكون حلالا، ليس فيها ما حرمه الله تعالى، ويدل عليها قوله تعالى:" وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا "( )
وقوله -صلى الله عليه وسلم-" الذهب بالذهب والفضة بالفضة ، والبر بالبر ، والشعير بالشعير ، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل ، يدا بيد ، والفضل ربا ، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد" ( )
ثانيا: التراضي:
وأساسها قوله تعالى:" فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا {4}" النساء( )
وقوله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا {29}.النساء( )
وقوله صلى الله عليه وسلم: " لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس" ( )وفي رواية عن أبي حميد الساعدي ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه "و قوله صلى الله عليه وسلم: " إنما البيع عن تراض" ( ) .
فهذه النصوص تبين بجلاء أن التراضي مع مشروعية المعاملة هو أساس من أسس التعامل بين الناس، فالإكراه يبطل المعاملة أو يفسدها.
ثالثا: حرمة الغرر:
والغرر يعني التغرير بالطرف الآخر وخداعه، فيبتاع ما إن عرف حقيقته هجره، وتركه ويدل على هذه القاعدة ما ورد عن أبى هريرة رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلمعن بيع الحصاة وعن بيع الغرر" ( ).
رابعا: الوفاء:
وهي من أهم القواعد إذ بحصل تمام البيع وقبض الثمن، وبدونها تحدث الخديعة، والنصب، ويدل على هذه القاعدة قوله تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ "( ) ، وقوله-صلى الله عليه وسلم-" المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً حرم حلالاً أو أحل حراماً"( )
والشروط التي وضعها الفقهاء لصحة البيع وكذلك العيوب القادحة في هذه الصحة سواء الجهالة اوالإكراه والتوقيت والغرر والضرر أو الشرط المفسد كفيلة بأن تبلور على سبيل الاحتياط حصانة للعقد وصيانة له.
وأكتفي في هذا المقام بهذه القواعد لأبين أن موضوع "التورق المنظم كما تجريه المصارف الإسلامية ونوافذها في أوربا دراسة فقهية مقارنة" من الموضوعات المهمة للاقتصاديين والفقهاء وترجع الأهمية لما يلي:
أولا: أغلب التعامل الآن في المصارف بالتورق المصرفي.
ثانيا: نسبة المخاطرة فيه منعدمة.
ثالثا: يدر ربحا هائلا للمصارف.
رابعا: يحل مشكلات ضخمة لمن يريد التمويل لسد حاجته.
خامسا: ولكن طرأت على هذه المعاملة مجموعة من التساؤلات:
1- هل الحكم الشرعي فيها واحد يمكن القول في المعاملة بالإجماع أو شبه الإجماع؟.
2- هل الأدلة التي استند إليها الفقهاء قوية تسلم من كل رد.
3- هل فعلا التورق يحقق مصلحة؟ وهل المصلحة حقيقية؟
4- هل كما يقال إن التورق المصرفي رجوع نحو البنوك الربوية؟
5- هل وجود السلعة متوهم أم حقيقي؟
6- ما الغرض الحقيقي من التورق المصرفي؟
هذه الأسئلة وغيرها الكثير كان لا بد من وضعها أمامي أثناء البحث، ووجدت مجموعة من الصعوبات تتمثل فيما يلي:
1- أن البنوك والمصارف تتعامل بالتورق بالفعل وإن اختلفت المسميات، فأصبحت واقعا حيا ملموسا.
2- وجود خلط كبير بين التورق الفقهي الفردي الجائز وبين التورق المصرفي.
3- وجود هيئات شرعية كبيرة لها سمعتها أفتت بالجواز.
صعوبة الحصول على المراجع لأنها لم تطبع في الغالب.
ولقد تغلبت على هذه الصعوبات بفضل الله تعالى بالاستعانة بالله تعالى، وسؤال أهل الخبرة، والعكوف على ما تيسر من أبحاث للقراءة والتأمل والتحليل.
ووضعت منهجا أسير عليه يتمثل فيما يلي:
منهج استقرائي استنباطي تمثل في حصر من كتب في التورق المصرفي وحاولت من بين السطور معرفة منهجية الكاتب وما توصل له، ثم كان المنهج العقلي الذي تمثل في التحليل والمناقشة، وتمخض ذلك عن الخطة التالية:
أولا: مقدمة: وهي التي بين يديكم الآن وفيها المنهج والخطة.
ثانيا: المبحث الأول: وكان عن تعريف التورق والتورق الفردي وأتبعته بالفتاوى الصادرة فيه وبيان حكمه.
ثالثا: المبحث الثاني: وكان عن التورق المنظم كما تجريه المصارف الإسلامية ونوافذها في أوربا وبينت فيه مفهومه وحكمه والغرض منه والفتاوى الصادرة فيه ورأي من أجاز ورأي من منع، وتناولت أدلة كل فريق بالمناقشة والتحليل.
رابعا: المبحث الثالث: التورق العكسي بينت فيه مفهومه وحكمه والغرض منه والفتاوى الصادرة فيه.
خامسا: المبحث الرابع: دراسات في التورق المصرفي، وبينت فيه أهم الدراسات التي تكلمت عن التورق المصرفي سواء كانت الدراسات التي أجازت أم التي منعت، وتناولت أدلة المجيزين بالتحليل والمناقشة.
سادسا: المبحث الخامس: التورق بين سد الذرائع والمصلحة، واخترت فيه دراستين من مدرسة واحدة وبينت فيه أن اعتماد كل دراسة على دليل من هذين الدليلين وجه الحكم، وتناولتهما بالتحليل والمناقشة.
سابعا: المبحث السادس: ما يمكن أن تفعله النوافذ الشرعية للمصارف في أوربا.
سابعا: الخاتمة وبينت فيها النتائج والمقترحات.
والله تعالى من وراء القصد
"عليه توكلت وإليه أنيب"
د. محمد عبد اللطيف البنا
دكتوراه في الفقه المقارن. جامعة القاهرة
مدير النطاق الشرعي لموقع إسلام أون لاين