المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحلقة الثانية: المعنى القديم للاستحسان.



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-02-17 ||, 01:51 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله حمدا طيبا كثيرا مباركا فيه ملأ السموات والأرض وملأ ما بينهما وملأ ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك.


اللهم صل وسلم على نبينا محمد وعلى آله ، وصحبه وإخوانه كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.


أما بعد.


فبين يدي ورقات وقصاصات متناثرة في "حجية الاستحسان" شجعني على بعثها قراءتي لبحث الشيخ الدكتور يعقوب الباحسين "الاستحسان حقيقته أنواعه حجيته تطيبقاته المعاصرة"


فحاولت التأليف بين ما جمعته سلفا وبين ما استفدته من الرسالة المذكورة


ولتعدد زوايا البحث آثرت طرح هذا الموضوع على عدة حلقات :


الحلقة الأولى: تم عرضها بتفريغ النتائج التي سجلها الباحسين في كتابه "الاستحسان"


والآن الحلقة الثانية:



أبدأ أولا بذكر مقدمة مختصرة في تعريف الاستحسان عند ابن حزم وعند القائلين به وذلك من خلال كتاب ابن حزم الأصولي "الإحكام":


يقول ابن حزم رحمه الله في تعريف الاستحسان:
هو الحكم بما رآه الحاكم أصلح في العاقبة وفي الحال ، هذا هو الاستحسان لما رأى برأيه من ذلك، وهو استخراج ذلك الحكم الذي رآه."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))


وقد "قال المالكيون: بالاستحسان في كثير من مسائلهم:


روى العتبي ...قال مالك :
تسعة أعشار العلم الاستحسان


قال أصبغ بن الفرج:
الاستحسان في العلم يكون أغلب من القياس([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))، ذكر ذلك في كتاب أمهات الأولاد من المستخرجة.


وأما الحنفيون:
فأكثروا فيه جدا.

وأنكره الشافعيون، وأنكره من أصحاب مذهب أبي حنيفة أحمد بن محمد الطحاوي.

فأما القائلون به فإننا نجدهم يقولون في كثير من مسائلهم:
إن القياس في هذه المسألة كذا، ولكنا نستحسن فنقول غير ذلك.".([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))


-----------


ثانياً:


وقع بين أهل العلم نزاع معروف في حكم الاستحسان، ولعل مَرَدَّ هذا النزاع هو النزاع في تصوير ه


لذا نقول في تحرير محل النزاع:
إن القدر المشترك بين تعاريف أهل العلم قاطبة من مضيق أهل الظاهر إلى بحبوحة أهل الرأي هو أن الاستحسان استثناء من الدليل.

وبعد هذا القدر من الاتفاق افترقوا في المقصود بهذا الاستثناء على ثلاثة طرق:

الطريقة الأولى: أنه استثناء بغير دليل وإنما لمجرد استحسان المجتهد ورأيه.


وقد أنكره الجمهور"([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) " لا سيما الشافعي فقد "كان من أعظم الأئمة إنكارا له" ([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)) ومن ذلك قولته الشهيرة: " من استحسن فقد شرع"([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)) "وقد صنف كتابا في الأم في الرد على أبي حنيفة في الاستحسان."([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)) كما رد على هذا الدليل في كتابه الأصولي "الرسالة"، وقد تضمن رده إلزامات قوية في إبطال هذا النوع من الاستحسان. ([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8))


ومن أقواله:


وهذا يبين أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر والخبر من الكتاب والسنة عين يتأخى معناها المجتهد ليصيبه كما البيت يتأخاه من غاب عنه ليصيبه أو قصده بالقياس وأن ليس لاحد أن يقول إلا من جهة الاجتهاد والاجتهاد ما وصفت من طلب الحق فهل تجيز أنت أن يقول الرجل أستحسن بغر قياس

فقلت: لا يجوز هذا عندي والله أعلم لأحد وإنما كان لأهل العلم ان يقولوا دون غيرهم لان يقولوا في الخبر باتباعه فيما ليس فيه الخبر بالقياس على الخبر

ولو جاز تعطيل القياس جاز لأهل العقول من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الاستحسان

وقال في الرسالة أيضا:
(وإنّما الاستحسان تلذذ، ولو جاز لأحد الاستحسان في الدين لجاز ذلك لأهل العقول من غير أهل العلم، ولجاز أن يشرع في الدين في كلّ باب، وأن يخرج كلّ أحد لنفسه شرعاً)


وقد أنكر الأحناف المتأخرون هذا التفسير للاستحسان لما فيه من الشناعة ." ([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9))


قال ابن القطان:
قد كان أهل العراق على طريقة في القول بالاستحسان، وهو ما استحسنته عقولهم وإن لم يكن على أصل، فقالوا به في كثير من مسائلهم...واعلم أنه إذا حرر المراد بالاستحسان زال التشنيع، وأبو حنيفة بريء إلى الله من إثبات حكم بلا حجة."([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10))


وقال ابن السمعاني :
"إن كان الاستحسان هو القول بما يستحسنه الإنسان ويشتهيه من غير دليل فهو باطل ، ولا أحد يقول به."


ونازعهم الشافعية:
بأن الشافعي حكاه عنهم وكلامه صريح أنه فهم عن أبي حنيفة أن مراده بالاستحسان هذا ، فلا وجه لإنكار أصحابه ذلك." ([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11))


لذا تمسكوا بهذا التفسير للاستحسان فقال السبكي:

"والذي أعتقده في تفسيره إن المعني به ما تشتهيه نفس العالم وتميل إليه من غير تعلق بأصل موجود يجده."

ولعدم تسليم المتأخرين من الحنفية لتفسير الاستحسان بهذا المعنى الذي وقع الاتفاق على ذمه فإنا نجدهم فسروه بمعان من الدليل ، مثل القول بأنه أقوى الدليلين أو أخفى القياسين أو....أو....وسيأتي التعرض لها إن شاء الله.


فاستغرب لذلك الشافعية فقال إمام الحرمين في إطلاق الاستحسان على ما قامت دلالته:


"في نهاية السخافة والعباثة فإن قبول الدليل حتم ولا محيد عنه"

أما ابن حزم رحمه الله فقد أقر بتراجع المتأخرين منهم عن هذا المعنى الباطل فقال:
"مع أن أصحاب القياس قد كفونا، ولله الحمد، التعلق بهذا الباب لأنهم، نعني حذاقهم ومتكلميهم، مبطلون للرأي والاستحسان إلا أن يكون قياسا على علة جامعة ، وقد أصفق على هذا أكابر المتأخرين من الحنفيين المالكيين وسلكوا في ذلك مسلك الشافعيين، وتركوا طرائق أسلافهم في الاعتماد على الرأي والاستحسان، وقياس التمثيل المطلوب والتشبيه، ولو لم يفعلوا لكان أمرهم أهون مما يظن، لأنه لم يبق إلا بالرأي وحده مجردا، والاستحسان المطلق، فليس رأي زيد أولى من رأي عمرو، ولا استحسان زيد أولى من استحسان عمرو فحصل الدين - وأعوذ بالله لو كان ذلك - هملا غير حقيقة."([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12))


إلا أن ابن حزم مع إقراره بتراجع المتأخرين منهم إلا أنه لم يرتض من هؤلاء المتأخرين تبريرهم لمتقديمهم أنهم إنما أرادوا بالاستحسان تقديمهم لقياس أقوى، فقال:


" قالوا: والقياس أن لا يجزئه شيء من ذلك قالوا : ولكنا ندع القياس للاستحسان فأقروا بتركهم الحق عندهم فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟!


فإن قالوا : إنما أردنا بالاستحسان ، استحسان قياس غير الذي تركناه قيل لهم : ليس هذا مرادكم وإنما هو تمويه من متأخريكم ولو كان ذلك لكان صواب العبارة أن يقول متقدموكم : ولكن ندع القياس لأصح منه أو لأظهر علة أو لغير ذلك مما يتعلق بتصحيح الأقيسة"([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13))


-------------------------


لذا يمكن أن نقول:
إن الشافعي وابن حزم رحمهما الله أطلقا إنكار الاستحسان بناء على أنه محض الهوى والتشهي، وقد أنكر المتأخرون من الأحناف هذا المعنى الباطل


ودافع الباحسين عن متقدمي الأحناف فقال:


"إن هجوم علماء الشافعية ومن معهم وانتقاداتهم المريرة للاستحسان كان هجوما على أمرمجهول غير معلوم أي قبل أن يوضح الحنفية ما يريدونه بالاستحسان ولهذا فإننا نجدالكثيرين منهم عدلوا عن هجومهم، وقالوا: إن الاستحسان بالصورة المذكورة ليس فيه خلاف، وإنما هو محل اتفاق



وهذا رابط لموضوع سابق في نتائج فضيلة الشيخ يعقوب الباحسين في كتابه "الاستحسان حقيقته أنواعه حجيته تطيبقاته المعاصرة"

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

-------------------------------------------------------
1- الإحكام لابن حزم - (ج 6 / ص 757)

2- الموافقات: ( 5/198)

3- الإحكام لابن حزم - (ج 6 / ص 757-758)

4- البحر المحيط(6/87)

5- جامع المسائل/المجموعة الثانية:قاعدة الاستحسان:ص: 175

6- البحر المحيط 6/87)

7- المصدر السابق 6/94)

8- الأم - (ج 7 / ص 309) وفي (طبعة دار الوفاء:9/67-84)

9- البحر المحيط (6/93-94)

10- المصدر السابق 6/88)

11- المصدر السابق: (6/94)

12- الإحكام لابن حزم - (ج 7 / ص 981)

13- الإعراب عن الحيرة والالتباس : ( 3- 1194)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-02-17 ||, 01:52 PM
أعتذر عن الإخوة فقد أدرجت الموضوع منسقا لكن ما أدري ما السبب
وسأحاول إصلاح الخلل

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-02-17 ||, 02:26 PM
ممن أنكر الاستحسان بإطلاق غير الشافعي وابن حزم رحمهما الله: فرقة الشيعة وقد ذكر الباحسين أدلتهم وأضرب عنها.
والطريف أنهم يتفقون مع ابن حزم في إنكار القياس والاستحسان، ومع هذا فإن العداء شديد بينهم، والشيء بالشيء يذكر فإن ابن حزم رحمه الله لما احتجوا عليه بأن النظام ينكر القياس أورد عليهم بأن الجهم والجعد والأصم كلهم يثبت القياس


قال رحمه الله في كتابه الأصولي الإحكام:



وشنع بعضهم بأن قال: إن إبطال القياس مذهب النظام، ومحمد بن عبد الله الاسكافي، وجعفر بن حرب، وجعفر بن مبشر، وعيسى المراد، وأبي عفار، وبعض الخوارج، وإن من هؤلاء من يقول: إن بنات البنين حلال، وكذلك الجدات، وكذلك دماغ الخنزير.



قال أبو محمد: ولسنا ننكر أن تقول اليهود لا إله إلا الله، ونقولها أيضا نحن، ولكن إذا ذكروا هؤلاء فلا تنسوا القائلين بقولهم القياس، أبا الهذيل العلاف، وأبا بكر بن كيسان الاصم، وجهم بن صفوان، وبشر بن المعتمر، ومعمرا وبشرا المريسي، والازارقة، وأحمد بن حائط، ومن هؤلاء من يقول بقياس الاطفال على الكبار، وأنهم نسخت أرواحهم في الاطفال، وبالقياس على قوم نوح، فأباحوا قتل الاطفال، وقاسوا فناء الجنة والنار على فناء الدنيا، وغير ذلك من شنيع الاقوال.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-02-17 ||, 02:34 PM
انتهت والحمد لله المادة التي أردت أن تكون الحلقة الثانية
والحلقة الثالثة ستكون عن التعريف الثاني للاستحسان وهو : أنه ما ينقدح في في قلب الفقيه فتقصر عبارته عنه فلا يقدر أن يتفوه به.
بقي أن يقال: في هذا الموضوع تم ذكر الطريقة الأولى في المقصود من الاستثناء في الاستحسان بعد الاتفاق عليه أنه استثناء
وسنوالي بحول الله وقوته ذكر الطرق الأخرى في الحلقات القادمة، وآمل أن أتمكن من تلخيص أطراف البحث عند الانتهاء منه.
وأتمنى الإخوة إثراء البحث بالإضافات والاستدراكات

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-02-18 ||, 08:09 AM
جزاك الله خيرا على تلخيصك

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-02-18 ||, 08:09 AM
جزاك الله خيرا على تلخيصك

د / ربيع أحمد ( طب ).
08-02-24 ||, 04:43 AM
ما شاء الله على تلخيصكم شيخنا فؤاد أسأل الله أن يديم فضلكم و يزيد علمكم ويكثر من أمثالكم وعندي أن الاستحسان لايعد دليلا أصلا إذ أن الاستحسان عند من يقول به ما هو إلا استثناء مسألة جزئية من دليل كلي لدليل فهذا يعتبر طريقة من طرق الاستنباط التي امتلئت بها كتب الفقه فغالب العمومات خصصت ، والتخصيص يعتبر استثناء بعض الأفراد من عموم الحكم لدليل يعني أحكام كثيرة مأخوذة بطريقة الاستحسان لذلك نقل الشاطبي المالكي عن مالك أنه قال : (( الاستحسان تسعة أعشار الفقه ))