المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الأدلة عند الأصوليين



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-28 ||, 09:21 PM
مقدمة
أما بعد حمد الله المنعم بهدايته , والصلاة والسلام على محمد خير خلقه وعلى آله وعترته وأصحابه , فإن مبحث "الدليل" من المواضيع المهمة جدا في الدرس الأصولي , لما لهذا المصطلح من دور منهجي خطير في الوصول إلى المطلوبات وإثبات صحة الإختيارت وإبطال أقوال المخالفين ..
وقد أولاه النظار الإسلاميون رحمهم الله أهمية كبرى وأفردوه بالتصانيف الجليلة على اختلاف مذاهبهم, وهم في كل صنيعهم ينطلقون من نظرية منهجية متقنة :
إن النظر الفكري ينبغي أن يكون منضبطا بضوابط صارمة تعصم الذهن من عوارض الخطأ والتيه , فلا مسامحة في المنهج , إذ به يتوصل إلى الحقائق التي ترضي الرب في العاجل والآجل , كما يتوصل به إلى حفظ الوحدة السياسية والإجتماعية .. وهي أمور لا تخفى : خاصة إذا نظرنا إلى حال الأمم التي فقدت الوحدة المنهجية المنضبطة : فإنها تعيسة بحق , والتعاسة درجات ..
وقد كان هؤلاء النظار تغمدهم الله بواسع الرحمة : مهمومون بأمرين جوهرين : تفسير الوجود وتدبير الموجود , ورأوا أن لا سبيل إلى هذا الهدف المنشود إلا بالمباحثة في أهدى السبل إلى التحقق بمعاني الخطاب الشرعي..
وقد رتبوا هذه الأبحاث العظيمة في إطار علمي كبير هو علم الأصول – ولا أقول أصول الفقه- الذي أضحى "ملاذا للأمة حين تشتد بها الأزمات , وتحاصرها المستجدات , ذلك أن مدار العلم -علم الأصول - على بناء العقل المسلم بناء مقاصديا يعلمه صنعة التوازن بين مراد الشرع وأحوال الناس وأوضاعهم , حملا لهم على الوسط , وإجرءا لأحكامه تحت نظر العدل"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn1)
ولما رأيت هذا الإهتمام العظيم بهذا المبحث والتأكيد عليه , والحض على إتقان مباحثه وإحكام دلائله عزمت على دراسته سالكا سبل أهل العلم في التدرج التحصيلي , ذلك أن "كل علم لا يستولي الطالب في ابتداء نظره على مجامعه ولا مبانيه , فلا مطمع له في الظفر بأسراره ومباغيه "[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn2) .
ورحم الله امرأ –ثلاثا- دلني على أخطائي ونبهني على زلاتي وقد قال أهل الحكمة : من الأخطاء يتعلم الناس.

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref1) - مقتطف من مقال للدكتور حميد الوافي بعنوان : المعنى بين اللفظ والسياق.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref2) - الغزالي , المستصفى ص 9 (دار الكتب العلمية , ط : 1 , 2008).

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-28 ||, 09:23 PM
1)تعريف الدليل.
المطلب الأول : التعريف اللغوي.
الدليل : من دل ودلل يدل إذا هدى[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) . ويطلق الدليل على أمرين[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2):
1-الرشد إلى المطلوب , على معنى أنه فاعل الدلالة ومظهرها فيكون معنى الدليل الدال.
2- ما به الإرشاد أي العلامة المنصوبة لمعرفة الدليل.
ثم اختلفوا : هل حقيقة الدليل هو الدال أو العلامة؟
وفي معجم الفروق اللغوية اعتبر العسكري-رحمه الله- الدليل ما أفاد الظن والبرهان ما أفاد القطع فقال :" البرهان: الحجة القاطعة المفيده للعلم.وأما ما يفيد الظن فهو الدليل.ويقرب منه: الامارة.ولذا أفحم سبحانه الكفار بطلب البرهان منهم فقال وهو أصدق القائلين: )قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين("[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)
وهي-أيضا- مسألة خلافية بين أهل الأصول[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4) .

المطلب الثاني : التعريف الإصطلاحي.
المسألة الأولى : الدليل عند المناطقة.
الإستدلال عند المناطقة هو التوصل إلى حكم تصديقي مجهول بملاحظة حكم تصديقي معلوم[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).
فيكون الدليل عندهم هو: ما يتوصل به إلى حكم تصديقي مجهول بملاحظة حكم تصديقي معلوم.
وقال الرازي –رحمه الله- : الدليل هو الذي يلزم من العلم به العلم بوجود المدلول[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).
وهو عندهم على معنين أحدهما : الموصل إلى التصديق قياسا كان أو استقراء أو تمثيلا , والثاني : القياس البرهاني. فيكون المعنى الأول أعم من الثاني[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).
على أن هناك تعريفا آخر للدليل أورده مراد وهبة , وهو : "ما يراد به إثبات أمر أو نقضه وقد يستعمل بمعنى الحجة"[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8) .
قلتُ : وهذا التعريف الأخير ليس خاصا بالمنطق والفلسفة بل هو اصطلاح عام ومشترك بين كل العلوم , لأن كل مسائل العلم تتراوح بين الإثبات والنقض , وهاتين العمليتين يتوصل إليهما بأداة : والأداة هي الدليل = الحجة.
المسألة الثانية : الدليل عند المتكلمين.
قال الآمدي- رحمه الله- : عبارة هما يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب تصديقي[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9).
وقال التهانوي - رحمه الله- : هو ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري وهو يشمل القطعي والظني [10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).
وينقسم عندهم إلى ما يدل لذاته وما لا يدل لذاته , فالأول هي الأدلة العقلية والثانية هي الأدلة السمعية[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11).

المسألة الثالثة : الدليل عند الأصوليين.
قال الزركشي -رحمه الله -: هو الموصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12).
وقال السبكي-رحمه الله- : "والدليل ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري"[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).
وقال السمعاني-رحمه الله- :"هو المرشد إلى المطلوب"[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14).
وقال الآمدي –رحمه الله- :"ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري"[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15)
أما ابن حزم –رحمه الله- فالدليل عنده على معنيين :
1-يكون برهانا , والبرهان عنده هو كل قضية أو قضايا دلت على حقيقة الشئ , وقد يكون اسما يعرف به المسمى وعبارة يتبين بها المراد[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16).
2-ما كان راجعا إلى دلالة النص والإجماع وهو في قسم منه قياس شمول لكن ليس كله [17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17), وهو النوع الأول من الدليل المأخوذ من النص عند ابن حزم. وسأفصل فيه –نسبيا- بعد قليل.
بالنظر إلى هذه التعاريف نجد أن الأصوليين رحمهم الله سلكوا أربعة مسالك في تعريفهم للدليل :
1-ففريق نحا منحى المناطقة وعرفه بتعريفهم وهم : الزركشي والسبكي والآمدي .
2-وفريق لم يخرج عن التعريف اللغوي وهم : السمعاني وابن حزم وغيرهما.
3-ومنهم من عرفه بتعريف الفقهاء, وهو الزركشي أيضا , بيانه : أن الفقهاء لا يشترطون القطع في أدلتهم , فكل ما أوصل إلى مطلوب خبري فهو حجة , أما الأصوليين فيشترطون القطع ولذلك تعريفهم يتوافق وتعريف الآمدي , ويوضح الإمام الآمدي هذه القضية بقوله :" والأصوليون يفرقون بين ما أوصل إلى العلم وما أوصل إلى الظن فيخصون اسم الدليل بما أوصل إلى العلم واسم الأمارة بما أوصل إلى الظن "[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18).
4-وفريق خصه بنوع من الأدلة , وهوإما قياس الشمول أو القياس المنطقي , وهم الزركشي والسبكي وأكثر الأصوليين كالباجي في الحدود[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19) وأبي الحسين في المعتمد[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20), وإما قياس التمثيل (الفقهي) كالحال مع الإمام الشافعي [21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21) أبي الحسين البصري والباجي [22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22) , وإما ما كان راجعا إلى دلالة النص والإجماع عند أهل الظاهر وهو في قسم منه –كما أسلفت- قياس شمول لكن ليس كله [23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23) .


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - هو قول ابن الأعرابي رحمه الله : الأزهري , تهذيب اللغة مادة (دل).

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - الزركشي , البحر المحيط : 1/25 (دار الكتب العلمية , 2000). وإنما ذكرت تعريف الزركشي لوضوحه وإلا فالتعريف اللغوي لا يؤخذ إلا من معاجم اللغة وليس من كتب الفنون الأخرى.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) - أبو هلال العسكري , معجم الفروق اللغوية : الفرق 389 بين البرهان والدليل.

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) - ذهب خالد الأزهري إلى أن الدليل ما اختص بالقطعي (الثمار اليوانع 1/ 29).

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) - عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني , ضوابط المعرفة ص 149 (دار القلم , ط: الرابعة, 1993)

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) - فخر الدين الرازي , محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين ص44 – 45 بواسطة : مصطفى شمس الدين الفيراقي , مقدمات في الأدلة الشرعية.

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) - التهانوي , كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (مصدر سابق) 1/ 795.

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) - مراد وهبة وآخرون , المعجم الفلسفي ص 95 بواسطة الفرق الكلامية الإسلامية مدخل ودراسة ص19.

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) - سيف الدين الآمدي , أبكار الأفكار 1/ 188 ( مطبعة دار الكتب والوثائق القومية , ط:2 , 2004)

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) - محمد علي التهانوي , معجم كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم 1/ 793 (مكتبة لبنان , ط:1, 1996)

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) - سيف الدين الآمدي , أبكار الأفكار (مصدر سابق) 1/ 188.

[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) - الزركشي , البحر المحيط (مصدر سابق) 1/ 25.

[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) - تاج الدين السبكي , جمع الجوامع ص15, (دار الكتب العلمية , ط:2 , 2003)

[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) - أبو المظفر منصور بن محمد السمعاني , قواطع الأدلة في الأصول , 1/ 32 ,(دار الكتب العلمية , ظ: الأولى , 1999).

[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) - سيف الدين الآمدي , الإحكام في أصول الأحكام 1/ 28, (دار الكتاب العربي , ط: الأولى , 1404للهجرة).

[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) - علي بن أحمد بن حزم , الإحكام في أصول الأحكام ص53 , (دار الحديث , ط: بدون , 2005).

[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17) - لمزيد من التفصيل لك أن تنظر إن شئت , الإحكام لابن حزم ص713 (ط:دار الحديث) الباب التاسع والعشرون في الدليل.

[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18) - سيف الدين الآمدي , الإحكام (مصد سابق) 1/ 27.

[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19) - أبو الوليد الباجي , رسالة الحدود في الأصول , ص44.

[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref20) - أبو الحسين البصري المعتزلي , المعتمد في أصول الفقه , 1/ 6. بواسطة : الإستدلال عند الأصوليين (مصدر سابق)ص36-37.

[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref21) - السابق , 2/ 192 بواسطة الإستدلال عند الأصوليين ص53.

[22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref22) - الإستدلال عند الأصوليين(مصدر سابق) ص37.

[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref23) - لمزيد من التفصيل لك أن تنظر إن شئت , الإحكام لابن حزم ص713 (ط:دار الحديث) الباب التاسع والعشرون في الدليل.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-28 ||, 09:24 PM
2) المبحث الثاني : في مصادر الأدلة .

لقد اهتمت كل الأمم المتمدنة بمفهوم الدليل وأنواعه وتأصيله , على تفاوت بينهم , وذلك أن أبا الريحان البيروني يذكر[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) أن أمة الهند كانت لها عناية بالعلوم و الحكمة لكنها لم تكن تهتم للتعليل والإستدلال والترتيبات المنطقية , فأخذت يونان معارفهم وعللوها وبرهنوا عليها ..وبذلك تكون يونان أمتن من هذه الجهة .
وإنما اختلفوا في مصادر الأدلة وحجيتها اختلافا كبيرا , ومن نظر إلى المدارس اليونانية الفلسفية هالته كثرة النظريات والمدارس وما تعتمده من أدلة من شكاك وهم طوائف ونحل و إلى رواقيين و إلى اعتقاديين وهم ألوان وأطياف ..
وهم بلا شك في ضلال بعيد , ذلك أن منهم من اعتمد حسه وألغى عقله , ومنهم من قلب المسألة , ومنهم من خلع الكل وهكذا.. وكان ألزمهم للجادة اثنان : أفلاطون ويطلق عليه المشائية المنتسبة للإسلام الشيخ اليوناني , وأرسطو : وإن كانا أيضا قد ضلا ضلالا بعيدا إذ حشرا عقولهما فيما لا تستطيعه , فأرسطو فسر الوجود بعقله فأتى بما يضحك ! وأفلاطون فسر الوجود بالإشراق[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2) !..
أما أهل الإسلام فإنهم لما آمنوا بالله ربا وبنبيه صلى الله عليه وسلم رسولا عملوا الأوامر الواردة في الكتاب الذي هو عهد الله إلينا , ووجدوا فيه قوله تعالى : ) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا( [النساء : 59], وقوله تعالى حاكيا قول بعض من أبطل حجة عقله : ) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ( [الملك : 10] .
فاتفق علماء المسلمين على حجية الكتاب والسنة والإجماع لم يخالف في ذلك إلا قلة من العلماء , واتفقوا على أن فهم النصوص إنما يكون بلغة العرب لدليل منطقي وهو أن الله تعالى أنزل كتابه بلغتهم ليفهموه , ثم اختلفوا في العقل أقاض هو أم أن وظيفته حسن التفهم والتطبيق؟ .
ورتب كل فريق على معتقده في العقل أمورا في باب الأدلة , لكن الذي يهمني في هذا المبحث هو النظر في مصادر الأدلة ومسالك أهل العلم في إثبات الحجية وما يتصل بذلك من كلام, وهو ما سنراه في المبحث التالي.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - أبو الريحان البيروني , تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل ومرذولة

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - علي سامي النشار , منهج البحث عند مفكري الإسلام ص 301 وما بعدها ( دار النهضة , ط: بدون , 1984).

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-28 ||, 09:25 PM
3) أنواع الأدلة :
يرى الإسلاميون من أصوليين ومتكلمين وفقهاء – على اختلاف طوائفهم- أن الحق لا ينال إلا بالدليل . واشتهر على ألسنتهم مقالة القاضي الباقلاني :مالا دليل عليه يجب نفيه , أو بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول , وقد قسموه إلى أقسام :
ينقسم عند الآمدي إلى قسمين كبيرين[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) :
1)ما يدل لذاته : الأدلة العقلية.
2)وما لا يدل لذاته : الأدلة السمعية.
أما الإيجي فقسمه إلى ثلاثة أقسام[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2) :
1)دليل عقلي محض لا يتوقف على السمع.
2)نقلي محض وهو لا يثبت بالعقل.
3)مركب منهما .
ويمكن أن نقسم الأدلة إلى عقلية وشرعية , ذلك أن هناك من الأدلة ما هو عقلي محض وهذا صحيح , والشرعي ينقسم إلى : سمعي محض ومركب من السمع والعقل .
أما العقلية : فهي ما رجع إلى العقل ورأيه , وكان مؤسسا ومبنيا عليه .
وأما الشرعية : فهي التي تستمد حجيتها من نصوص الشريعة , فليس للأصولي دخل في إيجادها.

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - سيف الدين الآمدي , أبكار الأفكار (مصدر سابق) 1/ 188.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - عضد الدين الإيجي , المواقف ص78 بواسطة الفرق الكلامية الإسلامية : مدخل ودراسة ص 20.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-28 ||, 09:25 PM
1- الدليل العقلي :
مذاهب المسلمين في العقل:
للعقل دور خطير في عملية الإدراك والفهم , وعليه تتوقف التكاليف , ونظرا لدوره الشديد الأهمية ولمهماته المختلفة : اغتر فيه طوائف من الناس ما بين مقدس ممجد , ومبطل له ولأدلته.
أما الفريق الثاني وهم السوفسطائية وطائفة الإخباريين من الروافض وبعض المحدثين –كما نسبه إليهم الأستاذ أبو إسحاق[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)- فلم يكن منهم بين المسلمين إلا قلة وبعض من نسب إليهم هذا القول لا يصح عنهم كالظاهرية , وأما الأول فهم الجمهور : وقد أجمعوا على الإحتجاج بالعقل , ثم اختلفوا :
1- فطائفة ذهبت إلى أن العقل لا وظيفة له إلا الفهم وتمييز الحقائق وتفهمها على ما هي عليه وهم الأشعرية و الظاهرية [2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2), قال ابن حزم : هو –أي العقل- مميز بين صفات الأشياء الموجودات , وموقف للمستدل به على حقائق كيفيات الأمور الكائنات وتمييز المحال منها[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3) , ورتبوا على هذا القول : أن الأشياء لا حكم لها في العقل قبل الشرع [4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).
2- وطائفة ذهبت إلى أن للأشياء حكما في العقل فهو حاكم , ثم اختلفوا :
أ- المعتزلة : قالوا بأن العقل مستقل بإدراك الأحكام ومتى ما لم يعمل بموجبات عقله عوقب .
ب- الماتريدية : قالوا كقول المعتزلة لكنهم جعلوا العقوبة بعد ورود الشرع , وهو قول طائفة من أهل السنة كابن تيمية وابن القيم رحمهما الله[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).
أنواع الأدلة العقلية :
اعتنى الأصوليون والجدليون والمتكلمون بأدلة العقل وتفننوا في تاصيلها وتقسيمها .
قال ابن واصل: أنواع الحجج ثلاثة القياس أتشرفها حاصلة الاستدلال بكلي على جزئي. والاستقراء عكسه: الحكم على كلي بأمر لثبوته لجزئياته تامة يوقن ويرجع لمنتج الحملية من المقسم وناقصة ما لم تتصفح كل جزئياته غايته الظن والتمثيل قياس الفقهاء.[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)
فتحصل عندنا ثلاثة أنواع من الأدلة : القياس – الإستقراء – التمثيل.
أ- الأقيسة :
1-قياس الغائب على الشاهد[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7) : وهو القياس التمثيلي (الفقهي) وهو من اشهر الأقيسة عند المتكلمين إضافة إلى أنه عمدة كلام الأصوليين واشرف مباحثهم كما يقولون.
2- قياس الأولى : وهذا قياس يستخدمه المتكلمون فلا أطيل فيه , لكنني أشير إلى أن شيخ افسلام ابن تيمية رحمه كان يعتني بهذا الدليل كثيرا , فانظر إلى قوله : وكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه ثبت نوعه للمخلوق المر بوب المعلول المدبر فإنما استفادة من خالقه وربه ومدبره فهو أحق به منه وأن كل نقص وعيب في نفسه ـ وهو ما تضمن سلب هذا الكمال إذا وجب نفيه عن الرب تبارك وتعالي بطريق الأولى"[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).
3- قياس الشمول : وهو القياس الأرسطي أو المنطقي , قال أرسطو : هو قول إذا وضعت فيه اشياء أكثر من واحد لزم من الإضطرار عن تلك الأشياء الموضوعية بذاتها لا بالعرض شئ ما آخر غيرها[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9).
وهو نفس تعريف المتكلمين للدليل : "ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري"[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)
ب-الإستقراء : وهو تتبع الجزئيات للوصول إلى حكم كلي وينقسم إلى : كامل وناقص , فالأول يفيد القطع والثاني يفيد الظن[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11).
ج- التمثيل :
قال ابن واصل كما سبق إيراده: " والتمثيل قياس الفقهاء" , وهو نفسه قياس الغائب على الشاهد[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12) , أقصد من جهة الإشتغال , وهو في معناه : إعطاء حكم جزئي ما لمثيله.
وتوجد أدلة أخرى ذكرها الجويني رحمه الله في البرهان منها [13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13):
1- إنتاج المقدمات النتائج[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14) : وهو استخلاص النتيجة من المقدمة بحيث تكون المقدمة ضرورية والنتيجة نظرية والعكس .
2-الإستدلال بالمتفق عليه على المختلف فيه [15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15): وهو دليل مختلف فيه , ورجح بعض الباحثين أنه في حقيقته : قياس الغائب على الشاهد.
3- السبر والتقسيم[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16) : وهو دليل اعتبره بعض النظار مسلكا قائما بذاته والبعض يرى أنه طريق لإثبات علة الأصل في الأقيسة العقلية عند المتكلمين الأولين.
4- بطلان الدليل يؤذن ببطلان المدلول [17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17): وهو حصر أدلة الراي الآخر وبحثها ثم إبطالها إن كانت ضعيفة الحجة , حتى لايبقى اي دليل آخر على صحة ذلك الرأي.
ومن الأدلة أيضا :
5- التعلق بالأولى : أو التمسك بنفي الفارق , وذلك أن تذكر متفقا عليه ثم تقول : وهذا المختلف فيه أولى بحكمه منه . مثاله : ما قاله الشافعية في كفارة القتل عندا : لما وجبت في الخطأ اتفاقا , فلأن تجب في العمد أولى منه[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18).
6- دلالة الإقتران : وذلك بعطف أمر على أمر في جملة تامة , ولا مشاركة بينهما في العلة , وهو ليس دليلا عقليا عند ابن حزم لأن كل أمر عنده فهو على الوجوب إلا ما خرج بدليل آخر إلى حكم آخر[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19)

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - الزركشي , البحر المحيط (مصدر سابق) 1/ 30.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - ابن حزم , الإحكام (مصدر سابق) ص 43.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) - السابق.

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) - الغزالي , المستصفى (مصدر سابق) ص 86.

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) - ابن القيم الجوزية , مفتاح دار السعادة (2/42 -( 118)

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) - ابن عرفة المالكي , المختصر في المنطق.

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) -

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) , أحمد بن عبد الحليم بن تيمية , درء تعارض العقل والنقل 1/ 19 . (دار الكنوز الأدبية , تحقيق محمد رشاد سالم).

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) - ابن رشد الحفيد , كتاب القياس .

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) - سيف الدين الآمدي , الإحكام في أصول الأحكام 1/ 28, (دار الكتاب العربي , ط: الأولى , 1404للهجرة).

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) - التهانوي , معجم كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (مصدر سابق) مادة : استقراء .


[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) - علي النشار , منهج البحث عند مفكري الإسلام (مصدر سابق) الفصل الخامس : الطريق الأول.

[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) - أبو المعالي الجويني , البرهان في علم الأصول , باب مدارك العقول.

[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) - علي النشار , منهج البحث ص (مصدر سابق) ص136.

[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) - السابق.ص 137.

[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) - السابق.

[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17) - السابق , وانظر إن شئت : المدارس الكلامية الإسلامية مدخل ودارسة ص 31.

[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18) - الإستدلال عند الصوليين (مصدر سابق) ص 487.

[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19) - السابق , الإحكام لابن حزم ص381 (في عطف الأوامر بعضها على بعض).

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-28 ||, 09:28 PM
2- الدليل الشرعي :
النوع الأول : السمعي المحض .
قال الغزالي وهو في معرض تقسيم العلوم : " ونقلي محض : كالأحاديث والتفسير , والخطب فيها يسير , إذ يستوي في افستقلال بها الكبير والصغير , لأن قوة الحفظ كافية في النقل , وليس فيها مجال العقل"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).
قلتُ : الأحاديث النبوية من جهة إثبات صحة السند ونقد المتن تحتاج لنظر عقلي وهو واضح لا يُنكر , ولا يخفى أن عددا من قواعد الجرح والتعديل وغيرها هي قواعد عقلية لا شرعية. وكذلك نقد المتن بملاحظة الإضطراب , ومخالفة المعقولات , ومخالفة النصوص الأخرى..
وأما التفسير رفكلامه رحمه الله صحيح , لأن التفسير نقلي محض لكنه مبني على النظر في صح الروايات المنقولة أيضا , وأما ما يسمى بالتفسير بالرأي , فهو في الحقيقة تفسير قائم على الحجة الشرعية واللغوية , فهو ليس من تحكم العقول , ومن نظر في كتاب البحر المحيط لأبي حيان الظاهري الأندلسي رحمه الله في باب "العلوم التي يحتاج إليها المفسر" علم أنه ليس تحكما ولا تخرصا.
والأدلة المبنية على محض السمع :
1- نص الوحي (الكتاب والسنة) :
فليس في العقل ما يدل على حجيته إطلاقا , وإنما في العقل جواز إرسال الرسل به فقط [2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2) , أما الحجية فمأخوذة من كلام المبعوث عليه السلام.فإن قال أحد سيحدث هنا دور , أقول : إن العقول ينتهي تصرفها بعد أن تستدل على الوجود , ثم "ينتهي تصرف العقل , بل العقل يدل على صدق النبي ثم يعزل نفسه ويعترف بأنه يتلقى من النبي بالقبول ما يقول في الله"[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)
2- الإجماع:
لولا أن الشرع أخبرنا أنه حجة لما اعتبرناه لجواز إجماع أمة على باطل , قال الغزالي : "بل لا يدل على كونه حجة –يقصد الإجماع- لولا منع السمع عن تجويز الخطأ على كافة هذه الأمة خاصة , إذ لا يبعد اجتماع الكافة على الخطأ عن تقليد وعن شبهة"[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4) . ودليله من السمع قوله تعالى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا"
3- الأخذ باقل ما قيل :
"وحقيقته أن يختلف المختلفون في أمر على أقاويل، فيأخذ بأقلها إذا لم يدل على الزيادة دليل"[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5). وقد أخذ به الشافعي والباقلاني وحكى بعض الأصوليين إجماع أهل النظر عليه [6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)وهو مأخوذ من فكرة الإجماع , ومن رده كابن حزم فلأجل أن حصر اقوال أهل الإسلام متعذر[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)
4- شرع من قبلنا :
لمن احتج به , فإنما دل عليه الشرع فقط وهو قوله تعالى : )أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ( , كما استدلوا بأدلة أخرى , لكن ما يهمني هو أصل الدليل أهو عقلي أم شرعي , وقد بالغت المعتزلة ومنعت العمل بشرع من قبلنا عقلا , قال الشوكاني : وبالغت المعتزلة فقالت: باستحالة ذلك عقلا، وقال غيرهم: العقل لا يحيله، ولكنه ممتنع شرعًا، واختاره الفخر الرازي، والآمدي"[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).
5- قول الصحابي :
استدل بعض من يرى حجية قول الصحابي بأحاديث منها (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين الهادين) وبعضهم استدل بحديث لا يصح وهو : (أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم) .
_________________________ _____________

النوع الثاني : المركب من السمع والعقل.
قال الغزالي :" وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسمع ..وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل , فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل"[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9) .
فأدلة أصول الفقه من جهة الجملة مركبة من العقل والنقل , وهذا لا يعني وجود أدلة دل عليها الشرع المحض وقد ذكرتها فيما سبق . وفيما يلي عرض موجز للأدلة المركبة منهما :
1- القياس : وهو معنى الخطاب.
قال أبو الحسين البصري: "هو تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد".
ورجح الشوكاني : "استخراج مثل حكم المذكور، لما لم يذكر، بجامع بينهما"[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).
وهو من الأدلة العقلية قال الباجي رحمه الله : " وهو من أعظم أدلة المعقول شأنا"[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11). بل ذهب أبو الحسين البصري إلى أن أدلة السمع عليه ظنية بخلاف العقلية فإنها قطعية , كما ذهب القفال إلى أن العقل يقضي بوجوب العمل به ! وخالفه جمهور الشافعية وسائر المعتزلة[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12) .
وبالإضافة إلى هذا الدليل العقلي استدلوا له من الشرع فصار دليلا (أو معمما للدليل) مركبا من العقل والسمع , ومن أدلتهم قوله تعالى : ) فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ( وبعض الأحاديث , وقد جمعها الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين , كما أفرد ناصح الدين بن الحنبلي الأحاديث الواردة في اعتبار القياس-حسب رأيه- في رسالة خاصة مطبوعة سماها : أقيسة الرسول.


وأما من نفى حجيته من أهل السنة فقد أبطل اعتباره من جهة الشرع لا العقل : إذ لم يجد ما يدل عليه من نصوص الكتاب و" تمسك في نفيه بالكتاب، والسنة، وإجماع الصحابة، وإجماع العترة"[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).


على ان هناك من منع من التعبد به عقلا ! كالنظام من المعتزلة-على ما يحكونه عنه , والله أعلم بصحة الحكي- لكنه خص منعه هذا بشريعة الإسلام فقط لأنها قائمة على الجمه بين المتناقضات والتفريق بين المتشابهات[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14).


2-فحوى الخطاب : وهو القياس الجلي على قول.
وهو التنبيه بالأدنى على الأعلى أو اللفظ الخاص يراد به العام , وهو عند فريق نوع من القياس لوجود معناه فيه , قال الصيرفي رحمه الله : ذهبت طائفة جلة سيدهم الشافعي إلى أن هذا هو القياس الجلي [15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15), وعند فريق آخر هو من باب دلالة الألفاظ ونسبه سليم الرازي لجمهور المتكلمين [16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16) , قال ابن رشد : " وأما الثاني –يقصد الفحوى- فليس ينبغي لها – أي الظاهرية- أن تنازع فيه , لأنه من باب السمع والذي يرد ذلك إنما يرد نوعا من خطاب الشرع"[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17).
وما ذكر من الخلاف في فحوى الخطاب يقال في معناه.
3-الإستصحاب:
وهو"ما ثبت في الزمن الماضي فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل"[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18), وقد ذهب إلى عدم حجيته أكثر الحنفية وبعض المتكلمين كأبي الحسين البصري[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19). وهو عدة أقسام أذكر منها :
استصحاب حكم الإباحة الأصلية للأشياء :
ثابتة بالعقل عند الأصوليين وبالشرع عند ابن حزم ومن أدلة حجيته قوله تعالى : ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا( . وقوله تعالى مخاطبا آدم وذريته : ) وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(.
قال العلامة محمد أبو زهرة : فالفرق الجوهري بين ابن حزم الظاهري , وبين الذين يقولون إن الأصل في الأشياء افباحة فرق نظري , لأنهم يقولون ذلك بالعقل , وهو يقول اصلية الإباحة ثابتة بالشرع وهو النص العام الذي خوطب به آدم وذريته"[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20).
استصحاب العموم إلى أن يرد تخصيص : واستصحاب النص إلى أن يرد نسخ , ولا خلاف في هذا النوع.
استصحاب ما دل الشرع والعقل على ثبوته ودوامه : قال الغزالي :"فالإستصحاب ليس بحجة إلا فيما دل الدليل على ثبوته وداومه بشرط عدم المغير , فهو في الحقيقة عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي .
استصحاب العدم الأصلي : المعلوم بالعقل في الأحكام الشرعية كالحكم ببراءة الذمة حتى يوجد دليل[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21).

4-سد الذرائع :
سد الذرائع : منع الوسائل المفضية إلى المفاسد[22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22).
وقد منع ابن حزم رحمه الله من الأخذ باصل "سد الذرائع" , لأنه من الإجتهاد بالرأي "وهو عدو الرأي كله" , واستدل الجمهور على حجية هذا الدليل بعدة أدلة جزئية كقوله عليه السلام : (إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات)[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23) وحديث : ( المؤمنون وقافون عند الشبهات) وغيرها.

5- المصالح المرسلة :
قال العلامة وهبة الزحيلي في تعريفها : "هي الأوصاف التي تلائم تصرفات الشارع ومقاصده , ولكن لم يشهد لها دليل معين من الشرع بالإعتبار أو الإلغاء"[24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn24).
وقال الخوارزمي : " المراد بالمصلحة , المحافظة على مقصود الشارع بدفع المفاسد عن الخلق " , وهو نفس قول الغزالي رحم الله الجميع [25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn25).
وهي من باب الرأي , قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فهذه الطريق فيها خلاف مشهور فالفقهاء يسمونها " المصالح المرسلة " ومنهم من يسميها الرأي وبعضهم يقرب إليها الاستحسان وقريب منها ذوق الصوفية"[26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn26) , وقال : " والقول بالمصالح المرسلة يشرع من الدين ما لم يأذن به الله غالبا . وهي تشبه من بعض الوجوه مسألة الاستحسان والتحسين العقلي والرأي ونحو ذلك".[27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn27)
وقد حصل خلاف بين أهل العلم في جملة : " يشهد لها دليل معين من الشرع بالإعتبار أو الإلغاء" . ذلك أن بعض أهل العلم وعلى رأسهم شيخ الإسرم ابن تيمية يرى أن كل مصلحة فلها نص يدل عليها , وليس هناك ما لم يدل عليه الشرع , يقول شيخ الإسلام رحمه الله : " والقول الجامع أن الشريعة لا تهمل مصلحة قط بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة"[28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn28).
وفي موضوعها تفصيلات ليس هذا محلها.

...وبعد فهذا ما تيسر جمعه , ولا زال الموضوع يحتاج لكثير من النظر والدراسة ,فلا زالت هناك موضوعات متصلة بهذا المبحث الجليل : كترتيب الأدلة , وتأصيل الأدلة , ومثارات الغلط في الأدلة , وتوظيف الأدلة , البراهين على انحصار الأدلة (رد على دعوة الترابي)...

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - الغزالي , المستصفى (مصدر سابق) ص 8.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - المستصفى ص 15.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) -السابق.

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) - السابق ص 78.

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) - إرشاد الفحول 2/ 189.

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) - وهبة الزحيلي , اصول الفقه الإسلامي 2/ 917.(دار الفكر , ط : الأولى , 1986).

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) - السابق 2/ 190.


[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) - إرشاد الفحول 2/ 180.

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) - السابق .

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) - السابق 2/ 90.

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) - ابو الوليد الباجي , المنهاج في ترتيب الحجاج ص 148 (دار الغرب الإسلامي , تحقيق عبد المجيد التركي).

[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) - إرشاد الفحول 2/ 92.

[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) - السابق.

[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) - السابق 2/ 93.

[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) -السابق2/ 37.

[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) - السابق 2/ 38.

[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17) - ابن رشد , بداية المجتهد وكفاية المقتصد 1/ 24 (المكتبة التوفيقية , بدوت تاريخ).

[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18) - إرشاد الفحول 2/ 174.

[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19) - السابق.

[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref20) - محمد ابو زهرة , ابن حزم حياته وعصره وآراؤه ص 369-370. (دار الفكر , ط : الأولى , بدون تاريخ).

[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref21) - وهبة الزحيلي , أصول الفقه الإسلامي 2/ 860 وما بعدها (دار الفكر , ط : الأولى , 1986).

[22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref22) - عياض بن ناني السلمي , اصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله , مبحث سد الذرائع.أصول الفقه لوهبة الزحيلي 2/ 873.

[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref23) - البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير.

[24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref24) - أصول الفقه الإسلامي (مصدر سابق) 2/ 757.

[25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref25) - السابق.0

[26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref26) - ابن تيمية , مجموع الفتاوى 11/ 343.

[27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref27) - السابق 11/ 344.

[28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref28) - السابق.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-28 ||, 09:31 PM
بعد أن انتهيت من هذا المقال : تذكرت أنني نسيت الكلام على مفهوم الدليل عند ابن حزم : الذي فُهم خطأ : قياسا ...

ولعلي أتكلم عنه بعد حين ...

وجزاكم الله خيرا.

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
09-08-28 ||, 10:56 PM
بارك الله فيكم وزادكم علما وهدى..........

يوسف أبو زكريا
09-08-29 ||, 01:36 AM
جزاك الله خيرا على هذا الجهد المبارك إن شاء الله .
موضوعك هذا ذكرني ببعض القضايا التي أرى أنه من المستحسن أن نتباحث فيها وندلي بآراءنا لعل الله عزوجل يظهر الحكمة والصواب على أحد رواد هذا المنتدى العامر بفضل الله تعالى ومن هذه القضايا العلمية ما يلي : 1- كيف يمكننا أن نقول في تعريف ما أنه من تعريف الأصوليين أو المناطقة أو المتكلمين؟ هل ورود هذا التعريف في كتاب اهتم بعلم ما كاف في نسبة التعريف إلى ذلك العلم ؟ أو ورود هذا التعريف على لسان عالم اشتهر بفن ما كاف في نسبة التعريف إلى هذا الفن ؟ وفي هذا الموضوع ورد تعريف الآمدي للدليل مرتين، نسب مرة للأصوليين ومرة للمتكلمين .
2- مما يحفز على البحث والتحصيل أننا نحاول أن ننسب التعاريف و الأحكام لأوائل من قال بها مثال ذلك تعاريف المصالح المرسلة وردت عند الأصوليين قديما ، فالأولى أن نبحث عن تعريفها عندهم بدل أن ننسبها للمعاصرين .
ودمتم أوفياء لهذا العلم .

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-31 ||, 03:26 PM
بارك الله فيك , ,أسئلتك هذه تذكرني بنمط أسئلة الرعب التي يثيرها أستاتذة ومشايخ دار الحديث الحسنية وجامعات فاس والرباط...(ابتسامة).

الآمدي متكلم لذلك اعتمد نفس الحد في أبكار الأفكار (وهو كتاب عقدي) وكتاب الإحكام (وهو كتاب أصولي) , وهو راجع إلى تعريف أرسطو لقياس الشمول, كما تجده في تلخيص القياس لابن رشد.

يوسف أبو زكريا
09-09-01 ||, 01:10 AM
أضحك الله سنك .
في الحقيقة أسئلتي لا تثير الرعب بقدر ما تثير إشكالا مصطلحيا فرضه الواقع التخصصي للعلوم إن صح التعبير، وبصيغة أخرى أسأل فأقول على سبيل المثال: مصطلح " خبر الواحد " هل هو مصطلح حديثي أو أصولي أو غير ذلك . وما هو تعليل جوابكم .
وبتعليل جوابكم ممكن أهتدي إلى ما أردته من الأسئلة السابقة .
وفقكم الله

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-02-05 ||, 06:11 PM
خبر الواحد مصطلح أصولي طبعا ، ولا يبحث المحدث -أصلا- في انقسام الحديث من حيث كثرة وقلة رجال كل طبقة من السند...