المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإتلاف في ذكر أسباب الخلاف



أمين بن منصور الدعيس
09-08-29 ||, 03:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فمن المعلوم أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قد جمع في كتابه رفع الملام جملة نافعة من الأسباب التي أدت إلى اختلاف أهل العلم وعدم قولهم بظاهر بعض الأحاديث، وهذه نبذة يسيرة من الأسباب أيضا التي أدت إلى تفاقم الخلاف الفقهي، أو القول بما يخالف ظاهر بعض الأدلة الشرعية حاولت جمعها زيادة على ما ذكره رحمه الله، والمقصود من ذكر مثل هذه الأسباب أن تكون داعية إلى ائتلاف أهل العلم وتغليب مقام الإعذار بينهم، وتجنبا للإطالة أشرع في المقصود بذكر هذه الأسباب:
أولا: التعصب فكم من أقوال كان الداعي إلى الزيادة فيها والاستطالة في تقريرها، والأخذ والرد فيها هو نوع من التعصب للقائلين؛ ولهذا يقول شيخ الإسلام لما ذكر بعض السنن التي جاءت على صفات مختلفة : «وأما بقية الفقهاء فيختارون بعض ذلك ويكرهون بعضه فمنهم من يكره الترجيع في الأذان كأبي حنيفة، ومنهم من يكره تركه كالشافعي، ومنهم من يكره شفع الإقامة كالشافعي، ومنهم من يكره إفرادها حتى صار الأمر بأتباعهم إلى نوع جاهلية، فصاروا يقتتلون في بعض بلاد المشرق على ذلك حمية جاهلية، مع أن الجميع حسن قد أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم.... وأما التعصب لهذه المسائل ونحوها فمن عائر الفرقة والاختلاف الذي نهينا عنه؛ إذ الداعي لذلك هو ترجيح الشعائر المفرقة بين الأمة، وإلا فهذه المسائل من أخف مسائل الخلاف جدا، لولا ما يدعو إليه الشيطان من إظهار شعار الفرقة». (القواعد النورانية ص20).
ومثل هذا النوع من الاستطالة في تقرير قول من الأقوال بنوع من الزيادة قد وقع فيه بعض فضلاء أهل العلم ، قال شيخ الإسلام: « والحديث الذي يرويه زيد العمي عن أنس بن مالك قال: أنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كنا نسافر فمنا الصائم ومنا المفطر، ومنا المتم ومنا المقصر، فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المتم على المقصر.
هو كذب بلا ريب وزيد العمي ممن اتفق العلماء على انه متروك، والثابت عن أنس إنما هو في الصوم، ومما يبين ذلك أنهم في السفر مع النبي لم يكونوا يصلون فرادى، بل كانوا يصلون بصلاته بخلاف الصوم، فإن الإنسان قد يصوم وقد يفطر، فهذا الحديث من الكذب، وإن كان البيهقي روى هذا فهذا مما أنكر عليه ورآه أهل العلم لا يستوفي الآثار التي لمخالفيه كما يستوفي الآثار التي له، وأنه يحتج بآثار لو احتج بها مخالفوه لأظهر ضعفها وقدح فيها، وإنما أوقعه في هذا -مع علمه ودينه- ما أوقع أمثاله ممن يريد أن يجعل آثار النبي موافقة لقول واحد من العلماء دون آخر، فمن سلك هذه السبيل دحضت حججه، وظهر عليه نوع من التعصب بغير الحق، كما يفعل ذلك من يجمع الآثار، ويتأولها في كثير من المواضع بتأويلات يبين فسادها، لتوافق القول الذي ينصره كما يفعله صاحب شرح الآثار أبو جعفر، مع أنه يروى من الآثار أكثر مما يروى البيهقي، لكن البيهقي ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها أكثر من الطحاوي» (الفتاوى 24/153-154).
ثانيا: طبائع النفوس وما فطرها الله عليه، واختلاف أهل العلم فيها، فهي مؤثرة في نظرة المجتهد في النصوص من حيث يشعر أو لا يشعر.
قال ابن حزم: « إن الله عز وجل ركب في النفس الإنسانية قوة مختلفة، فمنها عدل يزين لها الإنصاف، ويحبب إليها موافقة الحق، قال تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾. وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا﴾. ومنها غضب وشهوة يزينان لها الجور ويعميانها عن طريق الرشد، قال تعالى: ﴿وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد﴾. وقال تعالى: ﴿كل نفس ذآئقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون﴾.
فالفاضل يسر لمعرفته بمقدار ما منحه الله تعالى، والجاهل يسر لما لا يدري حقيقة وجهه، ولما فيه وباله في أخراه وهلاكه في معاده، ومنها فهم يليح لها الحق من قريب وينير لها في ظلمات المشكلات فترى به الصواب ظاهرا جليا، ومنها جهل يطمس عليها الطرق ويساوي عندها بين السبل، فتبقى النفس في حيرة تتردد وفي ريب تتلدد، ويهجم بها على أحد الطرق المجانبة للحق المنكبة عن الصواب تهورا وإقداما، أو جبنا أو إحجاما، أو إلفا وسوء اختيار، قال تعالى: ﴿أمن هو قانت آنآء الليل ساجدا وقآئما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب﴾. وقال تعالى: ﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون﴾. ومنها قوة التمييز التي سماها الأوائل المنطق فجعل لها خالقها بهذه القوة سبيلا إلى فهم خطابه عز وجل وإلى معرفة الأشياء ما هي عليه، وإلى إمكان التفهم الذي به ترتقي درجة الفهم، ويتخلص من ظلمة الجهل فيها، تكون معرفة الحق من الباطل » الإحكام (1/9-10).
يشار هنا إلى اجتهاد أبي بكر وعمر في أسارى بدر، فهو من هذا الباب.
ثالثا: تحكيم القواعد الفقهية المتأخرة في النصوص الشرعية، وامتحان وابتلاء النصوص الشرعية بتلك القواعد.
قال الدهلوي: « ولا ينبغي أن يرد حديثا أو أثرا تطابق عليه كلام القوم لقاعدة استخرجها هو أو أصحابه، كرد حديث المصراة، وكإسقاط سهم ذوي القربى فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك القاعدة المخرجة، وإلى هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال: مهما قلت من قول أو أصلت من أصل فبلغكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قاله صلى الله عليه وسلم» (الإنصاف للدهلوي ص63)
رابعا: التعمق في القواعد الحديثية التي يقررها أهل الحديث ولا سيما المتأخرون منهم والزيادة فيها:
قال الدهلوي: «ولا ينبغي لمحدث أن يتعمق في القواعد التي أحكمها أصحابه وليست مما نص عليه الشارع، فيرد به حديثا أو قياسا صحيحا، كرد ما فيه أدنى شائبة الإرسال والانقطاع، كما فعله ابن حزم في حديث تحريم المعازف لشائبة الانقطاع في رواية البخاري، على أنه في نفسه متصل صحيح، فإن مثله إنما يصار إليه عند التعارض، وكقولهم فلان أحفظ لحديث فلان من غيره فيرجحون حديثه على حديث غيره لذلك، وإن كان في الآخر ألف وجه من الرجحان» (الإنصاف للدهلوي ص62)
خامسا: الزيادة في مراعاة دلالات الألفاظ، ودقائق معانيها، والانصراف عن المعنى الكلي الذي أراد الراوي تقريره، فالأشعار واللغات يستشهد بها، ويفك بها ما انغلق من المعاني، ولا تكون مصدراً للتشريع والحكم.
قال ابن عبد البر: « وليست الأشعار واللغات مما يثبت بها شريعة ولا دين ولكنها يستشهد بها على أصل المعنى المستغلق إن احتيج إلى ذلك، والله أعلم وبه التوفيق» (التمهيد 10/62).
قال الدهلوي: « وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برؤوس المعاني دون الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية، فاستدلالهم بنحو الفاء والواو، وتقديم كلمة وتأخيرها، ونحو ذلك من التعمق، وكثيرا ما يعبر الراوي الآخر عن تلك القصة فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر، والحق أن كل ما يأتي به الراوي فظاهره أنه كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فإن ظهر حديث آخر أو دليل آخر وجب المصير إليه» (الإنصاف 01/63).
سادسا: الانفكاك الذي حصل بين أهل الحديث، وبين الفقهاء، في بعض عصور الأمة مما زاد في سعة هوة الخلاف.
قال الخطابي: « رأيت أهل العلم في زماننا قد حصلوا حزبين وانقسموا إلى فرقتين أصحاب: حديث وأثر، وأهل فقه ونظر، وكل واحدة منهما لا تتميز عن أختها في الحاجة، ولا تستغني عنها في درك ما تنحوه من البغية والإرادة؛ لأن الحديث بمنزلة الأساس الذي هو الأصل، والفقه بمنزلة البناء الذي هو له كالفرع، وكل بناء لم يوضع على قاعدة وأساس فهو منهار، وكل أساس خلا عن بناء وعمارة فهو قفر وخراب، ووجدت هذين الفريقين على ما بينهم من التداني في المحلين، والتقارب في المنزلتين، وعموم الحاجة من بعضهم إلى بعض، وشمول الفاقة اللازمة لكل منهم إلى صاحبه إخوانا متهاجرين، وعلى سبيل الحق بلزوم التناصر والتعاون غير متظاهرين.
فأما هذه الطبقة الذين هم أهل الحديث والأثر فإن الأكثرين إنما وكدهم الروايات، وجمع الطرق وطلب الغريب والشاذ من الحديث الذي أكثره موضوع أو مقلوب، لا يراعون المتون ولا يتفهمون المعاني، ولا يستنبطون سرها ولا يستخرجون ركازها وفقهها، وربما عابوا الفقهاء وتناولوهم بالطعن وادعوا عليهم مخالفة السنن، ولا يعلمون أنهم عن مبلغ ما أوتوه من العلم قاصرون وبسوء القول فيهم آثمون.
وأما الطبقة الأخرى وهم أهل الفقه والنظر فان أكثرهم لا يعرجون من الحديث إلا على أقله، ولا يكادون يميزون صحيحه من سقيمه، ولا يعرفون جيده من رديئه، ولا يعبؤون بما بلغهم منه أن يحتجوا به على خصومهم إذا وافق مذاهبهم التي ينتحلونها، ووافق آراءهم التي يعتقدونها، وقد اصطلحوا على مواضعة بينهم في قبول الخبر الضعيف والحديث المنقطع إذا كان ذلك قد اشتهر عندهم وتعاورته الألسن فيما بينهم، من غير ثبت فيه أو يقين علم به، فكان ذلك صلة من الرأي وغبنا فيه.
وهؤلاء وفقنا الله وإياهم لو حكي لهم عن واحد من رؤساء مذاهبهم وزعماء نحلهم قول يقوله باجتهاد من قبل نفسه طلبوا فيه الثقة واستبرؤا له العهدة، فنجد أصحاب مالك لا يعتمدون من مذهبه إلا ما كان من رواية ابن القاسم وأشهب وضربائهما من تلاد أصحابه، فإذا جاءت رواية عبد الله بن عبد الحكم وأضرابه لم تكن عندهم طائلا، وترى أصحاب أبي حنيفة رحمه الله تعالى لا يقبلون من الرواية عنه إلا ما حكاه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والعلية من أصحابه والأجلة من تلامذته، فإن جاءهم عن الحسن بن زياد اللؤلؤي وذويه رواية قول بخلافه لم يقبلوه ولم يعتمدوه، وكذلك تجد أصحاب الشافعي إنما يعولون في مذهبه على رواية المزني والربيع بن سليمان المرادي، فإذا جاءت رواية حرملة والجيزي وأمثالهما لم يلتفتوا إليها ولم يعتدوا بها في أقاويله، وعلى هذا عادة كل فرقة من العلماء في أحكام مذاهب أئمتهم وأساتذتهم، فإذا كان هذا دأبهم وكانوا لا يقنعون في أمر هذه الفروع ورواياتها عن هؤلاء الشيوخ إلا بالوثيقة والثبت، فكيف يجوز لهم أن يتساهلوا في الأمر الأهم والخطب الأعظم وأن يتواكلوا الرواية والنقل عن إمام الأئمة ورسول رب العزة، الواجب حكمه اللازمة طاعته الذي يجب علينا التسليم لحكمه والانقياد لأمره من حيث لا نجد في أنفسنا حرجا مما قضاه ولا في صدورنا غلا من شيء أبرمه وأمضاه.
أرأيتم إذا كان الرجل يتساهل في أمر نفسه ويسامح غرماءه في حقه فيأخذ منهم الزيف ويغضي لهم عن العيب هل يجوز له أن يفعل ذلك في حق غيره إذا كان نائبا عنه كولي الضعيف ووصي اليتيم ووكيل الغائب، وهل يكون ذلك منه إذا فعله إلا خيانة للعهد وإخفارا للذمة فهذا هو ذاك إما عيان حس وإما عيان مثل، ولكن أقواما عساهم استوعروا طريق الحق، واستطالوا المدة في درك الخط، وأحبوا عجالة النيل فاختصروا طريق العلم، واقتصروا على نتف وحروف منتزعة من معاني أصول الفقه سموها عللا، وجعلوها شعارا لأنفسهم في الترسم برسم العلم، واتخذوها جنة عند لقاء خصومهم ونصبوها دريئة للخوض والجدال يتناظرون بها ويتلاطمون عليها، وعند التصادر عنها قد حكم للغالب بالحذق والتبريز فهو الفقيه المذكور في عصره والرئيس المعظم في بلده ومصره، هذا وقد دس لهم الشيطان حيلة لطيفة وبلغ منهم مكيدة بليغة فقال لهم: هذا الذي في أيديكم علم قصير وبضاعة مزجاة لا تفي بمبلغ الحاجة والكفاية فاستعينوا عليه بالكلام وصلوه بمقطعات منه، واستظهروا بأصول المتكلمين يتسع لكم مذهب الخوض ومجال النظر، فصدق عليهم ظنه، وأطاعه كثير منهم، واتبعوه إلا فريقاٌ من المؤمنين.
فيا للرجال والعقول أنَّى يذهب بهم، وأنى يختدعهم الشيطان عن حظهم، وموضع رشدهم، والله المستعان» (معالم السنن 1/3-5).
سابعا: الخلط الذي حصل عند بعض أهل العلم بين ما هو من القياس المشروع، وما هو من الرأي المذموم.
قال الدهلوي: «ومنها أنه-أي الشافعي- رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع بالقياس الذي أثبته فلا يميزون واحدا منهما من الآخر، ويسمونه تارة بالاستحسان، وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة لحكم، وإنما القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص ويدار عليها الحكم، فأبطل هذا النوع أتم إبطال، وقال: من استحسن فإنه أراد أن يكون شارعا. حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول.
مثاله رشد اليتيم أمر خفي فأقاموا مظنة الرشد وهو بلوغ خمس وعشرين سنة مقامة وقالوا إذا بلغ اليتيم هذا العمر سلم إليه ماله قالوا هذا استحسان والقياس ألا يسلم إليه» (الإنصاف 44-45).
ثامنا: من أسباب الخلاف تكلف البعض الكلام فيما لا يعلم من العلم، قال ابن مسعود رضي الله عنه : «إن الذي يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون» (الآداب الشرعية 2/61).
((وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه: إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به، ولا يلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يتكلم فيه أحد قبلك فاختر أي الأمرين شئت، إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك )) (سنن البيهقي 10/115).
قال الشافعي: «وقد تكلم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السلامة له، إن شاء الله»(الرسالة ص41)
تاسعا: من أسباب الخلاف أن يكون الحديث في المسألة مروياً ولكن من رواه وإن كان ثقة إلا أنه ليس من أهل الفتوى، وممن عول الناس عليهم فيها، فلا يظهر الحديث في زمانه ولا يعمل به المفتون، ومن ثمَّ يقدح فيه من يقدح.
قال الدهلوي: «مثاله حديث القلتين فإنه حديث صحيح روي بطرق كثيرة معظمها ترجع إلى نسخة الوليد أو أبي الوليد بن كثير عن محمد بن جعفر بن الزبير أو محمد بن عباد بن جعفر عن عبيد الله بن عبد الله وكلاهما عن ابن عمر، ثم تشعبت الطرق بعد ذلك، وهذان وإن كانا من الثقات لكنهما ليسا ممن وسد إليهم الفتوى وعول الناس عليهم، فلم يظهر الحديث في عصر سعيد بن المسيب ولا في عصر الزهري ولم يمش عليه المالكية ولا الحنفية، فلم يعملوا به وعمل به الشافعي، وحديث خيار المجلس فانه حديث صحيح روي بطرق كثيرة وعمل به ابن عمر وأبو هريرة من الصحابة، ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم فلم يكونوا يقولون به، فرأى مالك وأبو حنيفة أن هذه علة قادحة في الحديث، وعمل به الشافعي» (الإنصاف 43-44)
عاشرا: تكلف بعض أهل العلم الاستدلال على كل مسألة وإن كانت فرعية بنص من كتاب أو سنة، بل وتحميل النصوص من الدلالات ما لا تحتمل مع أن كثيراً من المسائل هي من مناطات الاجتهاد، المبينة على الأقيسة والدلائل النظرية، بل إن بعض المسائل المجمع عليها بين أهل العلم قد لا يتضح فيها تعيين النص من الكتاب والسنة، ولكن جرى إجماع المسلمين وعمل الناس عليها.
قال الزهري: « أجمع الناس على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ، وقال : وليس في كل شيء نجد الإسناد» ( فتح الباري لابن رجب1/502).
الحادي عشر: من أسباب الخلاف رد بعض النصوص بكونها مخالفة للقياس، مع أن الشريعة جميعها إنما جاءت على مقتضى القياس، وما يظهر منها في باديء الرأي مخالفاً للقياس والرأي إذا تأمل وجد موافقا للرأي والحكمة، علم ذلك من علمه وجهله من جهله.
قال ابن رجب: «ذكر البخاري في (( الصيام )) مِن (( كتابه )) هَذا عَن أبي الزناد ، أنه قالَ : إن السنن ووجوه الحق لتأتي كثيراً على خلاف الرَأي ، فلا يجد المسلمون بداً مِن اتباعها ؛ مِن ذَلِكَ أن الحائض تقضي الصوم دونَ الصلاة .
وهذا يدل على أن هَذا مما لا يدرك بالرأي ، ولا يهتدي الرَأي إلى وجه الفرق فيهِ».
قال شيخ الإسلام: «قد تأملنا عامة المواضع التي قيل: إن القياس فيها عارض النص، وإن حكم النص فيها على خلاف القياس، فوجدنا ما خصه الشارع بحكم عن نظائره, فإنما خصه به لاختصاصه بوصف أوجب اختصاصه بالحكم، كما خص العرايا بجواز بيعها بمثلها خرصا، لتعذر الكيل مع الحاجة إلى البيع، والحاجة توجب الانتقال إلى البدل عند تعذر الأصل، فالخرص عند الحاجة قام مقام الكيل , كما يقوم التراب مقام الماء , والميتة مقام المذكى عند الحاجة , وكذلك قول من قال : القرض أو الإجارة أو القراض أو المساقاة أو المزارعة ونحو ذلك على خلاف القياس , إن أراد به أن هذه الأفعال اختصت بصفات أوجبت أن يكون حكمها مخالفا لحكم ما ليس مثلها , فقد صدق . وهذا هو مقتضى القياس , وإن أراد أن الفعلين المتماثلين حكم فيهما بحكمين مختلفين , فهذا خطأ , ينزه عنه من هو دون الأنبياء صلوات الله عليهم . ولكن هذه الأقيسة المعارضة هي الفاسدة , كقياس الذين قالوا : ﴿ إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ وقياس الذين قالوا " أتأكلون ما قتلتم , ولا تأكلون ما قتل الله ؟ " يعنون الميتة , وقال تعالى : ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون﴾ . ولعل من رزقه الله فهما , وآتاه من لدنه علما , يجد عامة الأحكام التي تعلم بقياس شرعي صحيح يدل عليها الخطاب الشرعي , كما أن غاية ما يدل عليه الخطاب الشرعي هو موافق للعدل الذي هو مطلوب القياس الصحيح .
وإذا كان الأمر كذلك : فالكلام في أعيان أحوال الرجل السالك يحتاج إلى نظر خاص , واستهداء من الله , والله قد أمر العبد أن يقول في كل صلاة : ﴿اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ . فعلى العبد أن يجتهد في تحقيق هذا الدعاء , ليصير من الذين أنعم الله عليهم : من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين , وحسن أولئك رفيق» (الفتاوى الكبرى 2/162).
الثاني عشر: الغلط والخلط الذي حصل في فهم مذهب السلف، حتى جُعل ما هو من مورد الاجتهاد عند عامة الأمة من معاقد الشريعة التي يوالى ويعادى عليها، وهذا وقع فيه بعض فضلاء أهل السنة في هذا الزمن، بسبب ما هو في باديء الأمر نوع من الحرص على السنة وتعظيم الشريعة، ولكن حقيقته على أحسن تقدير نوع من الاستطالة بالحق على خلق الله.
الثالث عشر: ظهور نوع من التعصب ظاهره التمسك والالتزام بالنص الصحيح وتعظيم مقام الشرعية، وحقيقته التعصب لأعيان من أهل العلم ممن اشتهر بالسنة والتزام مذهب السلف.
الرابع عشر: من أسباب ظهور الخلاف والزيادة فيه لا سيما في هذا العصر عدم اطلاع البعض على الخلاف، ومعرفة ما هو من موارد الاتفاق، وما هو من موارد الاختلاف، فتحصل المسارعة في إنكار أقوال، ربما يكون عليها جماهير أهل العلم، أو إحداث أقوال شاذة، بعضها عند التأمل أقوال لا قائل بها، إذ حقيقتها التلفيق بين أكثر من قول محفوظ، فيكون القول المحدث بهذا الوجه من التلفيق حقيقته أنه لا قائل به من المتقدمين.
الخامس عشر: من أسباب الخلاف ما أشار إليه شيخ الإسلام من أن بعض الناس لا يرى غيره على شيء، قال شيخ الإسلام: وقال سبحانه (وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء) فأخبر أن كل واحدة من الأمتين تجحد كل ما عليه الأخرى، وأنت تجد كثيرا من المتفقهة إذا رأى المتصوفة والمتعبدة لا يراهم شيئا، ولا يعدهم إلا جهالاً ضلالاً، ولا يعتقد في طريقهم من العلم والهدى شيئا، وترى كثيرا من المتصوفة والمتفقرة لا يرى الشريعة والعلم شيئا، بل يرى أن التمسك بهما منقطع عن الله، وأنه ليس عند أهلها شيء مما ينفع عند الله، والصواب أن ما جاء به الكتاب والسنة من هذا وهذا حق، وما خالف الكتاب والسنة من هذا وهذا باطل» (الاقتضاء 1/10).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-08-29 ||, 03:32 AM
جزاك الله خيرا يا أبا محمد على هذه المقالة المحكمة
وتميز هذا الموضوع بالدخول في صلبه مباشرة ، الأمر الآخر، أنه مفصل في الأسباب الدقيقة لأسباب الخلاف، فكثير ممن يتصدون لكتابة هذه الموضوعات الشائكة يقررون أموراً من العلم لا يكاد ينكرها أحد، والكل يسلم بصدقها، ولذا فلا تحدث هذه الكتابات أثرها في الواقع.
ولهذا فأجد أن الموضوع ما دام أنه دخل في التفاصيل فإنه يحتمل الزيادة، وأستأذن صاحب الموضوع في استكتاب الإخوة في ذكر الأسباب المفصلة للخلاف.
وأبدأ بنفسي فأقول:
من أسباب ظهور الخلاف اليوم: نقص العلم.
وهو سبب يحتمل البسط وله صور واقعة اليوم، ولا أنشط له الآن.
ومما يتعلق به: تصدر غير المتأهلين بسبب غياب تنظيم أدوار المتفقهين، والذي كان مرسوماً بدقة لدى المذاهب الفقهية.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-08-29 ||, 08:14 PM
ومما يتعلق به: تصدر غير المتأهلين بسبب غياب تنظيم أدوار المتفقهين، والذي كان مرسوماً بدقة لدى المذاهب الفقهية.

فلماذا تصدروا ؟

أظن أن نظام الدراسة الأكاديمية له يد في هذا الواقع ...لكن إيجابياته كثيرة جدا.

أنس عبدالله محمد
09-08-30 ||, 01:49 AM
ومن الأسباب أيضا
1- التعالم
2- فطرة الإنتماء-التي يحاول الكثير محاربتها بمثيلاتها -
3- حب التميز بالجديد
4- الإجتهاد في غير محله - كما في العقائد التي الفرض فيها الإتباع -
5- دعوى إختلاف الأحكام بختلاف الأزمان والتوسع فيها حتى وصلت النصوص
6- عدم التناسب بين السؤدد والتمكن العلمي
7- العجلة
8- إتخاذ الأحبار (العلماء) أرباب من دون الله ..؟!


وشكرا

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-09-03 ||, 07:17 AM
أستفسر من صاحب الموضوع عن مناسبة العنوان لمادة الموضوع "الإتلاف"

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-09-03 ||, 07:23 AM
ألا يكون من المناسب: الائتلاف في ذكر أسباب الخلاف، بمعنى الثمرة؟.

أبوبكر بن سالم باجنيد
09-09-03 ||, 01:59 PM
شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... موضوع ماتع