المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : عمليات استئناف الفقه! فالأمر أُنُف!



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-09-28 ||, 10:06 AM
عمليات استئناف الفقه!! فالأمر أُنُف!!

كذا!!
استئناف الفقه!!
نعم، وإن لم ينطقوا به حرفا فقد فعلوه عملاً، فالعملية أصحت واقعاً، وقد صار أوسع علوم الشريعة مختزلاً في إجراء عملية بناء مؤقتة، كلما عنَّت مسألة، ثم لا تلبث أن تتهاوى أمام أي عملية بناء جديدة، ولو كانت من المفتي نفسه، لأنه اليوم هو رجل، كما كان بالأمس رجلا، وليست رجولته اليوم بدون رجولته بالأمس ، على وزن "هم رجال ونحن رجال".
أما المدارس الفقهية المعمورة، والمأهولة بالفقهاء والمصنفات، فقد غدت بيوتات قديمة،
أوراق صفراء بالية، عفى عليها الزمن، لا حاجة إلى السكنى فيها، فهي في سن الإياس، وقد انقطع عنها حبل الرجاء
هكذا، يسير جيل عريض اليوم من الدخلاء على هذا الفن، وليسوا من أهله، ولم يتكلفوا يوماً معالجة مسائله.
فالفقه مشواره طويل، وفروعه متشعبة، وخلافاته كثيرة، وكم قد انقطع الطلاب في مفاوز كتاب الطهارة، وقد انقطعت أنفاسهم دون بلوغ نهايته، حتى ظنوا أنه بساط ملفوف على كرة كلما انتهوا رجعوا وعادوا.
فكيف وقد استجدت الوقائع، وتعقدت الحوادث، فزادت الطين بلة، فلا الفقه القديم درسوا، ولا معقَّدات العصر عرفوا.
إذن فلنستأنف الفقه من جديد، وخلاص! ولِمَ التعب؟ فالمسألة فيها ثلاثة أقوال: الجواز أو التحريم أو التوسط، والراجح أحدها!.
الكلام على مسائل الفقه يضطر إليه كثير من الناس حتى من غير المتخصصين؛ لأنه مما تعظم حاجة الناس إليه، وتكثر في مسائله أسئلتهم، فيضطر المنتسب إلى علوم الشريعة إلى الخوض فيه، ودون ذلك مشواران طويلان معقدان:
الأول: دراسة كلام الفقهاء.
الثاني: دراسة ما استجد من مسائل العصر.
وكل مشوار منهما دون بلوغه انقطاع الأنفاس، فقد قصرت الهمم، وماتت العزائم، والله المستعان.
فما كان من جماعات عريضة من المتكلمين في شؤون الفقه ومسائله إلا الخوض فيه على طريقة الاستئناف، فالأمر أنف:
o فهذه المسألة المعقدة المركبة من عدة عقود، جائزة لأن الأصل في العقود الحل من غير تكلف النظر في تحليل العقد ومعرفة مكوناته، وما يرد عليه من الأوصاف المانعة من صحة العقود.
o والراجح في تلك المسألة القول الأول؛ لأن ما سواه من الأقوال لا دليل عليه.
o والصحيح في حكم هذه المنشأة أنها جارية على الأصول الشرعية لأنها تتفق ومقاصده.
وإذا استدلوا بكلام بعض الفقهاء أخذك العجب، فهذا يقول: هذا كلام الشافعي، وينقل كلامه مع أنه مذهب الأئمة الأربعة!.
والمتأمل في هذا التيار العريض المستأنف لعمليات الفقه من جديد من غير نظر إلى الأصول القديمة أو البناء على التراكم العلمي المدون في مصنفات المدارس الفقهية يجد ما يلي:
1- اتفاقهم في عدم المبالاة بالشذوذ والخروج عن الإجماعات القديمة المتوالية، وأن الإجماع هو فقط في المعلوم من الدين من الضرورة كوجوب الصلاة وتحريم الخمر، وما سوى ذلك فهو مسرح متغير!.
2- أن أنه لا يجد إلا الحكم الأخير للمسألة، الراجح، أو الصحيح، أو الباطل، أو التغليط أو الردود، ولا يجد لديهم عمقاً في النظر إلى المآخذ أو البحث عن الحلول أو البدائل، ومحاولة الإضافة، والترقي في مدارج الإصلاح.
3- أن أصحابه على طريقتين متباينتين إلى حدود واسعة إلى ما يشبه الأطراف البعيدة:
فالطريقة الأولى لعلميات استئناف:
هي استنباط الحكم الفقهي من خلال النظر المباشر إلى النصوص، من غير أي اعتبار لمجموع الاستنباطات أو الاطلاع على استنباطات الفقهاء والجواب عن إشكلات تعارض الاستنباطات.
فالتطيب بطيب النساء مثلاً يجوز ولو اجتمعت فيه جملة من أوصاف التحريم الحادثة، استدلالا برواية التطيب بيوم الجمعة ولو بطيب نسائه، وعدم قبول أي مناقشة أو اعتراض، لأن المسألة بحسب هؤلاء محسومة، ولا يمكن أن تتغير أو يحدث وصفاً جديداً إلى قيام الساعة، ولو انطبقت السموات والأرض فعادتا رتقا!.فالصورة التي وقع عليها النص واجبة الثبوت والاستمرار.
والمستفاد من الحديث إنما يكون بما يفيده النص بطريق مباشر من غير الخوض في تعقيدات الفقهاء وتراتيب الأصوليين.
وهؤلاء فيهم قرب شديد لأهل الظاهر في اعتبار أن النصوص بألفاظها قد استوعبت الوقائع والأحداث الماضية والمستقبلة.
كما أنك تجد عند هؤلاء تعظيم شديد لبعض المسائل التي اتصلت بالنص بسببٍ؛ كأن يكون داخلاً في عمومه، ولو كان من جنس النادر الذي يناقش الأصوليون حكمه بالنظر إلى عدم قصده، أو كان تعلقه بالنص عن طريق استنباط، مع أن المسألة قد تكون محتملة ولها موجبات أخرى أقوى مستفادة من معاني النصوص وإن لم يصرح فيها.
ثم تجد عند هؤلاء في المقابل سعة فيما لم يرد فيه نص صريح، أو كانت واقعة حادثة، مع أن دلائل النصوص عليها قد تكون في أقوى ما يكون من مراتب الدلالة.
لكن ضعفت المسألة عندهم لأن النص لم يصرح بحكمها في عين صورتها.
وهذا اتجاه ظاهري بجلاء، ولك أن تقول: نزعة ظاهرية متجذرة، ولكن غالب أصحابه لا ينتسبون إلى المدرسة الظاهرية وربما عابوا على ابن حزم جموده، وتندروا عليه في بعض أقواله.
وينتسبون بحسب الظاهر إلى المدرسة القياسية المقاصدية.
هذا من جهة الانتساب لكن عند التأمل في التطبيقات الفقهية تجد أن ما يثبتونه من القياس أو المقاصد إنما يكون من جنس ما صرح النص بمعناه، وهو ما أثبته بعض أهل الظاهر كالنهرواني والقاساني.
وأنهم في الغالب الكثير يقفون عند ظاهر النص مقتطعاً عن معناه، ومقتطعاً عن مجموع ما أفادته النصوص.
يؤكد ذلك طريقة تكوينهم العلمي عن طريقة دراسة العلم من الإفادة المباشرة من النص، وربما استغرقوا في دراسة الإسناد بما يكون معه الكلام في المتن حشواً بإزائه.
ومن الجدير بالذكر هنا أن أهل الظاهر القدامى كانوا في مقدم من اعتبر التراكم الفقهي، ولذا فقد تخرجوا كلهم عن طريق مدرسة الشافعي، وقصة داود مع إسحاق بن راهويه معروفة إذ دخل داود على شيخه إسحاق وهو يحتجم قال: فجلست، فرأيت كتب الشافعي، فأخذت أنظر، فصاح بي إسحاق: أيش تنظر ؟ فقلت: * (معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده) [ يوسف: 75 ]. قال: فجعل يضحك، أو يتبسم .([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))
كما أنك تجد أن أهل الظاهر القدامى كانوا يذكرون الأقوال ويتخيرون منها، أو يرجحون غيرها بحسب منهجهم لكنهم على أية حال لم يكونوا يغفلون كلام الفقهاء بل ذكروه ودرسوه، ونقلوا تفاريعهم وحججهم ثم بنوا على ذلك ما انتهوا إليه من أقوالهم.
أما ظاهرية اليوم فإنهم يجرون علميات استئناف جديدة من غير تكلف النظر في تفاريع الفقهاء، وإذا كان عامة أهل العلم أنكروا على أهل الظاهر شذوذاتهم، مع أنهم كانوا ينظرون في أقوال الفقهاء فكيف بمن لا يتكلف أصلا الاطلاع على كتب الفقهاء، وحظه منها الاستظراف بنوادرها.
وإنما هم في مرتبة "المجتهد المستقل" كأبي حنيفة والشافعي وأضرابهما:


"وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع!"

أما الطريقة الثانية لعمليات استئناف الفقه:
فهي استخراج الحكم عن طريق النظر إلى ملاءمته مع ما يفيده العقل الصحيح وما جاء عن مقاصد الشريعة الضرورية.
وهذه الطريقة:
تشبه طريقة المعتزلة في اعتبار العقل ومحاكمة النص على وفقه، وقد وقع الإجماع المنضبط على ذم هذه الطريقة وأصحابها.
وتشبه الاستحسان القديم المذموم، الذي أحياه هؤلاء اليوم بعد أن تحول الاستحسان القديم أثرا بعد عين إذ تبرأ منه أصحابه الذين نسبوا إليه من أهل الرأي وغيرهم.
وفات هؤلاء أن الشريعة تكليف من الله سبحانه: أوامر ونواهي، وأن البشر مأمورون بالانضباط فيها.
وفات هؤلاء أن للشريعة مقاصد خاصة في كل باب ينبغي مراعاتها، وأن للشريعة مقاصد خاصة في بعض أعيان المسائل.
وفات هؤلاء حرص الشارع وتشوفه إلى ضبط الناس.
وفات هؤلاء فقه أعيان المسائل التي صرحت النصوص بحكمها، ومحاولة فقه مأخذ الشريعة.
وفات هؤلاء أن الفقهاء قد اشتغلوا ببناء بعض الفنون الخاصة لضبط قانون الشريعة وبيان ما يظن أنه خرج عن مساره ككتب القواعد وكتب الوجوه والنظائر، وأن المسألة أكبر من الانحصار في معرفة مبادئ الشريعة العامة، فالكلام في تفاصيل الشريعة حسب حكم الشارع المفصل مصدره.
وأخيراً فإن عملية استئناف الفقه بنظري عملية خطيرة، وإن انجر في مساراتها المتعددة جماعات من أهل الفضل، ووجه خطورتها أمور، منها:
1- أنها تقتضي الخروج عن الإجماعات المستيقنة التي دونها فقهاء المسلمين في مصنفاتهم، وإن هذه الأمة قد حفظها الله أن يعزب الحق عن مجموعها أو أن تجمتع على باطل، ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على الحق بحججها وبيناتها.
2- أنها مستلزمة إسقاط "علم الفقه المدون" بكافة أصنافه: المتون والشروح والتفريعات وكتب القواعد والوجوه والنظائر والاستثناء والفروق.
3- أنها تقتضي الخروج بنتائج سقيمة بسبب استقلالها الإنتاجي، بخلاف من اعتبر خلاف الفقهاء المدون، فإنه يمشي على رواسي وأعلام، والخلاصة التي يذكرها يمرِّرها على عقول وأذهان سبقته في تمحيصها، وقد يقوى بحثه فيصل إلى درجات متقدمة في الاستقراء والتتبع.
4- أنها تفقد الفقه مرونته وثراءه؛ إذ يصير نتاج رجل بعد أن كان نتاج أمة.
وأخيراً فأرجع عمليات استئناف الفقه المعاصرة إلى ثلاثة أسباب:
السبب الأول: قصور في العلم؛ فليس لديهم من الوقت ولا من الهمة ما يكفي للنظر في فقه القدامى المدون، ولا في تكييف المسائل المعاصرة، ولا مناص لهم من تجشَّم الكلام فيها.
السبب الثاني: خطأ في المنهج، وانحراف في مسلك التلقي.
السبب الثالث،وهو خاص بأهل الأهواء؛ إذ لهم النصيب الأوفى من عمليات استئناف الفقه، فهي توافق مشربهم وتلتقي ورؤيتهم: ما أشربته قلوبهم من الهوى، فضاقت ذرعاً بمحكمات النصوص، فأرادوا الانسلاخ منها ومن تقييدات أهل العلم، ليركبوا ما تشابه منها مما كان حمَّالاً ذا وجوه، والعود على محكمات النصوص بتعريتها من مضامينها عبر السياقات التاريخية والظروف الاجتماعية، والأحوال العينية، والإملاءات المرحلية، ليستوحوا للعصر نصه الخاص اللائق به في معزل عن النص القديم الذي انقضى بأهله.
وأخيراً: فهذا موضوع يعالج نطاقاً واسعاً من النتاج الفقهي المعاصر، وهو لا يبرر بحال عمليات التقليد المتجددة في قوالب معاصرة، فقد فرغ الأئمة من التحذير من الإفتاء بالمدون في الكتب، وأن كل فتوى فهي عملية اجتهاد جديدة مستأنفة في إنزال الحكم الشرعي على الوصف المعين.
فلا للتقليد الذي يدفع إلى تجميد الحركة الفقهية، ولا إلى إسقاط علم الفقه المدوَّن وإلغائه من قاموس "المسألة الفقهية"، وما أجمل أن نسير في قواعد الفقهاء ولا نجمد، وأن نعي المستجد المعاصر فنعد للأمر عدته.




([1]) سير أعلام النبلاء (13 / 98، 99). طبقات الشافعية الكبرى (2 / 285).

أبوبكر بن سالم باجنيد
09-09-29 ||, 08:29 AM
جزيت خيرا، وبورك فيك.. دمت مسدداً

صلاح الدين
09-09-29 ||, 09:42 AM
بورك فيكم شيخنا
ولعل من أسباب إستئناف الفقه إستبداد السلطان على أهل العلم وذلك عن طريق تلفيق الفتاوى بحجة تغير الأحكام بتغير الزمان
والله المستعان

أحمدمحمدالرخ
09-09-29 ||, 02:06 PM
بارك الله فيكم شيخنا وجزاكم خيرا
ولعل من الأسباب أيضا:
انعدام طريقة تحصيل العلم الشرعي عند طلبة العلم كما كانت عند فقهائنا القدامى، فقد كان طالب العلم يرحل من بلد إلى بلد من أجل طلب العلم على شيخ متقن حازق بعلو همة وصبر وجلد
أما اليوم فأصبح شيخ الطالب هو الكتاب، ومن كان شيخه كتابه غلب خطؤه صوابه
ناهيك عن ضعف الهمم؛ بل انعدامها
والله المستعان

عبد الرزاق عبد الله صالح
09-09-29 ||, 05:27 PM
سددك الله أخي الكريم متعتنا بهذا الطرح الرائع ...حقا لقد ارغمتني على قراءته حتى النهاية رغم انشغالي..نفع الله بك وجعلك مباركا أينما كنت

د. عامر بن محمد بن بهجت
09-09-29 ||, 05:40 PM
شكر الله لك وبارك

عبدالعزيز بن عبدالحميدالفارس
09-09-29 ||, 06:36 PM
كلام حسن وجيد يدل على اطلاع كاتبيه لواقعه

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-09-29 ||, 09:00 PM
شكر الله لكم مروركم العطر، وكلامتكم العذبة.

احمد فتحي
09-09-30 ||, 04:10 AM
جزاكم الله خيرا مقال رائع

عبدالعاطي ميلود محمد
09-09-30 ||, 11:52 PM
بارك الله فيك أخي وصفت المرض وصفا واضحا لا شك فيه

إقتباس

((وهؤلاء فيهم قرب شديد لأهل الظاهر في اعتبار أن النصوص بألفاظها قد استوعبت الوقائع والأحداث الماضية والمستقبلة))

صدقت والله يأخي وقد قال الشاطبي في الإعتصام

(( .... في خلافة الواثق وكما اتفق لعلماء المالكية بالاندلس اذ صارت ولايتها للمهديين فمزقوا كتب المالكية وسموها كتب الرأي ونكلوا بجملة من الفضلاء بسبب اخذهم في الشريعة بمذهب مالك
وكانوا هم مرتكبين للظاهرية المحضة التي هي عند العلماء بدعة ظهرت بعد المائتين من الهجرة
ويا ليتهم وافقوا مذهب داود واصحابه لكنهم تعدوا ذلك إلى ان قالوا برأيهم ووضعوا للناس مذاهب لا عهد لهم بها في الشريعه وحملوهم عليها طوعا أو كرها حتى عم داؤها في الناس وثبتت زمانا طويلا ثم ذهب منها جملة وبقيت أخرى إلى اليوم
ولعل الزمان يتسع إلى ذكر جملة منها في اثناء الكتاب بحول الله ))

عبدالله بن أحمد المسروحي
09-10-01 ||, 02:26 PM
بارك الله فيك شيخنا ووفقك وسدد على طريق الخير خطاك


(إذا عرف المرء أصل الداء سهل عليه وصف الدواء )

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-10-02 ||, 07:02 AM
شكر الله لكم مروركم الطيب وجزاكم الله خيرا.

زايد بن عيدروس الخليفي
09-10-03 ||, 12:42 PM
سلمت بنان من سطرها ... والأولى في أمثال تيك الطوائف أن يقولوا عن الفقهاء السابقين
هم رجال ونحن ذكور !!

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-10-14 ||, 08:55 AM
شكر الله لك مرورك
والمسألة لا تحتاج أكثر من شيء من الجدية في تناول المسالة الفقهية، وكما ذكرت في رأس الموضوع أن ابن حزم الظاهري وهو من لا يبالي بالشذوذ كان يذكر المسألة ويذكر الخلاف فيها ثم يتخير من بينها وربما أحدث قولاً لكن على بصيرة بموقع قوله
لكن اليوم تجد من لا يبالي بمراجعة المسألة وأن المسألة لا تحتاج سوى النظر في الواقعة وإسقاط النص المباشر عليها.
وهذا هدم للبنيان الفقهي المأهول بالفقهاء وتجاوز للمدرسة الفقهية وعدم احترام لمنارات هذا البنيان.
تريد أن تتجاوز فأنت وشأنك لكن حدد موقعك ممن قبلك.

مشاري بن سعد الشثري
09-10-16 ||, 03:08 AM
ظاهرية اليوم
الفقه أضحى نتاج رجل بعد أن كان نتاج أمة
---
عبارات وقعت مني موقعًا بليغًا..

كلام حسن مُحقق له أبعاده ومايهدف إليه..

---
(وفات هؤلاء حرص الشارع وتشوفه إلى ضبط الناس)
بل لعله شيخَنا الفاضل قد فات كلا الفريقين..
ولاأبالغ إن قلت بأن عُريَّ الطائفةِ الأولى عن فقهه أجلى وأبين..

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-10-25 ||, 02:46 PM
بارك الله فيكم وجزاكم الله خيرا.

يحيى رضا جاد
10-01-26 ||, 01:04 PM
لنبدأ بتحرير محل الاتفاق بيننا أولاً .. وهو أقوالكم الآتية (وقد استخلصطها بنصها من مقالكم الطيب .. مع إبرازي لبعض أقوالكم - التي أتفق معها تمام الاتفاق- بطريقة فنية تظهرها) :

أما المدارس الفقهية المعمورة، والمأهولة بالفقهاء والمصنفات، فقد غدت بيوتات قديمة

أوراق صفراء بالية، عفى عليها الزمن، لا حاجة إلى السكنى فيها، فهي في سن الإياس، وقد انقطع عنها حبل الرجاء

هكذا، يسير جيل عريض اليوم من الدخلاء على هذا الفن، وليسوا من أهله، ولم يتكلفوا يوماً معالجة مسائله.

فالفقه مشواره طويل، وفروعه متشعبة، وخلافاته كثيرة، وكم قد انقطع الطلاب في مفاوز كتاب الطهارة، وقد انقطعت أنفاسهم دون بلوغ نهايته، حتى ظنوا أنه بساط ملفوف على كرة كلما انتهوا رجعوا وعادوا.

فكيف وقد استجدت الوقائع، وتعقدت الحوادث، فزادت الطين بلة، فلا الفقه القديم درسوا، ولا معقَّدات العصر عرفوا.

والمتأمل في هذا التيار العريض المستأنف لعمليات الفقه من جديد من غير نظر إلى الأصول القديمة أو البناء على التراكم العلمي المدون في مصنفات المدارس الفقهية يجد ما يلي:

لا يجد إلا الحكم الأخير للمسألة، الراجح، أو الصحيح، أو الباطل، أو التغليط أو الردود، ولا يجد لديهم عمقاً في النظر إلى المآخذ أو البحث عن الحلول أو البدائل، ومحاولة الإضافة، والترقي في مدارج الإصلاح.


الطريقة الأولى لعلميات استئناف:
هي استنباط الحكم الفقهي من خلال النظر المباشر إلى النصوص، من غير أي اعتبار لمجموع الاستنباطات أو الاطلاع على استنباطات الفقهاء والجواب عن إشكلات تعارض الاستنباطات.

[ قلتُ - يحيى- : وهذا واقعُ للأسف عند كثير من المحدثين ]

كما أنك تجد عند هؤلاء تعظيم شديد لبعض المسائل التي اتصلت بالنص بسببٍ؛ كأن يكون داخلاً في عمومه، ولو كان من جنس النادر الذي يناقش الأصوليون حكمه بالنظر إلى عدم قصده، أو كان تعلقه بالنص عن طريق استنباط، مع أن المسألة قد تكون محتملة ولها موجبات أخرى أقوى مستفادة من معاني النصوص وإن لم يصرح فيها.

[قلتُ - يحيى- : تحقيق دقيق ]

ثم تجد عند هؤلاء في المقابل سعة فيما لم يرد فيه نص صريح، أو كانت واقعة حادثة، مع أن دلائل النصوص عليها قد تكون في أقوى ما يكون من مراتب الدلالة.
لكن ضعفت المسألة عندهم لأن النص لم يصرح بحكمها في عين صورتها.
وهذا اتجاه ظاهري بجلاء، ولك أن تقول: نزعة ظاهرية متجذرة

[قلتُ - يحيى- : تحقيق دقيق كذلك .. سلمت يمينك ]

وأنهم في الغالب الكثير يقفون عند ظاهر النص مقتطعاً عن معناه، ومقتطعاً عن مجموع ما أفادته النصوص.

القدامى كانوا في مقدم من اعتبر التراكم الفقهي

[ قلتُ - يحيى- : وهذا أمر واجبٌ وجوباً معرفياً .. كما سنوضح إن شاء الله ]

كانوا يذكرون الأقوال ويتخيرون منها، أو يرجحون غيرها بحسب منهجهم لكنهم على أية حال لم يكونوا يغفلون كلام الفقهاء بل ذكروه ودرسوه، ونقلوا تفاريعهم وحججهم ثم بنوا على ذلك ما انتهوا إليه من أقوالهم.

[ قلتُ - يحيى- : وهذا أيضاً أمر واجبٌ وجوباً معرفياً .. كما سنوضح إن شاء الله ]

أما ظاهرية اليوم فإنهم يجرون علميات استئناف جديدة من غير تكلف النظر في تفاريع الفقهاء، وإذا كان عامة أهل العلم أنكروا على أهل الظاهر شذوذاتهم، مع أنهم كانوا ينظرون في أقوال الفقهاء فكيف بمن لا يتكلف أصلا الاطلاع على كتب الفقهاء، وحظه منها الاستظراف بنوادرها.

[ قلتُ - يحيى- : صدقتم ]

أما الطريقة الثانية لعمليات استئناف الفقه:

فهي استخراج الحكم عن طريق النظر إلى ملاءمته مع ما يفيده العقل الصحيح وما جاء عن مقاصد الشريعة الضرورية. [ قلتُ - يحيى- : أي من غير اعتبار للنصوص وما دلت عليه ]

وفات هؤلاء أن الشريعة تكليف من الله سبحانه: أوامر ونواهي، وأن البشر مأمورون بالانضباط فيها.
وفات هؤلاء أن للشريعة مقاصد خاصة في كل باب ينبغي مراعاتها، وأن للشريعة مقاصد خاصة في بعض أعيان المسائل.
وفات هؤلاء حرص الشارع وتشوفه إلى ضبط الناس.
وفات هؤلاء فقه أعيان المسائل التي صرحت النصوص بحكمها، ومحاولة فقه مأخذ الشريعة.

وأخيراً فإن عملية استئناف الفقه بنظري عملية خطيرة، وإن انجر في مساراتها المتعددة جماعات من أهل الفضل، ووجه خطورتها أمور، منها:

1- أنها تقتضي الخروج عن الإجماعات المستيقنة التي دونها فقهاء المسلمين في مصنفاتهم، وإن هذه الأمة قد حفظها الله أن يعزب الحق عن مجموعها أو أن تجمتع على باطل، ولا تزال هذه الأمة ظاهرة على الحق بحججها وبيناتها.

[ قلتُ - يحيى- : إن كنتَ تقصد الثوابت؛ فقد اتفقنا .. وإن كنتَ تقصد بالإجماعِ الإجماعَ الذي يذكره الأصوليون في كتبهم؛ فهذا مما ننازع فيه

والثوابت - عندي- تشمل (المعلوم من الدين بالضرورة؛ أي الأمور قطعية الثبوت والدلالة التي لا يجهلها العامي المسلم فضلاً عن العالم الفقيه) كما تشمل (الأمور قطعية الثبوت والدلالة التي لا يعلمها إلا من ولج باب الدراسات الإسلامية والشرعية؛ من مثل : تفاصيل أحكام المواريث الواردة بسورة النساء؛ فكل الناس يقرؤها, ولكن لا يقفهها إلا من ولج الباب بالدراسة لها) ]

2- أنها مستلزمة إسقاط "علم الفقه المدون" بكافة أصنافه: المتون والشروح والتفريعات وكتب القواعد والوجوه والنظائر والاستثناء والفروق.

[ قلتُ - يحيى- : وتلك - إن وقعت- سقطةٌ معرفية لا تُغتفر]

3- أنها تقتضي الخروج بنتائج سقيمة بسبب استقلالها الإنتاجي، بخلاف من اعتبر خلاف الفقهاء المدون، فإنه يمشي على رواسي وأعلام، والخلاصة التي يذكرها يمرِّرها على عقول وأذهان سبقته في تمحيصها، وقد يقوى بحثه فيصل إلى درجات متقدمة في الاستقراء والتتبع.

[ قلتُ - يحيى- : صدقتم .. ولكن المرء قد يأتي - رغم ذلك ومعه- بجديد؛ فهل في ذلك حرج ؟! ]

4- أنها تفقد الفقه مرونته وثراءه؛ إذ يصير نتاج رجل بعد أن كان نتاج أمة.

[ قلتُ - يحيى- : سلمت يمينك .. كلمة بليغة ]

وأخيراً فأرجع عمليات استئناف الفقه المعاصرة إلى ثلاثة أسباب:

السبب الأول: قصور في العلم؛ فليس لديهم من الوقت ولا من الهمة ما يكفي للنظر في فقه القدامى المدون، ولا في تكييف المسائل المعاصرة، ولا مناص لهم من تجشَّم الكلام فيها.

السبب الثاني: خطأ في المنهج، وانحراف في مسلك التلقي.

السبب الثالث،وهو خاص بأهل الأهواء؛ إذ لهم النصيب الأوفى من عمليات استئناف الفقه، فهي توافق مشربهم وتلتقي ورؤيتهم: ما أشربته قلوبهم من الهوى، فضاقت ذرعاً بمحكمات النصوص، فأرادوا الانسلاخ منها ومن تقييدات أهل العلم، ليركبوا ما تشابه منها مما كان حمَّالاً ذا وجوه، والعود على محكمات النصوص بتعريتها من مضامينها عبر السياقات التاريخية والظروف الاجتماعية، والأحوال العينية، والإملاءات المرحلية، ليستوحوا للعصر نصه الخاص اللائق به في معزل عن النص القديم الذي انقضى بأهله.

وأخيراً: فهذا موضوع يعالج نطاقاً واسعاً من النتاج الفقهي المعاصر، وهو لا يبرر بحال عمليات التقليد المتجددة في قوالب معاصرة، فقد فرغ الأئمة من التحذير من الإفتاء بالمدون في الكتب، وأن كل فتوى فهي عملية اجتهاد جديدة مستأنفة في إنزال الحكم الشرعي على الوصف المعين.

فلا للتقليد الذي يدفع إلى تجميد الحركة الفقهية، ولا إلى إسقاط علم الفقه المدوَّن وإلغائه من قاموس "المسألة الفقهية"، وما أجمل أن نسير في قواعد الفقهاء [ قلتُ - يحيى- : أي : المستقاة من مقررات الشريعة -قرآناً وسنة- وقواطع العقل ] ولا نجمد، وأن نعي المستجد المعاصر فنعد للأمر عدته. اهـ اقتباسنا من كلام أخينا الفاضل الكريم الحبيب فؤاد الهاشمي

فهل عنده تعقيب على ما أوردتُهُ - أنا- من تعليقات على كلامه قبل أن أرتقي مرتقاً آخر بطرح ما عندي في الشماركة التالية إن شاء الله ؟

يحيى رضا جاد
10-01-26 ||, 02:23 PM
لنبدأ بتحرير محل الاتفاق بيننا أولاً .. وهو أقوالكم الآتية




إنما فعلتُ ذلك - كي يعلم القراء الكرام- إكمالاً للنقاش الدائر -أو إن شئتَ قلتَ : المدارسة الفكرية- بيني وبين أخي العزيز الفاضل فؤاد الهاشمي .. والموجودة على الرابط الآتي
:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-01-26 ||, 02:27 PM
الحمد لله على موافقتك فيما أكدته من عناصر المقال وإن المسلم ليفرح بموافقة أخيه.
بالنسبة لقضية الإجماع، فهذه مسألة كبيرة، واختزالها في بعض الجدليات الأصولية هوَّن من قيمتها، وقد حاولت ان أدرس مناهج الأئمة في الإجماع والشذوذ: الشافعي، ابن حزم، ابن عبد البر، ابن تيمية، ابن رجب، وقد خرجت بحمد الله بنتائج طيبة
ولعلك تطلع على روابط السلسلة التي لم تكتمل بعد، فبقي ابن تيمية فيما أظن:
سلسلة مباحث الإجماع والشذوذ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

يحيى رضا جاد
10-01-26 ||, 03:01 PM
الحمد لله على موافقتك فيما أكدته من عناصر المقال وإن المسلم ليفرح بموافقة أخيه.
بالنسبة لقضية الإجماع، فهذه مسألة كبيرة، واختزالها في بعض الجدليات الأصولية هوَّن من قيمتها، وقد حاولت ان أدرس مناهج الأئمة في الإجماع والشذوذ: الشافعي، ابن حزم، ابن عبد البر، ابن تيمية، ابن رجب، وقد خرجت بحمد الله بنتائج طيبة
ولعلك تطلع على روابط السلسلة التي لم تكتمل بعد، فبقي ابن تيمية فيما أظن:
سلسلة مباحث الإجماع والشذوذ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)




نحن ننازع في الإجماع : فيه إمكانه, وفي وقوعه إذا أمكن, وفي العلم به إذا وقع, وفي حجيته إذا عُلِم.



وإن لنا مع هذه السلسلة لوقفات إن شاء الله .. ولكن وقتي يضيق عنها هذه الأيام

ولك مني جزيل الشكر والتقدير والاحترام