المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : النهي في المطلق و المقيد



عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
09-10-13 ||, 02:36 PM
الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين أما بعد

قال الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول فو شروط حمل المطلق على المقيد :

( الشرط الثالث ) : أن يكون في باب الأوامر والإثبات ، أما في جانب النفي والنهي فلا ؛ فإنه يلزم منه الإخلال باللفظ المطلق مع تناول النفي والنهي ، وهو غير سائغ .

وممن ذكر هذا الشرط الآمدي ، وابن الحاجب ، وقالا : لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما ؛ لعدم التعذر ، فإذا قال لا تعتق مكاتبا ، لا تعتق مكاتبا كافرا ( لم يعتق مكاتبا كافرا ) ولا مسلما ، إذ لو أعتق واحدا منهما لم يعمل بهما ، وأما صاحب المحصول فسوى بين الأمر والنهي ورد عليه القرافي بمثل ما ذكره الآمدي ، وابن حاجب ، وأما الأصفهاني فتبع صاحب المحصول ، وقال حمل المطلق على المقيد لا يختص بالأمر والنهي ، بل يجري في جميع أقسام الكلام .

قال الزركشي : وقد يقال لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي والنهي ، وما ذكروه من المثال إنما هو من قبيل أفراد بعض مدلول العام ، وفيه ما تقدم من خلاف أبي ثور ، فلا وجه لذكره هاهنا انتهى .

والحق : عدم الحمل في النفي والنهي ، وممن اعتبر هذا الشرط ابن دقيق العيد ، وجعله أيضا شرطا في بناء العام على الخاص . اهــ

الحقيقة أنه لفهم هذه المسألة لابد من التعريج على الفرق بين العام و المطلق :

قال الشوكاني رحمه الله في الإرشاد : في الفرق بين العام والمطلق

اعلم أن العام عمومه شمولي ، وعموم المطلق بدلي ، وبهذا يصح الفرق بينهما ، فمن أطلق على المطلق اسم العموم ، فهو باعتبار أن موارده غير منحصرة ، فصح إطلاق اسم العموم عليه من هذه الحيثية .

والفرق بين عموم الشمول وعموم البدل ، أن عموم الشمول كلي ، يحكم فيه على كل فرد ، وعموم البدل كلي من حيث أنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ، ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد ، بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل ، ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة . اهــ

فالعام لفظ يشمل جميع أفراده اي من شرط العام الاستغراق بعكس المطلق فهو لفظ يصح إطلاقه على جميع افراد جنسه لكن إن إطلق على بعض افراد الجنس لم يصح إشتراك البعض الاخر معه في نفس اللفظ
مثال ذلك إذا قال قائل لا تضرب الطفل فلفظ الطفل لفظ مطلق يصح إطلاقه على جميع الأطفال إلا انه ان اطلق على طفل بعينه فلا يصح إطلاقه على غيره فإن كان قصد القائل لا تضرب الطفل هو ضرب طفل بعينه فهذا اللفظ لا يمكن حمله على طفل آخر فمتى وُجِّه معنى اللفظ في المطلق لم يجز أن يشمل غيره معه و هذا معنى قول الشوكاني رحمه الله (عموم البدل كلي من حيث أنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه)

و لو قال قائلا لا تضرب طفلا فهم منه دخول جميع الاطفال في اللفظ لأنها نكرة بعد نهي فهي تفيد العموم فلو ضرب طفلا و ترك آخر لكان مخالفا للنهي بعكس قوله لا تضرب الطفل فإن ترك الطفل الذي امامه و ضرب طفلا آخر في زمن آخر فيصدق عليه أنه لم يضرب الطفل لأنه لم يضرب الطفل الذي أمامه و هو المقصود باللفظ .


من هنا يتبين الخلاف بين العام و الخاص و بين المطلق و المقيد فالتخصيص إخراج بعض أفراد العام من الحكم بعكس التقييد فحمل المطلق على المقيد إعمال للدليلين و ذلك لأنه لا تعارض بين مفهوم المقيد مع منطوق المطلق لأن المطلق يصح إطلاقه على بعض الافراد فهو بدلي و يحُمل مفهوم القيد على البعض الآخر و ان كان يصح لكلا البعضين استعمال لفظ المطلق لكنهما لا يشتركان فيه في آن واحد في المعنى المقصود من المخاطب لأن اللفظ لا يحتمل معناه إشتراكا فلا يمكن للقائل أن يقول لك إمسك الطفل و يقصد به طفلين أمامك و ان كان يصح اطلاق الأمر على كل من الطفلين لكن لا يصح فهم مراد القائل على إمساكهما كليهما لأنه عنى طفلا واحدا لا إثنين فإذا حددنا المقصود من اللفظ بالطفل الأول خرج الطفل الثاني من هذا الأمر.

مثال ذلك قوله تعالى : (حرمت عليكم الميتتة والدم) و قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا )

فلفظ الدم في الآية الأولى مطلق يصح إطلاقه على بعض أفراد جنسه لذلك من ترك دما مسفوحا فقد ترك الدم و الدم يطلق على الدم المسفوح فالتقييد هنا إعمال للدليلين.

و مثال ذلك أيضا : (لا نكاح إلا بولي) و (لا نكاح إلا بولي مرشد) فهل هذا من باب العموم او من باب الاطلاق و التقييد ؟ في الحقيقية هذا من باب الاطلاق و التقييد لأن من شروط العموم الإستغراق إلا أن الاستغراق هنا هو في النكاح لا في شرط النكاح و ذلك لأن اللفظ جاء بالحصر اي يبطل كل نكاح بدون ولي فالولي شرط أدنى لذلك فالعمل بالنصين يقتضي حمل المطلق على المقيد فمن نكح بولي مرشد نكح بولي و من نكح بولي فقط فهو لم ينكح بولي مرشد قطعا.

إذن هل كل نهي يعتبر من باب العموم ؟ الجواب لا ليس كل نهي من باب العام و الخاص فإذا قلنا لا تعتق المكاتب و قلنا لا تعتق المكاتب الكافر ، فلفظ المكاتب لا يدل قطعا على العموم لأنه قد تكون اللام لام العهد الذهني فمن أعتق مكاتبا مسلما فقد عمل بالنصين لأنه يطلق عليه أنه لم يعتق المكاتب و يصدق عليه أنه لم يعتق المكاتب الكافر.

و بهذا يظهر الفرق بين "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه" و "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول"

فهل هو من باب العموم أو من باب المطلق و المقيد ؟

تقييد المطلق في السبب منشؤه دليل الخطاب إذ أن وجود القيد المعتبر يدل مفهومه على اخراج السبب الغير داخل في القيد من الحكم و بما أن هناك نصا مطلقا فيمكن الجمع بين هذا المفهوم و بين منطوق هذا النص المطلق بحمل المطلق على بعض افراد جنسه التي يصح عليها إطلاق نفس اللفظ و هي المقيدة في السبب الآخر .

أما تخصيص العموم فهو تعارض النص العام مع النص الخاص فيخرج الخاص من العام لكن هل كل تعارض معتبر ؟ في مثالنا هنا التعارض هو بين ظاهر لفظ الحديث الأول و هذا منطوق و بين مفهوم قيد اللفظ الثاني فهو تعارض بين منطوق و مفهوم و المنطوق مقدم عادة.

اذن مثالنا قد يعتبر من المطلق و المقيد ان حملنا الحديث الأول على حالة من الحالات و هي حالة البول و قد يعتبر من باب الخاص و العام و في هذه الحالة هناك نظرتان الأولى تخصيص العموم بمفهوم القيد و الثانية جعل الخصوص من باب التنصيص فيدخل حكمه في العموم و ذلك بالقول أن قيد البول خرج مخرج الغالب.


ما قاله الشوكاني رحمه الله محتمل لكنه ليس دائما معتبر فهناك من النهي ما يدخل في باب العام و منه ما هو في باب المطلق و هذا بعد اعتبار المفهوم كدليل و قد خالف الظاهرية و الحنفية في ذلك و الله أعلم