المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : رد الحديث من جهة المتن بين المحدثين والأصوليين



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-10-18 ||, 01:23 PM
رد الحديث من جهة المتن بين المحدثين والأصوليين
لـ
معتز الخطيب



إن بحث"رَدّ المتن"، كان - ولا يزال- يُثير الكثير من الإشكالات في وجه الباحثين، فقد خَفِيَ على الكثيرين دَرْكُ أسس نَقْده، ومحلِّه من صنْعةِ المحدّث، وأدى غموضُه الناشئُ عن عدم إِفراده بالبحث المستقل، وانصرافُ كثيرٍ من النقاد إلى نَقْدِ الأسانيد وعللها؛ لخفائها وغموضها وقلةِ الخبراء بها، أدى كلُّ ذلك بغير المتمرّسين بهذا الفنّ إلى تَوَهُّم أنه لا محلَّ للمتن من منهج النقد الحديثيّ، فانبَرَت دراساتٌ لإزاحة ذلك الوهم وهَتْك أستار الشبهات، ولكنّ كثيرًا منها مع حُسْن المقصد، ونُبْل الغرض، أُخِذ بِحَميَّة الدفاع والسجال، فصَرَفه ذلك عن تحديد محلّ الإشكال بدقة، إذ إن المراد ليس "اهتمام" المحدثين بالنظر إلى المتن من فقهِ غريبٍ أو حلِّ مشكلٍ أو نحو ذلك، بل ردّ المتن لنكارة معناه أو غرابته، كما أنه لم يكن الإشكال واردًا على تلك الأحاديث التي لم تَصِحَّ أسانيدها لكونها من رواية الضعفاء وغيرهم ممن انحطّ عن درجة القَبول، ولكنّ الإشكال إنما يَرِدُ في دَرْك أوهام الثقاتِ، وفي متون الأحاديث التي ظاهرُها القبول من صحةٍ أو حُسنٍ، فههنا - فقط - يُصبح النقدُ نقدًا متنيًّا خالصًا بحسب الظاهر على الأقل، وبمعالجة هذا الموضوع على هذا الشرطِ يُحَلُّ الكثير من الإشكالات، وتنكشف أصول نقد المتن، ويُدْرك موقعُها وحدودُها وعلاقتُها بأصول نقد الإسناد، ومواقع الاشتراك والانفصال. وهذا ما لم يتمَّ بَحْثُه بدقةٍ فيما أعلم، وقد انفرد بحثنا بمعالجته، ولله الحمد.
ذلك القصور في بحث ما سُمِّي بنقد المتون، لم يكن قاصرًا على أسس نظر المحدّث فقط، بل تعدّاه إلى غموض إدراك أسس نقد الأصوليّ للمتون، ومبنى الخلاف وطبيعته وثمرته، ولهذا انصرف هذا البحثُ إلى دراسة أسس النظر الأصوليّ في نقد المتون الحديثية، وإلى الموازنة بين النظرين: الحديثيّ والأصوليّ، وبيانِ وظيفةِ كلٍّ ومَدْرَكِه بما يوضحُ أسس الخلاف وطبيعته، وأصوله وفروعه. إنه بَحثٌ في قضيَّة المنهج وأسس النظر، بما يوضح أسباب الخلاف.


منهج البحث ودواعيه وفرضياته

يقوم البحث على رَصْدِ وتَتَبُّعِ الاختلافات بين المحدثين والأصوليين في ردّ المتون، مع إيجاز أوجه الاختلاف بينهم في منهج القبول، للتوصل إلى بناء تَصَوُّرٍ كُليّ عن طبيعة النظرين، وهو في سبيل ذلك يركّز اهتمامه على مسائل الخلاف دون الوفاقِ، ولذلك غرضٌ منهجيٌّ، وهو أن مسائل الخلاف هي المُعَبِّر الحقيقيّ عن اختلاف المدارك بحسب اختلاف الوظيفة، فلم أكن مَعنيًّا بمحاولة الجمع بين الرأيين أو النظرين، أو تَكَلُّفه، بقدر ما عُنيتُ باستكشاف حقيقة النظر الأصوليّ والنظر الحديثيّ في المسائل المبحوثة، ولهذا جَرَى الاعتناء بالعودة إلى المصادر والأصول، دون إهمال كتب المتأخرين، للوقوف على صورة مكتملةٍ لنشوء وتَطَور المسألة المبحوثة عند المحدثين والأصوليين.
وقد تنشأ المسألةُ خلافيةً، ثم يَحدث تقاربٌ أو تَدَاخلٌ فَتَنقل كتبُ المصطلح المتأخرةُ عن كتبِ الأصول، فأُوضح وقوع هذا التداخل، وأحرِّر المسألةَ بِرَدِّها إلى أصلها الذي أُخِذت منه.
ثم إنني أسعى إلى رسْم وظيفة المحدِّث الأصلية التي جرى عليها العملُ في عصور الرواية وبناء المنهج النقدي، فكُتب المتأخرين غَلَبَ عليها التنظيرُ والاجتهاد في فهم كلام النقاد السابقين وطريقتهم.
ومن معالم المنهج في هذا البحث، التدقيق في كتب الحديث والأصول –على اختلاف أزمنتها- من أجل بناء المسألة وتأصيلها بالاستناد إلى نصوصٍ صريحةٍ وأمثلةٍ واضحةٍ، خصوصًا لدى الأئمة النقاد، وقد يكون الاعتمادُ على نصِّ إمام ناقد متأخر يحكي فيه طريقةَ المتقدمين فأعتمدُ عليه لعدم وقوفي على نصٍّ قديم. ولهذا كله كَثرت الاقتباسات والهوامش؛ لأنني بالغت في التوثيق وتَتَبُّع اختلاف العبارات، فإنني رأيت أن "أعظمَ المحاذير في التأليف النقليّ إهمالُ نَقْلِ الألفاظ بأعيانها، والاكتفاءُ بِنَقْل المعاني مع قصور الناقل عن استيفاء مراد المتكلم الأول بلفظه، ..." [i]، هذا في نقل النصوص، فكيف في حال انعدامها؛ ومع ذلك يَجزم بعضهم بمذهب إمامٍ أو أئمةٍ ومرادِهم، وليس له برهانٌ لا من نصٍّ ولا من إشارةٍ؟!. هذا مما يجب التحوّط فيه.
ولم يكن من وظيفة البحث ترجيحُ رأيٍ على آخر، أو الانتصارُ لمذهب دون آخر، سواءٌ لِمُحدِّثٍ أم أصوليٍّ، بل الكشفُ عن طبيعة النظرين واختلاف الوظيفتين، ومع ذلك فهو يَعتمد على المنهج النقديّ التحليليّ، ولم يَسلك مسلكًا تقريريًّا، كما لم يَستَرْوِح إلى التقليد في معالجة مسائلِهِ، ولذلك ظنِّي به أنه جديدٌ.
أحسِب أن موضوع الدراسة جديدٌ؛ فلم يَسبق أنْ دُرس موضوع "رَدِّ الحديث من جهة المتن" - على وجه الخصوص - في حدود اطلاعي ومتابعتي، وإنْ كان العديدُ من الدراسات تَوَجَّه إلى دراسة ما سُمّي بـ"نقد المتن"، وهو أعمّ من رَدّ المتن، كما أن بعض الدراسات تَوَجَّهت إلى دراسة "الحديث المردود" - بعمومه - وليس من جهة المتن خاصةً.
ولم يَسبِق - أيضًا - أنْ خُصِّصت دراسة "متكاملة" وتحليلية، للموازنة بين المحدثين والأصوليين في علوم الحديثِ تُجَلِّي طبيعة النظرين الأصولي والحديثي وأوجُهَ الخلاف: أصولاً وفروعًا؛ بشمولٍ وعُمْق وإنصافٍ، وإنْ كان ثَمَّ بعضُ الدراسات عَرَضت للخلاف الحديثي الأصوليّ، لكنها قاصرةٌ بوجهٍ من الوجوه كما بيَّنت بتفصيلٍ في هذه الأطروحة.
إن الدافعَ الأعظم الحاملَ على اختيار هذا الموضوع، هو تَوَفُّرُ بعضِ دواعي التأليف التي أبانها العلماء، وجَعَلوا خروجَ البحث عن واحدٍ منها مضيَعةً للجهود والأوقات، كما أن تحصيلَ لذّة حلِّ المشكلات وبَحْث العويصات من مسائل العلوم: مَطلبٌ تَتَطلّع إليه الأنظار، وتَتَشوّف إليه النفوس، وتطمح إليه الهِمَم. وأمر ثالث: هو الرغبةُ الدفينة في تحصيل أسباب العلم بِدَرْك أسباب الخلافِ، فقد شاع القول بين أهل العلم: لا يَكمُل عِلمُ العالِم حتى يَعرِف الخلافَ!.
ثم إني رأيت نابتةً ممّن سُمُّوا بالأثَرِيِّين الجدُد، ضَرَبوا صفْحًا عن المناهج المعتبرة للأئمة السابقين، أو لم يفقهوا أصولها ومبناها، ومَشَوْا على الظواهر، فاتّهموا وشنَّعوا وأَلْزَموا مَنْ تَرَك حديثًا صحّ سنده من الأئمة السابقين بالعمل به، بحجةِ أنه قد صحّ سنده!. وما حالُ هؤلاء إلا كَمِثل حالِ قومٍ سمّاهم ابن تيمية –رحمه الله تعالى- "ممّن يَدّعي اتباعَ الحديث والعملَ به، كلَّما وَجَدَ لفظًا في حديثٍ قد رواه ثقةٌ، أو رأى حديثًا بإسنادٍ ظاهرُه الصحةُ، يُريد أن يَجعل ذلك من جنس ما جَزَم أهل العلم بصحته، حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ أخَذَ يتكلَّف له التأويلاتِ الباردة، أو يجعله دليلاً له في مسائل العلم، مع أن أهل العلم بالحديث يَعرفون أن مثلَ هذا غلط" [ii].
وابن تيمية قد صنّف رسالته "رَفْع المَلام عن الأئمة الأعلام" لبيان أسباب الاختلاف بين الأئمة، ومواجهة ذلك التوجه القاصر في اتباع السنن دون فقهٍ.
وبحثي هذا يقوم بمثل ذلك الغرض - وإنْ اختلف الموضوع والمعالجة - لمواجهة مثل ذلك التوجه، الذي قَصُرَ عن دَرْك أسباب الخلاف وتَعَدُّدِ مناهج النظر، واللهَ أسألُ أن يكون البحثُ موفيًا بالغرض، مصيبًا الهدف، مُبِينًا لمن أراد البيان.
قام البحث على فرْضيةٍ مُفادها: أن ثمة منهجين متوازيين في نقد الحديث، منهج للمحدثين النقاد، ومنهج للأصوليين، وهذان المنهجان منبثقان عن طبيعة النظرين واختلاف الوظيفتين. ولأجل اختبار صحة هذه الفرضية، قمتُ بدراسة كل الاختلافات بين المحدثين والأصوليين، في قبول الحديث وردِّه، سندًا ومتنًا. وبعد أن اكتملت الدراسة وتَأَكَّدَت صحة الفرْضية، اختصرتُ البحثَ ليكون قاصرًا على الاختلافات بين المحدثين والأصوليين، في الرد فقط، ومن جهة المتن فقط، مع تقديم نبذة يسيرة عن اختلافهم في منهج القبول، واختلافهم من جهة السند. وذلك التزامًا بعنوان البحث الذي تم تسجيله.


فصول البحث ومسائله المحررة

انقسم البحث الذي بين أيديكم إلى تمهيد وبابين. في التمهيد بحثتُ منهج قبول الخبر بين المحدثين والأصوليين، وهو تمهيد مُستخلَص من باب كاملٍ تمّ إسقاطه من الأطروحة يبلغ نحو 150 صفحة، أما الباب الأول فجعلتُه لمناقشة الحديث المردود وصفات الردّ بين المحدثين والأصوليين، وقد اشتمل على ثلاثة فصول، الفصل الأول لخصتُ فيه أوجه الخلاف بين المحدثين والأصوليين في الحديث المردود وصفات الرد من جهة السند، ثم خصصتُ الفصلين الثاني والثالث لبحث الحديث المردود وصفات الرد من جهة المتن عند المحدثين والأصوليين.
أما الباب الثاني –وهو جلُّ البحث وعمادُه- فكان لمناقشة مقاييس الرد من جهة المتن، واشتمل على ثلاثة فصول، الأول ناقشتُ فيه مفهوم المقاييس، وطبيعتها في كتابات المعاصرين، سواء مقاييس الصحابة - رضوان الله تعالى عليهم - أم مقاييس المحدثين. أما الفصل الثاني فخصصته لبحث مقاييس المحدّثين في رد المتن، ثم مقاييس الأصوليين في رد المتن وهو الفصل الثالث.
وقد انفرد البحث بتحرير وبيان الكثير من المسائل الحديثية والأصولية، مما يرجع إلى تحديد طبيعة النظر الحديثي والأصولي، ووظيفة المحدث والأصولي. ويحسن هنا أن أشير إلى رؤوس تلك المسائل التي انفرد بها.
فمن المسائل المحررة في الباب الأول: تحرير معنى المردود، فالمردود عند المحدّثين، خاصة المتأخرين منهم، يدور على مسألة الصدق والكذب، أما الأصوليون فإنهم يُديرون القبول والردّ بناء على العمل وعدم العمل. ومن المسائل المحررة أيضًا: تحقيق الفَرق بين تعليل المحدثين وتعليل الأصوليين، ووَجهُهُ عدةُ أمور:
الأول أن العلة عند المحدّث أكثر ما تقع في الإسناد، وعند الأصوليّ أكثر ما تقع في المتن.
والثاني أن أثر العلة يكون عند المحدّث من حيث الصحة والضعف، وعند الفقيه والأصولي يكون من حيث العمل والترك،
والثالث أن الأصوليّ قد يُصحح الحديث باعتبارات خارجة عن الإسناد، أما المحدث فالتقوية والاعتبار عنده محصوران في الأسانيد والطرق.
والرابع أن مدار التعليل عند المحدث على بيان الاختلاف في الطرق والروايات والمرويات، في حين أن نظر الفقهاء والأصوليين يميل إلى اعتبار التجويز الذي يمكن معه صدق الراوي وعدم غلطه، وارتكابُ التأويلات.
والخامس أن العلل عند المحدث غير محصورة، وعند الأصولي محصورة.
ومن المسائل المحررة: تحقيق القول في مباحث الحديث الموضوع وحقيقته ومتى يُحكَم به، ومنشأ القول بعلامات الوضع، وغير ذلك. ووجهُهُ أنه لا يكفي وجود كذاب في السند للحكم على الحديث بالوضع، وإنْ كان ذلك يوجب التوقف في خبره، لكنْ لا بدّ من قرائنَ تَنضمّ إلى ذلك تقتضي للحافظ المتبحر بأن هذا الحديث كذب، كانضمام نكارة معناه مثلاً، وفي هذا المعنى نصوصٌ عدّة للأئمة.
ويَرجع ذِكْرنا للموضوع ضمن المردود من جهة المتن عند المحدّث، إلى وجوه:
منها أن الحكم على الراوي بأنه وضّاع، أو حديثُه موضوع: قد يكون بتتبع مروياته؛ وإنْ لم يَعرفِ الناقدُ الراويَ نفسَه، وهذه طريقةٌ وقعت في كلام ابن حبان والعقيلي وابن عدي. وبهذا قد يستدلون على نكارة الحديث بكذب راويه، أو على كذب الراوي بنكارة أحاديثه. ومنها: أنهم لا يُعَولون على ظاهر الإسناد والرواة، بل عِمَاد هذا العلم الفهمُ والمعرفةُ والحفظُ لا غير، ومنها: أن كتب المصطلح المتأخرة توسعت كثيرًا بِذِكر علاماتٍ للوضع تقوم في المتن تدل عليه.
لكنّ الذي يجب تقريره أن المحدّث لا يَهجم على الحكم على المتن بمعزل عن الإسناد؛ إلا في القليل الخاص من الحديث ظاهرِ البطلان، الذي لا يحتاج بطلانه إلى إثباتٍ؛ لافتضاح أمره، ولهذا أمثلةٌ عديدة في كتب الموضوعات.
وحرر البحث أيضًا موقعَ نقد المتون من صنعة المحدثين، وحدودَها، من خلال أربع مسائل، أبرزُها عدم التلازم بين السند والمتن في الصنعة الحديثية، وقد انفرد البحث بتحرير هذه المسألة التي اضطرب فيها بعض المعاصرين، كما انفرد بتحرير ما ينبني عليها. فقد يقع الفصل بينهما، ولهذا أمثلةٌ من كلام بعض المتقدمين كالنَّسائي والترمذي والحاكم، وبعضِ المتأخرين كالمزي والذهبي، ومنه قولهم: "إسناده صالح والمتن منكر"، أو نحو ذلك. لكنّ هذا الفصلَ ليس مُطلقًا، فهو مثلُ أثر العلة، وواردٌ على الأحاديث التي لها طرقٌ، وإنْ كان الأصلُ والأكثرُ أن "يُعلَم صحة الحديث بصحة الإسناد" كما جاء من كلام شعبة.
وقد انبنى على التفرقة بين السند والمتن أمورٌ، منها: تصحيحُ المعنى مع ضعف السند، وتقويةُ الضعيف لاعتبارات خارجةٍ عن الإسناد كتقوية الضعيف بالشواهد.
حرَّر البحث أيضًا العلاقة بين المقبول والمعمول به، وأنه ليس كلُّ ما قَبِله المحدّث يعمل به الفقيه والأصولي، وقد وقعَ ترددٌ في استعمال مصطلح الردّ في هذا المقام، وهو مستعملٌ في عدد من كتب الأصول، الشافعية والحنفية خاصةً، لكن هل يَستلزم الردُّ الطعنَ في الرواة أو تكذيب الأخبار؟ والجواب أنه لا يسلتزم الطعن والتكذيب بالضرورة، فليس من وظيفة الأصوليّ الطعن والتكذيب وتعيين المخطئين، بل ملاحقة العمل واستنباط الأحكام، فالردّ يعني عدم العمل، وقد يقتضي الردُّ تهمةً كما قال الحنفية في الخبر الذي تَعُمّ به البلوى، وفي إنكار الشيخ رواية الفرع.
ومن المسائل المحررة في الباب الثاني: مفهوم المقاييس وحقيقتها، ونقد كتابات المعاصرين فيها، فالدراسات التي تناولت "نقد المتون" لم تحدد مفهوم المقياس، ولذلك وقعت في الاضطراب وتَوَجّه إليها النقد، وقد حدَّدتُ مفهوم المقياس بالقواعد الكلية المُستَنبطة من استقراء صنيع المحدثين وطرائقهم، والقوانين المبنية عليها، فالمقياس أصل عامٌّ منضبط في الغالب.
ومنها: تحرير ما سُمي مقاييس الصحابة في نقد المتون وبيان ما صحّ منها وما لم يصحّ، فثبت أصل فكرة عرض الحديث على القرآن وعلى السنة المعروفة، لكن الإشكال وقع في عدم تحرير مفهوم العرض عند الصحابة، وقد حررته بأنه مقابلة الحديث بالقرآن وهذا لا إشكال فيه، وإنما يقع الإشكال في الرد بمجرد المعارضة، وقد تَبَيَّن من تَتَبُّع مواقف النقاد المحدّثين من المتون المنتقَدة أن العمدة عندهم على صحة النقل، والجزم بالرواية.
مما انفرد به البحث أيضًا: تحريرُ مقاييس المحدثين في رد المتون، وأنها جميعًا ترجع إلى أصل جامع هو التعليل بأنواعه، وبيانُ كل نوعٍ من أنواعه السبعة، وهي: التعليل بالتفرد، والتعليل بالزيادة، والتعليل بالاختلاف، والتعليل بالمخالفة، والتعليل بالغلط، والتعليل بالشبه، والتعليل بنَفرة الناقد، وقد أوضحتُ بيان أوجه الخلل عند مَن كَتَب في مقاييس المحدثين.
وكذلك انفرد البحث ببيان أن كليات ابن القيم في الحكم بالوضع، لا تعدو كونها توسيعًا لعلامات الوضع، بأثر من علم أصول الفقه، وليست مقياسًا يُعرَض عليها كلُّ حديث، وانفرد البحث أيضًا بتحقيقِ مذهب الشافعي في عَرض الحديث على القرآن وأنه يَردّ القولَ به، وقد وقع الغلط والتحريف في بيان مذهبه في كلام بعض المعاصرين.
كذلك تم تحرير أوجه الاختلاف في المتون، وطريقة المحدثين في معالجتها.
أما بخصوص مقاييس الأصوليين، فقد تمّ تحرير مذاهبهم وأقوالهم، ومحلِّ مقياس العقل وحدودِه في النظر الأصولي، وتحريرُ الفرق بين عرض الحديث على القرآن ومخالفة الحديث للقرآن، وأن كلامهم في المخالفة مقصور على مجال ضيق هو ما يَرِد على وجه التناقض، أما العرض فهو محاكمة الحديث إلى القرآن، فإن وافقه قُبل وإن خالفه رُدَّ.
ومنها: تحريرُ العلاقة بين القرآن والسنة، وتحريرُ مفهوم قياس الأصول، ومفهومِ العمل المتوارث واعتبارِ الأصوليين والمحدثين له وحدودِ ذلك في مذهب كلٍّ، إلى غير ذلك من المسائل.


نتائج البحث

فهي كثيرة، لكن يمكن الاقتصار في هذه العجالة على أهمها وهو: أن النقد الحديثي ليس أجنبيًّا عن الأصوليّ لكن ليس من وظيفته التكذيب وتعيين المخطئ، وأن جوهر الخلاف بين المحدثين والأصوليين يقع في شرطَي انتفاء الشذوذ والعلة، وأن الاختلاف بينهما اختلاف نظرٍ وصنعةٍ، انبنى عليه مسائل نظرية في المنهج والنظر، وعملية في الفقه والعمل، فاختلفت تقسيماتهم للحديث، واختلفت طرائقهم في القبول والرد، كما اختلفت طرائقهم في تقوية الأحاديث وتصحيحها، وأسباب الطعن، وأوجه التعليل، وأن الاختلاف بين الفريقين إنما هو اختلاف في طريق ثبوت الأخبار، وليس بين مَن قَبِل الحديث الصحيح ومن ردَّه كما توهم بعض المعاصرين.
وفي المحصلة تبيّن أن لدى المحدثين ما ليس لدى الأصوليين، ولدى الأصوليين ما ليس لدى المحدثين؛ بما يوجب الجمع بين النظرين.

[1]مِن نص بالغ الأهمية في عيوب التأليف، للعلامة نجم الدين أحمد بن حَمدان الحرَّاني الحنبليّ، نَقَله الشيخ طاهر الجزائري في توجيه النظر، 2/756.

[2] الفتاوى، ابن تيمية، 13/353، في سياق الحديث عن علل الحديث وإعلال حديث الثقة بالغلط.
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد 43 (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد 43)

د ايمان محمد
09-10-18 ||, 03:17 PM
ما شاء الله لاقوة الا بالله زادك الله علما ونفعك بالعلم ورفعك به ونفعنا بعلمك اللهم آمين