المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإجماع اليقيني الحل الوسط



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-10-27 ||, 03:00 PM
الإجماع اليقيني الحل الوسط



طرفان ووسط، أنا الوسط، وغيري الأطراف! دعوى ما أسهلها، وما أجراها على اللسان، هكذا قضية الإجماع، كإحدى قضايا الوسط والأطراف.

وفي هذا المقال سأضيف نفسي إلى هؤلاء الأدعياء، وأطرح صورة من الإجماع أزعم أنها الوسط، لا على أنها "الراجح" ولكن على أنه لا ينبغي أن يكون في مثلها خلاف.

إن الإجماع في منزلة رفيعة وموضعه شريف، ومحله كريم وجدير بنا تمييز مناراته.

إن قضية الإجماع تبرز كإحدى المسائل الكبار التي اعترك فيها الإسلاميون مع خصمائهم من المنتسبين إلى الإسلام، لما يرون أنهم خرقوا سجفه، وهي أيضاً ذاتها اعترك فيها الإسلاميون فيما بينهم إذ تشاطروا الدعوى مرة أخرى!.

إن حصر الإجماع في دائرة الإجماع القطعي كوجوب الصلوات وتحريم الزنا، أمرٌ مِن الخطورة بمكان؛ إذ إن دائرة الإسلام هي يقيناً وقطعاً أوسع بكثير من هذه الأمور الضرورية.

إن دليل الإجماع ليس هو فقط عملية استدلالية لمعرفة حكم المسألة، بل إن الشارع لم يهتم بالإجماع حين أشار إليه في مناسبات عديدة من هذا الاتجاه وإنما أبرزه كموئلاً للهدى، ومناقضاً للضلالة، وسبيلاً للرشاد، وحاصناً من التفرق والاختلاف؛ فهل هذا كله قاصرٌ على ما كان معلوماً بالدين من الضرورة؟ فما أقل فائدته إذن.

إن ثمة دوائر واسعة من مسائل الإسلام هي محل إجماع بين المسلمين، ولم يقع بينهم الاختلاف فيها، ولم تثر أي ارتباكات تذكر في تقريرها، وهي أيضاً ليست من المسائل الضرورية.
وهذا كثير جداً في تفاصيل المسائل.

ومن هنا استطاع ابن حزم الظاهري أن يؤلف كتابه في "مراتب الإجماع"، ألم تسأل نفسك يوماً ما كيف صنف هذا الظاهري كتاباً كاملاً في حكايات الإجماع، وصار مرجعاً لأهل العلم، بل حكى المالكية وهم أشد خصوم ابن حزم: أن أقوى الإجماعات هي إجماعات ابن حزم، بل إن ابن تيمية وهو صاحب الكتاب الذي نقد فيه مراتب ابن حزم: صرَّح أن أكثر إجماعات ابن حزم هي كذلك كما حكاها.

ألم تسأل نفسك يوماً ما كيف استطاع ابن حزم رحمه الله أن يصنف هذا الكتاب، وهو المؤسس الثاني لمدرسة أهل الظاهر الذين حصروا الإجماع في دائرة الإجماع القطعي إلا أن يكون إجماع الصحابة؟

إن ابن حزم رحمه الله بمهارته استطاع أن يحصل مئات المسائل التي لم يقع فيها الخلاف البتة بين أهل العلم، ولم تثر فيه أي مناقشة، ليستصحب هذا الإجماع في تحديد دائرة فهم النص من جهة، ولمناقضة من لم يطرد قاعدته بحسب وصف هذا الإجماع.

وبه نعرف عدم دقة بعض المعاصرين في دعواهم عليه بالتناقض، ومنهم محقق كتابه "مراتب الإجماع"!.

إن الإجماع اليقيني ليس في مرتبة الإجماع القطعي، وليس هو نازلٌ بالمرة إلى ما اختلف فيه من أنواع الإجماع الظني وآحاده.
فهو من حيث القسمة يتردد بينهما، وقد يضاف إلى هذا تارة وإلى هذا تارة.

لكن المهم أنه يستوعب المسائل التي لم يقع فيها الخلاف بين أهل العلم، وذلك لأمور:
إما لظهور النص فيها ظهوراً قوياً
وإما لجريان العمل عليها.
وإما غير ذلك

فهذا القدر من الإجماع إذا حقق فإنه لا ينبغي مجاوزته وليست مجاوزته من سيما أهل العلم، وإنما يقع على سبيل الفلتة والشذوذ.

نعم هناك إجماعات مختلف فيها كجملة من مسائل الإجماع السكوتي، أو ما أثير فيه خلاف قديم أو متأخر، أو ما حكى فيه بعض المطلعين على أقوال الناس الإجماع ولم يكن كذلك أو أن غيره أثبت الخلاف، إلى مسائل عديدة تظهر أكثر في الجانب التطبيقي.

فهذه المسائل ونحوها هي التي ينبغي أن يكون فيها الخلاف، هل هذا الإجماع الظني المحصل بهذه الطرق حجة أو لا؟

أما أن يستطال إلى ما لم يختلف فيه البتة ويجعل كل شيء في الإسلام قابل للنقاش والمراجعة ما دام أنه خارج دائرة وجوب الصلاة وتحريم الخمر ونحوها: فهي مصيبة ذات جلاجل.

ولا أتعجب من شيء قدر تعجبي أن فائدة هذا المقال استفدتها من رجلين:
1- ابن حزم الظاهري.
2- يوسف القرضاوي.

وإن كنت أختلف معهم في قضايا الإجماع نفسها، وربما في بعض محددات هذه المسألة لكن الطرف الآخر يبصر منك ما لا تبصره من نفسك!

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-10-27 ||, 05:51 PM
التوازن في دعوى الإجماع


يتكئ بعض أهل العلم لاسيما جماعات عريضة من المعاصرين على ضعف كثير من الإجماعات المحكية، وعدم دقتها للوصول: إلى الطعن في صحة تصور الإجماع، وبالتالي تفويت الاحتجاج به، وتجد هؤلاء تدور على ألسنتهم العبارات المشهورة عن أحمد والشافعي وابن حزم، وإشارة ابن تيمية في متن الواسطية، وربما عضدوا دعواهم بحكاية جملة من المقالات المغلوطة في الإجماع.


وفي المقابل فإنك تجد كثيرا ممن يدعون إلى التمسك بمعاقد الإجماع: شديدي الحذر والتوجس من إطلاق الدعوة إلى الاجتهاد فيما تعلق بهذه المسائل ولو بأدنى سبب، والتحذير من مغبة الغلط فيها؛ فهي في مقام عالٍ قد يرتقيه مَنْ لا يطوله، ويستمر التخويف إلى درجة تعوق مسار الاجتهاد الواجب.


لا شك أن تفصيل التوازن بين هاتين الدعوتين ليس بالأمر الهين؛ فإن ثمة صعوبة بالغة في إعمال التوازن في الواقع الفعلي، وقد تكون كل مسألة هي مشروع لوحدها في ترتيب عملية التوازن.

لكن قد تكمن الصعوبة في الوصول إلى نقطة الوسط، لكن لو وسعنا دائرة الوسط، بكثرة التأكيد على تطرف هاتين الدعوتين، فإن هذا يؤدي في الغالب إلى توازن معقول، ومحاولة البعد عن الأطراف البعيدة، فيتردد هؤلاء المتوازنون بين نقطة الوسط وبين حماها، فإن كان ثمة غلط فهو قريب، وما أدناه من الحق حينئذٍ، وما أدنى الحق منه.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-10-28 ||, 05:32 PM
لا توجد إجماعات متحققة لا ينازع فيها إلا والنص ظاهر فيها، وكلما خفي النص كلما أحدث ريبة في صحة الإجماع المدَّعى فيها، وتزداد الريبة إذا ظهر من النص ما يعارض هذا الإجماع المدعى.

وإذا وقع بين أهل العلم نزاع في حصول الإجماع فهنا يضعف الاستناد إلى الإجماع، ويزداد ضعفه كلما قويت بينة دعوى الخرق.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-12-20 ||, 06:11 PM
§ إذا ذاعت الإطلاقات المرسلة فلا تبحث عن الحق بينها، فما كل واقعٍ بين باطلين هو حق، فقد يكون باطلاً مثلثاً في طرف على شفا جرف هار!!.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-12-20 ||, 07:09 PM
لله درُّ الشيخ يوسف الغفيص , فقد أشار عند أول شرحه لحديث الإفتراق إشارات عظيمة في هذا الصَّدد , وأثناء حديثه تحس أنه ممتعض من تصرفات بعض أهل السنة المتوجسين ..
وقد قال إن دائرة التنافر بين أهل السنة كانت ستنحصر لو كان الميزان : اعتبار الإجماعات المنضبطة, دون تعيين المخالفة بالإجتهاد – كما هو الحاصل- .
وفي منهج التوصل إلى السنة عن طريق النظر في دلالات النصوص خطرُ : إطلاقات التبديع والإتهام بالحيدة عن المنهج الحق , ولو تأملتَ لوجدتَ أن مسائل كثيرة قد انقسم فيها السلف إلى طوائف :
فإن مِلت إلى قول = واعتبرتَ أنه هو السنة =الحق , فإن هذا باب معبد لتجاوز عتبة تخطئة أناس من السلف أيضا ..

-----------

فما الحل ؟
مع مراعاة معضلة "فهم السلف" وقد تناولها الشيخ ببحث راق جدا .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-09-30 ||, 10:24 AM
لم أفهم وجه إشكالك، فليتك توضح.

عارف محمد المرادي
13-02-28 ||, 11:51 PM
الحقّ أن الإجماع بهذا الحدّ الذي رسمه به أهل الأصول في مصنفاتهم يكاد أن يكون متعذراّ وصورة
نظرية لا وجود لها بل لا تكاد تجد مسألة من مسائل الإجماع التنظيري إلا وفيها خلاف!
وهذا هو ما جعل الشوكاني وغيره من المعاصرين يستبعدون فكرة الإجماع بل قال الإمام الشوكاني أن الإجماع ليس بدليل شرعي
وأنه تأمل "في الأدلة، وأنه لم يقف على حجة نقلية أو عقلية قوية لمن يقول بحجية الإجماع"
حتى مسائل الإجماع المدعاة في الكتب التي صنفت في جمعها لا تخرج عن نفي العلم بوجود المخالف
ونفي العلم بالمخالف لا يدل على العدم!
وكتب الإجماع نجدها تنقل الإجماع على هذا النحو، كالإجماع لابن المنذر، وابن حزم، وغيرهم،
لكن ما يذكرونه من إجماعات يحتاج إلى نظر وتمحيص!