المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في تجديد أصول الفقه



يحيى رضا جاد
09-11-20 ||, 02:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

ليس معنى تجديد أصول الفقه عندي إلغاء العمل بالقياس ومسالك التعليل ...

كلا !

فلا تزال المنهجية الأصولية في أغلب قواعدها صالحة للإعمال والاستعمال، في إنتاج التفكير الفقهي الجديد وضبطه، وإنما هي في حاجة إلى كشف رصيدها العلمي الضخم أولاً، ثم تطوير قواعدها الإجرائية؛ بما يضمن استيعاب قضايا العصر الحديث بشكل مناسب لمقاصد الشريعة ثانياً.


فهي إذن؛ في حاجة إلى (تكميل) أكثر مما هي في حاجة إلى (تغيير)، هذه حقيقة يعرفها من خبر مناهج الاستنباط الفقهي في مصادرها الأصيلة، وذلك على الأقل في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العلمي. قلت: هذا لمن كان يعرف طبيعة المادة الأصولية والمقاصدية حق المعرفة؛ من خبراء الميدان. فالدرس الأصولي غني جدّاً بالتنوع المنهجي، وبالتعدد الإمكاني لمسالك البحث والاستنباط؛ بما يكفل تغطية أغلب الحاجات العلمية للأمة، في العصر الحديث.


والقياس المعياري ـ ولا أقول (الضيق) ـ وُضِعَ لأسباب حضارية، وحاجات علمية، ما تزال قائمة إلى اليوم. ووضعت له منافذ للتوسعة، تبرز حيث تنتصب حاجتها علمياً. من مثل القواعد المآلية، كقواعد الاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، وقاعدة مراعاة الخلاف، وقاعدة اطراد المصالح الكلية... إلخ.


إن الحاجة اليوم هي في تجديد الضوابط الأصولية، والقواعد المقاصدية، فيما يتعلق بفقه الأولويات والموازنات، وكذا قواعد ترتيب الحجاج والاستدلال. فأصول هذه الأمور تكاد تنعدم، فالخبراء يستنبطون مفهوماتها لأنفسهم، ويبقى غيرهم من أهل العلم تائهين في فتنة تعارض الظواهر ومقتضيات الدلالات، فتدخل الأمة بذلك في فتنة ردود الأفعال، من مثـل ما يحصل اليـوم مـن افتراقٍ مفتونٍ، ينشـق بين قـوم لا يشتغلـون بالسـنة مكتفين فقـط بالقـرآن ! وبين قـوم آخــرين لا يشتغلــون بالقــرآن مكتفين فقط بالسنة! وبين قـوم آخــرين لا يقبلـون اجتهـــاداً فـي الدلالـة ولا فـي مقاصــد الشـريعة؛ ولا نظراً في تحقيق المناط بين عموم وخصوص ! وقوم غيرهم تسيبوا في تفسير الخطاب الشرعي بما يخالف الأصول الكلية والثوابت الشرعية. كل ذلك ردود أفعال لا شعورية؛ بسبب غياب العدل في العلم، والقصد في المنهج.


إننا في حاجة إلى تكميل أصول الفقه بقواعد، تضمن بناء مراتب التشريع .. بترتيب التفكير الفقهي، وضبط مراحله الذهنية؛ بدءاً بمرحلة الفهم للنص: كيف يتم ؟ ثم مرحلة الاستنباط منه: كيف تقع ؟ ثم مرحلة التحقيق للمناط: كيف تتنزل أحوالها ومآلاتها بين العموم والخصوص ؟ وما يعتري كل ذلك من تقديم وتأخير، أو استثناء وتخصيص، للأدلة بعضها على بعض، وبعضها من بعض، إلى غير ذلك من سائر الأحوال، والممكنات الاستدلالية في الدرس الأصولي والمقاصدي.


وعـدم اعتبار هـذه المعاني الكليـة، والترتيبات الاســتدلاليــة يؤدي إلى أحد غُلوّين: غلو في اعتبار القرآن بلا سنة، أو السنة بلا قرآن، أو غلو في اعتبار النصوص مطلقاً بلا فقه، ولا منهج معلوم، وإنما هي الفوضى في المنهج وفي التفكير!

كما أننا في حاجة - بعد ذلك - إلى تكميل قواعد تحقيق المناط بمعناه العام والخاص. وتطوير ذلك من مجال النفس إلى مجال المجتمع، ذلك أن كثيراً من التضارب بين العلماء والدعاة اليوم، في الفتاوى وفي رسم التوجهات الفقهية؛ يرجع في غالبه إلى غياب ما يمكن تسميته بفقه (تحقيق المناط الاجتماعي). وهو صناعة أصولية درج بعضهم على تسميتها اليوم: (بفقه التنزيل) .. تنزيل النصوص على الوقائع .. وهذا لا يزال في حاجة إلى تأصيل وتقعيد، وما صنف من هذا في التراث القديم هو فعلاً في حاجة إلى (تجديد) بعض نماذجه؛ خاصة في مجال المعاملات والعادات؛ إذ فقه تحقيق المناط في مثل هذه الأمور مرتبط بطبيعة الزمان وأهله، يتغير بتغيرها، وقد تغير فعلاً منه الكثير الكثير، فلا بد من تجديد ذلك، على شروط العلم، وقواعد المنهج الأصولي والمقاصدي.


وأما تجديد مقاصد الشريعة من أصول الفقه، فهو ـ أولاً ـ بالصياغة المنهجية؛ لما يوجد منها منثوراً في كتب الفقه وأصوله، ومعلوم أن من فعل ذلك من العلماء الأقدمين والمحدثين في الأمة قليل، فلا يذكر منهم غير الشاطبي في الأقدمين وشراحه من المحدثين ـ كالطاهر بن عاشور والدكتور أحمد الريسوني ـ، المفاهيم المقاصدية لا تزال مبثوثة في كتب الأقدمين ليس فقط في الكتب المشتهرة بذلك كقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام، كلا! وإنما في كتب الفقه مطلقاً وفي كل كتب الأصول، بل في كتب التفسير أيضاً وفقه الحديث، وهي تحتاج إلى كشف أولاً، ثم إلى صياغة علمية منهجية على وزان القواعد والأصول.


ويضاف إلى ذلك ـ ثانياً ـ ما دعت إليه الحاجة المعاصرة؛ من تقعيد القواعد؛ مما يُقَصِّدُ الشارع تقصيداً شرعياً، في تفسير النصوص الكلية؛ لاستيعاب المفهومات الجديدة للمصالح والمفاسد والحقوق؛ بما ينضبط إلى أحكام الشريعة.


والتفكير المقاصدي ضرورة من ضرورات البعثة، وأصل من أصول التجديد، فبغيره تتيه الأمة بين الظواهر؛ بما قد يرفع شوكة الفكر الخارجي من جديد، أو يدخلها ـ بالضد ـ في متاهات التحليل الباطني، ويبقى الوسط بعيداً عن لسان الميزان! وشيء من هذا وذاك ـ مع الأسف ـ هو حاصل، ولله عاقبة الأمور .. وله الأمر من قبل ومن بعد .

[ يراجع للتوسع في الموضوع: مجلة البيان - السنة الثامنة عشرة - العدد 192- شعبان 1424هـ - أكتوبر 2003م - العدد الخاص الذي أصدرته مجلة إسلامية المعرفة عن تجديد أصول الفقه - كتابنا : في فقه الاجتهاد والتجديد: دراسة تأصيلية تطبيقية ]

يحيى رضا جاد
09-11-20 ||, 02:41 PM
صحيح أن بعض ما طرحته هنا قد بذلت فيه مجهودات في القديم والحديث ..

ولكن الأمر يحتاج إلى شيئين :

1- تجميعها وتنقيحها - بالنقد والتقويم والضبط المنهجي العلمي-

2- الإضافة عليها - إضافات علمية منهجية .. لا اعتباطية ولا هدمية-

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
09-11-20 ||, 03:11 PM
ما شاء الله تبارك الله
إبداع وتألق، مزيدا من التوفيق والنجاح.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
09-11-20 ||, 07:19 PM
الإنتاج العلمي :
1- من أسرار الحج - دراسة في فقه الدلالات والمقاصد
هذا وقت أوان إخراجه؛ فأكرمنا به بورك مسعاك.

يحيى رضا جاد
09-11-21 ||, 03:19 PM
ما شاء الله تبارك الله
إبداع وتألق، مزيدا من التوفيق والنجاح.


شكراً لك أيها الأستاذ الفاضل الكريم؛ الذي أسأل الله أن يزيده علماً وتقى

كما أسأله سبحانه أن يفتح بي ولي وعلي, وأن يحفظني من السوء

وأسأل الله أن أكون عند حسن ظنكم

يحيى رضا جاد
09-11-21 ||, 03:25 PM
هذا وقت أوان إخراجه؛ فأكرمنا به بورك مسعاك.


الأستاذ الفاضل/ عبد الحميد الكراني

نعم .. أعلم أن الوقت مناسب لإخراجه

ولكنَّ الأمرَ دين .. مما يستدعي عدم التعجل .. صحيح أن الموضوع عندي شبه منته .. ولكنْ في التأني السلامة

أم طارق
09-11-21 ||, 11:58 PM
جزاك الله خيراً يا أخي على هذا الموضوع المهم والذي يحتاج إلى اهتمام وشغل كبيرين من المختصين في هذا العلم.

إن تجديد أصول الفقه من أنواع التجديد التي لا يزال يهابه الكثيرون على الرغم من أهميته. وقد كانت لي دراسة طويلة حول هذا الموضوع توصلت في نهايتها إلى أن هناك مجالات واسعة لتجديد هذا العلم والارتقاء به إلى مصاف العلوم الحديثة التي تحافظ على هذا الدين وتطبقه في هذا الزمان. وأن عملية التجديد هذه لا تكفي لإنجازها المحاولات الفردية، بل لا بد لإتمامها من القيام بمشروع متكامل له أهداف محددة، ووسائل مدروسة، وضوابط ومعالم واضحة يقوم عليه مجموعة من الأفراد المتخصصين في هذا العلم من العلماء والفقهاء والأصوليين، وذلك بالاستعانة بعدد من المؤسسات التعليمية الإسلامية.

أما أهم مجالات التجديد هذه فيمكن تلخيصها في النقاط التالية:

1- تصفية أصول الفقه مما هو دخيل عليه
2- التحقيق في بعض القواعد المقررة في أصول الفقه
3- الدعوة إلى تغليب المنحى العملي على المنحى التجريدي النظري
4- الدعوة إلى الرجوع التام إلى الأصول والمصادر التي تكون منها العلم وربطها بأدلتها
5- الدراسة الأصولية للقرأن والسنة
6- ربط القواعد بالفروع الفقهية التطبيقية ما أمكن
7- تطوير مفاهيم بعض الأدلة
8- الدعوة إلى إدخال علم المقاصد بصورة واسعة وتطويره ووضع الضوابط اللازمة له
9- الدعوة إلى إدخال القواعد الفقهية في علم الأصول

أسأل الله أن يهيئ لهذا المشروع من يقوم بإتمامه حتى نتمكن من استعادة الفاعلية والقدرة الاستيعابية والدور القيادي لهذا العلم العظيم.

يحيى رضا جاد
09-11-22 ||, 02:34 PM
العدد الخاص الذي أصدرته مجلة إسلامية المعرفة عن تجديد أصول الفقه ]




عفواً .. هذا خطأ .. إنما الصحيح : العدد الخاص الذي أصدرته مجلة المسلم المعاصر عن تجديد أصول الفقه

عصام صبحي صالح
09-11-26 ||, 10:09 AM
الله يفتح عليكم
التجديد مهم لكل علم وخاصة علم أصول الفقه

يحيى رضا جاد
09-11-27 ||, 11:28 AM
الله يفتح عليكم



وعليكم أخي الفاضل

وكل عام وأنتم بخير

طارق موسى محمد
09-12-01 ||, 09:58 PM
الله يفتح عليكم
التجديد مهم لكل علم وخاصة علم أصول الفقه
وجزاكم الله خيرا

اميره في دنيتي
09-12-02 ||, 12:20 AM
مشاءالله


وجزاك الله كل خير

يحيى رضا جاد
09-12-05 ||, 12:56 AM
شكر الله لكم جميعاً

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-12-07 ||, 02:53 AM
أما أهم مجالات التجديد هذه فيمكن تلخيصها في النقاط التالية:


1- تصفية أصول الفقه مما هو دخيل عليه
2- التحقيق في بعض القواعد المقررة في أصول الفقه
3- الدعوة إلى تغليب المنحى العملي على المنحى التجريدي النظري
4- الدعوة إلى الرجوع التام إلى الأصول والمصادر التي تكون منها العلم وربطها بأدلتها
5- الدراسة الأصولية للقرأن والسنة
6- ربط القواعد بالفروع الفقهية التطبيقية ما أمكن
7- تطوير مفاهيم بعض الأدلة
8- الدعوة إلى إدخال علم المقاصد بصورة واسعة وتطويره ووضع الضوابط اللازمة له
9- الدعوة إلى إدخال القواعد الفقهية في علم الأصول



لله درك يا أم طارق ! ما تركتِ لمتعقب شيئا .

***********
للفائدة :
مجالات تجديد علم الأصول
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

******


سؤال : لماذا -حسب الأفاضل- أكثر من يتكلم في تجديد علم الأصول والفقه , لا يحسن هذه العلوم أصلا :


خذ لك مثالا:


د.حسن الترابي : ليس متخصصا , ومع ذلك فهو حامل اللواء , بل خص موضوع تجديد أصول الفقه بكتاب !
بينما أمثال العلامة وهبة الزحيلي لا نجدهم يولون الموضوع أهمية كبرى (تساوي اهتمام الآخرين به) ؟


ثم...


نرى ونسمع ما للرافضة من اهتمامات ضحمة بهذا الموضوع - أعني تجديد علوم الشريعة والعناية بالمقاصد- فما بالهم قد ركبوا هذه البحار , وهم عندهم إمام معصوم , وإنكار للرأي , وإبطال للقياس , وبعضهم لحجج العقول ؟!!

أم طارق
09-12-07 ||, 06:29 AM
.

***********

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

******


سؤال : لماذا -حسب الأفاضل- أكثر من يتكلم في تجديد علم الأصول والفقه , لا يحسن هذه العلوم أصلا :


خذ لك مثالا:


د.حسن الترابي : ليس متخصصا , ومع ذلك فهو حامل اللواء , بل خص موضوع تجديد أصول الفقه بكتاب !
بينما أمثال العلامة وهبة الزحيلي لا نجدهم يولون الموضوع أهمية كبرى (تساوي اهتمام الآخرين به) ؟


ثم...


نرى ونسمع ما للرافضة من اهتمامات ضحمة بهذا الموضوع - أعني تجديد علوم الشريعة والعناية بالمقاصد- فما بالهم قد ركبوا هذه البحار , وهم عندهم إمام معصوم , وإنكار للرأي , وإبطال للقياس , وبعضهم لحجج العقول ؟!!
إن سؤالك يا أخي في مكانه. والمطلع على مواقف العلماء المعاصرين المتخصصين وغير المتخصصين من تجديد هذا العلم يلاحظ أنها تباينت، فانقسموا إلى أقسام ثلاثة:
1- المشددون ومانعو التجديد
2- الغلاة في التجديد المحدثون
3- المتوسطون بين الفريقين

أما القسم الأول: وهم المشددون ومانعو التجديد:
فهم الذين يريدون أن يبقى كل قديم على قدمه، وشعارهم المرفوع: ليس في الإمكان أبدع مما كان! يمثل هؤلاء بعض مقلدي المذاهب المتعصبين لها، والحرفيون الذين يقفون جامدين عند ظواهر النصوص.
كما أن هناك فريقاً ثانياً يرفض التجديد بسبب غموض المصطلح وعدم ضبطه في الساحة الفكرية الإسلامية، ولاكتسابه من خلال التداول العام معنى الإلغاء والتجاوز.
والسبب في رفض هذين الفريقين للتجديد نفسي حيث أن هناك لوناً من الخشية في الإقدام على تجديد كل ماله علاقة بالدين، حتى إن كلمة التجديد نفسها إذا وردت في معرض الحديث عن مسألة فقهية تقابل بالامتعاض خوفاً من أن تكون ذريعة للتحلل من أوامر الدين وشعائره شيئاً فشيئاً.
أما الفريق الثالث الذي يرفض المصطلح لاكتسابه معنى التجاوز والإلغاء، ولأنه لم يشتهر في تراثنا الإسلامي .
هناك فريقٌ رابع معارض لتجديد أصول الفقه بصفة خاصة. يرى هذا الفريق بأن قواعد أصول الفقه قطعية لا ظنية لأنها راجعة إلى كليات الشريعة، وما كان كذلك فهو قطعي لا مجال للاجتهاد فيه. وعلى هذا فأصول الفقه علم مستقر له حدوده التي صيغت من القواعد الأساسية التي بني عليها ولا مجال للتجديد في قواعد هذا العلم ومبادئه وإنما يمكن التجديد في إعادة تبويبه أو إعادة صياغته أو معاودة البحث في أدوات القياس ونحو ذلك مما يساعد على تنظيم هذا العلم وبهذا يكون التجديد في الشكل دون الجوهر.

2- القسم الثاني: وهم الغلاة في التجديد والمحدثون:
وهم الذين يريدون أن ينسفوا كل قديم، وإن كان هو أساس هوية المجتمع، وهؤلاء في الحقيقة مبددون لا مجددون، وهؤلاء تجدهم يكتبون تارة باسم التجديد الأصولي، وتارة بتجديد الفكر الإسلامي.
أما فيما يخص رؤيتهم حول التجديد الأصولي فإنهم يرون – وهم في الغالب ليسوا من المتخصصين في الأصول- أن علم أصول الفقه بات مجرد أفكار نظرية جامدة لم تعد قادرة على إنتاج اجتهاد يحل مشاكلنا، ويواكب عصرنا، وأنه لذلك لا بد من تجديد أصول الفقه بما يتضمن تجاوز مفرداته القديمة، وبناء منهجية أصولية جديدة.

3- القسم الثالث: المتوسطون في التجديد
وهم الذين يرفضون جمود الأولين وجحود الآخرين. وهؤلاء المتوسطون اختلفوا في الضوابط الشرعية للتجديد، كما اختلفوا في التعاطي معها، فمنهم من توسع حتى كاد يصل إلى الغلاة، ومنهم من ضيّق حتى كاد يغلق الباب.
وفيما يتعلق بتجديد أصول الفقه الإسلامي فقد ذهب هذا الفريق إلى إمكانية تجديد علم أصول الفقه باعتبار أن معظم مسائله ظنية يمكن إعادة النظر فيها كما يمكن استحداث وإضافة قواعد جديدة، وأنكروا إطلاق القول بأن مسائل هذا العلم قطعية مستدلين بأن الكثير من مسائل أصول الفقه قد حدث فيها اختلاف بين العلماء ومن ذلك الاختلاف حول المصالح المرسلة، والاستحسان والاستصحاب والعرف وغيرها من المسائل الأصولية حتى القياس والإجماع رغم حجيتهما عند الجمهور فهناك من ينازع في حجيتهما، فضلاً عن أن القواعد التي وضعها علماء الأصول لضبط الفهم والاستنباط من النص لم تسلم من الاختلاف. مما يشير إلى أن الكثير من قواعد أصول الفقه لا يدخل في دائرة القطع.إلا أن هذا الفريق لا يتنكر لفضل علماء الأصول وما بذلوه من جهد في خدمة الشريعة وعلومها ولا يسعى إلى هدم جهود السابقين، ولا يخرج عن القطعيات في الأصول، وإنما يركز على الظنيات التي هي محل للاجتهاد واختلاف الرأي، ليجدد فيها ويطور من خلاله بما يمكن أن يكون إضافة نوعية إلى جهود السابقين ولبنة بناء وتطوير في تراثنا وفكرنا الإسلامي العظيم.

وعلى الرغم من توسط الفريق الثالث والأخير، وكونه أكثر منطقية وواقعية، إلا أن أتباعه - وللأسف- لا يزالون أقل من الفريقين الأولين ولم يدخل فيه الكثير من علماءنا الكبار المتخصصين في الفقه وأصوله حتى الآن.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-12-07 ||, 09:35 AM
يبقى أمرٌ : وهو أن الأدلة الشرعية منحصرة , إما ثلاثة وإما أربعة , وهي لاتتغير : إنما التجديد -كما أسلفتم- في طرائق العرض والتهذيب والتيسير والتحرير.

****

وتبقى هذه الدعوة : تنظيرا فكريا مجردا ذو طابع فلسفي أحيانا (كحالة محمد إقبال) أو "فكري" .

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
09-12-07 ||, 12:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم



ليس معنى تجديد أصول الفقه عندي إلغاء العمل بالقياس ومسالك التعليل ...


كلا !


فلا تزال المنهجية الأصولية في أغلب قواعدها صالحة للإعمال والاستعمال، في إنتاج التفكير الفقهي الجديد وضبطه، وإنما هي في حاجة إلى كشف رصيدها العلمي الضخم أولاً، ثم تطوير قواعدها الإجرائية؛ بما يضمن استيعاب قضايا العصر الحديث بشكل مناسب لمقاصد الشريعة ثانياً.



فهي إذن؛ في حاجة إلى (تكميل) أكثر مما هي في حاجة إلى (تغيير)، هذه حقيقة يعرفها من خبر مناهج الاستنباط الفقهي في مصادرها الأصيلة، وذلك على الأقل في هذه المرحلة من تاريخ الأمة العلمي. قلت: هذا لمن كان يعرف طبيعة المادة الأصولية والمقاصدية حق المعرفة؛ من خبراء الميدان. فالدرس الأصولي غني جدّاً بالتنوع المنهجي، وبالتعدد الإمكاني لمسالك البحث والاستنباط؛ بما يكفل تغطية أغلب الحاجات العلمية للأمة، في العصر الحديث.



والقياس المعياري ـ ولا أقول (الضيق) ـ وُضِعَ لأسباب حضارية، وحاجات علمية، ما تزال قائمة إلى اليوم. ووضعت له منافذ للتوسعة، تبرز حيث تنتصب حاجتها علمياً. من مثل القواعد المآلية، كقواعد الاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، وقاعدة مراعاة الخلاف، وقاعدة اطراد المصالح الكلية... إلخ.



إن الحاجة اليوم هي في تجديد الضوابط الأصولية، والقواعد المقاصدية، فيما يتعلق بفقه الأولويات والموازنات، وكذا قواعد ترتيب الحجاج والاستدلال. فأصول هذه الأمور تكاد تنعدم، فالخبراء يستنبطون مفهوماتها لأنفسهم، ويبقى غيرهم من أهل العلم تائهين في فتنة تعارض الظواهر ومقتضيات الدلالات، فتدخل الأمة بذلك في فتنة ردود الأفعال، من مثـل ما يحصل اليـوم مـن افتراقٍ مفتونٍ، ينشـق بين قـوم لا يشتغلـون بالسـنة مكتفين فقـط بالقـرآن ! وبين قـوم آخــرين لا يشتغلــون بالقــرآن مكتفين فقط بالسنة! وبين قـوم آخــرين لا يقبلـون اجتهـــاداً فـي الدلالـة ولا فـي مقاصــد الشـريعة؛ ولا نظراً في تحقيق المناط بين عموم وخصوص ! وقوم غيرهم تسيبوا في تفسير الخطاب الشرعي بما يخالف الأصول الكلية والثوابت الشرعية. كل ذلك ردود أفعال لا شعورية؛ بسبب غياب العدل في العلم، والقصد في المنهج.



إننا في حاجة إلى تكميل أصول الفقه بقواعد، تضمن بناء مراتب التشريع .. بترتيب التفكير الفقهي، وضبط مراحله الذهنية؛ بدءاً بمرحلة الفهم للنص: كيف يتم ؟ ثم مرحلة الاستنباط منه: كيف تقع ؟ ثم مرحلة التحقيق للمناط: كيف تتنزل أحوالها ومآلاتها بين العموم والخصوص ؟ وما يعتري كل ذلك من تقديم وتأخير، أو استثناء وتخصيص، للأدلة بعضها على بعض، وبعضها من بعض، إلى غير ذلك من سائر الأحوال، والممكنات الاستدلالية في الدرس الأصولي والمقاصدي.



وعـدم اعتبار هـذه المعاني الكليـة، والترتيبات الاســتدلاليــة يؤدي إلى أحد غُلوّين: غلو في اعتبار القرآن بلا سنة، أو السنة بلا قرآن، أو غلو في اعتبار النصوص مطلقاً بلا فقه، ولا منهج معلوم، وإنما هي الفوضى في المنهج وفي التفكير!


كما أننا في حاجة - بعد ذلك - إلى تكميل قواعد تحقيق المناط بمعناه العام والخاص. وتطوير ذلك من مجال النفس إلى مجال المجتمع، ذلك أن كثيراً من التضارب بين العلماء والدعاة اليوم، في الفتاوى وفي رسم التوجهات الفقهية؛ يرجع في غالبه إلى غياب ما يمكن تسميته بفقه (تحقيق المناط الاجتماعي). وهو صناعة أصولية درج بعضهم على تسميتها اليوم: (بفقه التنزيل) .. تنزيل النصوص على الوقائع .. وهذا لا يزال في حاجة إلى تأصيل وتقعيد، وما صنف من هذا في التراث القديم هو فعلاً في حاجة إلى (تجديد) بعض نماذجه؛ خاصة في مجال المعاملات والعادات؛ إذ فقه تحقيق المناط في مثل هذه الأمور مرتبط بطبيعة الزمان وأهله، يتغير بتغيرها، وقد تغير فعلاً منه الكثير الكثير، فلا بد من تجديد ذلك، على شروط العلم، وقواعد المنهج الأصولي والمقاصدي.



وأما تجديد مقاصد الشريعة من أصول الفقه، فهو ـ أولاً ـ بالصياغة المنهجية؛ لما يوجد منها منثوراً في كتب الفقه وأصوله، ومعلوم أن من فعل ذلك من العلماء الأقدمين والمحدثين في الأمة قليل، فلا يذكر منهم غير الشاطبي في الأقدمين وشراحه من المحدثين ـ كالطاهر بن عاشور والدكتور أحمد الريسوني ـ، المفاهيم المقاصدية لا تزال مبثوثة في كتب الأقدمين ليس فقط في الكتب المشتهرة بذلك كقواعد الأحكام للعز بن عبد السلام، كلا! وإنما في كتب الفقه مطلقاً وفي كل كتب الأصول، بل في كتب التفسير أيضاً وفقه الحديث، وهي تحتاج إلى كشف أولاً، ثم إلى صياغة علمية منهجية على وزان القواعد والأصول.



ويضاف إلى ذلك ـ ثانياً ـ ما دعت إليه الحاجة المعاصرة؛ من تقعيد القواعد؛ مما يُقَصِّدُ الشارع تقصيداً شرعياً، في تفسير النصوص الكلية؛ لاستيعاب المفهومات الجديدة للمصالح والمفاسد والحقوق؛ بما ينضبط إلى أحكام الشريعة.



والتفكير المقاصدي ضرورة من ضرورات البعثة، وأصل من أصول التجديد، فبغيره تتيه الأمة بين الظواهر؛ بما قد يرفع شوكة الفكر الخارجي من جديد، أو يدخلها ـ بالضد ـ في متاهات التحليل الباطني، ويبقى الوسط بعيداً عن لسان الميزان! وشيء من هذا وذاك ـ مع الأسف ـ هو حاصل، ولله عاقبة الأمور .. وله الأمر من قبل ومن بعد .


[ يراجع للتوسع في الموضوع: مجلة البيان - السنة الثامنة عشرة - العدد 192- شعبان 1424هـ - أكتوبر 2003م - العدد الخاص الذي أصدرته مجلة إسلامية المعرفة عن تجديد أصول الفقه - كتابنا : في فقه الاجتهاد والتجديد: دراسة تأصيلية تطبيقية ]



بارك الله فيك أخي الكريم.

نعم هو ذلك "فهي إذن؛ في حاجة إلى (تكميل) أكثر مما هي في حاجة إلى (تغيير)"

المتأمل في تاريخ تطور أصول الفقه ينتبه لذلك إذ أن القواعد الأصولية موجودة خاصة في فهم الصحابة و التابعين و تابعييهم إنما الذي ينقص هو جمعها و تكميلها .

هناك بعض المحاولات المعاصرة في ذلك منها ما قام به الأستاذ أسعد عبد الغني السيد الكفراوي في كتابه الإستدلال عند الأصوليين حين حاول جمع شتاته من كتب سابقيه إلا أن فصل دراسة الأصول عن فهم السلف خاصة الصحابة ما أظنه يأتي بخير و لا يكفي التنظير و التسطير فقط إذ لا بد من الإنتباه للتطبيق.

و قد حصرت أخي الكريم و أوافقك في ذلك التجديد في أمرين الإستدلال و المقاصد بقولك "والقواعد المقاصدية، فيما يتعلق بفقه الأولويات والموازنات، وكذا قواعد ترتيب الحجاج والاستدلال" .

أما إلاستدلال فهو متناثر في الكتب و لو أهتم بمنهج البخاري في الإستدلال لكان فيه الخير الكثير و الغرض ليس بناء الأصول على أقوال بعض الفقهاء و إنما الكشف عنها من كتبهم ثم البحث فيها و فصلها عن أقوالهم و هذا عين ما قلته أخي الكريم في المقاصد بقولك "وإنما في كتب الفقه مطلقاً وفي كل كتب الأصول، بل في كتب التفسير أيضاً وفقه الحديث، وهي تحتاج إلى كشف أولاً، ثم إلى صياغة علمية منهجية على وزان القواعد والأصول." فالإستدلال و المقاصد ينطبق عليهما الأمر ذاته إلا أني أضيف إلى ذلك دراسة تداخل هذه القواعد و أولويات تطبيقها فاليوم نرى من يتوسع في المقاصد حتى جعلها أصلا عارض به ظواهر النصوص فغلب عليه الرأي و إعمال العقل و منهم من أهملها حتى ضيق على الأمة و جعلها كالمعدومة فغلب عليه الظاهر و عطل مقصد الشريعة في التيسير على الناس.

لابد من توازن بين جميع قواعد الأصول فلذلك دراسة تداخل هذه القواعد و وضع ظوابط لذلك لابد منه اليوم.

المتأمل في المذاهب الفقهية يجد أن كل مذهب قد تميز في بعض القواعد الأصولية دون غيرها و إن كان الجميع يشترك في أهمها لذلك إنشاء فقه متوازن يجمع الأقرب للدليل من هذه المذاهب يمر بدراستها جميعا و إستخلاص أهم قواعدها الأصولية لإعادة تنظيرها حسب مفاهيم الشريعة و المتفق عليه من مفاهيم النصوص و تمحيصها بفهم الصحابة و المجمع عليه بين الفقهاء للوصول إلى ضوابط تمنع التشدد المذموم في الدين و التيسير دون الخروج عن الشرع بمجرد الرأي و الله الموفق إلى الصواب.

محمد بن حسين الأنصاري
09-12-11 ||, 07:43 PM
[بحث نشر لي قديما هنا وفي مواقع أخرى.. وفي صحيفة المدينة "ملحق الرسالة" نقلته لكم لتكملة الموضوع... وشكرا]

التجديد الأصولي.. بين الضرورة والإهمال
محمد بن حسين الأنصاري
alnsari2000@hotmail.com


الحمد لله حمد الشاكرين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين، ومن سار على منهجهم إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن من المعلوم أن هذا الموضوع له حساسية مفرطة لدى بعض الباحثين، مما يجعلهم يرفضون كل ما يتسم بالتجديد جملة وتفصيلا بموجب وبلا موجب.
وسبب ذلك هو ضبابية هذا المصطلح، وعدم تحريره، وضبط آلياته. كما أن بعض المرددين له والداعين إليه هم من الدخلاء في هذا العلم.
واختلاف المفاهيم في تحرير هذا المصطلح؛ هو الذي أدى إلى توسيع دائرة النزاع بين الباحثين؛ لعدم تحرير محل البحث وضبط المصطلح، والتجديد في علم الأصول لا بد أن ينطلق من أساس علم الأصول ومحكماته، وإلا كان تجديدا فاقدا للثقة والمصداقية.

مفهوم التجديد الأصولي
حدد البوطي مفهوم التجديد الأصولي بما يلي: (تجديد الانضباط بقواعده وأحكامه، وإصلاح ما تصدع من بنيانه، وتمتين ما وهى من دلائله، وسد ما تفتح من ثغرات في مفاهيمه، ونفض ما غشى عليه من غبار النسيان له والإعراض عنه، وعرض مضمونه بأسلوب أكثر جدة وأيسر فهماً). [إشكالية تجديد أصول الفقه (ص:156)]
ومفهوم التجديد الأصولي المقبول في نظري: هو إبراز القواعد الأصولية للمستفيد، وتأصيلها بالأدلة الشرعية، وتصفيتها من كلّ ما علق بها مما ليس منها، وكل ما اتصل بها ولم يثمر فرعا.
وأما التجديد حول المعاصرة والأسلوب، فإنه يدخل تبعا لا استقلالا، فمن فاته الأصل لم ينتفع بالفرع، وإن صيغ له بأبدع الأساليب.
فإن مفهوم التجديد إذا لم يخدم الهدف والغاية التي لأجلها وضع علم الأصول، لم تكن الدعوة إليه ذات قيمة وفائدة، لذا لا بد أن يرتبط المفهوم بالغاية من هذا العلم، وغاية هذا العلم: كيفية استنباط الحكم من نص الشارع.
وعليه لا بد أن تكون قواعد هذا العلم سهلة الملتمس قريبة المأخذ لمن رغب في الاستنباط، فإن الناظر في مجمل كتب الأصول يجد مفاوز شاسعة - من التنظير والجدل - بينه وبين القاعدة الأصولية؛ لهذا أصبحت القواعد في كثير من الأحيان مشوّشة، غير واضحة المعالم، ولا بيّنة الدلائل؛ لكثرة ما علق بها، ولهذا قيل عن علم الأصول: دونه خرط القتاد.
ومفهوم التجديد السابق يتلخص في أمرين:
الأول: حاجة القاعدة الأصولية إلى الأدلة.
قال ابن تيمية (ت:728هـ) : (الأصوليون يذكرون في مسائل أصول الفقه مذاهب المجتهدين كمالك؛ والشافعي؛ والأوزاعي؛ وأبي حنيفة؛ وأحمد بن حنبل، وداود ومذهب أتباعهم؛ بل هؤلاء ونحوهم هم أحق الناس بمعرفة أصول الفقه؛ إذ كانوا يعرفونها بأعيانها ويستعملون الأصول في الاستدلال على الأحكام بخلاف الذين يجردون الكلام في أصول مقدرة، بعضها وجد، وبعضها لا يوجد، من غير معرفة أعيانها.
فإن هؤلاء لو كان ما يقولونه حقا فهو قليل المنفعة أو عديمها؛ إذ كان تكلما في أدلة مقدرة في الأذهان لا تحقق لها في الأعيان كمن يتكلم في الفقه فيما يقدره من أفعال العباد وهو لا يعرف حكم الأفعال المحققة منه فكيف وأكثر ما يتكلمون به من هذه المقدرات فهو كلام باطل). [مجموع فتاوى ابن تيمية (20/402)]
فابن تيمية – رحمه الله - يشير في صدر كلامه على أهمية ربط الأصول بأدلتها؛ فأحق الناس عنده بمعرفة هذا العلم هم أعرفهم بالأدلة الشرعية؛ ونقده لأصول المتأخرين في آخر النص يدل على ذلك، بل ذَكر أن حقيقة علم الأصول = هي معرفة هذه الأدلة؛ لهذا فإن الأصولي حقًا هو من أدرك هذه الأدلة على الإجمال، كما يصرح بذلك في موطن آخر ويقول: (فإن الكلام في أصول الفقه وتقسيمها إلى‏:‏ الكتاب، والسنة، والإجماع، واجتهاد الرأي، والكلام في وجه دلالة الأدلة الشرعية على الأحكام‏:‏ أمر معروف من زمن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم والتابعين لهم بإحسان؛ ومن بعدهم من أئمة المسلمين وهم كانوا أقعد بهذا الفن وغيره من فنون العلم الدينية ممن بعدهم). [المصدر السابق: (20/401-402)]
وغياب الأدلة في كتب الأصول أنتج بالضرورة بناء هذه القواعد على غير أصولها، وفي ذلك يقول ابن تيمية:
(إن من له مادة فلسفية من متكلمة المسلمين - كابن الخطيب وغيره - يتكلمون في أصول الفقه الذي هو علم إسلامي محض؛ فيبنونه على تلك الأصول الفلسفية). [المصدر السابق: (2/86)]
وأنّى لعلم بُنيَ أصله على الفلسفة وعلم الكلام أن يحقق غايته المنشودة: ملكة الاستنباط من النص؛ لهذا لا محيص عن تجديد هذا العلم ورده لما كان عليه من لدن الشافعي، ومن قبله كالصحابة وغيرهم.
وإن أردت أن تعلم غياب الأدلة، فدونك أقرب كتاب في علم الأصول – خاصة المتأخرة - تناوله وابحث فيه عن الأدلة، وانظر ماذا ترى؟!
- مسائل مجردة.
- تعليلات عقلية.
- افتراضات ذهنية.
- حكاية السيد والعبد!
- أصول كلامية.
- نتف من الأدلة الشرعية!
وهم في ذلك بين مستقل ومستكثر، وناقد ومؤيد، وكتب الأصول المتأخرة في الجملة على قسمين:
1- متون صناعية معقّدة.
2- شروح وحواشي، وهي إما شروح تهتم بفك العبارات لا غير، أو شروح تحولت إلى معارك خلافية بين أئمة المذاهب.
وأصدق مثال يبيّن ذلك كتابان: الأول: "الردود والنقود" وهو للبابرتي الحنفي (ت786هـ). والثاني: "الآيات البينات" وهو للعبادي (ت994هـ)، والأمثلة كثيرة.
كل ذلك أدى إلى عدم الاهتمام بذكر الأدلة الشرعية على القواعد الأصولية، كما أدى إلى آثار أخرى سلبية في بناء القواعد على غير أصولها، كمن يذكر القاعدة بناء على أصل كلامي، أو بناء على قول السيد لعبده، وإذا حاول تطبيق ذات القاعدة على النص الشرعي لم يجد لذلك سبيلا؛ لفساد التقعيد من الأساس، بل قد يُطوِّع النص حتى يتوافق مع القاعدة وإن لم يدل عليها.
ولتوضيح ذلك تدبّر التقرير التالي:
"مسألة: إذا توجه الأمر إلى واحد لم يدخل غيره فيه بإطلاقه. قال المصنف – الخطابي -: وجه قولنا أنه لا خلاف بين أهل اللغة أن الإنسان إذا قال لعبده افعل كذا وكذا لم يدخل بقية عبيده في ذلك، فكذلك إذا أمر الله تعالى نبيه لم تدخل فيه الأمة". [التمهيد في أصول الفقه للخطابي (1/277).]
فهل هذا التقرير صحيح؟ هل هذا الدليل يكفي لإثبات هذه القاعدة؟ ألم يكن ثمت فرق بين خطاب الله تبارك وتعالى، وخطاب السيد لعبده أو أمته؟ أليس الأصل في خطاب الله العموم؟ فأين ذلك في خطاب السيد لعبده؟! ثمّ وإن سلمنا جدلا بهذا الأصل؛ هل هذا القياس صحيح؟ وإن صح هل ينهض لتأصيل هذه القاعدة؟
يتحصّل مما سبق أن كتب الأصول قد اشتملت على أمور توجب التجديد منها:
- دخول المادة الفلسفية في علم الأصول.
- غياب الأدلة عن القواعد الأصولية.
- دخول ما لا ثمرة فيه في علم الأصول.
- شيوع التقليد المذموم.
قال بعض الباحثين – في معرض حديثه عن جمود المدونات الفقهية -: (فلم تعد هذه المدونة بحكم تقليدها وامتثالها بحاجة أصلاً إلى هذا النموذج الذي تتحدد وظيفته المنهجية المعرفية الأساسية بتقعيد عملية الاجتهاد. وهو ما يفسر – ما خلا استثناءات محدودة - جمود البحث الأصولي، وتحوله إلى نوعٍ من مختصرات معقدة ومستغلقة للمختصرات، إلى درجة تدفع الشيخ محمد الخضري الذي كان يدرس مادة أصول الفقه في كلية غوردون في السودان إلى وصف ألغازها بأنها (تكاد لا تكون عربية المبنى) وأن فهم (المراد) منها مثل (فتح المعميات).
حتى كأنها (ما ألفت لتفهم) ومن هنا "لا تكاد تفهم وحدها لذلك احتاجت إلى الشروح، واحتاج الشرح إلى حاشية، كحاشية ابن عابدين". ولا أدل على جمود التفكير الأصولي من أن تدريس علم الأصول في الأزهر، قد انحصر قروناً طويلة حتى أوائل القرن العشرين بكتاب (جمع الجوامع) بشرح المحلي الذي يصفه الشيخ محمد الخضري بأنه "عبارة عن جمع الأقاويل المختلفة بعبارة لا تفيد قارئاً ولا سامعاً، وهو مع ذلك خلو من الاستدلال على ما يقرره من القواعد". فلقد غدا علم الأصول بتعبير للشيخ محمد الخضري أيضاً "أثراً من الآثار"). [الاجتهاد للريسوني ومحمد باروت (ص:92-93)]
فوجود هذه الأمور تبين ضرورة التجديد في علم الأصول، ولا سيما ما يتعلق بربط القواعد الأصولية بأدلتها الشرعية؛ لأن ذلك هو الأصل واللب، وممن نحا هذا المنحا من المتقدمين الإمام الشيرازي – رحمه الله - (ت:476هـ)، فقد كانت له جهود مباركة في تنقيح أصول الإمام الشافعي عن أصول المتكلمين، إضافة إلى ذكر الأدلة الشرعية على المسائل الأصولية، وهذا ظاهر وبيّن، ولا سيما في كتابه "التبصرة" الذي خصه بأصول الفقه المقارن.
قال أبو الحسن: (ومعروف شدة الشيخ أبي حامد الاسفراييني على أهل الكلام حتى ميز أصول فقه الشافعي من أصول الأشعري، وعلقه عنه أبو بكر الزاذاقاني وهو عندي، وبه اقتدى الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في كتابيه "اللمع" و"التبصرة" حتى لو وافق قول الأشعري وجها لأصحابنا ميزه. وقال: هو قول بعض أصحابنا، وبه قالت الأشعرية، ولم يعدّهم من أصحاب الشافعي، واستنكفوا منهم – أي: من الأشاعرة - ومن مذهبهم في أصول الفقه فضلا عن أصول الدين.
قلت: - أي ابن تيمية - هذا المنقول عن الشيخ أبي حامد، وأمثاله من أئمة أصحاب الشافعي أصحاب الوجوه؛ معروف في كتبهم المصنفة في أصول الفقه وغيرها). [درء التعارض (2/98)]
قال ابن تيمية: (من بنى الكلام في العلم - الأصول والفروع - على الكتاب والسنة والآثار المأثورة عن السابقين، فقد أصاب طريق النبوة). [المصدر السابق: (10/363)]


الثاني: بيان الدخيل على القواعد الأصولية ونبذه.
المسائل الخارجة عن علم الأصول وغايتهِ كثيرة، وعلاقة هذه المسائل بعلم الأصول تختلف من مسألة إلى أخرى، فمن هذه المسائل ما لها علاقة مباشرة بالقاعدة، وقد يستفاد منها في فهمها وتصورها، بل وتطبيقها، ومنها ما لا علاقة لها به، وهذا يمكن الاستغناء عنه.
يقول الغزالي (ت: 505هـ): (وذلك – أي علم الكلام - مجاوزة لحد هذا العلم – أي علم الأصول - وخلط له بالكلام وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصنعة، كما حمل حب اللغة والنحو بعض الأصوليين على مزج جملة من النحو بالأصول، فذكروا فيه من معاني الحروف، ومعاني الإعراب جملا هي من علم النحو خاصة). [المستصفى (1/42)]
قال الطوفي (ت: 716هـ): (واعلم أن البحث عن أن العموم من عوارض الألفاظ، أو المعاني هو من رياضات هذا العلم، لا من ضروراته حتى لو ترك، لم يُخِلّ بفائدة). [شرح مختصر الروضة (2/455)]
وما لو ترك في كتب الأصول لم يُخل بفائدة كثير جدا، فأصول الفقه فيه جزء كبير من العربية، وجزء كبير من أصول الدين كالحسن والقبح، وصدق النبوة وعصمة الأنبياء عليهم السلام، وجزء من النحو والتصريف وغير ذلك مما ليس له به صلة مباشرة. [انظر: نفائس الأصول في شرح المحصول للقرافي (1/161) بتصرف]
بهذا تعلم أن وجود مسائل ليست من أصول الفقه أمر لا جدل فيه، ودونك هذا المثال:
قال الرازي (ت:606هـ) : (وأما الكلام، فهو الجملة المفيدة، وهي إما الجملة الاسمية، كقولنا زيد قائم، أو الفعلية، كقولنا قام زيد، وإما مركب من جملتين). [المحصول (1/180).]
قال عبد المؤمن الحنبلي (ت:739هـ): (و"الكلام" هو المنتظم من الأصوات المسموعة المعتمدة على المقاطع وهي الحروف، وهو جمع كلمة، وهي اللفظ الموضوع لمعنى. وخص أهل العربية الكلام المفيد وهو الجمل المركبة من فعل وفاعل، أو مبتدأ وخبر، وغير المفيد كلم). [قواعد الأصول ومعاقد الفصول (ص:49-50)]
وهذا المثال جزء من عشرات الأمثلة، وكتب الأصول في ذلك تكاد تكون متطابقة، فالمثال الواحد يكفي في إثبات القضية؛ وذلك لغلبة النقل عليهم.
قال الإسنوي (ت:772هـ) : (واعلم أن المصنف –رحمه الله- أخذ كتابه من الحاصل للفاضل تاج الدين الأرموي، والحاصل أخذه مصنفه من المحصول للإمام فخر الدين، والمحصول استمداده من كتابين لا يكاد يخرج عنهما غالباً أحدهما المستصفى لحجة الإسلام الغزالي، والثاني المعتمد لأبي الحسين البصري، حتى رأيته ينقل منهما الصفحة أو قريباً منها بلفظها، وسببه –على ما قيل- أنه كان يحفظهما، فاعتمدت في شرحي لهذا الكتاب مراجعة هذه الأصول). [نهاية السول (1/5-6)]
هذا النصّ يدلك على كثرة النقل لديهم، والعيب في ذلك ليس في مجرد النقل، وإنما في النسخ المتطابق من غير إضافة ولا تحرير، وهذا أثر كبير من آثار التقليد الذي بلينا به.
قال الشوكاني (ت:1250هـ) : (- بعد ذكره لأهمية علم الأصول – وكانت مسائله المقررة، وقواعده المحررة تؤخذ مسلمةً عند كثير من الناظرين، كما تراه في مباحث الباحثين، وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد لما قاله بكلمة من كلام أهل الأصول أذعن لها المنازعون، وإن كانوا من الفحول، لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن قواعد مؤسسةٌ على الحق الحقيق بالقبول، مربوطة بأدلةٍ علمية من المعقول والمنقول، تقصر عن القَدحِ في شيءٍ منها أيدي الفحول، وإن تبالغت في الطول). [إرشاد الفحول (1/53-54)]
بهذا نكون قد استوفينا بإيجاز التقرير الدال (نظريًّا وتطبيقيًّا) من خلال كتب الأصول على صدق هذا المفهوم الذي ذكرناه، كما قد بان لك من خلال النقول السابقة حاجة هذا العلم إلى التجديد والمراجعة في كثير من مواده، ولا سيما التي تضمنها هذا المعنى وهو: هو إبراز القواعد الأصولية للمستفيد، وتأصيلها بالأدلة الشرعية، وتصفيتها من كلّ ما علق بها مما ليس منها، وكل ما اتصل بها ولم يثمر فرعا.
الخلاصة: أن علم الأصول من أحوج العلوم إلى التجديد وتنقيته والنهوض به وتحرير مسائله، وأسباب ذلك لا تخفى على الممارسين له كما سبق. ولعل هذا ما جعل بعض الأيدي تتناوله بحق، أو تتطاول عليه بلا حق. والدراسات التي تناولت موضوع التجديد في الأصول، تختلف باختلاف أصحابها وتوجهاتهم ومقاصدهم، ورد دعوى التجديد بالكلية ليس سديداً، فقد يصدق الكذوب، ويجود البخيل، غير أنها قد ترشدك وتنبهك على مواطن الخلل أحيانا، فخذ منها ودع، والحكمة ضالة المؤمن، وعليه لا بد أن تعلم أن الرد الجملي بلا تفصيل لا يستقيم.
مواقف الناس من التجديد
تباينت مواقف العلماء والكُتَّاب في النظر إلى موضوع التجديد إلى طرفين ووسط:
الموقف الأول: مانعوا التجديد، وهم الذين يريدون أن يبقى كل قديم على قدمه وشعارهم المرفوع: ليس في الإمكان أبدع مما كان! يمثل هؤلاء بعض مقلدي المذاهب المتعصبين لها، والحرفيون الذين يقفون جامدين عند ظواهر النصوص. [من أجل صحوة راشدة، للقرضاوي (ص:51و53) بتصرف.]
أقول لهؤلاء: إن تراثنا بأمس الحاجة إلى التحقيق والغربلة، لتكثيف الفهم والتعقل، وتحري الاختيار والانتخاب، ومن ادعى غير ذلك فقد جنى على التراث أولاً، وعلى المتقدمين ثانياً؛ بالإدعاء لهم ما لم يدعوه لأنفسهم، ولا لمن سبقهم، وتعدى على المتأخرين ثالثاً؛ بوأد عقولهم في مهدها، والتشكيك في قدراتهم ومقاصدهم.
كما أن ركام الخلافيات التي تفاقم أمرها في كتب علم الأصول يحتاج إلى عقل مجدد لاستخلاص الراجح من بينه.
وأؤكد في هذا السياق على عدم صحة اعتبار أن الماضي دائماً أفضل حالاً من الحاضر، والقادم أسوأ من الحاضر. فمجمل ما يتعلق به هؤلاء مردود من مقولات كَرَّست حالة الجمود والسكون والرهبة، والتقديس في التعامل مع التراث، وبالذات مع آراء واجتهادات العلماء السابقين، ورسَّخت حالة التقليد والتبعية، وأضعفت حالة الاجتهاد والتجديد. [من التراث إلى الاجتهاد لزكي الميلاد (ص:256).]
"وأما الجانب النفسي – عند هؤلاء - فإن هناك لوناً من الخشية في الإقدام على تجديد كل ماله علاقة بالدين، حتى أن كلمة التجديد نفسها إذا وردت في معرض الحديث عن مسألة فقهية تقابل بالامتعاض خوفاً من أن تكون ذريعة للتحلل من أوامر الدين وشعائره شيئاً فشيئاً.
والانتصار على هذا الجانب النفسي يحتاج إلى شجاعة وثقة بالنفس، وإيمان بأن الإسلام الذي ارتضاه الله ديناً للناس كافة يحض على إعمال العقل، ومحاربة الجمود، والعمل الدءوب من أجل أن تسود كلمة الحق، وأن تكون لها صولة وقوة حتى لا تخنس أمام ضراوة الباطل وإعصار التقليد والجمود". [نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة للدسوقي (ص:130-131)‏]
الموقف الثاني: الغلاة في التجديد، وهم الذين يريدون أن ينسفوا كل قديم وإن كان هو أساس هوية المجتمع، وهؤلاء في الحقيقة مبددون لا مجددون، وهم يكتبون تارة باسم التجديد الأصولي، وتارة بتجديد الفكر الإسلامي.
الموقف الثالث: المتوسطون في التجديد، وهم الذين يرفضون جمود الأوليين وجحود الآخرين.
وهنا لا بد أن نفرق بين ما يبديه الذين يدعون إلى التجديد الذي يظهر أنه امتداد للجهد الذي بذله علماء المسلمين منذ قيامهم بواجب الاجتهاد والإفتاء، وبناء صرح الفقه الإسلامي، وبين الذين يدعون إلى هدم الإسلام، وطمس معالمه، وقد بان لك فيما سبق أنهم متصفون بأسوأ من ذلك. [تجديد علم أصول الفقه للسريري (ص:89) بتصرف يسير]
وهؤلاء المتوسطون اختلفوا في الضوابط الشرعية للتجديد، كما اختلفوا في التعاطي معها، منهم من توسع حتى كاد يصل إلى الغلاة، ومنهم من ضيّق حتى كاد يغلق الباب.
"وجملة القول أن التجديد في علم الأصول ضرورة دينية، وأن الدعوة إلى هذا التجديد تنطلق من مبدأ صلاحية التشريع الدائم للتطبيق، وأن هذه الدعوة لا تعني خروجاً على كل ما كتبه السلف في هذا العلم، فمنه ما لا يقبل التطور، ومنه ما جاء عن نظر واجتهاد، ولا أحد يستطيع أن يدعي فرضية متابعة أي مجتهد في أمر أداه إليه اجتهاده فقط، فإن ذلك أقصى ما يقال فيه، إنه رأي، والرأي مشترك". [نظرات في علم أصول الفقه، طه العلواني، نقلا عن الدسوقي نحو منهج جديد لدارسة علم أصول الفقه (ص:484).]

مقترحات التجديد الأصولي
مما أقترح تهذيبه وتفعيله في علم الأصول ما يلي:
أولاً: الرجوع التام إلى الأصول والمصادر التي تَكون منها هذا العلم، فتجديد علم الأصول لا يكون مثمرا إلا برجوعه لمصادره الأصلية، وانعتاقه مما خالطه من العلوم الأجنبية عنه، ومصادر أصول الفقه اثنان:
1- الأدلة الشرعية بفهم السلف.
2- اللغة العربية.
قال القرافي: (والحق أن مسائل أصول الفقه معلومة -كما قال التبريزي- بالاستقراء التام من اللغات..). [العقد المنظوم (1/499)]
وما سوى ذلك من الفروع فهو مساعد لضبط الأصول لا ناتج لها.
ثانياً: تنقيح علم الأصول من فضول المسائل التي لا علاقة له بها، كمسائل علم الكلام، والمنطق، والفلسفة، وجمل من مسائل المصطلح، والبلاغة، والنحو، وذلك يكون بطريقين:
1- بإفراد هذه المسائل عن العلم؛ مع ذكر السبب، وبيان أثرها على العلم.
وقد كتب في هذا المجال عدة رسائل منها: المسائل المشتركة للعروسي، وهناك بحثان كلاهما قيد الإعداد؛ الأول: " علاقة علم المنطق بعلم أصول الفقه" رسالة جامعية لأخي الأستاذ/ وائل الحارثي. والثاني: "أثر الأصول الكلامية في بناء القواعد الأصولية" لأخي الأستاذ/ سلطان العميري، كما أن هناك بحثان كلاهما مطبوع الأول: "البحث النحوي عند الأصوليين" للسيد مصطفى جمال الدين. الثاني: "المباحث اللغوية وأثرها في أصول الفقه؛ نشأت علي محمود.
2- بتصفية قواعد علم الأصول التي لها أثر ظاهر في الاستنباط مع أدلتها وأمثلتها.
ومن أجود المحاولات في هذا المجال في نظري كتاب: "المصفى في أصول الفقه" لأحمد ابن الوزير (ت:1372هـ) فقد جرّد مسائل أصول الفقه ممن بعض ما علق بها.
والفرق بين الأول والثاني: هو أن الأول إبراز المسائل الدخيلة في هذا العلم؛ ليعلمها المتلقي، والثاني تصفية وتنقيح المسائل الأصولية المثمرة عن غيرها؛ ليسهل الوصول إليها.
ثالثاً: تفعيل جانب التطبيق على جانب التنظير في الدراسات الأصولية، وهذا له عدة جوانب:
1- ربط القواعد الأصولية بالأدلة، وذلك في محافل التدريس، والرسائل الجامعية، لبيان أصلها ومصدرها.
2- الاهتمام بذكر الأمثلة الفقهية لكل قاعدة، لبيان ثمرتها وإنتاجها.
3- الاهتمام بتطبيق القواعد الأصولية على النوازل الفقهية المعاصرة، وبيان فاعليتها.
رابعاً: التحديث والإضافة للتراث الأصولي، وذلك بأمور:
1- صياغة التراث الأصولي وتحديثه بأسلوب عصري مدعوم بالأمثلة والترجيح، وتحرير المصطلحات ما أمكن خاصة في المناهج الدراسية الأصولية.
2- إضافة ما لا بد منه كالمقاصد الشرعية، ولا سيما في المناهج.
3- تقليل الاعتماد على المتون الصناعية ما أمكن، خاصة المنظومات؛ لما فيها من التعقيد وقلة الفائدة.
4- الاهتمام بالموضوعات الأصولية التي كثر الكلام حولها كالمصالح والنسخ وغيرها.
خامسًا: التجديد من جهة الصياغة وطريقة التأليف، وهذا له طرق:
1- مؤلَف يهتم بإعادة الصياغة لبعض القواعد الأصولية.
2- مؤلَف يهتم بأخطاء الأصوليين في طريقة التأليف.
قال الشاطبي: (كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهية، أو آداب شرعية، أو لا تكون عونا في ذلك فوضعها في أصول الفقه عارية. والذي يوضح ذلك أن هذا العلم لم يختص بإضافته إلى الفقه إلا لكونه مفيدا له، ومحققا للاجتهاد فيه، فإذا لم يفد ذلك؛ فليس بأصل له). [الموافقات (1/37)]
"الخلاصة أن علم أصول الفقه ينبغي أن تجاوز به في عصرنا مرحلة الاجترار والتكرار إلى مرحلة التجديد والابتكار، حتى يكون الاجتهاد - ولا سيما في القضايا العامة التي تواجهنا فيها مشكلات جمة - ناضجا متطورا، لا يقف عاجزا أمام ما تتمخض عنه الحياة كل يوم من نوازل بحجة أن السابقين لم يتكلموا فيها، أو أنه لا يوجد لها شبه فيما اشتملت عليه كتب الفقه من مسائل". [نظرة نقدية في الدراسات الأصولية المعاصرة؛ محمد الدسوقي (ص:130)‏]
هذا وإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمني والشيطان والله ورسوله منه براء، ورحم الله من أهدى إليَّ عيوبي، سبحانك اللهم أستغفرك وأتوب إليك.

سارة الطيب
09-12-30 ||, 02:50 AM
مما أود دوما أن يستفاد منه في تجديد الأصول..الاستفادة من الرسائل الجامعية التي اعتنت باستنباط القواعد الأصولية من كتب الفقه المقارن في كل مذهب.. بحيث تجمع منها قواعد المذهب.. ثم تسجل كل قاعدة بمعلوماتها الوافية عنها مع التطبيق الفقهي لها من خلال فقه كل مذهب على حدا..لينظر في استعمالهم للقاعدة ومواطن ذلك عندهم .. مما يهيء لنا فرصة لمراجعة مواطن تطبيق المذاهب لقواعدها.. ومواطن تقديم غيرها عليها عندهم..
أظن أنها ستكون موسوعة فريدة.. خاصة إذا تم صياغتها كقواعد أصولية لا كمباحث أصولية

إبراهيم تيجان إبراهيم
10-01-31 ||, 10:02 PM
في الحيقة هذا العلم وغيره من العلوم الاسلامية بحاجة الى التصفية والتجديد .

إبراهيم تيجان إبراهيم
10-01-31 ||, 10:12 PM
ولكن السؤال من الذي يتصدى لهذا الامر ؟

يحيى رضا جاد
10-02-02 ||, 03:12 AM
هذه الجملة تحتاج إلى إعادة تحرير




والقياس المعياري ـ ولا أقول (الضيق) ـ وُضِعَ لأسباب حضارية، وحاجات علمية، ما تزال قائمة إلى اليوم. ووضعت له منافذ للتوسعة، تبرز حيث تنتصب حاجتها علمياً. من مثل القواعد المآلية، كقواعد الاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، وقاعدة مراعاة الخلاف، وقاعدة اطراد المصالح الكلية... إلخ.




وتحريرها كالآتي : والقياس المعياري ـ ولا أقول (الضيق) ـ وُضِعَ - استنباطاً من الكتاب والسنة ومقرراتهما- لأسباب حضارية، وحاجات علمية، ما تزال قائمة إلى اليوم. ووضعت له - بالاستنباط من مقررات الشريعة أيضاً - منافذ للتوسعة، تبرز حيث تنتصب حاجتها علمياً. من مثل القواعد المآلية، كقواعد الاستحسان، وسد الذرائع وفتحها، وقاعدة مراعاة الخلاف، وقاعدة اطراد المصالح الكلية... إلخ

والله أعلم