المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : دورة محظورات الإحرام- 4/5



أبوبكر بن سالم باجنيد
09-11-23 ||, 03:44 PM
المحظور السابع:
ذهب جمهور العلماء إلى أن المحرِم لا يعقد النكاح لنفسه، ولا لغيره.

دليله: في صحيح مسلم وغيره عن عثمان -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ( لا يَنكِح المحرِم، ولا يُنكِح، ولا يخطُـب )

وخالف أبو حنيفة، فقال: لا يحرم عليه ذلك، وهو مروي عن عطاء، والثوري، وعزاه ابن قدامة لابن عباس -رضي الله عنهما-
قال الشنقيطي في الأضواء: ( والظاهر أن عزو هذا الأخير لابن عباس أصح من عزو النووي له القول الأول )

واستدلوا بما في الصحيحين وغيرهما عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- تزوج ميمونة وهو محرِم.

وأجاب الجمهور عن هذا بأجوبة، على مسلكين اثنين:

الأول: مسلك الجمع
1- بأن هذا الذي رووه قد جاء في البخاري، وفيه: وتزوج بها وهو حـلال، وماتت بسَرِف.
فيكون الجمع بين هذا وحديث عثمان في النهي بأنه تزوجها "في الشهر الحرام"، وهذا تفسير قوله "محرماً"، ولا خلاف بين العرب في جواز إطلاق هذا اللفظ على ما ذكرنا، ومنه قول القائل:

قتلوا ابنَ عفان الخليفةَ محرِمــا *** ودعا فلم أرَ مثلَــهُ مقتـولا

أي في الشهر الحرام، وهو ذو الحجة.. أو في الحرم

2- بأنه تزوجها حلالاً، وظهر أمر تزويجها وهو محرم.

الثاني: مسلك الترجيح
ثبت في صحيح مسلم أن ميمونة -رضي الله عنها- قالت:" تزوجني النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو حلال "، وهي صاحبة القصة، وأعلم الناس بنفسها، وإن كانت خالة لابن عباس.
واعتبروا ذلك غلطاً من ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ إذ كان في ذلك الوقت صغيرا، ابن عشر سنين، وقد يخفى عليه الشأن، ولعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أحل من إحرامه عقد عليها بلباس إحرامه فظن ابنُ عباس أنه لا يزال محرماً، ولعله رأى الهدي معه فظنه على إحرامه، ومع ذلك فقد أُنكِر عليه قوله، حتى قال سعيد بن المسيب: وَهِمَ ابن عباس.

ومما يؤيد هذا أنه ثبت عن أبي رافع، وهو صاحب القصة ومولى النبي صلى الله عليه وسلم والسفير بينهما، أنه قال:" تزوج النبي -صلى الله عليه وسلم- ميمونة وهو حلال، وبنى بها وهو حلال وماتت بسرف وكنت أنا الرسول بينهما " رواه أحمد والترمذي وغيرهما.

أبوبكر بن سالم باجنيد
09-11-25 ||, 10:55 AM
قال الحجاوي الحنبلي في "الإقناع": ( فلا يتزوج ولا يزوج غيره بولاية ولا وكالة. ولا يقبل له النكاح وليه الحلال. ولا تزوج المحرمة. والنكاح في ذلك كله باطل : تعمده أو لا، إلا في حق النبي صلى الله عليه وسلم )

قلت: الاستثناء في آخره مستند إلى قول ابن عباس -رضي الله عنهما- في أنه -صلى الله عليه وسلم- تزوج من ميمونة وهو محرم، وقد سبق الجواب عن هذا.

وهذا المسلك ضعيف في الجواب عن الحديث؛ إذ الأصل عدم الخصوصية.

وأما العقد فهو باطل كما قال، وهو مذهب الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد. وقد روى البيهقي بسند صحيح عن سعيد بن المسيب أن رجلاً تزوج وهو محرٍم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرَّق بينهما. وعن أحمد رواية أنه لو عقد لغيره دون نفسه صح ذلك.

وهل يلزم فسخ هذا العقد الباطل بالطلاق؟ قولان لأهل العلم.

وأما شهادة المحرم على العقد فلا تحرم؛ لأن النهي لا يتناوله، لأن النكاح يكون بالإيجاب والقبول، والشاهدُ لا صنع له في ذلك..
وعند الحنابلة يكره أن يحضر المحرِم عقد النكاح أو يشهد فيه. وخالف أبو سعيد الاصطخري من الشافعية في ذلك معتبراً شهادة الشاهد على العقد ركناً في العقد، فلا تحل في حال الإحرام.
قال ابن تيمية في "شرح العمدة": والأرجح أن الشهادة لا تكره مطلقاً؛ إذ لا نص فيها ولا هي في معنى المنصوص.

وأما الرجعة فمباحة للمحرم في إحدى الروايتين عن أحمد، وهي معتمـد المذهب، وفاقاً لمشهور المذاهب الثلاثة، والرجعة إمساك لا نكاح، إذ لا تفتقر لولي ولا مهر ولا رضا.

طارق موسى محمد
09-11-26 ||, 05:58 AM
جزاكم الله خيرا

أبوبكر بن سالم باجنيد
09-11-27 ||, 02:15 AM
وإيــــاكم أخــي الكريـــم

أبوبكر بن سالم باجنيد
09-12-06 ||, 05:36 AM
سأتوقف عن إكمال الدورة لفترة يسيرة بسبب بعض المشغلات، ثم أعود -إن شاء الله- بعدها.. فالمعذرة.

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-10 ||, 08:09 AM
المحظور الثامن:
أجمع أهل العلم على أنه يحرم على المحرِم الوطءُ في الفرج

دليله: قول الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} (البقرة:197) والرَّفَث: الجماع، ومقدماته.

وقد تتابع العلماء على حكاية هذا الإجماع، وهو أشد المحظورات، حتى ذهب جمهور العلماء إلى أنه يفسد النسك دون غيره من المحظورات، وحكى ابنُ المنذر والموفق ابن قدامة الاتفاقَ عليه، لكن نازع في فساد النسك به الشوكانيُّ رحمه الله تعالى..

قال الشنقيطي: فاعلم أن غاية ما دل عليه الدليل: أن ذلك لا يجوز في الإحرام؛ لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى: ((فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج))، أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده وفيما يلزم في ذلك، فليس على شيء من أقوالهم في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة، ولم أعلم بشيء مروي في ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديثاً منقطعاً لا تقوم بمثله حجة..
إلى أن قال: وإذا كانت هذه المسألة المذكورة ليس فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا هذا الحديث المنقطع سنده.. تبين: أن عمدة الفقهاء فيها على الآثار المروية من الصحابة. أهـ الغرض منه.
وهذه الآثار منها ما جاء عن ابن عمر وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس رضي الله عنهم، وبعضها صحيح الإسناد فكفى بها حجة؛ لأنه لم يعلم لهم مخالف من الصحابة..

قال الطريفي في التحجيل: (وأما أثر ابن عباس:
فأخرجه البيهقي في "الكبرى": (5/167) من طريق علي بن حجر ثنا إسماعيل بن جعفر ثنا حميد عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن ابن عباس رضي الله عنه في رجل وقع على امرأته وهو محرم، قال: اقضيا نسككما، وارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين، فإذا أحرمتما فتفرقا، ولاتلتقيا حتى تقضياً نسككما واهديا هدياً.
وإسناده صحيح.
وأخرج البيهقي في "الكبرى": (5/168،172) عن شعبة، وسعيد بن منصور في "سننه" ومن طريقه ابن الجوزي في "التحقيق": (6/148) عن هشيم، كلاهما عن أبي بشر عن رجل من بني عبد الدار - زاد شعبة: وسعيد بن جبير ثم اتفقا - عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بمعناه.
وإسناده صحيح.
وأخرج البيهقي: (5/168) من طريق محمد بن بكر ثنا ابن جريج أخبرني أبو الزبير أن عكرمة أخبره عن ابن عباس نحوه.
وإسناده صحيح.
وأخرج ابن أبي شيبة في "المصنف": (4/1/136) من طريق أبي بكر ابن عيّاش عن عبد العزيز بن رُفيع عن عبد الله بن وهبان عن ابن عباس نحوه.
وإسناده ضعيف، عبد الله بن وهبان لا يعرف، ذكره البخاري في "التاريخ الكبير": (5/220) وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل": (5/192) وابن حبان في "الثقات": (5/52) ولم يتكلموا عليه بشيء، وبقية رجال الخبر ثقات).

فإذا ثبت هذا كما ترى كان المعوَّل عليه والعلم عند الله تعالى.

ومع اتفاق الفقهاء على أن المحرِم يحرم عليه الوطء في القبل والدبر، إلا أنهم اختلفوا فيما يفسد النسك من ذلك:
- فقول المالكية والصحيح عند الشافعية والمذهب عند الحنابلة: لا فرق بين الوطء فى القبل أو الدبر في فساد النسك به، ولو من بهيمة..
- وعن أبي حنيفة في الوطء فى الدبر واللواط روايتان: إحداهما يفسد؛ لأنه مثل الوطء فى القُبل لقضاء الشهوة ويوجب الاغتسال من غير إنزال .. والأخرى: لا يفسد
- وقال داود: لا يفسد اللواط ولا وطء البهيمة..

وللوطء في الحج ثلاث حالات:
الأولى: أن يكون قبل الوقوف بعرفة، فيفسده عند الأئمة الأربعة
الثانية: أن يكون بعد التحلل الأول وقبل الثاني: فلا يفسده عند الأئمة الأربعة
الثالثة: أن يكون بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول، فهذا محل خلاف بينهم..
فعند الثلاثةِ مالكٍ والشافعيِّ وأحمدَ: يفسد، خلافاً لأبي حنيفة

واستدلوا لعدم فساده في الحال الثانية بما رواه أبو داود عن عروة بن مضرس الطائي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك معنا هذه الصلاة وأتى عرفات قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجُّه وقضى تفثه )، وبما رواه مالك في موطئه والدارقطني في سننه أن عطاء روى عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أصاب من أهله قبل أن يطوف بالبيت يوم النحر فقال: ينحران جزوراً بينهما، وليس عليهما الحج من قابل.
وعللوا لذلك أيضاً بأنه بعد تحلله الأول ليس محرِماً، وإنما عليه بقيةٌ من إحرام هو حرمة الوطء، وهذا لا يجوز أن يفسِد ما مضى من عبادته.

ويجب على من أفسد حجه بالوطء أن يمضي في فاسده وليس له الخروج منه، خلافاً للظاهرية، ويجب عليه قضاؤه باتفاقهم.. ودليل ذلك: الآثار الصحاح عن الصحابة رضي الله عنهم.

قال الشوكاني في "نيل الأوطار": واعلم أنه ليس في الباب من المرفوع ما تقوم به الحجة ، والموقوف ليس بحجة، فمن لم يقبل المرسل ولا رأى حجية أقوال الصحابة؛ فهو في سعة عن التزام هذه الأحكام، وله في ذلك سلف صالح كداود الظاهري. أهـ
قلت: بل المرفوع هنا حجة لعدم العلم بمخالف من الصحابة، وقد سبق الإشارة إلى هذا، وعليه عمل الأئمة. والله أعلم

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-10 ||, 07:48 PM
وإذا جامع المحرم بعمرة فلا يخلو ذلك من حالات:
الأولى: أن يكون الجماع قبل أن يطوف، فتفسد عمرته باتفاق العلماء، وقد أشرنا لمخالفة الشوكاني.
الثانية: أن يكون ذلك بعد السعي وقبل أن يحلق، فلا تفسد إلا عند الشافعي، قال ابن المنذر: ولا أحفظ هذا عن غير الشافعي.
الثالثة: أن يكون بين الطواف والسعي، فعند الجمهور: أنها تفسد، ومذهب الحنفية أنه إن جامع بعد أن طاف أربعة أشواط لم تفسد، وإلا فلا.

تنبيه: لا يلزم من القول في كل ما سبق بعدم الفساد أن يعتبر ذلك مباحاً، فقد أوجبوا فدية في حال اعتباره ممنوعاً.

نازع الشوكاني في "السيل الجرار" في الاستدلال بالآية الكريمة على فساد الحج، وكان الاعتراض مبنياً على ثلاثة أمور:
أولها: أن الرفث محتملٌ في معناه لأكثر من معنى، قال: والمحتمل لا تقوم به حجة.
ثانيها: أن التسليم بأن معنى الرفث هو الوطء لا يلزم منه الفساد، لا بدلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام. وغاية ما فيه إثم الفاعل، فأين دليل البطلان؟!
ثالثها: لو كان الرفث مبطِلاً للحج للزم أن يبطله الجدال، واللازم باطل إجماعاً، وعليه يبطل الملزوم.

قلت: كلام الشوكاني متين في الوجهين الأخيرين، ولكننا قد بينا أن المعتمد في الحكم بالفساد هو الآثار الجياد عن الصحابة رضي الله عنهم، ثم إجماع من بعدهم، وأن غاية ما دلت عليه الآية النهي. والله أعلم

وأجاب بعضهم: بأن الأصل في النهي أنه يقتضي الفساد.. وقوله تعالى: (( فلا رفث )) أبلغ في النهي.

ويناقش: بأن بقية المحظورات منهي عنها ولم يقتضِ النهي عنها الفساد عندكم.

وقد يجاب بأن النصوص والوقائع في السُّنة قد دلت على خروجها من هذا.

وأما الاعتراض باحتمال اللفظة لعدة معان، فمن معاني الرفث: لغو الكلام وفحشه، ومقدمات الجماع أقوالاً كانت أو أفعالاً، والجماع نفسه.. بل قال الطبري في تفسيره (3/469): والرفث في كلام العرب أصله الإفحاش في المنطق ... ثم تستعمله في الكناية عن الجماع. أهـ ثم رجح وجوب حمله على جميع معانيه.
قلت: وهذا أجود عند أهل التأويل ما لم يكن هناك مخصص لمعنى يجب الحمل عليه، وعلى هذا فالجماع داخل في معنى الرفث دخولاً أولياً. والعلم عند الله تعالى.