المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وسط بين طرفين في (الاجتهاد والتقليد)



أبوبكر بن سالم باجنيد
10-01-21 ||, 07:49 AM
ينبغي أن يُعلَم أولاً أن الخلاف سنة كونية، فكما يتباين الناس في ألوانهم وأشكالهم وألسنتهم وأخلاقهم تبايناً عظيماً، يتباينون في أفهامهم وعقولهم ومداركهم.
والخلاف هنا على نوعين: خلاف سائغ، وخلاف مذموم.
فالسائغ هو الخلاف الناجم عن اجتهاد الفقيه بقصد الوصول للحق في المسائل التي يسوغ فيها الاختلاف، وقد أَذِن الشرع المطهَّر بذلك؛ ففي الصحيحين من حديث عمرو بن العاص t أنه سمع رسول الله r قال: ( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ).

وما زال العلماء يختلفون في مسائل الفروع الفقهية دون إنكار لأصل الاختلاف، ويظهر ذلك جلياً حتى في عصر الصحابة الكرام y
بل وقع الخلاف في حياة النبي r؛ فعن ابن عمر t قال: قال النبي r يوم الأحزاب: ( لا يُصَلِّيَنّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يُرِدْ منا ذلك. فذُكِر ذلك للنبي r فلم يعنِّف واحداً منهم.البخاري. وعن أبي سعيد t قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يُعِد الآخر، ثم أتيا رسول الله r فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: ( أصبتَ السنة وأجزأتك صلاتك )، وقال للذي توضأ وأعاد: ( لك الأجر مرتين )أبو داود والنسائي.

ومع كل ما سبق ذكره، لم يكن لاختلافهم في الرأي أثر على القلوب، ولم يمنعهم ذلك من محبة صادقة وثناء جميل واعتراف بالفضل وتعاون على البر والتقوى.

فأين هذا من الخلاف المذموم بصوره الكثيرة، كالاختلاف الذي مس العقائد وأصول الدين، والاختلاف الذي مبناه اتباع الهوى والتعصب للرجال على حساب أدلة الكتاب والسنة والإجماع، واختلاف القلوب وتنافرها بناء على آراء يسوغ فيها الاجتهاد؟!.

أما أسباب الاختلاف بين الفقهاء فهي كثيرة، من أهمها:
1- أن الدليل لم يبلغ الفقيه.
2- أن يكون الدليل غير ثابت عنده، كأن يبلغه من طريق ضعيفة.
3- تعارض الأدلة في ظاهرها.
4- الاختلاف في فهم النص.
5- عدم وجود نص في المسألة.

فإذا عرفنا ذلك، فإن الاجتهاد حق لأهله المستكملين لشروطه، وليس حِكراً على مجتهد دون آخر، والناس في ذلك منقسمون إلى طرفين ووسط: فـ(الطرف الأول) مَن يرى الاجتهاد واجباً في حق كل أحد، والتقليدَ حراماً على العبد المجلوب من بلده، والعامي، والعذراء المخدّرة، والراعي في شعف الجبال، كما هو حرام على العالم المتبحر ولا فرق. أما (الطرف الآخَر) فيرى التقليد واجباً على كل أحد ولو لاح الدليل بخلاف قول المقلَّد، وأن باب الاجتهاد قد أُغلِق بعد القرون المفضَّلة. و(الفريق الوسط) في هذه القضية يرى أن المكلفين ثلاثة أصناف:
الأول: الفقيه المجتهد، وهذا يجب عليه الأخذ بما أداه إليه اجتهاده متبعاً للأدلة.
الثاني: العامي الصرف، ويجب عليه تقليد عالِم يثق بعلمه، ويحرم عليه النظر في الأدلة والاستنباط.
الثالث: من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، لكنه يفهم الدليل، ويصلح فهمه للترجيح .. ( فلا يخلو : إما أن يعتبر ترجيحه ونظره، أو لا. فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه، وإن لم نعتبره فلا بد من رجوعه إلى درجة العامي ) (الاعتصام للشاطبي).

وغير خافٍ على عاقل ما للأخذ بقول الطرف الأول -الموجِب للاجتهاد على كل أحد- من جناية على الدين؛ إذ تصور هذا القول كافٍ لإبطاله، فبلازم ذلك تصبح الشريعة كلأً مباحاً لا حرمة له ولا هيبة، ويهدر دور العلماء في الأمة، ويطالَب الناس بتعطيل مصالحهم والتفرغ للوصول لرتبة الاجتهاد.
وأما الطرف الآخر فقد تجاوز الدليلَ الشرعيَ الصحيحَ الصريحَ عنده تعصباً لقول إمام، وفي هذا سوء أدب مع القرآن العظيم والسُّنة المطهرة، لا سيما إذا علم أن الإمام المقلَّد لم يبلغه الحديث أو لم يصح عنده.. وقد أُثِر عن الأئمة أَنفُسِهم قولهم : ( إذا صح الحديث فهو مذهبي ).

وفي الجهة المقابلة نبتت نابتة لا تنظر في أقوال الأئمة، ولا تلقي لها بالاً، وتعُدُّ المذاهب الفقهية فِرَق ضلالة؛ فخرقوا الإجماع في مسائل، وأتوا بعجائب الأقوال التي نبَّه عليها العلماء الأوائل، والتي تعاقب المسلمون على ترك العمل بها قروناً طويلة.. ومن أين لهؤلاء –هدانا الله وإياهم- أن يفقهوا غريب آي القرآن وأحاديث رسول الله e إلا بالرجوع لكلام أئمة الإسلام الناصحين من سلف هذه الأمة. وقد ثبت عن سعيد بن أبي عروبة رحمه الله تعالى أنه قال: من لم يسمع الاختلاف فلا تعُدُّوه عالماً.
فالمذاهب الأربعة -مثلاً- مدارس لتنمية الملكات الفقهية، فإذا تأهل الدارس للاجتهاد بعد دراسة أحدها، والتفقهِ في نصوص الوحيين، وأخْذِ ما يحتاج إليه من علومٍ مصاحِبَةٍ، كان فقيهاً مجتهداً.

وليُعلَم بهذا أن التقليد لا يذم مطلقـاً ولا يحمـد مطلقـاً، بل قد يكون فرضاً أحياناً، ويكون حراماً أحياناً أخرى، وإنما الذي يـذم مطلقاً: التعصب لأقوال الرجال.

ويبقى التنبيه على أنه ينبغي أن يُعذَر المخالِف في مسائل الفروع الاجتهادية، وأن لا يعنَّف أو يبدَّع لذلك، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ( .. وإن رجح بعض الناس بعضها، ولو كان أحدها أفضل؛ لم يجز أن يظلم من يختار المفضول ولا يذم ولا يعاب بإجماع المسلمين، بل المجتهد المخطئ لا يجوز ذمه بإجماع المسلمين ، ولا يجوز التفرق بذلك بين الأمة ) . بل لا يجوز أن ينكر عليه، كما قال الإمام الموفق ابن قدامة: ( لا ينبغي لأحد أن ينكر على غيره العمل بمذهبه؛ فإنه لا إنكار على المجتهدات ).. أما إذا ثبت الإجماع أو لاح الدليل، ولم يكن فيه مجال للاجتهاد أو التأويل، فالنقول عن السلف دالة على الإنكار على المخالف عندئذ، كالمبيح لنكاح المتعة مثلاً. قال ابن مفلح في "الآداب الشرعية" : ( وذكر الشيخ محيي الدين النووي أن المختلَف فيه لا إنكار فيه. قال: لكن إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق ).

للاستزادة:
انظر "رفع الملام" لشيخ الإسلام، و"جامع بيان العلم وفضله" للحافظ ابن عبد البر، ، و"أدب الخلاف" للشيخ ابن حميد، و"الخلاف بين العلماء" للشيخ العثيمين، و"موقف الأمة من اختلاف الأئمة " للشيخ عطية محمد سالم.

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-01-21 ||, 10:14 AM
الثالث: من لم يبلغ رتبة الاجتهاد، لكنه يفهم الدليل، ويصلح فهمه للترجيح .. ( فلا يخلو : إما أن يعتبر ترجيحه ونظره، أو لا. فإن اعتبرناه صار مثل المجتهد في ذلك الوجه، وإن لم نعتبره فلا بد من رجوعه إلى درجة العامي ) (الاعتصام للشاطبي).

.
شيخنا الفاضل هل هذا صنف ثالث أم أنه يدخل في أحد الصنفين وإن لم يدخل فما حكمه إذن؟

أبو فهر أحمد سالم
10-01-21 ||, 10:45 AM
العامي الصرف، ويجب عليه تقليد عالِم يثق بعلمه، ويحرم عليه النظر في الأدلة والاستنباط.



على أن تكون حال هذا العامي حال العاجز ،وأن هذا العجز لا يجوز له القعود عليه بل يجب عليه طلب العلم للانتقال عنه،ومع التنبيه على أنه لا يُلزم بتقليد عالم معين..