المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : منهج التعامل مع الكتب(من نواح عدة)



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-01-29 ||, 01:10 PM
الحمد لله بما انعم على الإسلام وأهله.
فإن أجل ما اشتغل به المشتغلون وأفضل ما حصله المحصلون هو العلم ، إنما ينبغي في سبيل هذه الغاية إعداد خطط تذلل صعاب التألق فيه ، وأصعب ما في كل مشروع خطته!
فإن الغالب أن يُشرع في أمره بلا خطة...
فإن بُصر بأهمية الخطط : اتبعت خطط سقيمة ...
فإن أرشد إلى الخطة المستقيمة : استثقلت الطريق..
ومن أكثر ما يغفل عنه في امر الخطط : ما تعلق بالكتب ...فإن هناك قدرا من العناية بمنهج التحصيل ، وترتيب العلوم حسب الأولوية ، ومحاولة الأخذ عن أمثل المشايخ...إلا الكتب! .
فضعف التبصر بمسائل متعلقة بها واضح جدا ، ولننظر عدد السائلين عن منهج بناء المكتبة، وطريقة تقويم الكتب ، ودور كل كتاب في الفن الذي يدرسه ، وموقع كل كتاب من ذلك الفن...
وقليل أؤلئك الذين أفردوا هذا الباب بالتنبيه ، أذكر منهم أستاذنا محمد بن كيران ، وعبد الوهاب أبو سليمان ، وعلي جمعة في كتابه "الطريق إلى فهم التراث"، وعبد الكريم الخضير في محاضرة بعنوان "كيف يبني طالب العلم مكتبته"، وعبد المحسن العباد في محاضرة بعنوان "كيف نستفيد من الكتب الستة" .
ولعل أكبر أسئلة هذا الموضوع التي ينبغي الإجابة عليها بكثير من الروية :
1- ما منهج تقييم الكتب التي ينبغي شراؤوها؟
2-كيف أشتري الكتاب (الجوانب الفنية)؟
3-ما هي أهم المصنفات التي يجدر الإعتناء بها في كل فن؟
4-ماهي كتب الدراسة وكتب البحث في كل علم ؟
5- التوازن في أمر الكتب.
ولربما كانت هناك أسئلة أخرى مهمة في هذا الصدد ، لكنها غابت عني ، نرجو إدراجها للتباحث في أهدى السبل للإجابة عنها.

1-منهج تقييم الكتب :
من العلوم أنه لا ينبغي أن نشتري كتابا حتى نحيط علما بأمرين :
أ- أهميته في خارطة العلم الذي ينتمي إليه : فليس كل كتاب معتبرٌ من ناحية الإضافة العلمية ، أو من ناحية الترتيب ، أو من ناحية الدقة العلمية ، ...وينبني على هذا أنه ليس من الشرط أن الكتاب لفلان فهو جيد ! وليس من الشرط أنه مقرظ من طرف فلان أنه جيد وهكذا...
هذا من جهة...من جهة أخرى ، فإن في كل علم : كتبا أساسية ، وكتبا مكملة ، وكتبا مدرسية : فينبغي الإحاطة بمراتب الكتب حسب هذه الدرجات حتى لا نخلط في أمور كالدراسة والبحث ، فمثلا : يأتي باحث في درجة الباكلوريوس ويعزو في بحثه الأصولي الدقيق إلى الورقات! أو يبتدأ طالب دراسته للأصول بإرشاد الفحول ! أو يعتبر البلبل في علم الأصول من الأمات في الفن! ...
ب-أهميته بالنسبة إلى مستواي العلمي: وهذه مسألة خطيرة ، وينبغي أن لا يؤدي النهم في اقتناء الكتب –وهي شهوة حميدة- إلى جمع كتب لم يحن وقت تعاملي معها بعدُ ، فيفسد سُلم تحصيلي للعلوم ، مما يؤدي إلى حكم بالفشل العلمي طول العمر، ومن الحمق الشديد وقلة الرأي : الشروع ابتداء بسبل السلام لأن فيه نفس "الدليل"! وفقه "أهل الحديث"! .

2-كيف أشتري الكتاب (الجوانب الفنية)؟
إذا تأكدتَ من أن هذا الكتاب هو الكتاب المناسب لي ، وأنه مما لا ينبغي أن يؤخر الإطلاع عليه , واختصاصه بالعناية لمن كان في درجتي العلمية : فإن هناك أمورا تنبغي مراعاتها :
أ-العناية بمدى ضبط نص الطبعة.
ب-العناية بأمر المحقق.
ج-العناية بحجم الخط ، ونوع الورق.
أما ضبط النص : فلتجنب التصحيف ، وحفظ الأغلاط : الأمر الذي يؤدي إلى خلل في الفهم ، وأخطاء فادحة في أسماء الأعلام والأماكن والمصطلحات...وهذا إجراء مهم جدا لمن كان شيخه هو كتابه : وويل لمن اشترى الطبعات التجارية (الصفا-العصرية-دار الكتب العلمية...). وأفضل دور النشر-والمسألة نسبية- : دار الغرب الإسلامي-دار ابن حزم-دار الفكر...
وأما المحقق فهو الوسيلة الضامنة لما سبق : وما أسعدك بكتاب حققه محمود شاكر أو صالح الضامن أو محمد حجي أو محيي الدين عبد الحميد أو الطناحي أو صبحي حسن حلاق أو شوقي ضيف ...أو كان التحقيق في أصله رسالة علمية .
وأما حجم الخط ونوع الورق لتصيب راحة في دراسة الكتب .
فمثلا : لا تشتر نيل الأوطار إلا بتحقيق حلاق.
ولا المحلى إلا بتحقيق الإمام أحمد شاكر.
ولا المستصفى إلا بتحقيق زهير حافظ.
ولا إرشاد الفحول إلا بتحقيق سامي العربي.
ولا المفضليات وإعجاز القرآن إلا بتحقيق شاكر.
3-ما هي أهم المصنفات التي يجدر الإعتناء بها في كل فن؟
ليس من الغرض هنا أن نضع لائحة ! ، لكننا نقصد إلى التنبيه على أمر : إنه لا يمكنك أن تعرف هذه الأمور بسؤال طلبة العلم ، فمثلا : تسأل طالبا عن أفضل متن في الأصول –لمن تجاوز درجة الورقات وما فوقها- فيقول لك الأول : مختصر ابن الحاجب ، ولا تلبث أن تجد من يقول لك : البيضاوي أدق ، وسيقول ثالث : بل جمع الجوامع أجمع للمسائل الأصولية ...فتقع في حيرة من أمرك.
والرأي عندي أن تتبع نظام الدراسة في الجامعات العريقة في بلدك : المصري يرى ما عليه الأزهر ، والمغربي ما عليه جامع القرويين ، والتونسي ما عليه الزيتونة ، والخليجي ما عليه جامعة أم القرى أو الإمام وهكذا.
فتكون منسجما مع ما عليه أهل وطنك ، ثم تكون قد كونت قاعدة علمية متينة : تستطيع بعد ذلك أن تنظر في النظام المعتمد في غير بلدك ، وتوازن بعد ذلك.
=على انني أحب التنبيه على مسألة : لا يحسن بنا أن نتعامل في هذا الموضوع بطريقة آلية، فلا بد من البداية متن الأخضري فابن عاشر فالرسالة فخليل! فنوع من المرونة يقتضي أن نقول : إن الطالب إن آنس من نفسه قوة على حرق المراحل ، بقوة يجدها في نفسه في حل ما بيستشكل من المسائل وفهم ما يقرأ..فإن هذه منحة ربانية جليلة : يحسن به استغلالها ، لكن هؤلاء قلة من خلق الله ! وأذكر أن مصطفى صادق الرافعي رحمه الله في سن 23 ألف ديوانا نافس به ديوان حافظ إبراهيم ! وقدم له بمقدمة بليغة جدا شك إبراهيم اليازجي في أن تكون له ! ،والكارثة أنه كتبها في ظرف ساعتين أو ثلاث دون الرجوع إلى كتاب إطلاقا! .

4-ماهي كتب الدراسة وكتب البحث في كل علم ؟
بعض طلبة العلم –خاصة أؤلئك الذين ضاقت بهم الأزمان- يعمد في دراسته إلى التفرغ للمطولات بالقراءة ، فيستفذ سنوات : ولعله لا يحصل شيئا.
إن قراءة المطولات خير وبركة ، لكنه لا يصلح لكل أحد ألبتة!
ومن أفضل الوسائل هنا : أن يختار الطالب مرجعا يتميز بالتوسط في ذلك الفن ، يدرسه دراسة وافية ويكون مرجعه الدائم ، ولا يغفل عن مراجعته مرة بعد أخرى ، ويدون ما يعرض له من فوائد : كل فائدة في بابها اللائق بها =فيصبح عنده عشرة كتب في كتاب واحد!.
فمثلا : نختار في الفقه بداية المجتهد أو معونة القاضي عبد الوهاب أو السيل الجرار : نختار واحدا فندرسه –كاملا- دراسة واعية ، ثم نجعله أصلا ومرجعا فإن وجدت فائدة في نيل الأوطار في باب الذبائح عدت لنفس الباب في كتابي ودونتها فيه وهكذا ...في سائر العلوم.
وتبقى المطولات للبحث في المسائل الفقهية ، والتوسع في مسائل بعينها ...
إلا إذا تيسرت أسباب قراءة المطولات : من دراسة لكتاب مما سبق ، وفراغ في الوقت ، وفهم حسن ، وجلد على القراءة : فيكون حسنا قراءة المغني أو الحاوي أو نهاية المطلب ...
وقد حكى الشيخ عائض القرني : أن أحد الطلبة أنبأه أنه قرأ المحلى تسع مرات!

5- التوازن في أمر الكتب.
تجد غالب قراءة الإخوة السلفيين في كتب العقيدة : المسائل الجاهلية والواسطية والطحاوية والتدمرية والحموية...ثم علم الحديث.
وغالب قراءة الأخ الأشعري في العقيدة أيضا : جوهرة التوحيد –عقائد النسفي-الخريدة البهية-أم البراهين- المواقف-...ثم كتب الأصول.
وغالب قراءة الإخوة في حركة الإخوان المسلمين (وهي ليست حركة عقدية فوجب التنبيه) : المقاصد- الكتب الفكرية-السيرة.
وغالب المنتمين إلى التعليم الجامعي يقرؤون : الفقه-الأصول-التفسير.
ولكل طائفة من هؤلاء نقص في التكوين ، فإن المعلوم أن التخصص لا يحين وقته إلا بعد أن يكون الطالب قاعدة علمية متنوعة ، تكون له أرضية تساعده في تخصصه، ومن تخصص في الفقه مثلا قبل أن يلم بعلم الحديث والنحو فهو يخبط خبط عشواء!
ففي بداية التكوين لا بد من وضع برنامج يشمل كل العلوم ، لا فرق بين علم وعلم حتى يكون بناءه العلمي متوازنا.
وأكثر العلوم إهمالا : علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة وإنشاء ؛ وعلوم الحديث ؛ علم السيرة ؛ الفكر الإسلامي.
إلا أن نصيب اللغة والفكر من الإهمال كبير جدا !
وأعرف من طلبة العلم من يسأل عن برامج علمية وأسماء كتب في كل العلوم إلا اللغة ، ولا اعرف أنه قرأ كتابا أدبيا يقيم به لسانه قط ، بل يقول لي : لا أحتاج لذلك فلغتي سليمة ؛ نعم! لغته الصحفية سليمة أما الفصحى فلم نجدها عنده..
وأما الفكر الإسلامي : فالبعض يعتبره مضيعة للوقت ، والبعض يعتبره زندقة والبعض والبعض ، ولا يدري كل هؤلاء أن الدنيا تتحرك بواسطة هذه الأفكار والسياسات تبع لهذه الأفكار ومخططات الإختراق من نتائج هذه الأفكار ، وأنه يعيش بين أقوام من حملة هذه الأفكار : ثم ...ثم يجهل كل هذا! .
ويكفي للمرء في ذلك انتقاء إصدارات من كتب المعهد العالمي للفكر الإسلامي وإصدارات من مجلة عالم المعرفة ويتابع ما ينشر على موقع الإسلام اليوم .

د. أريج الجابري
10-01-29 ||, 02:08 PM
جزاكم الله خيراً وبارك فيكم.

عبدالحليم حسن النصيري
10-02-03 ||, 09:09 PM
كلام درر بارك الله فيك وجزاك الله خير

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-06-05 ||, 03:39 PM
بارك الله فيكم وأثابكم على عذب كلماتكم..

فاتن حداد
10-06-05 ||, 06:57 PM
أحسنت
أحسن الله إليك
ودمتَ مبدعاً
من زمن بعيد لم أقرأ موضوعا جيدا كهذا

صلاح الدين
10-06-05 ||, 11:07 PM
أحسنتم بارك الله فيكم

ولا يفوتني ذكر دور المشايخ في توجيه الطالب إلى ما ينفعه من الكتب.

فهم لنا كالشمس للدنيا..

د. أيمن علي صالح
10-06-10 ||, 07:53 AM
جزاكم الله خيرا، كلام محكم يدل على تضلع وخبره وعلم جم
ومن أجمل ما في الموضوع، وكله جميل، لفتك النظر إلى ضرورة القراءة في المواضيع الفكرية، ولعله من المهم أيضا أن يوسع طالب العلم الشرعي أفقه بالنظر في العلوم الأخرى من اقتصاد واجتماع وإدارة وعلم نفس وتربية وتعليم بأن يقرأ مدخلا مختصرا في كل منها فهذا مفيد جدا في بناء شخصية متكاملة متفاعلة مع الحاضر الذي يعيش فيه