المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الشك : مصيبة أم منهج -ربما كان أصوليا-؟!



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-01-29 ||, 01:13 PM
الشك : مصيبة أم منهج -ربما كان أصوليا-؟!
كثيرا ما كنتُ أسمع في بداية تمييزي أن ديكارت رجل وصل به الحمق إلى درجة أن شك في وجود ذاته! .
وضحكتُ كثيرا من هذا الكلام : لأن الذي قاله له ليسوا من أهل "التخليط" إنما هم ملتزمون ، يقضون الليل والنهار في التحقق من مسائل المعتقد ، والنظر في آراء الملل والمذاهب..
ثم إني مع مرور الوقت : لم أعد أرضى بكلام يقوله لي آحاد الناس فأصدقه : بل غالبا ما أكون إلى التوقف أميل ، حتى يثبت العكس! .
فقلتُ : أصحيح ما ادعوه على ديكارت والغزالي وأرسطو ؟
أيكون الشك –كمنهج بحث- مرفوض من أساسه بلا ضابط ولا قيد؟
بطبيعة الحال لن أسأل علانية ! فمن رغب في ألسنة حداد ، وأعين حادة الأنظار ، واتهامات تترى : فليسأل ! .
أما الآن فما عدتُ أخشى أحدا بفضل الله ، وأنا مدين في هذا لأبي محمد بن حزم ! رحمه الله رحمة واسعة! .
فلنبحث القضية : بما يقتضيه روح العلم مجردة عن "الذاتيات"، و"التأثيرات"...


==============

ماذا نقصد بالشك.
الشك-كما جاء في المعجم الفلسفي- : حال نفسية يستردد معها الذهن بين الإثبات والنفي ويتوقف عن الحكم وذلك بالجهل بظروف الموضوع وجوانبه ، أو العجز عن التحليل والبث في الموضوع (102). فهذا الشك ضرب من الجهل وربما أدى إلى الإضطراب وما شابه.
لكننا لا نقصد هذا الشك ، بل نقصد "الشك المنهجي" وهو آلية من أليات الكشف عن الحقائق ، وقوامه : تمحيص المعاني والأحكام تمحيصا تاما بحيث لا يقبل منها إلا ما ثبت يقينه ، ومن أبرز من قال بها الغزالي ثم ديكارت (السابق).
قلتُ : بل قال بها عدد من الناس قبل الغزالي : لنه مبدأ أرسطي فكل من سار على مذهبه لا بد وأنه قال به ، إلا أن الغزالي اشتهر بهالأنه-والله أعلم- كان منابذا للفلاسفة في ظاهر الحال : فلما ناصر هذه الفكرة اتجهت إليه الأنظار...
يقول الغزالي : (الشكوك هي الموصلة إلى الحقائق، فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقي في العمى والضلال) (ميزان العمل :175).
وينبغي التفريق بين الشك المنهجي والشك المعرفي : فالأول شك للوصول إلى الحقائق عن طريق آليات ثبت بالبرهان صحة اعتبارها (=كالعقل مثلا) ، وأما الشكاك المعرفيون فهم الذين أنكروا أصل المعرفة ، وانكروا إمكانية الوصول إليها واشهر مؤسسي هذا التيار هو (فيرون).



==========

مذاهب الناس في طرق اكتساب المعرفة .
باختصار :
عندنا : 1) شكاك 2) اعتقاديون.
أما الشكاك : فهم أيضا طوائف من منكري الحقائق ، إلى الشكاك في الحواس ، إلى الشكاك في العقل.
وأما الإعتقاديون : فمنهم من اعتقد في العقل فقط ، ومنهم من اعتقد في الحواس فقط ، ومنهم من اعتقد في التجربة فقط ، ومنهم من اعتقد في العقل والحس معا...
وهناك شواهد على أن من الإسلاميين من تأثر بالشك المعرفي : ولا أدري هل كفروا برب السماوات ! .
أما المعتقدون في الحواس فقط أو التجربة فقط : فلا أدري إن وجدوا في العالم الإسلامي : وإن كان هناك ما يرجح عدم وجودهم ، ولكن ! ما أدراك :


زُمَّ أسفارا وجِد حمارا *** وانعق بما شئت تلق أنصارا
ورحم الله المنذر بن سعيد الظاهري ! .


===============

فما الشك الذي نقصد الدعوة إليه.
قلنا إن الشك المنهجي وسيلة من وسائل طلب الحقائق التي لا شك معها ! ، ونعم : فمن ذا الذي يستطيع أن يحكم على صحة مسألة ما بأول نظر وخبر؟.
وأحب أن أنبه إلى مسألة : لا تذهب أيها الفاضل إلى نزاعك مع المعتزلة في أول ما يجب : آالشك أم النظر أم القصد إلى واحد منهما أم الإيمان فقط؟..
فليس بي رغبة إلى الحديث عن هذه القضية فإنها محسومة بمبدأ التيسير الذي أراده الله بخلقه ولو وكل الأمر إلى هؤلاء المعسرين لأغلقوا الجنة في وجه الخلق ! .
إما حديثي هنا في باب الأصول وطرق الإستنباط :
ذلك أن الشك المنهجي يتجه إلى = طرق تحصيل المعرفة- طبيعة المعرفة.
ولك أن تنظر إلى كتاب الإحكام لأبي محمد بن حزم لترى بماذا استفتحه ، فإنه لم يزد على أن تكلم على نظرية المعرفة خلص إلى أن قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } أساس في كل ما اختلف حوله الناس من مسائل الحلال والحرام وغيرها من أولهم إلى آخرهم !
وكلامنا عن طرق تحصيل المعرفة : هو نفسه حديثنا عن الأدلة الشرعية والعقلية المستخدمة في فحص المعلومات والنصوص ...
وقلنا فيما سبق ، إن مقوم هذا المنهج : البحث في المعلومات ومدى يقينيتها ، فالإشتغال يكون على هذا الأساس الرفيع ! .