المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الخلاف بين التيسير والتمييع



أمين بن منصور الدعيس
08-03-15 ||, 08:47 PM
الخلاف بين التيسير والتمييع



بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الناظر في الساحة الإسلامية في العقد الأخير يرى توجها بدأ يضرب بأطنابه في كثير من مفاصل العمل الإسلامي، سواء في ذلك دوائر الفتوى، أو مجالات الدعوة إلى الله واتجاهاتها، يتركز هذا التوجه في محاولة جعل الاختلاف في المسائل الفقهية مناطا يصار إليه في الترجيح في كثير من الأحيان، تحت دعوى التيسير ومجاراة الواقع، وفتح آفاق جديدة للعمل الإسلامي، وهذا التوجه وإن كان كثر الطرق عليه في السنوات المتأخرة، إلا أنه ليس وليد الساعة،وإنما هو نتاج نكد لبعض المتفقهة يقوى تارة ويضعف تارة على امتداد التاريخ الإسلامي، ولا أدل على ذلك من توصيف الشاطبي له في زمانه بقوله:( وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف فى المسائل معدودا فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر، بل فى غير ذلك، فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع فيقال: لِم تمنع والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا، وما ليس بحجة حجة)).
ونحن وإن كنا لا ننكر أن هذا الدين في أصله قائم على أساس رفع الحرج عن أمة الإسلام: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وعلى أساس القصد إلى تحقيق مقام اليسر والتبشير والبعد عن التشديد والتنفير: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا).
إلا أن فتح الباب على مصراعيه لمثل هذه الدعاوى دون لجمها بضوابط الشريعة ومقاصدها تأخر في الإدراك، وبعد عن روح الشريعة ومقاصدها، نعم، لا غرو أن الخلاف الذي حصل في الأمة في فروع الشريعة مما تحتمل النصوص الشرعية مثله كان سببا في فتح باب من السعة على الأمة، قال عمر بن عبد العزيز: «ما أحب أن أصحاب رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولاً واحداً، كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم، ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة».
وصنف رجل كتاباً في الاختلاف فقال الإمام أحمد: لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة.
وهذا القدر من السعة هو الموافق لمقام التيسير الشرعي، إلا أنه ليس كلأ مباحا لكل أحد بل هو قول عن صاحب الشريعة يحتاج إلى فقه تام، ونية وقصد حسنين، ومعرفة بمقاصد الشريعة، ومآلات الأحكام، مع بعد عن هوى النفس ورغباتها، قال سفيان الثوري: ليس العلم بالتشديد وإنما العلم الرخصة تأتيك بالفقيه.
ويالله من أناس تسربلوا بلباس الفقه، واتزروا بإزارا الفتوى دون علم راسخ، ودون ورع صادق، فتكلفوا ما جهلوا، وآذوا عباد الله وما نصحوا،
قال الشافعي: «ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة، والله أعلم، وكان خطؤه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه».
وأصبح الحال كما قال ابن رشد ((الورع قل بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى))
وإن مما ينقضي منه العجب أن كثيرا ممن تقدم وسمهم لا ترى له همة إلا في الفتوى بكل شاذ من القول، مما هو داخل تحت زلات أهل العلم التي أجمع أهل العلم على إنكارها، قال إسماعيل القاضي: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا نظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم ، فقلت : مصنف هذا زنديق ، فقال : ألم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت : الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر ، وما من عالم إلا وله زلة ، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه ، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب.
ترى الواحد منهم يرفع عقيرته في كل مجمع وناد، وفي كل قناة وإذاعة تهوينا للشريعة، وبعدا عن الأخذ بالعزيمة، وشغفا بالمتشابهات، وإنقاصا من قدر السنن المؤكدات، ، صفاقة وجه ظاهرة، « يعمل وجهه في المبرد، ولا يعمل المبرد في وجهه»، ونسي أو تناسى ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾
قال ابن رجب: ((وأنكر أحمد أن يسمي شيء من أفعال الصلاة واقوالها سنة ، وجعل تقسيم الصلاة إلى سنة وفرض بدعة ، وقال : كل ما في الصلاة واجب ، وإن كانت الصلاة لا تعاد بترك بعضها .
وكذلك أنكر مالك تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة ، وقال : هو كلام الزنادقة . وقد ذكرنا كلامه في موضع آخر .
وكذلك ذكر الأبري في (( مناقب الشافعي )) بإسناده عن الواسطي ، قال : سمعت الشافعي يقول : كل أمور الصلاة عندنا فرض .
وقال –أيضاً - : قرأت عن الحسين بن علي ، قال : سُئل الشافعي عن فريضة الحج ؟ قال : الحج من أوله إلى آخره فرض ، فمنه ما إن تركه بطل حجة ، فمنه الإحرام ، ومنه الوقوف بعرفات ، ومنه الافاضة .
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : كل شيء في الصلاة مما ذكره الله فهو فرض . وهذا قيد حسن».
إن من مقاصد الدين العظام أنه جاء لإخراج المكلف من داعية هواه إلى داعية الشريعة ليكون ملجما بلجامها، دائرا في فلكها وتحت قبتها،
قال الشاطبي: « لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معا، ولا أحدهما من غير اجتهاد، ولا ترجيح، وقول من قال: إذا تعارضا عليه تخير. غير صحيح من وجهين:
أحدهما: أن هذا قول بجواز تعارض الدليلين في نفس الأمر وقد مر فيه آنفا.
والثاني: ما تقدم من الأصل الشرعي وهو أن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل وهو غير جائز، فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة، أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته، وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته اعتقادا، وقولا، وعملا، فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع، ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة فلا يصح القول بالتخيير».
عندما يحاول فئام من الجهلة أو أصحاب الهوى أو من قل إدراكه تمييع الدين تحت ضغظ رغبات الجماهير، أو نزغات النفس الناقصة فعندئذ حق على كل غيور أن يشهر قلمه مقيما الحجة ومبينا المحجة لكل مسلم، وإلا فليكسر القلم ولتطوى الصحف، وربنا المستعان على ما يصفون.

أحمد بن فخري الرفاعي
08-03-15 ||, 09:39 PM
الأخ الكريم محب الفقه حفظكم الله

جزاكم الله خيرا، ونفع بكم.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-03-15 ||, 09:45 PM
مقال نفيس؛ وحبذا العزو والتوثيق؛ لتكمل الاستفادة ...
وفقك الله ...

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-03-15 ||, 09:49 PM
بارك الله فيك أخي محب الفقه
والله يعلم أني أترقب مشاركتك بله إطلالتك علينا من شرفة الموقع: ترقب الناس للهلال ليلة رمضان.
أما هذه الأعلاق النفيسة التي نثرتها بين أطراف موضوعك، فأخاف إن وصفتها أفسدت منظرها، فلجمالها أكف عن وصفها، وأكتفي بأن أملأ عيني بنورها.
بالنسبة لفكرة الموضوع وهي "الخلاف بين التيسير والتمييع" فهي بنت يومها، وجدت لها صاحبها المحنَّك.
ولقد وقعتَ على مفصل الخطأ وحاولت – موفَّقا ومسدَّدا - بما مارسته ونقلته أن تميز بين الأخلاط.
......................... ...........
ملاحظة عابرة:
عنوان موضوعك "الخلاف بين التيسير والتمييع"، فأنت تعالج مشكلة محددة وهي اعتبار الخلاف بين أهل العلم وأن الناس بإزائها على طريقتين:
1- الشطط.
2- العدل.
وكنت أتمنى أن تذكر الطرف الثالث وهو من أغفل الخلاف ولم ينظر إلا إلى الراجح عنده ثم رتب على قوله ما يظنه أنه من أحكام الشريعة من الجزم بقوله ونسبته إلى الشارع، وإعمال نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى في المسائل التي يقع فيها النزاع بين كبار أهل العلم في الحل والمنع، وقد ركب هو مركب الحظر، ولم يلتفت إلى الأقوال المعتبرة في المسألة لا من جهة قوة الدليل ولا من جهة قوة المخالف.
والأمثلة أكثر من أن توصف وموقعنا هذا على حداثته قد طرق من هذا الباب مسألتين: وهي مسألة كشف المرأة وجهها أمام الأجانب، ومسألة إسبال الثياب من غير خيلاء.
وإن كان الإخوة حفظهم الله وبورك في جهودهم تنبهوا للخلاف المعتبر في المسألة.
وقد قيل في كثير من المسائل الخلافية ما يخاف المرء أن يطلقه على بعض المعرضين عن الشريعة فكيف بالمشتغلين بها وممن كان علمهم ودينهم ملء السمع والبصر.
ولعلي أعتذر لكي أخي محب الفقه أنك إنما كنت تقصد فئة معينة ممن وقع منهم الحيف في اعتبار الخلاف لا من قصَّروا في مراعاته.


بارك الله فيك أخي محب الفقه
ودمت لنا مفيدا ومعلِّما
وأتمنى لو أنك تشارك الإخوة في تقويم الموضوعات
وعلى مثلك فليعوِّل الناس.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-03-16 ||, 02:49 PM
الترخُّص بمسائل الخلاف
ضوابطه وأقوال العلماء فيه


الدكتور خالد العروسي
الأستاذ المساعد بقسم الشريعة
كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة أم القرى


ملخص البحث

مسألة الترخّص بمسائل الخلاف ، من المسائل التي بحثها الأصوليون والفقهاء على حدٍّ سواء، وهي مسألة أحسب أنّا أحوج ما نكون إلى ضبطها الآن ، فالواقعون فيها بين مشدِّدٍ منكرٍ لجواز الترخص بها مطلقاً ، وبين متساهلٍ مستهينٍ بها ، فأجاز العمل بمسائل الخلاف مطلقاً ، إلا أن أثر وخطر الفريق الثاني أعظم ، لولع الناس والعوام بكل سهل ولو كان منكراً مستغرباً . وكلا الفريقين على خطأ ، وكلاهما قد خالف مذهب الأئمة والسلف القائل : بالجواز ولكن بضوابط وقيود ، وفي هذا البحث الذي أقدمه بين يديك ، حاولت تتبع مذاهب الأئمة في هذه المسألة ، فجمعت أقوالهم وأقوال أصحابهم في هذه المسألة ، مستدلاً على هذا ببعض تفريعاتهم وفتاواهم ، وقد جعلت هذا البحث من مقدمة وثمانية مباحث هي :
1 - الخلاف : أسبابه ، وبيان أنه من السنن الكونية .
2 - الاختلاف هل هو رحمة ؟ 3 - فضل معرفة علم ما يختلف فيه .
4 - بيان زلاّت العلماء . 5 - تأصيل المسألة .
6 - أقوال العلماء في المسألة . 7 - قاعدة مراعاة الخلاف .
8 - ضوابط العمل بمسائل الخلاف .


والحمد لله رب العالمين .
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

أمين بن منصور الدعيس
08-03-16 ||, 08:43 PM
أخي أبا فارس بارك الله فيك ما ذكرته من الفئة الثالثة هي في نظري ممكن أن تكون على قسمين:
الأولى: فئة مقلدة المذاهب لا سيما في العصور التي كثر فيها التشنيع على مخالفي الأئمة، ومثل هؤلاء الرؤية فيهم واضحة عند طائفة كبيرة من طلبة العلم، ويكثر الكلام والتشنيع عليهم.
الثانية: فئة رأت الجمود والتعصب الذي وقع لبعض مقلدة الفقهاء، فاتجهت تحت قصد فاضل إلى تعظيم مقام النص الشرعي والدعوة إلى اعتباره ونبذ التقليد وتزامن ذلك مع ظهور أئمة من أهل السنة معاصرين لهم عناية بالسنة، وقصد إلى التفقه فيها، فوقع بعض من يتبعهم فيما فر منه، بل في تصوري أن هذه الفئة في تقلديها أشد من الفئة الأولى إذ أنها أوجبت ما تعتقده على أنه مقتضى نص الشارع الذي لا ينبغي أن يصار إلى غيره.
والحاصل أن جملة من صور الفقه والتفقه تحتاج إلى قراءة ومراجعة دقيقة، فمن الصور ما يكو ن مناسبا في زمن دون آخر، وفي سياق دون سياق والموفق من وفقه الله.

أمين بن منصور الدعيس
08-04-02 ||, 06:57 PM
أيها الأخوة الكرام هذا هو المقال موثقا:
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الناظر في الساحة الإسلامية في العقد الأخير يرى توجها بدأ يضرب بأطنابه في كثير من مفاصل العمل الإسلامي، سواء في ذلك دوائر الفتوى، أو مجالات الدعوة إلى الله واتجاهاتها، يتركز هذا التوجه في محاولة جعل الاختلاف في المسائل الفقهية مناطا يصار إليه في الترجيح في كثير من الأحيان، تحت دعوى التيسير ومجاراة الواقع، وفتح آفاق جديدة للعمل الإسلام، وهذا التوجه وإن كان كثر الطرق عليه في السنوات المتأخرة، إلا أنه ليس وليد الساعة،وإنما هو نتاج نكد لبعض المتفقهة يقوى تارة ويضعف تارة على امتداد التاريخ الإسلامي، ولا أدل على ذلك من توصيف الشاطبي له في زمانه بقوله (الموافقات 4/141):(( وقد زاد هذا الأمر على قدر الكفاية حتى صار الخلاف فى المسائل معدودا فى حجج الإباحة، ووقع فيما تقدم وتأخر من الزمان الاعتماد فى جواز الفعل على كونه مختلفا فيه بين أهل العلم، لا بمعنى مراعاة الخلاف فإن له نظرا آخر، بل فى غير ذلك، فربما وقع الإفتاء فى المسألة بالمنع فيقال: لِم تمنع والمسألة مختلف فيها، فيجعل الخلاف حجة فى الجواز لمجرد كونها مختلفا فيها لا لدليل يدل على صحة مذهب الجواز، ولا لتقليد من هو أولى بالتقليد من القائل بالمنع، وهو عين الخطأ على الشريعة حيث جعل ما ليس بمعتمد متعمدا، وما ليس بحجة حجة)).
ونحن وإن كنا لا ننكر أن هذا الدين في أصله قائم على أساس رفع الحرج عن أمة الإسلام: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، وعلى أساس القصد إلى تحقيق مقام اليسر والتبشير والبعد عن التشديد والتنفير: (يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا).
إلا أن فتح الباب على مصراعيه لمثل هذه الدعاوى دون لجمها بضوابط الشريعة ومقاصدها تأخر في الإدراك، وبعد عن روح الشريعة ومقاصدها، نعم، لا غرو أن الخلاف الذي حصل في الأمة في فروع الشريعة مما تحتمل النصوص الشرعية مثله كان سببا في فتح باب من السعة على الأمة، قال عمر بن عبد العزيز (جامع بيان العلم (2/901-902): «ما أحب أن أصحاب رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا؛ لأنه لو كان قولاً واحداً، كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم، ولو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة».
وصنف رجل كتاباً في الاختلاف فقال الإمام أحمد (الفتاوى لابن تيمية (14/159): لا تسمه كتاب الاختلاف، ولكن سمه كتاب السعة.
وهذا القدر من السعة هو الموافق لمقام التيسير الشرعي، إلا أنه ليس كلأ مباحا لكل أحد بل هو قول عن صاحب الشريعة يحتاج إلى فقه تام، ونية وقصد حسنين، ومعرفة بمقاصد الشريعة، ومآلات الأحكام، مع بعد عن هوى النفس ورغباتها، قال سفيان الثوري: ليس العلم بالتشديد وإنما العلم الرخصة تأتيك بالفقيه.
ويالله من أناس تسربلوا بلباس الفقه، واتزروا بإزارا الفتوى دون علم راسخ، ودون ورع صادق، فتكلفوا ما جهلوا، وآذوا عباد الله وما نصحوا، قال الشافعي (الرسالة ص53) : «ومن تكلف ما جهل وما لم تثبته معرفته كانت موافقته للصواب -إن وافقه من حيث لا يعرفه- غير محمودة، والله أعلم، وكان خطئه غير معذور إذا نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيه».
وأصبح الحال كما قال ابن رشد ((الورع قل بل كاد يعدم، والتحفظ على الديانات كذلك، وكثرت الشهوات، وكثر من يدعي العلم ويتجاسر على الفتوى))
وإن مما ينقضي منه العجب أن كثيرا ممن تقدم وسمهم لا ترى له همة إلا في الفتوى بكل شاذ من القول، مما هو داخل تحت زلات أهل العلم التي أجمع أهل العلم على إنكارها، قال إسماعيل القاضي: دخلت على المعتضد فدفع إلي كتابا نظرت فيه وقد جمع فيه الرخص من زلل العلماء وما احتج به كل منهم ، فقلت : مصنف هذا زنديق ، فقال : ألم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت : الأحاديث على ما رويت ولكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر ، وما من عالم إلا وله زلة ، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه ، فأمر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب . (سير أعلام النبلاء (13/465).
ترى الواحد منهم يرفع عقريته في كلم مجمع وناد، وفي كل قناة وإذاعة تهوينا للشريعة، وبعدا عن الأخذ بالعزيمة، وشغفا بالمتشابهات، وإنقاصا من قدر السنن المؤكدات ، صفاقة وجه ظاهرة، « يعمل وجهه في المبرد، ولا يعمل المبرد في وجهه»، ونسي أو تناسى ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، قال ابن رجب (فتح الباري (5/34): ((وأنكر أحمد أن يسمي شيء من أفعال الصلاة واقوالها سنة ، وجعل تقسيم الصلاة إلى سنة وفرض بدعة ، وقال : كل ما في الصلاة واجب ، وإن كانت الصلاة لا تعاد بترك بعضها .
وكذلك أنكر مالك تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة ، وقال : هو كلام الزنادقة . وقد ذكرنا كلامه في موضع آخر .
وكذلك ذكر الأبري في (( مناقب الشافعي )) بإسناده عن الواسطي ، قال : سمعت الشافعي يقول : كل أمور الصلاة عندنا فرض .
وقال –أيضاً - : قرأت عن الحسين بن علي ، قال : سُئل الشافعي عن فريضة الحج ؟ قال : الحج من أوله إلى آخره فرض ، فمنه ما إن تركه بطل حجة ، فمنه الإحرام ، ومنه الوقوف بعرفات ، ومنه الافاضة .
وقال الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله : كل شيء في الصلاة مما ذكره الله فهو فرض . وهذا قيد حسن».
إن من مقاصد الدين العظام أنه جاء لإخراج المكلف من داعية هواه إلى داعية الشريعة ليكون ملجما بلجامها، دائرا في فلكها وتحت قبتها، قال الشاطبي (الموافقات 4/131): « لا يجوز للعامي اتباع المفتيين معا، ولا أحدهما من غير اجتهاد، ولا ترجيح، وقول من قال: إذا تعارضا عليه تخير. غير صحيح من وجهين:
أحدهما: أن هذا قول بجواز تعارض الدليلين في نفس الأمر وقد مر فيه آنفا.
والثاني: ما تقدم من الأصل الشرعي وهو أن فائدة وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، وتخييره بين القولين نقض لذلك الأصل وهو غير جائز، فإن الشريعة قد ثبت أنها تشتمل على مصلحة جزئية في كل مسألة، وعلى مصلحة كلية في الجملة، أما الجزئية فما يعرب عنها دليل كل حكم وحكمته، وأما الكلية فهي أن يكون المكلف داخلا تحت قانون معين من تكاليف الشرع في جميع تصرفاته اعتقادا، وقولا، وعملا، فلا يكون متبعا لهواه كالبهيمة المسيبة حتى يرتاض بلجام الشرع، ومتى خيرنا المقلدين في مذاهب الأئمة لينتقوا منها أطيبها عندهم لم يبق لهم مرجع إلا اتباع الشهوات في الاختيار، وهذا مناقض لمقصد وضع الشريعة فلا يصح القول بالتخيير».
عندما يحاول فئام من الجهلة أو أصحاب الهوى أو من قل إدراكه تمييع الدين تحت ضغظ رغبات الجماهير، أو نزغات النفس الناقصة فعندئذ حق على كل غيور أن يشهر قلمه مقيما الحجة ومبينا المحجة لكل مسلم، وإلا فليكسر القلم ولتطوى الصحف، وربنا المستعان على ما يصفون.

بندر عياد الفويتلي
08-04-07 ||, 10:26 AM
جزى الله الكاتب خيرا على ما كتب .

وأحب أن أذكر من خلال هذا المنبر , الذي أسأل الله أن يكتب له الانتشار , ويجزي كل القائمين عليه خير الجزاء .

فهذا نداء من خلال هذا المنتدى , إلى الدعوة إلى التزام المذاهب الفقهية وعدم الخروج عنها إلا لعالم قد اجتمعت فيه شرائط الاجتهاد وإلا فلا . وليس هذا من التضييق على الناس بقدر ما يكون فيه تقنين للفتوى وضبط الناس عليها حتى لا يكثر المفتون وتتعدد الفتوى للأسف بتعدد أفهامهم وزد على ذلك إذا كانت من غير متأهلين للنظر , فضلا عن أن يكون ممن حاز شرائط الاجتهاد والتي أقلها في المذهب .

ولي بحث في مسألة فقهيه , ضمنت في مقدمتها الكلام عن إلتزام المذاهب الفقهيه وظوابط الخروج عنها في حدود يسيرة سأزودكم به إن شاء الله إذا تيسر لي الوقت .

شكرا لكل القائمين والزائرين والأعضاء الفاعلين ولا تنسوا أخيكم من الدعاء وصلى الله على نبينا محمد .

طارق موسى محمد
10-05-02 ||, 01:45 PM
وفقكم الله لما فيه الخير