المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : حوار الخميس الفقهي (8) أحوال المطلق مع المقيد



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-03-23 ||, 03:02 PM
أحوال المطلق مع المقيد

يقول الإمام القرافي في الذخيرة:

المطلق مع المقيد على أربع أقسام:


1- تارة يختلف الحكم والسبب: كالوضوء والسرقة فلا حمل إجماعا.


2- وتارة يتحدان: كما لو ذكر الرقبة في الظهار مرتين مطلقة ومقيدة بالإيمان فإنه يحمل المطلق على المقيد.


3- وتارة يختلف السبب ويتحد الحكم: كالرقبة في القتل مقيدة بالإيمان ومطلقة في الظهار وفي الحمل مذهبان.


4- وتارة يختلف الحكم ويتحد السبب: كالوضوء والتيمم فالسبب واحد وهو الحدث والحكم مختلف وهو الوضوء والتيمم وفي الحمل مذهبان فعلى هذه القاعدة تتخرج فروع كثيرة.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn1))


قلت: وليراجع المصدر الأصلي فإنه تعرض لمسألة حمل المطلق في آية التيمم على المقيد في آية الوضوء، وبين أن حمل آية التيمم على آية الوضوء أولى من حملها على آية السرقة لولا ما جاء من تفسير الأحاديث النبوية....
([1]) الذخيرة (1/353،354)،

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-03-24 ||, 01:39 PM
لا إشكال في عدم حمل المطلق على المقيد إذا اختلف الحكم واختلف السبب


ولا إشكال في حمل المطلق على المقيد إذا اتحد الحكم والسبب.


ويقع الإشكال فيما إذا اتفقا في الحكم واختلفا في السبب، أو اتفقا في السبب واختلفا في الحكم.


ما أثر حمل المطلق على المقيد إذا تم التعليل بعلة مشتركة مع اختلاف السبب، مثل "فاعتقها فإنها مؤمنة" فهل هذا كافي في حمل المطلق على المقيد أم أن عتق المؤمنة إنما هو بمقتضى هذا التعليل لا من جهة حمل المطلق على المقيد.


ما أثر القرائن في حمل المطلق على المقيد؟


في المثال الذي ذكره القرافي في الذخيرة الاتفاق في السبب والحكم ومع ذلك مال هو وابن تيمية إلى عدم الحمل بسبب أن نوع الحكم مختلف؛ فالوضوء والتيمم سبببهما الحدث، وحكمهما الطهارة إلا أن نوع الطهارة مختلف.
إذن هل يشترط في الحكم الاتفاق في جنس ونوع الحكم أم يكفي الاتفاق على جنس الحكم؟

وقد يقع الخلاف في تحديد الحكم في المسألة كما في المسألة السابقة فقد ينازع أصلاً في الاتفاق في الحكم، ومثل ذلك مسألة إسبال الثوب من غير خيلاء، فاختلف في حمل مطلق النصوص على مقيدها بسبب النزاع في حصول الاتفاق في الحكم أو الاختلاف فيه، فمن حمل نظر إلى أن الحكم هو تحريم لبس الثوب المسبل، ولم ينظر إلى التفاصيل، ومن لم يحمل المطلق على المقيد ادعى الاختلاف في الحكم فأحدهما تحريم الإسبال، والآخر الوعيد على جر الثوب خيلاء، وكما ترى فتراه عدى الخلاف حتى في السبب، فأحدهما مجرد الإسبال، والآخر جر الثوب خيلاء، والآخر يدعي الاتفاق على أصل السبب، والخلاف إنما هو في التفاصيل، ثم يؤكد نظريته من خلال تعليل النص، فقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر "إنك لست منهم" قاضي على حمل المطلق على المقيد، لأن واقعة قصة أبي بكر إنما هو استطالة الإزار...ومع ذلك نظر النبي صلى الله عليه وسلم إل حصول العلة أو عدم حصولها....


مر علي قديما كلاماً محررا في متى يحمل المطلق على المقيد ومتى لا يحمل، وأن الكلام النظري له جانب في المسألة، وتطبيقات كل مسألة وقرائنها لها أثر جوهري في الحمل أو عدم الحمل، ففي المسألة جانب نظري مستفاد من القواعد اللغوية، وجانب تطبيقي مستفاد من الدربة الأصولية والفقهية ومعطيات كل مسألة.
وفيما أذكره أن الحمل إنما يكون إذا اتفقا في الحكم والسبب، وفيما سوى ذلك لا يحمل إلا بسبب خارج.

بانتظار إثراء المسألة.

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-24 ||, 03:18 PM
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته

بارك الله فيك أخي الكريم على هذا الموضوع.

اسمح لي بتقديم هذه المشاركة المتواضعة في مباحث المطلق و المقيد و النص كنت كتبته من مدة :

قال الشوكاني رحمه الله في إرشاد الفحول فو شروط حمل المطلق على المقيد :

( الشرط الثالث ) : أن يكون في باب الأوامر والإثبات ، أما في جانب النفي والنهي فلا ؛ فإنه يلزم منه الإخلال باللفظ المطلق مع تناول النفي والنهي ، وهو غير سائغ .

وممن ذكر هذا الشرط الآمدي ، وابن الحاجب ، وقالا : لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما ؛ لعدم التعذر ، فإذا قال لا تعتق مكاتبا ، لا تعتق مكاتبا كافرا ( لم يعتق مكاتبا كافرا ) ولا مسلما ، إذ لو أعتق واحدا منهما لم يعمل بهما ، وأما صاحب المحصول فسوى بين الأمر والنهي ورد عليه القرافي بمثل ما ذكره الآمدي ، وابن حاجب ، وأما الأصفهاني فتبع صاحب المحصول ، وقال حمل المطلق على المقيد لا يختص بالأمر والنهي ، بل يجري في جميع أقسام الكلام .

قال الزركشي : وقد يقال لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي والنهي ، وما ذكروه من المثال إنما هو من قبيل أفراد بعض مدلول العام ، وفيه ما تقدم من خلاف أبي ثور ، فلا وجه لذكره هاهنا انتهى .

والحق : عدم الحمل في النفي والنهي ، وممن اعتبر هذا الشرط ابن دقيق العيد ، وجعله أيضا شرطا في بناء العام على الخاص . اهــ

قلت : لفهم هذه المسألة لابد من التعريج على الفرق بين العام و المطلق :

قال الشوكاني رحمه الله في الإرشاد : في الفرق بين العام والمطلق

اعلم أن العام عمومه شمولي ، وعموم المطلق بدلي ، وبهذا يصح الفرق بينهما ، فمن أطلق على المطلق اسم العموم ، فهو باعتبار أن موارده غير منحصرة ، فصح إطلاق اسم العموم عليه من هذه الحيثية .

والفرق بين عموم الشمول وعموم البدل ، أن عموم الشمول كلي ، يحكم فيه على كل فرد ، وعموم البدل كلي من حيث أنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه ، ولكن لا يحكم فيه على كل فرد فرد ، بل على فرد شائع في أفراده يتناولها على سبيل البدل ، ولا يتناول أكثر من واحد منها دفعة . اهــ

قلت : فالعام لفظ يشمل جميع أفراده , اي من شرط العام الاستغراق بعكس المطلق فهو لفظ يصح إطلاقه على جميع افراد جنسه لكن إن إطلق على بعض افراد الجنس لم يصح إشتراك البعض الاخر معه في نفس اللفظ المقصود.

مثال ذلك إذا قال قائل لا تضرب الطفل فلفظ الطفل لفظ مطلق يصح إطلاقه على جميع الأطفال إلا انه ان اطلق على طفل بعينه فلا يصح إطلاقه على غيره فإن كان قصد القائل لا تضرب الطفل هو ضرب طفل بعينه فهذا اللفظ لا يمكن حمله على طفل آخر فمتى وُجِّه معنى اللفظ في المطلق لم يجز أن يشمل غيره معه و هذا معنى قول الشوكاني رحمه الله (عموم البدل كلي من حيث أنه لا يمنع تصور مفهومه من وقوع الشركة فيه)

و لو قال قائل لا تضرب طفلا فهم منه دخول جميع الاطفال في اللفظ لأنها نكرة بعد نهي فهي تفيد العموم فلو ضرب طفلا و ترك آخر لكان مخالفا للنهي بعكس قوله لا تضرب الطفل فإن ترك الطفل الذي امامه و ضرب طفلا آخر في زمن آخر فيصدق عليه أنه لم يضرب الطفل لأنه لم يضرب الطفل الذي أمامه و هو المقصود باللفظ .

من هنا يتبين الخلاف بين العام و الخاص و بين المطلق و المقيد فالتخصيص إخراج بعض أفراد العام من الحكم بعكس التقييد فحمل المطلق على المقيد إعمال للدليلين و ذلك لأنه لا تعارض بين مفهوم المقيد مع منطوق المطلق لأن المطلق يصح إطلاقه على بعض الافراد فهو بدلي و يحُمل مفهوم القيد على البعض الآخر و ان كان يصح لكلا البعضين استعمال لفظ المطلق لكنهما لا يشتركان فيه في آن واحد في المعنى المقصود من المخاطب لأن اللفظ لا يحتمل معناه إشتراكا فلا يمكن للقائل أن يقول لك إمسك الطفل و يقصد به طفلين أمامك و ان كان يصح اطلاق الأمر على كل من الطفلين لكن لا يصح فهم مراد القائل على إمساكهما كليهما لأنه عنى طفلا واحدا لا إثنين فإذا حددنا المقصود من اللفظ بالطفل الأول خرج الطفل الثاني من هذا الأمر.

مثال ذلك قوله تعالى : (حرمت عليكم الميتتة والدم) و قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا )

فلفظ الدم في الآية الأولى مطلق يصح إطلاقه على بعض أفراد جنسه لذلك من ترك دما مسفوحا فقد ترك الدم و لفظ الدم يصح اطلاقه على الدم المسفوح فالتقييد هنا إعمال للدليلين.

و مثال ذلك أيضا : (لا نكاح إلا بولي) و (لا نكاح إلا بولي مرشد) فهل هذا من باب العموم او من باب الاطلاق و التقييد ؟ في الحقيقية هذا من باب الاطلاق و التقييد لأن من شروط العموم الإستغراق إلا أن الاستغراق هنا هو في النكاح لا في شرط النكاح و ذلك لأن اللفظ جاء بالحصر اي يبطل كل نكاح بدون ولي فالولي شرط أدنى لذلك فالعمل بالنصين يقتضي حمل المطلق على المقيد فمن نكح بولي مرشد نكح بولي و من نكح بولي فقط فهو لم ينكح بولي مرشد قطعا.

إذن هل كل نهي يعتبر من باب العموم ؟ الجواب لا ليس كل نهي من باب العام فإذا قلنا لا تعتق المكاتب و قلنا لا تعتق المكاتب الكافر ، فلفظ المكاتب لا يدل قطعا على العموم لأنه قد تكون اللام لام العهد الذهني فمن أعتق مكاتبا مسلما فقد عمل بالنصين لأنه يطلق عليه أنه لم يعتق المكاتب و يصدق عليه أنه لم يعتق المكاتب الكافر.

و بهذا يظهر الفرق بين "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه" و "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول"

فهل هو من باب العموم أو من باب المطلق و المقيد ؟

تقييد المطلق في السبب منشؤه دليل الخطاب (و هذا الذي شرحه الأخ الكريم فؤاد بن يحيى الهاشمي بقوله أثر القرائن في حمل المطلق على المقيد و لي في المسألة نظرية أخرى سأشرحها لاحقا ) إذ أن وجود القيد المعتبر يدل بمفهومه على اخراج السبب الغير داخل في القيد من الحكم و بما أن هناك نصا مطلقا فيمكن الجمع بين هذا المفهوم و بين منطوق هذا النص المطلق بحمل المطلق على بعض افراد جنسه التي يصح عليها إطلاق نفس اللفظ و هي المقيدة في السبب الآخر و هذا ما نسميه العمل بالدليلين.

أما تخصيص العموم فهو تعارض النص العام مع النص الخاص فيخرج الخاص من العام لكن هل كل تعارض معتبر ؟ في مثالنا هنا التعارض هو بين ظاهر لفظ الحديث الأول و هذا منطوق و بين مفهوم قيد اللفظ الثاني فهو تعارض بين منطوق و مفهوم و المنطوق مقدم عادة.

اذن مثالنا قد يعتبر من المطلق و المقيد ان حملنا الحديث الأول على حالة من الحالات و هي حالة البول و قد يعتبر من باب الخاص و العام و في هذه الحالة هناك نظرتان الأولى تخصيص العموم بمفهوم القيد و الثانية جعل الخصوص من باب التنصيص فيدخل حكمه في العموم و ذلك بالقول أن قيد البول خرج مخرج الغالب و من هنا يظهر اختلاف الفقهاء في هذه المسألة.


ما قاله الشوكاني رحمه الله محتمل لكنه ليس دائما معتبر فهناك من النهي ما يدخل في باب العام و منه ما هو في باب المطلق و هذا بعد اعتبار المفهوم كدليل و قد خالف الظاهرية و الحنفية في ذلك.
لذلك تجد ابن حزم رحمه الله يحمل المقيد على المطلق عند اتحاد السبب و الحكم لعدم اعتباره المفهوم في النصوص و من هنا يظهر سبب توجهه في المطلق و المقيد و اذا عرف السبب بطل العجب.

و قد جرت محاورة بيني و بين أخي في الله خالد السهلي وفقه الله سأنقلها للفائدة :

قال الأخ الكريم :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
أريد التبيين حفظكم الله ولاحرمكم الثواب حول هذه المسالة فهي أشكلت علي

هل تتحصل فضيلة صيام الست من شوال في غير شوال؟

لأن بعض روايات الحديث كماتعلمون فصلت العلة في كونها كصيام الدهر وهي أن الحسنة بعشر امثالها فالست بشهرين على هذا

ولكن العلة التي علل بها موجودة في غير شوال والشريعة لاتفرق بين متماثلين

فوجدت من يجيب عن هذا الإشكال بأن المقصود بصيام الدهر هو صيام الدهر فرضا لانفلا
وعلى هذا يزول إشكال التحديد بشوال

وهذا الجواب ليس في التعليل الذي ذكر في الحديث ولم يذكروا عليه دليلا

ووجدت جوابا آخر وهو أن هذا أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم فلاتسأل عن تحديده.

ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك والعلة واضحة هي مضاعفة الحسنة

ووجدت من يقول إن وجه تحديد صيامها بشوال هو أنها من السنن الجوابر كالسنن الرواتب

وأسأل هنا هل جبران فريضة الصيام متوقف على النوافل من شهر شوال أم أن كل نافلة صوم
تكون جبرانا لفريضة الصيام؟ومآلدليل على تخصيص الجبران بشوال؟

ثم إن تحصيل الفضيلة في صيام الست من غير شوال تؤيده الرواية التي لم يذكر فيها شوال
بل ذكر فيها (بعد الفطر)

أتمنى ممن لديه فائدة ان يفيدنا مأجورا اهــ

قلت : السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

قد يقال ان رواية الصيام بالست بدون ذكر شوال مطلقة و الرواية الاخرى مقيدة فيقد المطلق و ذلك لأن ذكر شوال قيد معتبر إلا أن العلة منطوقة و هو صيام الدهر.

اذن المسألة ترجع لنقطتين :

هل قيد شوال قيد معتبر
العلة من الصيام منطوقة

في القيد قد يقال ان ذكر شوال جاء لقربه من رمضان و اعتياد الناس الصيام فكان من باب المسارعة في الخيرات ، إن قلنا بذلك فالقيد غير معتبر لخروجه مخرج الغالب من حال الناس.

بالنسبة للحديث العام : من صام ستة أيام بعد الفطر كان تمام السنة : (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ) . " وفي رواية : " جعل الله الحسنة بعشر أمثالها فشهر بعشرة أشهر وصيام ستة أيام تمام السنة " النسائي وابن ماجة وهو في صحيح الترغيب والترهيب 1/421 ورواه ابن خزيمة بلفظ : " صيام شهر رمضان بعشرة أمثالها وصيام ستة أيام بشهرين فذلك صيام السنة " .


قد يقال ان الفطر قصد به العيد فجاء الحديث موافقا للقيد و يحمل المطلق على المقيد فيكون في شوال فإن قيل العلة منطوقة يمكن الرد على ذلك بأن الصيام عبادة و العبادة لا تتوقف على علة فقد يذكر بعض من التعليل في صيام الست و يترك البعض فقد يكون هناك اجر زائد في صيام الست من شوال مترتب على الاستعجال و اتباع السنة و المسألة محتملة ، مثال ذلك تعليل زكاة الفطر بكونها طهرة للصائم إلا أنها تدفع عن الصبي و هو لا يصوم فحكم الزكاة لا يدور مع العلة.

الاحتياط يقتضي صيامها في شوال لتحصيل السنة و الله أعلم اهــ

قال الاخ حفظه الله : أخي الكريم

ربما يقول قائل صدقت فالعبادة غير متوقفة على علة ولكن الأجر هو المعلل هنا أي علل الثواب وهو صيام الدهر بمضاعفة العمل

ويحاول أن يقوي قوله بحديث من صام من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صيام الدهر

وفيه أن أجر صيام الدهر يكون من غير شوال

والإحتياط كما ذكرت حفظك الله أولى ولكن قد يحدث لبعض الناس مايمنعه من إكمال الست فأنا في العام الماضي
لم أستطع للأسف إلا صيام ثلاثة أيام وانتهى شوال قبل إكمالها لظروف متتابعة فتركتها

ثم ألا يعتذر لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بهذا؟أي أنها تصومها بعد قضائها في شعبان؟
مع أن تعليلها بأنها لاتقضي لمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم منها أمر أحب أن أسأل عنه لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لايكون عندها إلا يوما من تسعة أيام
وأرجو التصويب إن أخطأت اهــ

قلت : كلامك صواب في الجملة و هو قول محتمل فكما لاحظت كلا القولين له حظ من النظر.

إلا أن القول بأن عائشة رضي الله عنها كانت تصوم الست بعد شعبان قول ينقصه دليل - على حد علمي و الله أعلم لم يرد فيه حديث - انما هو استنباط قائم على القول بتقديم القضاء على التطوع و هذا فيه نظر بل من الفقهاء من استدل بقضاء عائشة رضي الله عنها على التراخي في القضاء و جواز التطوع قبله لأن القضاء لا يجب على الفور و هذا مذهب الجمهور فعلى هذا ما استدل به من فعل عائشة رضي الله عنها مبني على خلاف و هذا الخلاف مرجوح اذا علمنا مذاهب الصحابة في من اخر القضاء بعد رمضان القادم و هو الاطعام فدل مذهبهم على تراخي القضاء و دل على جواز التطوع قبله و من أراد اثبات فعل عائشة رضي الله عنها بصيام الست في شعبان فعليه بأثر واضح و لو ثبت أثر بذلك لكان حجة لأنه فعل صحابي و في حضرة الرسول عليه الصلاة و السلام لكن على حد علمي لم يصلني في ذلك اثر أو حديث و الله أعلم.

فلم يبقى من ادلة القائلين بجواز صيام الست في غير شوال الا العلة و الأمر تعبدي كما ذكرت فهل يجوز قياس الست من غير شوال على الست في شوال للإشتراك في العلة ؟ الحقيقة مذهب الجمهور عدم القياس في العبادات و هذه عبادة محضة لا مجال للعقل فيها.

اذن القول بالصيام في شوال أقوى و خاصة اذا علمنا ان مذهب الجمهور حمل المطلق على المقيد فمن الناحية الأصولية كل الادلة ترجح الصيام في شوال.


تبقى الحالة التي ذكرت وهي عدم الاستطاعة فمن لم يستطع تحصيل الست في شوال يصومها في غيره لأنه ليس له خيار غير ذلك و أرجو أن يحصل فضيلة ذلك و الله أعلم اهــ

قال الاخ الكريم : الأخ الكريم عبدالكريم علق على ورود الروايات التي فيها صيام الست من شوال والروايات التي تذكر صيام الست بدون تخصيص شوال بأنها من باب المطلق والمقيد

وأحب أن أسأل هل هو فعلا من هذا الباب

لأني رجعت إلى المطلق والمقيد فوجدت له أربعة حالات وكلها تجعل الطرفين في المطلق والمقيد هما السبب والحكم

يعني إذا اتحدا في السبب والحكم واتحدا في السبب واختلفا في الحكم واختلفا في السبب والحكم واختلفا في السبب واتحدا في الحكم

والروايات التي نتكلم عنها هل هي من هذا الباب الذي يكون الإطلاق والتقييد فيه بين السبب والحكم أم لا؟

هذا سؤالي

فإني أفهم أن السبب هو صيام الست والحكم هو أجر صيام الدهر

والإطلاق والتقييد هو في السبب وحده

أي مرة ذكر السبب صيام ست من شوال

ومرة ذكر السبب إتباع رمضان بست

هل يكون هذا من باب المطلق والمقيد أم من باب العام والخاص أم لايكون منها كلها فينتفي كون شوال مخصوصا

والإجابة عن كون صيام ثلاثة أيام من كل شهر فيها أجر صيام الدهر ممايجعل صيام الدهر قد حصل من كل شهر

والمانع من أن يكون ذكر شوال خرج مخرج الغالب كما يقال في غيره

هذا ماأشكل علي وأريد من الأخوة تفصيله واحتساب الأجر فأنا سائل لامُسائل
هدفي ان أقتنع بقول أراه الحق الذي أستطيع الإجابة عن مايعترضه اهــ

قلت : السبب هنا هو الفطر فسبب ندب الست انتهاء رمضان و لولا انتهائه لما كانت الست أما الحكم فهو ندبية صيام الست اذن السبب هو الفطر و الحكم صيام الست أما القيد فهو تخصيص وقت الست بشوال.


اذن هنا اتحد الحكم و السبب فيقيد المطلق صيام الست بالمقيد و هو صيام الست في شوال فيصبح الحكم صيام الست في شوال و الله أعلم اهــ

قال الاخ الكريم : السؤال الذي دفعني لطرح الموضوع

هو إذا صمت في شوال يومين وفي ذي القعدة يومين وفي محرم يومين فهل هذه الستة بأجر شهرين؟
إن كان لا فمآلدليل
وإن كان نعم فما الفرق بين أن تكون من شوال أو من غيره وكلام ابن جبرين رحمه الله يؤيد هذا حيث قال فالمطلوب صيام شهر وستة أيام

شهر بعشرة أشهر وستة أيام بأجر شهرين هذه سنة كاملة اهــ

قلت : الفرق بين ان تكون في شوال و غيره سنة ابي القاسم أخي الكريم فلو امرنا أن نصوم ليلا لصمنا ليلا ، ما الفرق بين ان تصوم شهر رمضان و شهر شعبان اليس شهرا ؟ الفرق هو امر الله سبحانه و تعالى.

اخي الكريم الأصل في العبادات انها غير معقولة المعنى فلا يصح القياس فيها عادة و الله أعلم اهــ

قال الاخ الكريم : الاخ عبدالكريم اكرمك الله بالجنة

أنت بدأت جوابك بقولك (الفرق)ممايدل انك تختار الإجابة الثانية وهي (نعم يحصل بها أجر شهرين)

أما سؤالك انت مالفرق بين صيام رمضان أو شعبان ؟ أقول الفرق اننا نقطع بأن رمضان مخصص للصوم قطعا ولاصارف له
بل ولايجتمع مع شعبان في العلة التي عللها الرسول صلى الله عليه وسلم وهي ان رمضان بعشرة أشهر فلو كان هناك نص بأن صوم شعبان بعشرة أشهر لاقتنعت بمثالك تماما لكن شعبان بشهر

وأيضا الفرق هنا أن رمضان مقطوع به حتى في القرآن بينما رواية الست من شوال التي في مسلم فيها جدل طويل كماتعلم وهناك روايات لم تذكر شوال ولاأدري أيها أقوى واثبت ولعلك أو أحدا من القراء يفيدني

والأخ الكريم الذي قال لعل هناك عللا في تخصيصها بشوال أخرى غير مضاعفة الحسنات

أقول له إني أرى أن الناس إنما يصومونها لأجل العلة المذكورة في الحديث
فإن كانت في غير شوال لم يكن ذكر شوال إن ثبت مقيدا بل يكون خرج مخرج الغالب هذا ماأظن ولاأكتب هنا إلا
لمعرفة وجه الخطأ إن كنت مخطئا
ولو أن ذكر شوال في الحديث تقييد أو تخصيص قطعي مسلم به لم أسأل سؤالي وإنما أحببت أن أتبين اهــ

قلت : أخي الكريم الفقه مبني على غلبة الظن فلا يشترط القطع في المسائل يكفي غلبة الظن فيها و إن كنا لا نحتاج لذلك لأن الأصل بقاء اللفظ على ما هو عليه حتى تدل قرينة على حمله على غيره.

القول بأن شوال خرج مخرج الغالب يحتاج دليلا فلا يكفي إدعاؤه فهو صرف للحديث عن ظاهره كما أنه من شروط خروج القيد مخرج الغالب أن يكون معقول المعنى فالقيد الغير معقول المعنى لا يمكن أن يخرج مخرج الغالب.

القيد هنا زمني و القيود الزمنية ليست معقولة المعنى فالقول أنها تخرج مخرج الغالب ضعيف جدا لابد له من تأول بعيد فإن تعلق الأمر بالعبادة فهذا أبعد.


كيف نعرف أن القيد خرج مخرج الغالب ؟ نعرف ذلك بعدة علامات منها :

العادة والعرف: مثاله قوله تعالى في المحرمات من النكاح: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن"

ومنها الوضع و لغة العرب: مثاله قوله تعالى : "لاتاكلوا الربا اضعافا مضاعفة"

و منها صرف القيد بدليل آخر كحديث: " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" لان المجلود وغير المجلود في الحكم سواء، بدليل نص آخر وهو قوله تعالى: الزاني لا ينكح الا زانية او مشركة" و القيد هنا معقول المعنى.




إذن القول بأن شهر شوال خرج مخرج الغالب ضعيف لا يدل عليه الحديث لوجود حرف من "بست 'من' شوال" فجاءت من لحصر الست في زمن معين و هذا لا يدخل في القيد الذي يخرج مخرج الغالب لأنه مراد من الكلام فهو إيقاع العمل في زمن مقصود باللفظ لا وصف.

مثال ذلك قوله تعالى "صيام ثلاثة ايام في الحج" فلا يقال ان الظرف المكاني خرج مخرج الغالب لغلبة الظن أن صيام الثلاثة تكون في الحج بل الظروف الزمانية و المكانية مقصودة في القيود إذا إرتبطت بالعبادات فالأصل في العبادات التقييد بالزمان و المكان و العدد و مثل هذه القيود مشتهرة في العبادات كالصلاة و الصيام و الحج بل لا تكاد عبادة تخلو من هذه القيود ، حتى النوافل المطلقة مقيدة بأوقات النهي.

كما أن القيد الذي يخرج مخرج الغالب عادة تجده في السبب لا الحكم لأن الحكم مقصود و السبب موصوف فقد يوصف السبب بوصف غالب كحديث "في الغنم السائمة الزكاة" و كقوله تعالى "وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا" و كقوله تعالى "و ربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن" لكن أن يقيد الحكم بقيد لم يقصد فهذا بعيد جدا بل لا يحضرني قيد في حكم خرج مخرج الغالب !!!!! ، الوصف الغالب يكون في المعلوم و الحكم مجهول جاءت به الشريعة فكيف يخرج مخرج الغالب و هو مجهول و الأمر يحتاج إستقراء نصوص الشريعة.


و أعلم أخي الكريم أن القيد في الحكم ليس كالقيد في السبب فإن كان هناك خلاف بين الفقهاء في إعتبار التقييد في الأسباب كحديث "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول" فلا يحضرني خلاف بينهم في تقييد الحكم إلا مذهب الأحناف و للأسف جل كتب الأصول لا تتطرق لهذا الأمر و ذلك أن القيد في السبب إعتباره نابع من دليل الخطاب لذلك خالف الظاهرية فيه فحملوا المقيد على المطلق في الأسباب بعكس القيد في الحكم و هو مبني على عدة امور منها "القياس عند الشافعي لذلك قيد الحكم و ان اختلف" و منها "العمل بالحكمين المقيد و الغير مقيد" و هذا تعليل القرافي فمن عمل بالحكم المقيد فقد عمل بالغير مقيد بخلاف السبب فوجود القيد في السبب مفهومه خروج الغير مقيد من السبب من الحكم و كأنه تخصيص للعموم فالفرق مختلف جدا يفسر خلاف الفقهاء في قيود الاسباب عادة.

و مثال ذلك لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول فمفهومه يجوز لأحدكم أن يمسك ذكره بيمينه في حالة غير البول فعلى هذا يخصص حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه بمفهوم الحديث الآخر و هكذا يقيد لكن من قال من الفقهاء بعدم التقييد قال ذلك لأنه إذا نهي عن مسه باليمين حال البول ، فالنهي عن مسه في غير حال البول من باب أولى لأنه في حال البول ربما يحتاج إلى مسه ، فإذا نهي في الحال التي يحتاج فيها إلى مسه فالنهي في غيرها أولى و خلاصة قولهم أن القيد خرج مخرج الغالب فرد الآخرون بقولهم أن النهي وارد على ما إذا كان يبول فقط لأنه ربما تتلوث يده بالبول و هذا بإعتبار المسك معقول المعنى ، وإذا كان لا يبول فإن هذا العضو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما هو بضعة منك ) عندما سُئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة هل عليه وضوء ؟ وإذا كان بضعة مني فلا فرق أن أمسه بيدي اليمنى أو اليسرى .

و قال ابن حزم بعدم المس مطلقا و هذا موافق لمذهبه لعدم عمله بالمفهوم لذلك هو يطلق المقيد في السبب فيعمل بالسبيبين لأنه ان عمل بالسبب المطلق فقد عمل بالسبب المقيد إلا أن في هذا الأمر إهدار للعلل و هذا يوافق ظاهرية ابن حزم.

و الله أعلم


بالنسبة لرواية شوال فهي ثابتة و هذا بعض من طرقها :


أولا طريق أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه :

رواه سعد بن سعيد بن قيس بن عمرو الأنصاري المدني أخو يحيى بن سعيد وعبد ربه بن سعيد عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي ، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه ، أنه حدثه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال ، كان كصيام الدهر " في صحيح مسلم و اللفظ له و في مواضع كثيرة في كتب السنة لن اذكرها لأنها مشهورة انما ساذكر المتابعات:

فتابع سعيدا :

صفوان بن سليم في سنن الترمذي و سنن ابي داود و سنن الدارمي و صحيح ابن حبان و السنن الكبرى للنسائي و مشكل الآثار للطحاوي و في مسند الحميدي و في مسند الشاشي و المعجم الكبير للطبراني و شعب الايامن للبيهقي .

يحيى بن سعيد : مسند الحميدي ، المعجم الكبير الطبراني ، مستخرج ابي عوانة

عبد ربه بن سعيد : رواه عنه شعبة في السنن الكبرى للنسائي و في مشكل الاثار للطحاوي و شعبة حافظ حجة

عثمان بن عمرو بن ساج القرشي : في السنن الكبرى للنسائي

زيد بن أسلم : مشكل الآثار الطحاوي

فكما ترى اخي الكريم تابع سعيدا خمس رواة منهم ثلاثة من افاضل الثقات و روى عن بعضهم شعبة بن الحجاج

و للحديث شواهد

الشواهد :

طريق جابر بن عبد الله رضي الله عنه :

من طريق سعيد ابن أبي أيوب ، حدثني عمرو بن جابر الحضرمي ، قال : سمعت جابر بن عبد الله الأنصاري ، يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من صام رمضان ، وستا من شوال ، فكأنما صام السنة كلها" مسند الامام احمد و مسند الحارث و مسند عبد بن حميد ، مشكل الآثار للطحاوي ، السنن الكبرى للبيهقي

تابعه : ابن لهيعة في مسند الامام احمد ، مشكل الآثار للطحاوي ، السنن الكبرى للبيهقي ،

بكر بن مضر معجم الطبراني ، مشكل الآثار للطحاوي ، السنن الكبرى للبيهقي

طريق ثوبان بن بجدد رضي الله عنه :

يحيى بن الحارث الذماري ، عن أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " من صام رمضان ، وستا من شوال ، فقد صام السنة " صحيح بن حبان و معجم ابن المقرئ و ال معجم الكبير الطبراني ، شعب الايمان البيهقي و سنن الدارمي و سنن ابن ماجة و السنن الكبرى النسائي ، مشكل الاثار الطحاوي.



اذن الحديث صحيح لا غبار عليه و هو في صحيح مسلم .

و الله أعلم

ثم أضفت : و أضيف لما سبق كلام الأصوليين :

قال صاحب المراقي :
كذا دليل للخطاب انضافا *** و دع إذا الساكت عنه خافا
أو جهل الحكم أو النطق انجلب *** للسؤل عنه أو جريا على الذي غلب
أو امتنان أو وفاق الواقع *** و الجهل و التأكيد عند السامع


قال في المرتقى :
و الأخذ بالمفهوم في المذاهب *** ممتنع إن يجري مجرى الغالب
كفي حجوركم كذا ما أشبها *** سبعين مرة مبالغا بها

قال القرافي في أنوار البروق في أنواع الفروق ( الفرق بين قاعدة المفهوم إذا خرج مخرج الغالب وبين ما إذا لم يخرج مخرج الغالب):


فإنه إن لم يخرج مخرج الغالب كان حجة عند القائلين بالمفهوم وإذا خرج مخرج الغالب لا يكون حجة
إجماعا وضابطه أن يكون الوصف الذي وقع به التقييد غالبا على تلك الحقيقة وموجودا معها في أكثر صورها فإذا لم يكن موجودا معها في أكثر صورها فهو المفهوم الذي هو حجة...
أن الوصف إذا خرج مخرج الغالب وكانت العادة شاهدة بثبوت ذلك الوصف لتلك الحقيقة يكون المتكلم مستغنيا عن ذكره للسامع بدليل أن العادة كافية في إفهام السامع ذلك فلو أخبره بثبوت ذلك الوصف لكان ذلك تحصيلا للحاصل... اهــ

أما بالنسبة للإسبال فعندي نظرة أخرى للمسألة تفسر اتجاه كبار المحقيق في تقييد الإسبال بالخيلاء:

الحكم الوضعي يشمل دائما حكما تكليفيا فهو حكم تكليفي وضعت له أسباب و شروط و موانع :

قال صاحب المراقي في تعريف الحكم :

كلام ربي إن تعلق بما * يصح فعلا للمكلف اعلما

من حيث إنه به مكلف * فذاك بالحكم لديهم يعرف

فالحكم هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف به.

بالنظر للتعريف نجد أن كل ما هو عقوبة أخروية و ما هو من أخبار حال الآخرة ليس داخلا في الحكم لأن من شروط اصدار الحكم عدم تأخيره عن وقت الحاجة و هذا ما يعرف بعدم تأخير البيان عن وقت الحاجة فلا بد أن يكون الحكم مستغرقا لكل بيان اللازم فعله عند قيام السبب و كل ما أخر من وصف الحكم ليس داخلا فيه فحكم السرقة قطع اليد لكن هل نضيف لذلك العقاب من سيئات و ما شابه ذلك ؟ لا لأن قطع اليد هو الحكم الكافي في المسألة أما الثواب و العقاب فهو و ان كان سببه السرقة إلا أن العبد ليس مكلفا بذلك فيجوز تأخير وصف العقاب عن الحكم.


هذه هي النكتة في مسألتنا أن الحكم في الإسبال ليس العقوبة إنما التحريم و العبد مكلف بالإقلاع عنه هذا الحكم هو ذاته الموجود في الدم المسفوح فالحكم هو التحريم لا العقوبة كما توهم الصنعاني رحمه الله و من تبعه في مسألة التفريق بين الحكمين في الاسبال فلا يكلف العبد بعقوبته في النار و لا يكلف بأن لا ينظر الله إليه لذلك كان اتجاه كبار الأصوليين كالإمام الشافعي و شيخ الإسلام ابن تيمية و الشوكاني في مثل هذه المسألة البسيطة هو التقييد فلا يعقل أن يغفل هؤلاء عن قاعدة بسيطة في المطلق و المقيد و أن لا ينتبهوا لاختلاف الحكمين بل الحكم واحد و ما أضيف إلى الحكم من عقوبة أخروية فليس بداخل في الحكم التكليفي و الدارس لكتب الأصوليين لا تجدهم يذكرون إلا الحكم التكليفي لا غير.

بل المتأمل في كلام الصحابة رضوان الله عليهم لا يجدهم يحتجون في هذه المسألة الا بنص واحد هو النص المقيد بالخيلاء مما يبين حملهم المطلق على المقيد في المسألة و يؤكد ذلك بيان العلة في الإسبال من رسول الله صلى الله عليه و سلم خير الأنام بقوله لأبي بكر الصديق رضي الله عنه "إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء"

و يؤكد ذلك حديث هبيب بن مغفل رضي الله عنه أنه رأى محمد بن علبة القرشي قام يجر إزاره ، فنظر إليه هبيب بن مغفل ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من وطئه خيلاء وطئه في النار. و الحديث صحيح في المسند

قال بن رجب في كتابه التخويف من النار : التاسع عشر في ذكر كسوة أهل النار ولباسهم فيها قال الله تعالى فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار [ الحج 19 ] وكان ابراهيم التيمي إذا تلا هذه الآية يقول سبحان من خلق من النار ثيابا وروينا من طريق يحيى بن معين حدثنا أبو عبيدة الحداد حدثنا عبد الله بن بحير عن عباس الجريري أحسبه عن ابن عباس قال يقطع للكافر ثياب من نار حتى ذكر القباء والقميص والكمة وخرج أبو داود وغيره من حديث المستورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من أكل برجل مسلم أكلة في الدنيا أطعمه الله مثلها في جهنم ومن كسى أو اكتسى برجل مسلم ثوبا كساه الله مثله في جهنم وفي مسند الإمام أحمد عن حبيب بن المغفل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من وطئ إزاره خيلاء وطئه في النار وهو يبين معنى ما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال ما تحت الكعبين من الإزار ففي النار أن المراد ما تحت الكعب من البدن والثوب معا وأنه يسحب ثوبه في النار كما يسحبه في الدنيا خيلاء اهــ

و الله أعلم

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-24 ||, 05:38 PM
قال القرافي في كتابه الفروق :

( الْفَرْقُ الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بَيْنَ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيِّ وَبَيْنَ قَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيَّةِ وَبَيْنَهُمَا فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالنَّفْيِ ) . اعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ أَطْلَقُوا فِي كُتُبِهِمْ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَحَكَوْا فِيهِ الْخِلَافَ مُطْلَقًا وَجَعَلُوا أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ يُفْضِي إلَى الْعَمَلِ بِالدَّلِيلَيْنِ دَلِيلِ الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَأَنَّ عَدَمَ الْحَمْلِ يُفْضِي إلَى إلْغَاءِ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى التَّقْيِيدِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالُوا عَلَى الْإِطْلَاقِ بَلْ هُمَا قَاعِدَتَانِ مُتَبَايِنَتَانِ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ إذَا قَالَ اعْتِقُوا رَقَبَةً ثُمَّ قَالَ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ رَقَبَةٌ مُؤْمِنَةٌ فَمَدْلُولُ قَوْلِهِ رَقَبَةٌ كُلِّيٌّ وَحَقِيقَةٌ مُشْتَرَكٌ فِيهَا بَيْنَ جَمِيعِ الرِّقَابِ وَتَصْدُقُ بِأَيِّ فَرْدٍ وَقَعَ مِنْهَا فَمَنْ أَعْتَقَ سَعِيدًا فَقَدْ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَوَفَّى مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ فَإِذَا أَعْتَقْنَا رَقَبَةً مُؤْمِنَةً فَقَدْ وَفَّيْنَا بِمُقْتَضَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ مَفْهُومُ الرَّقَبَةِ وَبِمُقْتَضَى التَّقْيِيدِ وَهُوَ وَصْفُ الْأَيْمَانِ فَكُنَّا جَامِعِينَ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَهَذَا كَلَامٌ حَقٌّ أَمَّا إذَا وَرَدَ أَمْرُ صَاحِبِ الشَّرْعِ بِإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ } ثُمَّ وَرَدَ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { فِي الْغَنَمِ السَّائِمَةِ الزَّكَاةُ } فَمَنْ قَصَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَمْلَ الْمُطْلَقِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ عَلَى هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَقَدْ فَاتَهُ الصَّوَابُ بِسَبَبِ أَنَّ الْحَمْلَ هُنَا يُوجِبُ أَنَّ الْمُقَيَّدَ خَصَّصَ الْمُطْلَقَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ جَمِيعَ الْأَغْنَامِ الْمَعْلُوفَةِ وَالْعُمُومُ يَتَقَاضَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا فَلَيْسَ جَامِعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ تَارِكًا لِمُقْتَضَى الْعُمُومِ وَحَامِلًا لَهُ عَلَى التَّخْصِيصِ مَعَ إمْكَانِ عَدَمِ التَّخْصِيصِ فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مَوْجُودًا هَهُنَا وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ دَلِيلِ الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَمَنْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِدُونِ مُوجِبِهِ وَدَلِيلِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ بَلْ هَذَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَا يُنَافِي الْكُلَّ أَوْ مِنْ قَاعِدَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ الْحَاصِلِ مِنْ قَيْدِ السَّوْمِ وَفِيهِ خِلَافٌ . أَمَّا أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَلَا لِأَنَّهُ كُلِّيَّةٌ وَلَفْظٌ عَامٌّ وَإِنَّمَا يَسْتَقِيمُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ فِي الْكُلِّيِّ الْمُطْلَقِ لَا فِي الْكُلِّيَّةِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْفَرْقِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ فِي كُتُبِ الْعُلَمَاءِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ صَاحِبَ الشَّرْعِ لَوْ قَالَ لَا تَعْتِقُوا رَقَبَةً ثُمَّ قَالَ لَا تَعْتِقُوا رَقَبَةً كَافِرَةً كَانَ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ لِأَنَّ النَّكِرَةَ فِي سِيَاقِ النَّهْيِ كَالنَّكِرَةِ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ تَعُمُّ فَيَكُونُ اللَّفْظُ الثَّانِي لَوْ حَمَلْنَا الْأَوَّلَ عَلَيْهِ مُخَصِّصًا لِلْأَوَّلِ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ الرِّقَابَ الْمُؤْمِنَةَ عَلَى امْتِنَاعِ الْعِتْقِ وَالْعُمُومُ يَتَقَاضَاهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ جَمْعٌ بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ الْتِزَامٌ لِلتَّخْصِيصِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَإِلْغَاءٌ لِلْعُمُومِ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ بِخِلَافِ هَذِهِ النَّكِرَةِ لَوْ كَانَتْ فِي سِيَاقِ الْأَمْرِ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ لَا تَكُونُ عَامَّةً بَلْ مُطْلَقَةً فَيَكُونُ حَمْلُهَا عَلَى نَصِّ التَّقْيِيدِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَظَهَرَ أَيْضًا الْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ فِي الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ نَصَّ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَا بِمُسْتَوِيَيْنِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ كَمَا بَيَّنْته لَك فَيَتَحَصَّلُ مِنْ هَذَا الْمَبْحَثِ أَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ إنَّمَا يُتَصَوَّرُ فِي كُلِّيٍّ دُونَ كُلِّيَّةٍ وَفِي مُطْلَقٍ دُونَ عُمُومٍ وَفِي الْأَمْرِ وَخَبَرِ الثُّبُوتِ دُونَ النَّهْيِ وَخَبَرِ النَّفْيِ لِأَنَّ خَبَرَ النَّفْيِ كَقَوْلِنَا لَيْسَ فِي الدَّارِ أَحَدٌ يَقَعُ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ النَّفْيِ فَيَعُمُّ فَيَئُولُ الْحَالُ إلَى الْكُلِّيَّةِ دُونَ الْكُلِّيِّ وَخَبَرُ الثُّبُوتِ هُوَ كَالْأَمْرِ نَحْوَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ فَإِنَّهُ مُطْلَقٌ كُلِّيٌّ لَا كُلِّيَّةٌ لِأَنَّ النَّكِرَةَ لَا تَعُمُّ فِي سِيَاقِ الثُّبُوتِ وَإِذَا تَقَرَّرَ الْفَرْقُ وَاتَّضَحَ الْحَقُّ فَهَاهُنَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ . ( الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ) الْحَنَفِيَّةُ لَا يَرَوْنَ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ يَقُولُ إنَّ الْحَنَفِيَّةَ تَرَكُوا أَصْلَهُمْ لَا لِمُوجِبٍ فِيمَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَوَرَدَ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } فَقَوْلُهُ { إحْدَاهُنَّ أُولَاهُنَّ } مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ أَوَّلًا وَلَمْ يَحْمِلُوا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُعَيِّنُوا الْأَوْلَى بَلْ أَبْقَوْا الْإِطْلَاقَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَكَانَ يُورَدُ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فَيَعْسُرُ عَلَيْهِمْ الْجَوَابُ عَنْهُ فَسَمِعْته يَوْمًا يُورِدُهُ فَقُلْت لَهُ هَذَا لَا يَلْزَمُهُمْ لِأَجْلِ قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَوَرَدَ الْمُطْلَقُ مُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَسَاقَطَا فَإِنْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ الْحَمْلَ عَلَى أَحَدِهِمَا تَرَجَّحَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَدَ الْمُطْلَقُ فِيهِ مُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَوَرَدَ أُولَاهُنَّ وَوَرَدَ أُخْرَاهُنَّ فَتَسَاقَطَا وَبَقِيَ إحْدَاهُنَّ عَلَى إطْلَاقِهِ فَلَمْ يُخَالِفْ الشَّافِعِيَّةُ أُصُولَهُمْ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُطْلَقِ وَلَا عَلَى قَيْدَيْهِ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى سَبْعٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابٍ , وَأَنَا مُتَعَجِّبٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ وُرُودِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . ( الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ) وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ } وَأَخَذَ الشَّافِعِيُّ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَوَرَدَ أَيْضًا نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَخَصَّصَ أَصْحَابُنَا الْمَنْعَ بِالطَّعَامِ خَاصَّةً وَجَوَّزُوا بَيْعَ غَيْرِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَاخْتَلَفَتْ مَدَارِكُهُمْ فِي ذَلِكَ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُحْمَلُ الْإِطْلَاقُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ عَلَى التَّقْيِيدِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْأَوَّلُ عَامٌّ وَالثَّانِي خَاصٌّ وَإِذَا تَعَارَضَ الْعَامُّ وَالْخَاصُّ قُدِّمَ الْخَاصُّ عَلَى الْعَامِّ فَلِأَنَّهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُطْلَقَ إنَّمَا يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْكُلِّيِّ دُونَ الْكُلِّيَّةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَامٌّ فَهُوَ كُلِّيَّةٌ فَلَا يَصِحُّ فِيهِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَأَمَّا الْمُدْرَكُ الثَّانِي فَهُوَ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ كَمَا تَقَرَّرَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ فَإِنَّهُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذِكْرِ الشَّيْءِ وَذِكْرِ بَعْضِهِ وَالطَّعَامُ هُوَ بَعْضُ مَا تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ الْأَوَّلُ فَلَا يَصِحُّ تَخْصِيصُهُ فِيهِ فَبَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةً عَلَيْنَا وَيَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ مَعَ الشَّافِعِيِّ . ( الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ) قَالَ مَالِكٌ مَنْ ارْتَدَّ حَبِطَ عَمَلُهُ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُحْبَطُ عَمَلُهُ إلَّا بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى { لَئِنْ أَشْرَكْت لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا وَتَمَسَّكَ بِهِ مَالِكٌ عَلَى إطْلَاقِهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ مُقَيَّدًا فِي قَوْله تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى { وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } فَيَجِبُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَلَا يَحْبَطُ الْعَمَلُ إلَّا بِالْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْآيَةَ الثَّانِيَةَ لَيْسَتْ مُقَيِّدَةً لِلْآيَةِ الْأُولَى لِأَنَّهَا رُتِّبَ فِيهَا مَشْرُوطَانِ وَهُمَا الْحُبُوطُ وَالْخُلُودُ عَلَى شَرْطَيْنِ وَهُمَا الرِّدَّةُ وَالْوَفَاةُ عَلَى الْكُفْرِ وَإِذَا رُتِّبَ مَشْرُوطَانِ عَلَى شَرْطَيْنِ أَمْكَنَ التَّوْزِيعُ فَيَكُونُ الْحُبُوطُ الْمُطْلَقُ الرِّدَّةَ وَالْخُلُودَ لِأَجْلِ الْوَفَاةِ عَلَى الْكُفْرِ فَيَبْقَى الْمُطْلَقُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرْطَيْنِ شَرْطٌ فِي الْإِحْبَاطِ فَلَيْسَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْمَبَاحِثِ سُؤَالًا وَجَوَابًا . ( الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ) وَرَدَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } وَوَرَدَ { وَتُرَابُهَا طَهُورًا } قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ فَيُحْمَلُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي فَلَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِغَيْرِ التُّرَابِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْأَوَّلَ عَامٌّ كُلِّيَّةً لَا يَصِحُّ فِيهِ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ إلَّا فِي الْكُلِّيِّ دُونَ الْكُلِّيَّةِ وَهُوَ أَيْضًا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَهُوَ أَيْضًا بَاطِلٌ فَأَصَابَ الشَّافِعِيُّ مِنْ الْإِشْكَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا أَصَابَ أَصْحَابُنَا فِي مَسْأَلَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ . } مُطْلَقٌ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ { وَالْمُدْرَكَانِ بَاطِلَانِ أَمَّا الْأَوَّلُ
اهــ

قلت بالنسبة لزكاة الغنم فالظاهر أن ما يقصده القرافي رحمه الله أن الألف و اللاف الداخلة على كلمة غنم قد تفيد الإطلاق و قد تفيد العموم ف "ال" تفيد العموم إن كانت جنسية و تفيد الاطلاق إن كانت ذهنية.

قال الشوكاني في إرشاد الفحول :

الفرع السابع : الألف واللام الحرفية لا الاسمية تفيد العموم إذا دخلت على الجمع ، سواء كان سالما أو مكسرا ، وسواء كان من جموع القلة أو الكثرة ، وكذا إذا دخلت على اسم الجمع ، كركب وصحب وقوم ورهط ، وكذا إذا دخلت على اسم الجنس .

وقد اختلف في اقتضائها للعموم إذا دخلت على هذه المذكورات على مذاهب ثلاثة .

الأول : أنه إذا كان هناك معهود حملت على العهد ، فإن لم يكن حملت على الاستغراق ، وإليه ذهب جمهور أهل العلم .

الثاني : أنها تحمل على الاستغراق ، إلا أن يقوم دليل على العهد .

الثالث : أنها تحمل عند فقد العهد على الجنس من غير استغراق ، وحكاه صاحب الميزان ، عن أبي علي الفارسي ، وأبي هاشم .

والراجح المذهب الأول ، وقال ابن الصباغ : هو إجماع الصحابة .

قال في المحصول مستدلا على هذا المذهب : لنا وجوه :

الأول : أن الأنصار لما طلبوا الإمامة احتج عليهم أبو بكر بقوله صلى الله عليه وآله وسلم الأئمة من قريش ، والأنصار سلموا تلك الحجة ، ولو لم يدل الجمع [ ص: 355 ] المعرف بلام الجنس على الاستغراق لما صحت تلك الدلالة ؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم الأئمة من قريش لو كان معناه بعض الأئمة من قريش لوجب أن لا ينافي وجود إمام من قوم آخرين .

قال : الوجه الثاني : أن هذا الجمع يؤكد بما يقتضي الاستغراق فوجب أن يفيد في أصله الاستغراق . أما أنه يؤكد فكقوله فسجد الملائكة كلهم أجمعون وأما أنه بعد التأكيد يقتضي الاستغراق فبالإجماع .

الوجه الثالث : الألف واللام إذا دخلا في الاسم صار بهم معرفة ، كما نقل عن أهل اللغة فيجب صرفه إلى ما به تحصل المعرفة ، وإنما تحصل المعرفة عند إطلاقه بالصرف إلى الكل ؛ لأنه معلوم للمخاطب ، فأما الصرف إلى ما دونه فإنه لا يفيد المعرفة ؛ لأن بعض المجموع ليس أولى من بعض فكان مجهولا .

قال : الوجه الرابع : أنه يصح استثناء أي واحد كان منه ( ذلك ) .

وذلك يفيد العموم على ما تقدم ، وممن حكى إجماع الصحابة على إفادة هذا التعريف للعموم ابن الهمام في التحرير ، وحكى أيضا إجماع أهل اللغة على صحة الاستثناء . قال الزركشي في البحر : وظاهر كلام الأصوليين أنها تحمل على الاستغراق لعموم فائدته ، ولدلالة اللفظ عليه ، ونقله ابن القشيري عن المعظم ، وصاحب الميزان عن أبي بكر السراج النحوي ، فقال : إذا تعارض جهة العهد والجنس يصرف إلى الجنس ، وهذا هو الذي أورده الماوردي والروياني في أول كتاب البيع ، قالا : لأن الجنس يدخل تحت العهد ، والعهد لا يدخل تحته الجنس .

وروي عن إمام الحرمين الجويني أنه مجمل ؛ لأن عمومه ليس من صيغته بل من قرينة نفي المعهود ، فتعين الجنس ؛ لأنه لا يخرج عنها ، وهو قول ابن القشيري .

قال إلكيا الهراس : إنه الصحيح ؛ لأن الألف واللام للتعريف ، وليست إحدى جهتي التعريف بأولى من الثانية فيكتسب اللفظ جهة الإجمال ؛ لاستوائه بالنسبة إليهما . انتهى .

[ ص: 356 ] والكلام في هذا البحث يطول جدا ، فقد تكلم فيه أهل الأصول ، وأهل النحو ، وأهل البيان ، بما هو معروف ، وليس المراد هنا إلا بيان ما هو الحق ، وتعيين الراجح من المرجوح ، ومن أمعن النظر وجود التأمل علم أن الحق الحمل على الاستغراق ، إلا أن يوجد هناك ما يقتضي العهد ، وهو ظاهر في تعريف الجنس .

وأما تعريف الجمع مطلقا واسم الجمع فكذلك أيضا ؛ لأن التعريف يهدم الجمعية ، ويصيرها للجنس ، وهذا يدفع ما قيل من أن استغراق المفرد أشمل . اهــ

فعلى هذا الحديث يراد به العموم و الخصوص حسب ما ذهب إليه القرافي فيكون ذكر السائمة من باب التنصيص و ذلك قول القرافي : فَمَنْ قَصَدَ فِي هَذَا الْمَقَامِ حَمْلَ الْمُطْلَقِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ عَلَى هَذَا الْقَيْدِ الَّذِي هُوَ الْغَنَمُ السَّائِمَةُ اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَقَدْ فَاتَهُ الصَّوَابُ بِسَبَبِ أَنَّ الْحَمْلَ هُنَا يُوجِبُ أَنَّ الْمُقَيَّدَ خَصَّصَ الْمُطْلَقَ وَأَخْرَجَ مِنْهُ جَمِيعَ الْأَغْنَامِ الْمَعْلُوفَةِ وَالْعُمُومُ يَتَقَاضَى وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيهَا فَلَيْسَ جَامِعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ بَلْ تَارِكًا لِمُقْتَضَى الْعُمُومِ وَحَامِلًا لَهُ عَلَى التَّخْصِيصِ مَعَ إمْكَانِ عَدَمِ التَّخْصِيصِ فَلَا يَكُونُ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ مَوْجُودًا هَهُنَا وَهُوَ الْجَمْعُ بَيْنَ دَلِيلِ الْإِطْلَاقِ وَدَلِيلِ التَّقْيِيدِ وَمَنْ أَثْبَتَ الْحُكْمَ بِدُونِ مُوجِبِهِ وَدَلِيلِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ بَلْ هَذَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ أُخْرَى وَهِيَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ بِذِكْرِ بَعْضِهِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْبَعْضَ لَا يُنَافِي الْكُلَّ أَوْ مِنْ قَاعِدَةِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَفْهُومِ الْحَاصِلِ مِنْ قَيْدِ السَّوْمِ وَفِيهِ خِلَافٌ . اهــ


المسألة الأولى : قال القرافي الْحَنَفِيَّةُ لَا يَرَوْنَ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ وَكَانَ قَاضِي الْقُضَاةِ صَدْرُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ يَقُولُ إنَّ الْحَنَفِيَّةَ تَرَكُوا أَصْلَهُمْ لَا لِمُوجِبٍ فِيمَا وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَوَرَدَ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } فَقَوْلُهُ { إحْدَاهُنَّ } مُطْلَقٌ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { أُولَاهُنَّ } مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهِ أَوَّلًا وَلَمْ يَحْمِلُوا الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَيُعَيِّنُوا الْأَوْلَى بَلْ أَبْقَوْا الْإِطْلَاقَ عَلَى إطْلَاقِهِ وَكَانَ يُورَدُ هَذَا السُّؤَالُ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ فَيَعْسُرُ عَلَيْهِمْ الْجَوَابُ عَنْهُ فَسَمِعْته يَوْمًا يُورِدُهُ فَقُلْت لَهُ هَذَا لَا يَلْزَمُهُمْ لِأَجْلِ قَاعِدَةٍ أُصُولِيَّةٍ مَذْكُورَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَهِيَ أَنَّا إذَا قُلْنَا بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَوَرَدَ الْمُطْلَقُ مُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا تَسَاقَطَا فَإِنْ اقْتَضَى الْقِيَاسُ الْحَمْلَ عَلَى أَحَدِهِمَا تَرَجَّحَ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ وَرَدَ الْمُطْلَقُ فِيهِ مُقَيَّدًا بِقَيْدَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فَوَرَدَ أُولَاهُنَّ وَوَرَدَ أُخْرَاهُنَّ فَتَسَاقَطَا وَبَقِيَ إحْدَاهُنَّ عَلَى إطْلَاقِهِ فَلَمْ يُخَالِفْ الشَّافِعِيَّةُ أُصُولَهُمْ وَأَمَّا أَصْحَابُنَا الْمَالِكِيَّةُ فَلَمْ يَعْرُجُوا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ الْمُطْلَقِ وَلَا عَلَى قَيْدَيْهِ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى سَبْعٍ مِنْ غَيْرِ تُرَابٍ ، وَأَنَا مُتَعَجِّبٌ مِنْ ذَلِكَ مَعَ وُرُودِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَ اهــ

قلت يبدو لأول وهلة أن القاعدة الأصولية حمل المطلق على المقيد هي ذاتها عند الجمهور لكن عند التحقيق نجد غير ذلك فقد اختلف الأصوليون في سبب حمل المطلق على المقيد فذهب الشافعي في الرسالة إلى أن سبب ذلك القياس لذلك قيد المطلق عند اختلاف الحكم و ذهب المالكية و الحنابلة إلى أن سبب ذلك هو اللغة و العمل بالنصين لذلك لم يقيدوا المطلق عند اختلاف الحكم أما الأحناف فلم يقيدوا المطلق سواء اتحد الحكم أو اختلف عند اختلاف السبب و كل هذا عند وجود قيد واحد أما إن وجد أكثر من قيد فقال الشوكاني في الإرشاد في شروط حمل المطلق على المقيد :

( الشرط الثاني ) : أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد ، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والوصية ، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها ، فهي شرط في الجميع ، وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله تعالى : من بعد وصية توصون بها أو دين وإطلاق الميراث فيما أطلق فيه ، فيكون ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية [ ص: 482 ] والدين ، فأما إذا كان المطلق دائرا بين قيدين متضادين نظر ، فإن كان السبب مختلفا لم يحمل إطلاقه على أحدهما إلا بدليل ، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى ، أو ما كان دليل الحكم عليه أقوى .

وممن ذكر هذا الشرط الأستاذ أبو منصور ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع والماوردي ، وحكى القاضي عبد الوهاب الاتفاق على اشتراطه . قال الزركشي وليس كذلك ، فقد حكى القفال الشاشي فيه خلافا لأصحابنا ولم يرجح شيئا . اهــ

و قال قال في المحصول : إذا أطلق الحكم في موضع ، وقيد مثله في موضعين بقيدين متضادين ؛ كيف يكون حكمه ؟

مثاله قضاء رمضان الوارد مطلقا في قوله سبحانه : فعدة من أيام أخر وصوم التمتع الوارد مقيدا بالتفريق في قوله : فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم وصوم كفارة الظهار الوارد مقيدا بالتتابع في قوله : فصيام شهرين متتابعين قال : فمن زعم أن المطلق يتقيد بالمقيد لفظا ترك المطلق هاهنا على إطلاقه ؛ لأنه ليس تقييده بأحدهما أولى من تقييده بالآخر ، ومن حمل المطلق على المقيد لقياس ، حمله هاهنا على ما كان القياس عليه أولى . انتهى .


قلت قد يقال كذلك أن الغسلة بالتراب من حديث الولوغ من باب الخاص و ليس من باب المقيد فعلى هذا يكون أولاهن بالتراب و أخراهن من باب التنصيص فتدخل في حكم احداهن بالتراب و هذا من باب ذكر بعض أفراد العام فلا يتعارض مع العام و الله أعلم

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-03-24 ||, 06:04 PM
فضيلة الشيخ الكريم عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن:
ليتك تختصر مشاركتك وتحررها بما يلتقي مع صلب الموضوع، ويبدو أن ما كتبته هو نتيجة نقاشات سابقة، أو تعليقات على بعض الكتب.
هذا حرصاً منا على لمّ الموضوع وإبقائه في إطار محدد، ومثل مشاركتك القيمة نحرص من خلالها الخروج بنتائج محررة.
ولك منا ومن حوار الخميس الفقهي الشكر والتقدير.

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-25 ||, 10:13 AM
المشاركة المشار عليها طويلة حقاً.. وليتها حررت مركزة ولو على أكثر من مشاركة
وشكر الله للأخ الشيخ عبد الحكيم مبادرته وجهده.

أذكر أن الشيخ أبا حازم الكاتب -عضو ملتقانا المبارك- كتب في هذا الموضوع، فحبذا لو وضع ما كتبه هنا.

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-25 ||, 11:33 AM
قال الشيخ عبد الله بن بيه في "أمالي الدلالات" ط1، دار المنهاج، ص 271:

"ولكن المطلق قد يتأرجح ويتردد بين مقيدين، فهل يحمل على هذا، أو يحمل على ذاك؟

مثال ذلك: التيمم، قال تعالى: (( فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ))
اليد تطلق على الكف، وعلى الكف والذراع، وعليهما والعضد.. فأين ينتهي مسح التيمم؟"

ثم ذكر آية الوضوء وآية حد السرقة، وذكر قول الإمام أحمد في اختيار إطلاقها على الكف، وقال: وحمله على أحد المقيدين يرجحه من الأدلة الخارجية الظهور اللغوي مع حديث عمار، وفيه: " وظاهر كفيه ووجهه "، والكف لا تطلق على الذراع.

ثم ذكر قول أبي حنيفة والشافعي في وجوب المسح في التيمم إلى المرفقين بدليل أحاديث ليست في الصحيح، ولقياس التيمم على الوضوء؛ لأن البدل على المبدل منه أولى، فحملوا الإطلاق في التيمم على المقيد في آية الوضوء.

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-25 ||, 01:33 PM
الأحوال ثلاثة:
أن يتحد حكم المطلق والمقيد، أو يختلف
فإن اتحد؛ فإما أن يتحد سببهما أو يختلف

الحال الأولى: أن يتحد الحكم والسبب
كقوله تعالى: ((حُرِّمَت عليكم الميْتة والدم ولحم الخنزير)) أطلق الدم، وقيده بالمسفوح في الأنعام.
الحكم واحد: التحريم، والسبب الذي بُنِي عليه الحكم واحد: وهو كونه دماً.

وكقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا نكاح إلا بولي )، أطلق الولي، وقيده بالرشد في حديث: ( لا نكاح إلا بولي مرشد ).
الحكم واحد: نفي النكاح بدونه، والسبب واحد: النكاح.

والجمهور مع الحنفية يتفقون على حمل المطلق على المقيد في هذه الحال، إلا أن جماعة -منهم الموفق ابن قدامة في الروضة وعبد المؤمن البغدادي الحنبلي في قواعد الأصول- نسبوا للحنفية أنهم يرون المقيِّد هنا ناسخاً للمطلق، فالفرق بين القولين دائر في الحكم على المطلق: أهو محكم أم منسوخ؟. وقيل: لا خلاف بينهم في هذه الحال.

الحال الثانية: أن يختلف السبب ويتحد الحكم
كقوله تعالى في كفارة الظهار: (( فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ))، وقوله في كفارة القتل: (( فتحرير رقبة مؤمنة ))
الحكم واحد: تحرير الرقبة، والسبب مختلف: ففي الأولى ظهارٌ، وفي الثانية قتلٌ.
وهذه الصورة محل خلاف.

قال في "قواعد الأصول": المنصوص: لا يحمَل، واختاره ابن شاقلا وهو قول أكثر الحنفية، خلافاً للقاضي والمالكية وبعض الشافعية.
قال الشارح (الشيخ عبد الله الفوزان): وقد نسب المصنف -كغيره من الحنابلة- إلى المالكية القول بحمل المطلق على المقيد. وقد ذكر القرافي المالكي وغيره أن أكثرهم لا يقولون بذلك. أهـ ثم استظهر عدم حمل المطلق على المقيد هنا.

ومثاله أيضاً: (( واستشهدوا شهيدين من رجالكم )) الآية، مع قوله تعالى: (( وأشهِدوا ذَوَي عَدل منكم )) في افتراق الزوجين.
فقيده في الثانية بكون الشاهدين عدلين.

الحال الثالثة: أن يختلف الحكم
وهنا صورتان؛ فإما أن يتحد السبب كما في التيمم حيث أطلقت الأيدي، مع آية الوضوء: (( وأيديكم إلى المرافق ))
الحكم مختلف كما ترى، ولكن السبب واحد: وهو القيام إلى الصلاة.

وإما أن يختلف السبب كذلك كما في آية حد السرقة حيث أطلقت الأيدي، مع آية الوضوء (( وأيديكم إلى المرافق ))

فهنا لا يحمل المطلق على المقيد في الصورتين، سواء اتحد السبب أو اختلف.

المشاركة كلها ملخصة من : "تيسير الوصول إلى قواعد الأصول" ج1، 331-341

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-25 ||, 02:12 PM
بارك الله في الإخوة الكرام و عذرا على المشاركة الطويلة ، سأحاول تلخيصها في نقاط في عدة مشاركات ان وجدت الوقت الكافي لذلك فللأسف ليس عندي لوحة مفاتيح عربية إنما أستعمل برنامجا في النت لتحويل الأحرف اللاتينية إلى عربية و ذلك يتطلب الكثير من الجهد فتحرير مشاركة واحدة يأخد مني ساعات.

رابط البرنامج للفائدة.

Clavier arabe en ligne LEXILOGOS >> (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)


سأتطرق في هذه المشاركة إلى النقاط التالية :

أ-أحوال المطلق و المقيد عند الفقهاء
ب- سبب التقييد



أ-أحوال المطلق و المقيد عند الفقهاء :

الذي نجده في أغلب كتب الأصول هو تقسيم أحوال المطلق و المقيد إلى أربعة أقسام لكن أفضل أن أقسمها لستة أقسام (إذا لم نتطرق للنهي و النفي ) لتوضيح الخلاف في الجانب التطبيقي في هذه القاعدة.

1- اختلاف السبب و اختلاف الحكم : في هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد
2- اختلاف السبب و اتحاد الحكم : يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور بخلاف الأحناف
3- اتحاد السبب و اختلاف الحكم : لا يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور و خالف الشافعي في ذلك
4- اتحاد السبب و اتحاد الحكم و هذه تنقسم إلى قسمين :
1.4- قيد في الحكم فيحمل المطلق على المقيد عند الجميع
2.4- قيد في السبب ، يحمل المطلق على المقيد عند الجمهور (و القاعدة ليست مطردة عند التطبيق لدى الفقهاء) و خالف ابن حزم فحمل المقيد على المطلق


لمعرفة سبب اختلاف الفقهاء في هذه القاعدة لابد من شرح سبب التقييد :

ب- سبب التقييد

اختلفت المذاهب في سبب تقييد المطلق فذهب الشافعي إلى أن حمل المطلق على المقيد من باب القياس لذلك قيد المطلق عند اختلاف الحكم قياسا و خالف الجمهور فجعلوه من باب اللفظ و اللغة و العمل بالدليلين فإذا كان القيد في الحكم فالعمل بالحكم المقيد يقتضي العمل بالحكم المطلق (أنظر الإحكام للآمدي ص 690) أما اذا كان القيد في السبب فالجمع بين النصين ممكن بحمل المطلق على بعض أفراده و لفهم ذلك لابد من ذكر الفرق بين المطلق و العام :

العام لفظ يشمل جميع أفراده ، اي من شرط العام الاستغراق بعكس المطلق فهو لفظ يصح إطلاقه على جميع افراد جنسه لكن إن إطلق على بعض افراد الجنس لم يصح إشتراك البعض الاخر معه في نفس اللفظ المقصود.

مثال ذلك إذا قال قائل لا تضرب الطفل فلفظ الطفل لفظ مطلق يصح إطلاقه على جميع الأطفال إلا انه ان اطلق على طفل بعينه فلا يصح إطلاقه على غيره فإن كان قصد القائل لا تضرب الطفل هو ضرب طفل بعينه فهذا اللفظ لا يمكن حمله على طفل آخر فمتى وُجِّه معنى اللفظ في المطلق لم يجز أن يشمل غيره معه.

و لو قال قائل لا تضرب طفلا فهم منه دخول جميع الاطفال في اللفظ لأنها نكرة بعد نهي فهي تفيد العموم فلو ضرب طفلا و ترك آخر لكان مخالفا للنهي بعكس قوله لا تضرب الطفل فإن ترك الطفل الذي امامه و ضرب طفلا آخر في زمن آخر فيصدق عليه أنه لم يضرب الطفل لأنه لم يضرب الطفل الذي أمامه و هو المقصود باللفظ .

من هنا يتبين الخلاف بين العام و الخاص و بين المطلق و المقيد فالتخصيص إخراج بعض أفراد العام من الحكم بعكس التقييد فحمل المطلق على المقيد إعمال للدليلين و ذلك لأنه لا تعارض بين مفهوم المقيد مع منطوق المطلق إذا أخد على عمومه لأن المطلق يصح إطلاقه على بعض الافراد فهو بدلي و يحُمل مفهوم القيد على البعض الآخر و ان كان يصح لكلا البعضين استعمال لفظ المطلق لكنهما لا يشتركان فيه في آن واحد في المعنى المقصود من المخاطب لأن اللفظ لا يحتمل معناه إشتراكا فلا يمكن للقائل أن يقول لك إمسك الطفل و يقصد به طفلين أمامك و ان كان يصح اطلاق الأمر على كل من الطفلين لكن لا يصح فهم مراد القائل على إمساكهما كليهما لأنه عنى طفلا واحدا لا إثنين فإذا حددنا المقصود من اللفظ بالطفل الأول خرج الطفل الثاني من هذا الأمر.

مثال ذلك قوله تعالى : (حرمت عليكم الميتتة والدم) و قوله تعالى (قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا )

فلفظ الدم في الآية الأولى مطلق يصح إطلاقه على بعض أفراد جنسه لذلك من ترك دما مسفوحا فقد ترك الدم و لفظ الدم يصح اطلاقه على الدم المسفوح فالتقييد هنا إعمال للدليلين.

مما سبق يتبين أن لمفهوم النص الدور الأول في تقييد المطلق عند وجود القيد في السبب و من هنا يظهر سبب خلاف الفقهاء عند تطبيق هذه القاعدة لذلك هي غير مطردة فدلالة المفهوم و سياق اللفظ و القرائن تؤثر في ذلك و سأشرح ذلك في مشاركة لاحقة إن شاء الله.

نستنبط من ذلك سبب خلاف ابن حزم في هذه القاعدة فهو يحمل المقيد على المطلق لعدم عمله بمفهوم النص و عمله بعموم النصوص ، قال ابن رشد في البداية :

والسبب الثاني إطلاق اسم الأرض في جواز التيمم بها في بعض روايات الحديث المشهور ، وتقييدها بالتراب في بعضها ، وهو قوله ء عليه الصلاة والسلام ء " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " فإن في بعض رواياته " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا " وفي بعضها " جعلت لي الأرض مسجدا وجعلت لي تربتها طهورا " وقد اختلف أهل الكلام الفقهي هل يقضى بالمطلق على المقيد أو بالمقيد على المطلق ؟ والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق وفيه نظر ، ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد ؛ لأن المطلق فيه زيادة معنى ، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق ، وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب ، ومن قضى بالمطلق على المقيد وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الأرض من أجزائها أجاز التيمم بالرمل والحصى . اهــ

أما خلاف الأحناف في عدم تقييد المطلق عند اتحاد الحكم و اختلاف السبب لإعتبارهم ذلك من باب النسخ ونسخ النص لا يكون بالقياس لذلك لا يقيد الأحناف إلا بدليل (أنظر الإحكام للآمدي ص 692).

و الله أعلم

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-25 ||, 04:40 PM
سأتطرق في هذه المشاركة إلى النقاط التالية :

أ- عدم حمل المطلق على المقيد لا يعني نفي تقييد المطلق بأدلة أخرى
ب- دور المفهوم في المطلق و المقيد

أ- عدم حمل المطلق على المقيد لا يعني نفي تقييد المطلق بأدلة أخرى : عند اختلاف الحكم يقال عدم حمل المطلق على المقيد أو عدم تطبيق القاعدة

قال الجمهور في حالة اختلاف الحكم بعدم حمل المطلق على المقيد , لابد أن تفهم هذه العبارة جيدا فالذي يقصده الأصوليون هو عدم تطبيق قاعدة المطلق و المقيد لا عدم التقييد مطلقا مثال ذلك التيمم و السرقة ففي هذه الحالة اختلف السبب و اختلف الحكم لكن عند النظر في الحكم الفقهي نجد في التيمم مسح الكفين و في السرقة قطع اليد إلى الكوعين فقيد الفقهاء القطع في السرقة إلى الكوعين لكن ليس بقاعدة المطلق و المقيد و إنما بأدلة أخرى.

فإختلاف الحكم لا يعني بالضرورة عدم التقييد بنص آخر و للإنتباه لحساسة هذه المسألة نأخد مثال الإسبال فالكثير ممن يدرس هذه المسألة يجد قولا لبعض الفقهاء باختلاف الحكم و على ذلك لا يحمل المطلق على المقيد فيجعل ذلك دليلا على وجود اسبالين احدهما مقيد و الآخر مطلق و لكل منهما حكمه.

في الحقيقة هذه القاعدة لا تعتبر دليلا في هذه المسألة فغاية ما يمكن قوله ان سلمنا بإختلاف الحكمين أن القاعدة لا تطبق لكن لا يعني ذلك أن لا يقيد المطلق بدليل آخر و من الأدلة التي تقيد المطلق قول رسول الله صلى الله عليه و سلم لأبي بكر الصديق رضي الله عنه "إنك لست ممن يفعل ذلك خيلاء" فالقاعدة أن الحكم يدور مع علته و العلة منطوقة في الحديث فتقيد الأحاديث المطلقة في الإسبال بهذا الحديث.

ب- دور المفهوم في المقيد و المطلق

لابد من التفريق بين القيد في الحكم و القيد في السبب فإن كان هناك شبه اتفاق بين الفقهاء ما عدا الأحناف في تقييد المطلق عند اتحاد الحكم فالأمر يختلف عند وجود القيد في السبب و ذلك أن القيد في السبب يترتب عنه مفهوم دلالته اخراج الأفراد الغير داخلة في القيد خارج الحكم ، هذه الدلالة منعدمة في قيود الحكم.

لتوضيح ذلك نزجع للمثال السابق في الإسبال :

يكون التقييد بإعمال مفهوم المخالفة فذكر قيد الخيلاء معتبر لكونه منطوقا و مثل هذا المفهوم يظهر جليا في حديث بن عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ بأذني هاتين ـ يقول: "من جر إزاره لا يريد بذلك إلا المخيلة، فإن الله لا ينظر إليه يوم القيامة". رواه مسلم.

قال ابن عبد البر: مفهومه أن الجر لغير الخيلاء لا يلحقه الوعيد؛ إلا أن جر القميص وغيره من الثياب مذموم على كل حال.

اذن في حالة وجود القيد في السبب يلعب مفهوم النص دورا مهما في تقييد المطلق، يلاحظ ذلك في اختلاف الفقهاء في مثل هذه النصوص

المثال الثاني : حديث "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه" و حديث "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول" فقد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على مذاهب :

فمنهم من جعله من باب الخاص و العام و منهم من جعله من باب المطلق و المقيد ثم اختلفوا كذلك في القيد هل هو معتبر أم غير معتبر و سبب الاختلاف مفهوم النص فمن غلب دليل الخطاب حمل المطلق على المقيد أو خصص العام و من جعل القيد خرج مخرج الغالب إما جعله من باب التنصيص أو جعله من باب قياس الأولى فلم يقيد المطلق.

وتفصيل ذلك أن حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه و هو يبول مفهوم المخالفة فيه يجوز لأحدكم أن يمسك ذكره بيمينه في حالة غير البول فعلى هذا يخصص حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه بمفهوم الحديث الآخر و هكذا يحمل المطلق على المقيد لمن جعله من باب المطلق لكن من قال من الفقهاء بعدم التقييد أو التخصيص قال ذلك لأنه إذا نهي عن مسه باليمين حال البول ، فالنهي عن مسه في غير حال البول من باب أولى ، فإذا نهي في الحال التي يحتاج فيها إلى مسه فالنهي في غيرها أولى و خلاصة قولهم أن القيد خرج مخرج الغالب أو أن الحديث من باب التنصيص فرد الآخرون بقولهم أن النهي وارد على ما إذا كان يبول فقط لأنه ربما تتلوث يده بالبول و هذا بإعتبار المسك معقول المعنى و الحكم يدور مع علته إلا أن هذه علة مستنبطة ، وإذا كان لا يبول فإن هذا العضو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنما هو بضعة منك ) عندما سُئل عن الرجل يمس ذكره في الصلاة هل عليه وضوء ؟ وإذا كان بضعة مني فلا فرق أن أمسه بيدي اليمنى أو اليسرى .

و قال ابن حزم بعدم المس مطلقا و هذا موافق لمذهبه لعدم عمله بمفهوم المخالفة لذلك هو يطلق المقيد في السبب فيعمل بالسببين لأنه ان عمل بالسبب المطلق فقد عمل بالسبب المقيد إلا أن في هذا الأمر إهدار لحكم الشريعة و هذا يوافق ظاهرية ابن حزم.

إذن تلعب القرائن دورا مهما في توجيه مفهوم النص عند وجود القيد في السبب و القاعدة الأصولية حمل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم و السبب لابد أن لا تؤخد على عمومها في هذه الحالة و الله أعلم.

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-25 ||, 04:58 PM
اضافة :

قال ابن دقيق العيد في قول النبي - صلى الله عليه وسلم ـ : "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول"23: "هذا يقتضي تقييد النهي بحالة البول"، وفي رواية أخرى: النهي عن مسِّه باليمين من غير تقييد، فمن الناس مَن أخذ بهذا المطلق، وقد يسبق إلى الفهم أن العام محمولٌ على الخاص، فيخص النهي بهذه الحالة وفيه بحث؛ لأنَّ هذا يتَّجه في باب الأمر والإثبات، فإنه لو جعلنا الحكم للمطلق والعام في صورة الإطلاق أو العموم كان فيه إخلال باللفظ الدالِّ على كل قيد، وقد تناوله الأمر وذلك غير جائز، وأمَّا في باب النهي، فإنَّا إذا جعلنا الحكم للمقيد، أخللنا بمقتضى اللفظ المطلق مع تناول النهي له، وذلك غير سائغ، وهذا كله بعد النظر في تقديم المفهوم على ظاهر العموم.
قال أبو زرعة: "قد يقال في هذا الحديث: إنَّه من مفهوم الموافقة؛ لأنه إذا نهى عن إمساكه حالة البول مع الاحتياج لذلك، ففي غير هذه الحالة مع عدم الاحتياج لإمساكه أوْلَى بالنهي، وقد يقال لا مفهوم له أصلاً؛ لأنَّه خرج مخرج الغالب.


المصدر : ط±ط³ط§ظ„ط© ط§ظ„ط¥ط³ظ„ط§ظ… آ» ط¨ط*ظˆط« ط£طµظˆظ„ظٹط© آ» ط§ظ„ظ…ط·ظ„ظ‚ ظˆط§ظ„ظ…ظ‚ظٹط¯ ظپظٹ ط§ظ„ط´ط±ظٹط¹ط©طŒ ظ…ظپظ‡ظˆظ…ظ‡ظ…ط§طŒ ظˆط*ظƒظ…ظ‡ظ…ط§طŒ ظˆط§ظ„ط¹ظ„ط§ظ‚ط© ط¨ظٹظ†ظ‡ظ…ط§ (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-25 ||, 06:42 PM
تطرقت فيما سبق إلى أحوال المطلق و المقيد ثم شرحت الخلاف القائم في حالة وجود القيد في السبب و خلاصة ما قلته في هذه الحالة أن للمفهوم دور في اعتبار القيد في السبب فإما أن يغلّب مفهوم المخالفة فيحمل المطلق على المقيد و إما أن يغلّب مفهوم الموافقة فيؤخد بالمطلق أو لا يعتبر المفهوم فلا يقيد المطلق و هذا يظهر في القيد الذي يخرج مخرج الغالب.

لإتمام ما قلت سابقا لابد من التعريج على شروط حمل المطلق على المقيد :

قال الشوكاني في إرشاد الفحول


اشترط القائلون بالجمل شروطا سبعة :

( الأول ) : أن يكون المقيد من باب الصفات ، مع ثبوت الذوات في الموضعين ، فأما في إثبات أصل الحكم ، من زيادة أو عدد فلا يحمل أحدهما على الآخر ، وهذا كإيجاب غسل الأعضاء الأربعة في الوضوء ، مع الاقتصار على عضوين في التيمم ، فإن الإجماع منعقد على أنه لا يحمل إطلاق التيمم على تقييد الوضوء ، حتى يلزم التيمم في الأربعة الأعضاء ، لما فيه من إثبات حكم لم يذكر ، وحمل المطلق على المقيد يختص بالصفات كما ذكرنا .

وممن ذكر هذا الشرط القفال الشاشي ، والشيخ أبو حامد الإسفراييني ، والماوردي والروياني ، ونقله الماوردي عن الأبهري من المالكية ، ونقل الماوردي أيضا عن ابن خيران من الشافعية : أن المطلق يحمل على المقيد في الذات ، وهو قول باطل .

( الشرط الثاني ) : أن لا يكون للمطلق إلا أصل واحد ، كاشتراط العدالة في الشهود على الرجعة والوصية ، وإطلاق الشهادة في البيوع وغيرها ، فهي شرط في الجميع ، وكذا تقييد ميراث الزوجين بقوله تعالى : من بعد وصية توصون بها أو دين وإطلاق الميراث فيما أطلق فيه ، فيكون ما أطلق من المواريث كلها بعد الوصية [ ص: 482 ] والدين ، فأما إذا كان المطلق دائرا بين قيدين متضادين نظر ، فإن كان السبب مختلفا لم يحمل إطلاقه على أحدهما إلا بدليل ، فيحمل على ما كان القياس عليه أولى ، أو ما كان دليل الحكم عليه أقوى .

وممن ذكر هذا الشرط الأستاذ أبو منصور ، والشيخ أبو إسحاق الشيرازي في اللمع والماوردي ، وحكى القاضي عبد الوهاب الاتفاق على اشتراطه . قال الزركشي وليس كذلك ، فقد حكى القفال الشاشي فيه خلافا لأصحابنا ولم يرجح شيئا .


( الشرط الثالث ) : أن يكون في باب الأوامر والإثبات ، أما في جانب النفي والنهي فلا ؛ فإنه يلزم منه الإخلال باللفظ المطلق مع تناول النفي والنهي ، وهو غير سائغ .

وممن ذكر هذا الشرط الآمدي ، وابن الحاجب ، وقالا : لا خلاف في العمل بمدلولهما والجمع بينهما ؛ لعدم التعذر ، فإذا قال لا تعتق مكاتبا ، لا تعتق مكاتبا كافرا ( لم يعتق مكاتبا كافرا ) ولا مسلما ، إذ لو أعتق واحدا منهما لم يعمل بهما ، وأما صاحب المحصول فسوى بين الأمر والنهي ورد عليه القرافي بمثل ما ذكره الآمدي ، وابن حاجب ، وأما الأصفهاني فتبع صاحب المحصول ، وقال حمل المطلق على المقيد لا يختص بالأمر والنهي ، بل يجري في جميع أقسام الكلام .

قال الزركشي : وقد يقال لا يتصور توارد المطلق والمقيد في جانب النفي والنهي ، وما ذكروه من المثال إنما هو من قبيل أفراد بعض مدلول العام ، وفيه ما تقدم من خلاف أبي ثور ، فلا وجه لذكره هاهنا انتهى .

والحق : عدم الحمل في النفي والنهي ، وممن اعتبر هذا الشرط ابن دقيق العيد ، وجعله أيضا شرطا في بناء العام على الخاص .


( الشرط الرابع ) : أن لا يكون في جانب الإباحة . قال ابن دقيق العيد إن المطلق لا يحمل على المقيد في جانب الإباحة إذ لا تعارض بينهما وفي المطلق زيادة قال الزركشي وفيه نظر .

( الشرط الخامس ) : أن لا يمكن الجمع بينهما إلا بالحمل ، فإن أمكن بغير إعمالهما [ ص: 483 ] فإنه أولى من تعطيل ما دل عليه أحدهما ، ذكره ابن الرفعة في المطلب .

( الشرط السادس ) : أن لا يكون المقيد ذكر معه قدر زائد يمكن أن يكون القيد لأجل ذلك القدر الزائد ، فلا يحمل المطلق على المقيد هاهنا قطعا .

( الشرط السابع ) : أن لا يقوم دليل يمنع من التقييد ، فإن قام دليل على ذلك فلا تقييد .

اهــ


ما قاله الشوكاني رحمه لله في الشرط الثالث فيه نظر لأن النفي و النهي منه ما يفيد العموم و منه ما لا يفيد ذلك مثال ذلك : (لا نكاح إلا بولي) و (لا نكاح إلا بولي مرشد) فهذا من باب الاطلاق و التقييد لأن من شروط العموم الإستغراق إلا أن الاستغراق هنا هو في النكاح لا في شرط النكاح و ذلك لأن اللفظ جاء بالحصر اي يبطل كل نكاح بدون ولي فالولي شرط أدنى لذلك فالعمل بالنصين يقتضي حمل المطلق على المقيد فمن نكح بولي مرشد نكح بولي و من نكح بولي فقط فهو لم ينكح بولي مرشد قطعا.

ليس كل نهي من باب العام فإذا قلنا لا تعتق المكاتب و قلنا لا تعتق المكاتب الكافر ، فلفظ المكاتب لا يدل قطعا على العموم لأنه قد تكون اللام لام العهد الذهني فمن أعتق مكاتبا مسلما فقد عمل بالنصين لأنه يطلق عليه أنه لم يعتق المكاتب و يصدق عليه أنه لم يعتق المكاتب الكافر.

المثال الذي ضربه الشوكاني دخل في العموم بأثر سياق اللفظ ، قال الشيخ الفوزان في شرحه على الورقات : الفارق بين العام والخاص والمطلق والمقيد
قد يصعب التفرقة بين العام والخاص والمطلق والمقيد؛ وذلك للتشابه بينهما، فالمطلق عام والمقيد خاص، لكن العام عمومه شمولي، والمطلق عمومه بدلي، والخاص خصوصيته لأفراده، والمقيد خصوصيته بدلية، ولهذا يقال في المطلق والمقيد أحيانًا إنه عام باعتبار أن عمومه بدلي لذا فإن من أهل العلم من يدخل المطلق والمقيد في العام والخاص باعتبار كون المطلق عامًّا بدليًّا كالجويني مثلاً في «الورقات»
وبالمثال يتضح الأمر في قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا المجادلة ، وقوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِه النساء
«فتحرير رقبة» مطلقًا وليس عامًّا ؛ لماذا؟ لأن رقبة نكرة، والنكرة عندما تكون في سياق النفي أو النهي أو الاستفهام أو الشرط فإنها تفيد العموم، لكن قوله تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ نكرة، لكن في سياق الإثبات، والنكرة في سياق الإثبات تكون مطلقة وليست عامة، فأكثر مواضع المطلق النكرة في سياق الإثبات
مثلاً إذا قلت الرجال، دخل في ذهنك كل الرجال، أو الرقاب، دخل في ذهنك كل الرقاب، أو الكتب دخل في ذهنك كل الكتب، وهكذا فهذا يفيد العموم
أما المطلق فإنه لا يكون الدخول فيه شموليًا كالعام ، ولكن يكون الدخول، دخول الأفراد تحت اللفظ بدليًّا، إما هذا أو هذا نعم هو عام لكن على سبيل البدل لا على سبيل الشمول، يعني مثلاً لو قلت اعتق الرقاب، فإن هذا يعني أن تعتقها جميعًا؛ لأن هذا عموم شمولي، لكن لو قلت اعتق رقبة، وعندك عشر رقاب من البشر، هذا سعيد، وهذا سعد، وهذا خالد، إلى آخره
فهو من حيث الأمر يشمل الجميع، لكن هل يشملها بأن أعتق العشر الرقاب، أو أنا مخير في واحد منها، أنا مخير في أي رقبة منها، فتحرير أي واحد، سعيد، خالد تكون بذلك قد امتثلت للأمر، فالعموم هنا في المطلق بدلي كما رأيت لكن في العام شمولي اهــ

فأثر سياق اللفظ هو الذي يبين دخول النص في العموم أو في الإطلاق لا مجرد النفي و النهي و الله أعلم

و يضاف لما سبق من الشروط أن يكون القيد معتبرا :


قال صاحب المراقي :
كذا دليل للخطاب انضافا *** و دع إذا الساكت عنه خافا
أو جهل الحكم أو النطق انجلب *** للسؤل عنه أو جريا على الذي غلب
أو امتنان أو وفاق الواقع *** و الجهل و التأكيد عند السامع



إذا خرج القيد مخرج الغالب لا يقيد المطلق و من علامات خروج القيد مخرج الغالب :

العادة والعرف: مثاله قوله تعالى في المحرمات من النكاح: "وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن"

ومنها الوضع و لغة العرب: مثاله قوله تعالى : "لاتاكلوا الربا اضعافا مضاعفة"

و منها صرف القيد بدليل آخر كحديث: " الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله" لان المجلود وغير المجلود في الحكم سواء، بدليل نص آخر وهو قوله تعالى: الزاني لا ينكح الا زانية او مشركة" و القيد هنا معقول المعنى.

و الله أعلم

طارق موسى محمد
10-03-25 ||, 09:02 PM
جزاكم الله خيرا

اسامه موسى سليمان
10-03-26 ||, 09:28 AM
بارك الله بطلبة العلم وحفظهم بحفظه جزاكم الله خيرا

د. أيمن علي صالح
10-03-27 ||, 01:12 PM
أشكر الإخوة جميعا على هذه المناقشات الطيبة، وما أراه هو أن هذا الموضوع موضوع دقيق للغاية وينبغي تحريره جيدا ، وهو ما قد يحوج الباحث إلى الخروج عن طريقة الطرح الأصولي المعتادة في كتب الأصول. وللوصول إلى تحرير مناسب في هذا الموضوع فإن لي الملاحظات الأربع الآتية؟
أولا: ما الفرق بين حمل المطلق على المقيد وحمل العام على الخاص؟ مع انتشار التمثيل بهما على السواء في هذا الباب عند الأصوليين متقدميهم والمتأخرين، كما في {حرمت عليكم الميتة والدم} و {إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا} مع أن "الدم" عام لا مطلق (اسم جنس) و"دما مسفوحا" أيضا عام مخصوص (نكرة في سياق النفي {قل لا أجد...الآية})، وكذا "في الغنم في أربعين شاة شاة" و"في سائمة الغنم زكاة"، فهذه الأمثلة المشهورة للمسألة وغيرها هي من قبيل حمل العام على الخاص لا المطلق على المقيد؟ فهل كان الأصوليون ـ سيما المتقدمين ـ لا يفرقون بين المطلق والعام والمقيد والخاص، بل يجرونهما مجرى واحدا؟ أم أن ما زعمه القرافي من تأثير الفرق بين الكلية والكلي في هذه المسألة صحيح؟ حيث إن حمل العام على الخاص الموافق له في الحكم يندرج في مسألة "إفراد بعض أفراد العام بالذكر" ـ والأكثرون على أن هذا ليس بمخصص خلافا لأبي ثور ـ ولا يصح التمثيل به على مسألة حمل المطلق والمقيد. وما أراه بادي الرأي في هذه المسألة أن حمل العام على الخاص والمطلق على المقيد كليهما سواء، وأما مسألة إفراد بعض أفراد العام بالذكر، فهي حيث كان إفراد الخاص بالذكر لا مفهوم له (مفهوم لقب أو قيد غير معتبر) كما في مسألة "أيما إهاب دبغ فقط طهر" وقوله في شاة ميمونة "دباغها طهورها" فلا يصح حمل العام في الحديث الأول على مأكول اللحم فقط استدلالا حديث ميمونة ـ كما نسب لأبي ثور ـ لأن ذكر الشاة في الحديث الثاني (الخاص) مفهوم لقب فلا منافاة بين النصيين، وهذا بخلاف مسألة "في الغنم في أربعين شاة شاة" و"في سائمة الغنم زكاة"، لأن قيد السائمة في الحديث الثاني له مفهوم يدل على نفي الزكاة عما عدا السائمة (مفهوم صفة) وهو يعارض عموم النص الأول فيخصصه. قال السبكي في رفع الحاجب (3 / 351):
إذا أفرد الشارع فردا من أفراد العام بالذكر ، وحكم عليه بما حكم على العام لم يخصصه ؛ ' خلافا لأبي ثور ، مثل ' ما في صحيح مسلم من قوله ( صلى الله عليه وسلم ) : ' أيما إهاب دبغ فقد طهر ' ، وقوله عليه السلام في شاة ميمونة : ' دباغها طهورها ' الشرح : ' لنا ' : أن المخصص لا بد أن يكون بينه وبين العام تعارض ، و ' لا تعارض 'بين الكل والبعض في الحكم إذا حكم عليهما بحكم واحد ، ' فليعمل بهما ' .وأبو ثور ومتابعوه ' قالوا ' : مفهوم تخصيص الفرد بالذكر كما في : ' دباغها طهورها 'نفى الحكم عن المخالف ، و ' المفهوم يخصص العموم ' .' قلنا ' إنما يخصص العموم من المفاهيم ما تقوم به الحجة ، فأما ' مفهوم اللقب 'كالشاة ، فإنه ' مردود ' كما سيأتي إن شاء الله تعالى .وأنا أقول : إن أبا ثور لا يستند إلى أن مفهوم اللقب حجة ؛ فإن غالب الظن أنه لايقول به ، ولو قال به لكان الظاهر أنه يحكى عنه ، فقد حكى عن الدقاق وهو دونه ، ولكنه يجعل ورود الخاص بعد تقدم العام قرينة في أن المراد بذلك العام هذا الخاص، ويجعل العام كالمطلق ، والخاص كالمقيد ، وليس ذلك قولا منه بمفهوم اللقب فافهمه أهـ

ثانيا: ما هو مأخذ القول بحمل المطلق على المقيد؟
هل هو مأخذ لغوي؟ أي أنه جرى سنن العرب في الكلام أن أحدهم إذا تكلم بالمطلق في موضوع ما ثم تكلم بالمقيد في موضوع آخر فإنه يجب حمل المطلق على المقيد؟ (وهذا ربما يعسر إثباته)
أم هو مأخذ عادي؟ لأن عادة الناس في كلامهم ذكر العام والمطلق قاصدين به الخاص والمقيد وإن غفلوا عن ذكر التخصيص والتقييد أحيانا
أم هو مأخذ قياسي؟ وحينئذ يشترط فيه توفر شروط إجراء القياس، سواء أكان قياس علة أو شبه
أم هو مأخذ حديثي؟ بسبب توقع نسيان أحد الرواة للقيد وذكر آخر له؟ وحينئذ فالأمر خاضع لمسألة زيادة الثقة عن المحدثين، وهذا خاص بأدلة السنة لا الكتاب.
أم هو مأخذ أصولي تأويلي؟ للجمع بين الدليلين المتعارضين بتأويل المطلق بالمقيد؟ حيث إن المفهوم المخالف للمقيد يعارض دليل الإطلاق، وكلاهما ظني والقول في تعارضهما كالقول في تخصيص العموم بالمفهوم.
والأمثلة التي يذكرها الأصولييون متنوعة: بعضها يندرج تحت المأخذ القياسي كمسألة الرقبة في كفارة الظهار وكفارة القتل، ومسألة غسل اليدين في الوضوء والتيمم. فالقول في هذه المسائل يتوقف على تحقق شروط القياس وهي أقيسة شبهية يصعب إثباتها. وبعضها يندرج تحت المأخذ الحديثي: كما في النهي عن الإمساك بالذكر في اليمين، ومسألة جعلت الأرض لي مسجدا وترابها طهورا" ومسألة إحداهن أو أخراهن أو أولاهن بالتراب، والقول في هذه المسائل يتوقف على الترجيح بين الروايات أو الكم باضطرابها أو قبول زيادة الثقة إذا تحققت شروط القبول. وهذه صناعة حديثية. وبعض الأمثلة مأخذه أصولي تأويلي؟ راجع إلى التوليف بين مدلول المفهوم المخالف للقيد ومقتضى الإطلاق أو العموم. ولا ينبغي هنا وضع قاعدة عامة بل لكل مسألة مذاق خاص تتوقف على قوة العموم والإطلاق وعلة الحكم الشامل لهما وطبيعة القيد في المقيد هل هو معتبر أم لا، وإذا كان معتبرا هل هو مخيل (مناسب بحيث يظهر من ورائه حكمة) أم لا، وغير ذلك من الاعتبارات، ويحسن التمثيل هنا بمسألة قيد السوم في الغنم لوجوب الزكاة فقيد السوم هو قيد مناسب لحكم الزكاة لأنه يتضمن معنى إعفاء المعلوفة من الزكاة لزيادة الكلفة وهذا أمر معقول.
ثالثا: تفصيل الحالات بذكر اتحاد السبب والحكم واختلافهما تفصيل غير مطرد في المسائل المندرجة وإنما انبثق خصوصا عن مسألة حمل المطلق على المقيد في مسألة كفارة القتل والظهار التي كثر جدل الحنفية والشافعية حولها. والسبب في كونه غير مطرد أنه لا يصلح إجراؤه في الأحكام المبتدأة التي لا تتوقف على أسباب، كتحريم جر الثوب خيلاء مثلا، وكذا في الأخبار التي لا تتضمن أحكاما أصلا، مع أن حمل المطلق على المقيد كما يمكن أن يكون في الإنشاءات ممكن أن يكون في الأخبار كقولك جاء الطلاب وقولك بعد ذلك جاء الطلاب المجتهدون، فيحمل العام من كلامك على الخاص، وليس ثمة سبب هنا ولا حكم. نعم يمكن أن تقول أن السبب هنا ليس هو السبب الأصولي، والحكم هنا هو الحكم اللغوي الذي هو أعم من الحكم التكليفي، لكن هذا فيه خروج عن الاصطلاح الشائع من غير حاجة داعية وهو غير محمود. والأولى من وجهة نظري أن نقول:
المطلق والمقيد إما أن يتحدا أفي موضوعهما أو يختلفا
فإذا اختلفا فلا حمل بالإجماع
وإذا اتحدا إما أن يتحدا من كل وجه كما في "حرمت عليكم الميتة والدم" و "دما مسفوحا" فيحمل المطلق على المقيد عند القائلين بالمفهوم
وأما أن يتحدا من وجه دون وجه كما في كفارة القتل والظهار واليدين في الوضوء والتيمم وغير ذلك فالأصل عدم الحمل إلا أن يكون بدليل خارجي كالقياس.
رابعا: في بحث هذه المسألة وغيرها الأولى من وجهة نظري استقراء المسائل التي قيل فيها بحمل المطلق على المقيد من كتب الفقه المقارن ثم وسبرها ثم تقسيمها ثم تشييد القواعد، وذلك حتى لا يكون البحث تنظيريا نجري فيه التقسيمات أولا ثم نؤصل القواعد بعد ذلك ثم نبحث عن الأمثلة.
د. أيمن صالح

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-03-27 ||, 03:33 PM
بارك الله فيك أخي الكريم الدكتور أيمن علي صالح فقد أجدت و أفدت







أشير إلى أنه لابد من استقراء نصوص الشريعة لفهم القواعد الأصولية و أن هذه القواعد ليست مطردة فلا تؤخذ بشكلها النظري كما أن هناك باب من أبواب أصول الفقه يحتاج دراسة مستفيضة و هو باب تداخل القواعد الأصولية و من قبيله تداخل القواعد المقاصدية ، و إن أسعفني الوقت أفتح موضوعا إن شاء الله في ذلك.






عندي بعض الإضافات في حال المطلق و المقيد في آيات تحريم الدم




الألف و اللام قد تفيد الجنس و قد تكون ذهنية فإن كانت تفيد الجنس دل اللفظ على العموم أما إن كانت ذهنية فلا تدل على العموم مثال ذلك :




لو قال لك قائل لا تقطع الأشجار فقد يفهم من هذا اللفظ العموم أي لا تقطع أي شجرة و قد يفهم من هذا اللفظ غير العموم أي لا تقطع الأشجار التي أمامك فتكون اللام في الجملة الأخيرة للعهد الذهني.



بالنسبة للمطلق فهو يختلف عن العموم في عدة نقاط

أولها أنه لا يوجد مطلق إلا إذا وجد مقيد فلا يمكن أن تقول لفظ الدم مطلق لوحده بل تقول لفظ الدم مطلق بالنسبة للفظ الدم المسفوح فالمطلق مطلق بالنسبة للمقيد بعكس العموم فهو لا يحتاج خاصا ليصبح عاما.

لذلك يعرف الأصوليون المطلق بقولهم " المطلق في اللغة الخالي من القيد " أو بقولهم : "المطلق هو اللفظ الدال علي مدلول شائع في جنسه، أو هو اللفظ الدال علي فرداً أو أفراد غير معينة، وبدون أي قيد لفظي مثل رجل، رجال، كتاب، وكتب" فيعرف المطلق عادة بمقارنته بالمقيد





الأمر الثاني أن العموم شمولي أما المطلق بدلي فالعموم يدخل فيه كل أفراد جنسه أما المطلق فيصح إطلاقه على كل أفراد جنسه أو بعض أفراد جنسه لكن إن قيد ببعض أفراد جنسه لم يصح إطلاقه على غير ذلك و أضرب على ذلك مثالا فلو قلت لك لا تقطع الشجرة . فالشجرة تصدق على أي شجرة فوق الأرض لكن إن حددتها بشجرة معينة فلا يمكن أن تقصد في ذهنك شجرة أخرى أي أن المطلق من باب المشترك فكل أفراد جنسه تشترك فيه لكن إن أطلق على بعضها لا يطلق على الآخر لذلك نقول بدلي.




لفظ الدم يمكن إطلاقه على أي دم كما يمكن إطلاقه على الدم المسفوح فإن قيدت الدم بالمسفوح فلا يمكن أن تقول أقصد غير المسفوح لأنك حددته بالمسفوح إذن الدم و الدم المسفوح العلاقة بينهما علاقة مطلق و مقيد لأن لفظ الدم يصلح إطلاقه على الدم المسفوح.




الأمر الثالث أن العموم و الخصوص بينهما تعارض أما المطلق و المقيد فلا تعارض بينهما مثال ذلك



الدم و الدم المسفوح فهذا مطلق و مقيد لا تعارض بينهما لأن الدم يصلح إطلاقه على الدم المسفوح فتقول المقصود بالدم الدم المسفوح




أما الميتة المحرمة و ميتة البحر الحلال بينهما تعارض فهذا من باب العموم و الخصوص إذن التخصيص يخرج بعض أفراد العام من حكم العام أما التقييد فيقصر الحكم على بعض أفراد الجنس الذي يصح عليها إطلاق لفظ المطلق فهو عمل باللفظين ففي الأول الحكم على العام يشمل الأفراد التي أخرجت منه بدليل أما في الثاني فالحكم لا يشمل الأفراد التي يصح عليه إطلاق الحكم لإطلاقه على غيرها في المقيد فهو عموم بدلي و الفارق بين المسألتين رفيع عند وجود القيد في السبب لذلك تجد أغلب المسائل من هذا القبيل يختلف فيها الفقهاء هل هي من العموم و الخصوص أم هي من باب المطلق و المقيد.





و للفائدة قال الشنقيطي رحمه الله صاحب أضواء البيان أن حمل المطلق على المقيد هو بالقياس و رجح ذلك ، يمكن الرجوع لكتاب سلالة الفوائد الأصولية المستل من أضواء البيان للشيخ السديس ففيه فوائد كثيرة في هذا الموضوع.




بالنسبة للمطلق و المقيد في الحديث فلابد من التفريق، إذا اتحد مخرج الحديث فهذا من باب زيادة الثقة




و ليس من باب المطلق و المقيد أما إذا اختلف مخرج الحديث فهذا من باب المطلق و المقيد



و الله أعلم