المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : وسط بين طرفين في (الخضاب بالسواد)



أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-27 ||, 10:16 PM
وهي مسألة اختلف فيها العلماء منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم؛ فمنهم من حرمه لغير المجاهدين، ومنهم من كرهه،ومنهم: من أباحه.

أولاً: لا شك أن المسألة خلافية، وأن الخلاف فيها معتبر؛ إذ صح عن عدد من الصحابة –رضي الله عنهم- أنهم خضبوا بالسواد، ولم ينقل الإنكار عليهم من أحد، منهم الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص وعروة بن الزبير وعقبة بن عامر وأبو سلمة. وهو مذهب أبي يوسف، وممن كان يختضب بالسواد ويقول به: محمد بن شهاب الزهري، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي، والحافظ ابن أبي عاصم، وابن الجوزي.

ثانياً: يخرج من الخلاف ما إذا كان المقصود بالصبغ به: التدليس والغش في بيع أو نكاح ونحوهما، فهذا لا ينبغي أن يختلف في تحريمه والمنع منه.

ثالثاً: أقوى ما ورد من أدلة القائلين بالنهي عن الخضاب بالسواد حديثان:
أولهما: حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِt قَالَ: أُتِىَ بِأَبِى قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ r : ( غَيِّرُوا هَذَا بِشَيء وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ ) رواه مسلم وغيره.
وأجاب المخالف بأن هذا الدليل يدخله الاحتمال من وجوه: فمن أهل العلم من رأى أن لفظة (واجتنبوا السواد) مدرجة بل شاذة أيضاً، بدليل أن زهير بن معاوية سأل أبا الزبير –الراوي عن جابر بن عبد الله- : أقال: "جنبوه السواد"؟ قال: لا.
ومن وجه آخر: أن هذا قد يقال بأنه واقعة عين، وقد يحمل على من كان في مثل حال أبي قحافة كبيراً قد اشتعل شعره شيباً مستبشعاً، وأن ذلك لإبعاده عن مظاهر التصابي التي لا يحسُن بمن كان في عمره التلبس بها.
وهذه احتمالات وجيهة كما لا يخفى، وللترجيح مقام غير هذا.
ثانيهما: عن ابن عباس t مرفوعاً: ( يكون قوم في آخر الزمان يخضبونبهذا السواد كحواصل الحَمَام، لا يريحون رائحة الجنة ).أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي.
فأخذ بهذا جمع من أهل العلم، حتى عده بعضهم من كبائر الذنوب كما قال الهيتمي وابن النحَّاس.
وأجاب المخالف بأن هذا الوعيد إنما هو على معصية تصدر من أولئك القوم الذين وصفهم رسول الله r بهذا الوصف، لا أنه وعيد مترتب على الخضاب بالسواد.

ومن أقوى أدلة القائلين بالترخيص في ذلك:
1- عموم حديث أبي هريرة t أن النبي r قال: ( إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم ) متفق عليه . واعتمدوا أن هذا العموم أقوى من دلالة النصوص السابقة في المسألة، فيجب تقديمه.
2- حديث أبي ذر t مرفوعاً: ( إن أحسن ما غيرتم به الشيب: الحناء والكتم ) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه.
وفي هذا دليل على جواز ذلك؛ إذ الصبغ بالحناء والكتم معاً يسوِّد الشعر.
3- ما ورد من آثار صحاح عن جمع من الصحابة أنهم خضبوا بالسواد، ولم ينقَل أن أحداً أنكر عليهم، بل ادعى بعضهم أنه لم يُعلَم في الصحابة قائل بالتحريم.
4- أن الخضاب بالسواد تحصل به مقاصد حسنة حثت عليها الشريعة، ومن ذلك ما جاء في حديث صُهَيْبِ الْخَيْرِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِr: (إِنَّ أَحْسَنَ مَا اخْتَضَبْتُمْ بِهِ لَهَذَا السَّوَادُ، أَرْغَبُ لِنِسَائِكُمْ فِيكُمْ، وَأَهْيَبُ لَكُمْ فِى صُدُورِ عَدُوِّكُمْ ). رواه ابن ماجه، وقال فيالزوائد: إسناده حسن.
والحق أنه ضعيف لا يثبت، ولكنَّ إيراده لما جاء فيه من ذكر منافع الخضاب بالسواد، ولا ريب أن إدامة الود بين الزوجين وإرهاب العدو أمران محمودان مرغب فيهما شرعاً.
وقد يجيب مخالفهم بأنه مأذون فيه للمجاهدين فخرج ذلك من محل النزاع، وأن الألفة لا يجوز تحقيقها بما جاء الخبر بمنعه، كمن يجيب إلى حلق لحيته بحجة ذلك. والله أعلم.

رابعاً: أن الوسط هنا في فقه خلاف هذه المسألة هو اعتبار الخلاف دون أن يكون هوى متبع أو تتبعٌ للرخص، ودون تعصب لمذهب أو قائل، مع النظر في الأدلة وكلام الأئمة دون تشنج، وبعدئذ؛ فلا المانعُ متشدد لمنعه، ولا المجيزُ متساهل لتجويزه. وبالله التوفيق.

أسامة أمير الحمصي
10-03-27 ||, 10:26 PM
جزاك الله خيراً,,,

رابعاً: أن الوسط هنا في هذه المسألة هو اعتبار الخلاف دون هوى متبع أو تتبع للرخص، ودون تعصب لمذهب أو قائل، مع النظر في الأدلة وكلام الأئمة دون تشنج، وبعدئذ؛ فلا المانعُ متشدد لمنعه، ولا المجيزُ متساهل لتجويزه. وبالله التوفيق.
ما معنى اعتبار الخلاف؟
و كيف بان ان هذا المذهب وسط؟
خاصة وان ما ذكرته من أدلة التحريم اقوى بكثير من ادلة الاباحة (اذ هي لا تخرج عن نص عام يدخله الخصوص, او قول صحابي يعارضه نص, او قياس يعارض نصاً)؟

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-27 ||, 10:37 PM
الوسط هنا في فقه الخلاف أخي الكريم
لا الوسط في الترجيح

أما الترجيح فلكل واحد من أهل الاجتهاد اختيار ما يقوى عنده، لكن دون اطراح القول الآخر والحط منه وادعاء أنه شاذ ونحو ذلك

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-27 ||, 10:41 PM
وهذا الموضوع ضمن سلسلة من الموضوعات
وهذا أولها لعل المراد يكون ظاهراً فيه : لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

أسامة أمير الحمصي
10-03-27 ||, 10:45 PM
الوسط هنا في فقه الخلاف أخي الكريم
لا الوسط في الترجيح

أما الترجيح فلكل واحد من أهل الاجتهاد اختيار ما يقوى عنده، لكن دون اطراح القول الآخر والحط منه وادعاء أنه شاذ ونحو ذلك
نعم فهمت بارك الله فيك , و انا سألت كيف يكون الوسط في مثل هذه المسألة هو ما ذكرت؟ مع ضعف الخلاف و الفرق الشاسع بين الادلة؟ و انما أسأل هذا السؤال بحثاً عن ضابط عام في هذه المسائل, فمتى نعتبر الخلاف معتبراً, و متى يجوز لنا ان نقول انه شاذ؟

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-03-27 ||, 10:57 PM
ليس الخلاف هنا ضعيفاً أخي
وهذا ما أريد بيانه بجلاء في هذه السلسلة

ولعلك تتبعها ليجاب -إن شاء الله- عن الأسئلة التي تدور بخلدك

أسامة أمير الحمصي
10-03-27 ||, 10:59 PM
متابع باذن الله
و ظنى انك لو شرحت وجه قوة الخلاف لكل مثال ستضربه و بينت وجه الوسطية في كون مثل هذا الخلاف معتبراً - مع بيان معنى كونه معتبرا - فان ذلك سيكون اكمل و ارجى لحصول المقصود من هذه السلسلة المباركة باذن الله

إبراهيم محمد عبد الله الحسني
10-03-27 ||, 11:19 PM
"قوم يخضبون بهذا السواد آخر الزمان كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة "
هذا الحديث الصحيح يجب أن يأخذ مكانه في هذه المسألة الفقهية ..
والتوجيه المذكور فيه لا يخفى ضعفه ، وبعده عن ظاهر اللفظ.
والله تعالى أعلم..

محمد بن فائد السعيدي
10-03-28 ||, 02:48 AM
"قوم يخضبون بهذا السواد آخر الزمان كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة "
هذا الحديث الصحيح يجب أن يأخذ مكانه في هذه المسألة الفقهية ..
والتوجيه المذكور فيه لا يخفى ضعفه ، وبعده عن ظاهر اللفظ.
والله تعالى أعلم..

أولاً: جزاك الله خيرا يا شيخ أبا بكر باجنيد على هذه السلسلة الرائعة...
أخي الكريم: تصحيح هذا الحديث ليس محل اتفاق بين أهل الحديث، فمنهم من ضعفه مثلاً مثل ابن الجوزي بل عده في الموضوعات وإن كان لم يوافقه جماعة من المحققين على هذا، وقال بهذا بناء على أن عبد الكريم هو ابن أبي المخارق وليس الجزري أبوسعيد الثقة، وابن أبي المخارق هذا مطعون فيه، قال عنه يحيى بن معين : (ليس بشيء) . وقال عنه أحمد بن حنبل : (ليس بشيء، يُشبه المتروك) . وقال الدارقطني عنه : (متروك) " وليس الجزري أبو سعيد الثقة.
وهناك من صححه لكن رجح وقفه نص على هذا الحافظ ابن حجر.
ثم أيضاً إن صح الحديث فإن الطائفة التي تجوز الخضاب بالسواد قالوا في درايته:
أن الوعيد الشديدالمذكور في هذا الحديث ليس على الخضب بالسواد بل على معصية أخرى لم تذكر كما قالالحافظ بن أبي عاصم.، وابن أبي عاصم له كتاب في هذا اسمه"ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم يكون قوم يخضبون في آخرالزمان بالسواد وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان وبعده منالصحابة والتابعين وغيرهم رضي الله عنهم فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضببالسواد إذا لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله في آخر الزمان فائدةفالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح.
وذكروا وجها آخر أيضاً: وهو أن المرادبالخضب بالسواد في هذا الحديث الخضب به لغرض التلبيس والخداع لا مطلقا جمعاً بينالأحاديث المختلفة، وإذا كان لهذا فهو حرام بالاتفاق، وإلى ذلك ذهب أبو جعفر الطحاوي في "شرح مشكل الآثار"،قال:
(وبذلك عقلنا أن الكراهة إنما كانت لذلك لأنه أفعال قوم مذمومين لالأنه في نفسه حرام وقد خضب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسواد. منهمعقبة بن عامر كما حدثنا يونس قال أخبرني يوسف بن عمرو بن يزيد عن ابن لهيعة عن أبيعشانة قال: كان عقبة بن عامر يخضب بالسواد ويقول: نسود أعلاها وتأبى أصولها . ولاخير في الأعلى إذا فسد الأصل)
وعلى كلٍ –يا أخي الكريم-يبقى الخلاف قائماً، ولو كان النص الذي أوردته يرفعه لرفع من قديم، والذين فعلوه جماعة من الأصحاب فإنه يُروى عن عمر وعثمان وعلي وسعد بن أبي وقاص وغيرهم،وجوزه جملة من السلف.
قال الإمام القرطبي رحمه الله في : ((المُفْهِم)): " بل قد رُوي عن جماعة كثيرة من السلف أنهم كانوا يَصْبغون بالسواد " ا.هـ
وقال ابن القيم رحمه الله في ((زاد المعاد)) : "صَحّ عن الحسن والحسين رضي الله عنهما أنهما كانا يخضبان بالسواد . ذكر ذلك عنهما ابن جرير في كتاب : ((تهذيب الآثار)) ، وذكره عن عثمان بن عفان ، وعبد الله بن جعفر ، وسعد بن أبي وقاص ، وعقبة بن عامر ، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله ، وعمرو بن العاص . وحكاه عن جماعة من التابعين ، منهم : عمرو بن عثمان وعلي بن عبد الله بن عباس ، وأبو سلمة بن عبد الرحمن ، وعبد الرحمن بن الأسود ، وموسى بن طلحة ، والزهري ، وأيوب، وإسماعيل بن معدي كرب . وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دثار ، ويزيد ، وابن جريج ، وأبي يوسف ، وأبي إسحاق ، وابن أبي ليلى ، وزياد بن علاقة ، وغيلان بن جامع ، ونافع بن جبير ، وعمرو بن علي المقدمي ، والقاسم بن سلام " ا.هـ .
ومن أحسن من بحث هذه المسألة وجمع أطرافها، في دراسة دراسة حديثية فقهية متعمقة، الشيخ خليل بن عثمان الجبور السبيعي في كتاب له اسمه"صبغ اللحية بالسواد بين المانعين والمجيزين عرض ونقد على منهج المحدثين"، راجعه فإنه أحسن الموجود في هذا الموضوع بحسب رأيي، والله أعلم.

سلمان بن ناصر بن فضل
18-08-07 ||, 08:23 PM
ثم أيضاً إن صح الحديث فإن الطائفة التي تجوز الخضاب بالسواد قالوا في درايته:
أن الوعيد الشديدالمذكور في هذا الحديث ليس على الخضب بالسواد بل على معصية أخرى لم تذكر كما قالالحافظ بن أبي عاصم
وممن قال بمثل ذلك في تفسير الحديث الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار، بل ومن اللطيف أن هذا الحديث دليله على أن المنع للكراهة؛ لما فيه من مشابهة قوم مذمومين.

بالنسبة للحكم، فلا شك عندي أن الخلاف في حكمه معتبر في الجملة، إلا القول بأنه من الكبائر، فهذا ينبغي أن يكون قولا شاذا، إذ عامة الكبائر أمور تترتب عليها مفاسد كبيرة، فكيف بأمر جمهور العلماء على كراهته، فيتعين تأويل الخبر. ثم القول بأنه من الكبائر متأخر النشأة، نص الهيتمي في الزواجر على أنه لم ير أحدا سبقه إلى عدّه من الكبائر.

عيد نهار خلف
19-05-19 ||, 05:28 AM
أعجب ممن يقول أن الخلاف فيه قوي من جهة قوة الادلة !
قد ورد على احاديث النهي ماورد ثم يقال الخلاف قوي
فكيف اذا صبغ بعض الصحابة بالسواد وبعض التابعين بل حسبما اذكر قال مالك لم اسمع باحد منعه