المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : في رحاب المقاصد والمصالح .. خواطر أصولية !



يحيى رضا جاد
10-05-17 ||, 01:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم




1- المقاصد هي «الأهداف التي شرعت الأحكام لتحقيقها، وهي المصالح التي تعود على العباد في دنياهم وأخراهم، سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أم عن طريق دفع المضار» (1) .. و(دفع المضار) من جملة (جلب المنافع) كما لا يخفى .. ومن ثم، فالتشريع كله قائم على (جلب المنافع) في التحليل الأخير.


2- ومصطلح (المقاصد) يتضمن ثلاث دلالات أساسية يفيدها فعل "قصد" في معناه المعجمي؛ إذ يتضمن معنى (الفائدة والمعقولية)؛ لأنه ضد (اللغو) .. كما يفيد معنى (العمد) الذي يضاده (السهو) .. ويحمل معنى (الحكمة) التي تنافي (اللهو والعبث).

وقد اجتهد العلامة الفيلسوف الدكتور طه عبد الرحمن اجتهاداً موفقاً للغاية في كشف هذه المعاني الثلاثة من مفهوم المقاصد، فانتهى إلى ما حاصله :

أ- المعنى الأول يَستَعْمِل الفعل قصد بمعنى ضد الفعل "لغا" "يلغو". ولما كان اللغو هو الخلو من الفائدة أو صدق الدلالة فإن المقصد يكون على عكس ذلك "هو معقول الفائدة أو معقول الدلالة"، وهذا المضمون الدلالي يعود إلى الفصل الذي وضعه الشاطبي تحت عنوان "مقاصد وضع الشريعة للإفهام"، وقد ناقش فيه قضيتين أساسيتين حاول فيهما إثبات صفة العربية والأمية للشريعة الإسلامية.

ب- والمعنى الثاني يستعمل الفعل "قصد" أيضا بمعنى ضد فعل "سها" "يسهو". ولما كان السهو هو فقدان التوجه أو الوقوع في النسيان، فان المقصد يكون على خلاف ذلك، وهو حصول التوجه والخروج من النسيان. وهو ما تعكسه - عند الشاطبي في موافقاته- "مقاصد وضع الشريعة للامتثال" و"مقاصد المكلف".

ج- وفي المعنى الثالث يستعمل فعل "قصد" ضد الفعل "لها " "يلهو"، ولما كان اللهو هو خلو من الغرض الصحيح و فقدان الباعث المشروع، فإن المقصد يكون على العكس من ذلك، وهو حصول الغرض الصحيح وقيام الباعث المشروع .. وهو ما تناوله الشاطبي في فصل "مقاصد وضع الشريعة ابتداء. (2)





3- ولأستطرد قليلاً بعيداً عن رحاب مصطلح المقاصد - جمعاً لشتات بعض خواطري الأصولية- وإن كنتُ سأدور في فلك المقاصد أيضاً .. فأقول :

أ- للمقاصد أهمية كبرى في الاجتهاد؛ في فهم نصوص الشارع ودلالاتها .. وفي الترجيح بين الأدلة عند تعارض ظواهرها .. وفي الكشف عن العلة / المصلحة / الحكمة المتغياة من النصوص .. وفي الدوران مع المصلحة الشرعية في الوقائع المستحدثة التي لم يرد فيها نص .. وفي تأمل الحِكَم الخاصة بالأحكام التعبدية الصرفة. (3)

والمصلحة - في تعريف جامع مانع لها- هي : " المحافظة على مقصود الشارع؛ ومقصود الشارع من الخلق أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم وعرضهم وأمنهم وحقوقاهم وحرياتهم، وإقامة العدل والتكافل في أمة نموذجية، وكل ما ييسر عليهم حياتهم، ويرفع الحرج عنهم، ويتمم لهم مكارم الأخلاق، ويهديهم إلى التي هي أقوم في الآداب والأعراف والنظم والمعاملات ".

فالمصلحة إذاً هي المحافظة على مقاصد الشارع ولو خالفت مقاصد الناس، فإن الأخيرة عند مخالفتها للأولى ليست في الواقع مصالح، بل هي أهواء وشهوات زينتها النفس، وألبستها العادات والتقاليد ثوب المصالح. (4)

ب- المقصد العام من التشريع - بل المقصد الأعلى للشريعة فيما أرى- هو «إنشاء أمة ممثلة لمقتضيات الإيمان، قادرة على الحضور الذي يمكن من الشهادة ويقيم الحجة ويبعث على الاحترام ويغري بالإقتداء، أمة قادرة على عمارة الأرض وتسخير الكون لتكون الحياة على الأرض طيبة لا عسر فيها ولا ضنك، تحكمها الرحمة والتخفيف والسماحة، وتتوجه إلى البناء والعمران والتواصل والتعارف» (5)

ج- إذن : المقاصد أمر مركزي في التشريع الإسلامي .. ولذلك فمراعاتها واجبة في الفتوى والقضاء والتعليم بل وفي كل شأن من شئون الأمة عاماً كان أو خاصاً .. ولذلك قال الإمام العز بن عبد السلام : "قاعدة: كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل" (6) .. ولذلك أيضاً قال الشاطبي: "إن عمل المكلف إذا خالف قصد الشارع من التشريع يعتبر عمله باطلاً فلا يقبل ولا يثاب عليه" (7) .

د- للشاطبي إشارة موفقة - تابعه عليها (لصحتها ومعقوليتها) كل من أتى بعده- في موضوع التقسيم الثلاثي (الضروري-الحاجي-التحسيني) إذ يقول :

القاعدة الأولى: أن الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي.
القاعدة الثانية: أن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقين بإطلاق.
القاعدة الثالثة: أنه لا يلزم من اختلال الباقين اختلال الضروري.
القاعدة الرابعة: أنه قد يلزم لاختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي اختلال الضروري بوجه ما.
القاعدة الخامسة: أنه ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري (8)


والله أعلم


************************* *****

المصادر والمراجع:

1- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، الدكتور يوسف حامد العالم (رحمه الله)، ص 79، ط 2، 1994م، الرياض، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي

2- انظر: تجديد المنهج في تقويم التراث، طه عبد الرحمن، ص 98، ط1، 1991م، دار الكتب العلمية - بيروت

3- مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص 15، 1978م، الشركة التونسية للتوزيع.

4- انظر: المستصفى، أبو حامد الغزالي، 2/478-485، تحقيق د. حمزة زهير حافظ . السياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، د/ يوسف القرضاوي، ص92، ط 1، 1998م، مكتبة وهبة.

5- حوار في المقاصد - تعريفات، رياض أدهمي، مجلة الرشاد، العدد (3)، صيف 1996م.
وانظر : مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور، ص 15، 1978م، الشركة التونسية للتوزيع.

6- قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، 2/ 143، 1986م، ط الكليات الأزهرية

7- الموافقات، الشاطبي، 2 / 333 وما بعدها، دار الكتب العلمية - بيروت

8- الموافقات، الشاطبي، 2/ 4، دار الكتب العلمية - بيروت

يحيى رضا جاد
10-05-17 ||, 11:55 AM
للرفع والتذكير

يحيى رضا جاد
10-05-17 ||, 07:20 PM
1- المقاصد هي «الأهداف التي شرعت الأحكام لتحقيقها، وهي المصالح التي تعود على العباد في دنياهم وأخراهم، سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع أم عن طريق دفع المضار» (1)


المصادر والمراجع:
1- المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، الدكتور يوسف حامد العالم (رحمه الله)، ص 79، ط 2، 1994م، الرياض، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي




ويمكن تعريف مقاصد الشريعة بأنها : « الغايات التى تهدف إليها النصوص من الأوامر والنواهى والإباحات، وتسعى الأحكام الجزئية إلى تحقيقها فى حياة المكلَّفين، أفرادًا وأسرًا وجماعات وأمة» [القرضاوي]

وهذا أدق .. والله أعلم

يحيى رضا جاد
10-05-17 ||, 07:53 PM
ومما يندرج تحت عنوان موضوعي هذا (في رحاب المقاصد والمصالح .. خواطر أصولية !) هذه الأبيات الجميلة للعلامة ابن بية؛ إذ يقول :

عُقُودُ المُسلِمينَ بدَارِ غَربٍ === تَجَاذَبَها المَقَاصِدُ والفُرُوعُ

ومِيزَانُ الفَقِيه يَجُورُ طَوراً === إلى طَرَفِ فَيُفْرِطُ أو يُضِيعُ

فَفِي الجُزْئِيِّ ضِيقُ وانْحِصَارُ === وفي الكُلِيِّ مُنْفَسَحُ وَسِيعُ

ونُورُ الحَقِ مَصْلَحَةُ تُوازَى === بِجُزئيِّ النُصُوصِ لَه سُطُوعُ

مَآلاتُ الأُمُورِ لَهَا اعتِبَارُ === وحَاجِيُّ الضَرُورةِ قَدْ يُطِيعُ

فَزِنْ هذَا بذَاكَ وذَا بِهذَا يَكُنْ === في القَيسِ مَنْهَجُك البَدِيعُ

"فِإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أمراً فَدَعْهُ وجَا === وزهُ إلى مَا تَسْتَطِيعُ"

يحيى رضا جاد
10-05-17 ||, 08:03 PM
من جميل أقوال الشاطبي قوله : "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعة ربما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوى أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية .. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغبّ جار على مقاصد الشريعة".

وبرهان ذلك :

1- قوله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من الله فيسبوا الله عدواً بغير علم"

2- وقول رسولنا الأكرم : "لولا أن قومك حديثو عهد بشرك ، لهدمت الكعبة . فألزقتها بالأرض . وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا . وزدت فيها ستة أذرع من الحجر . فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" [أخرجه مسلم] .. فها قد ترك رسولنا الأكرم بناء البيت على قواعد إبراهيم لحدثان عهد القوم بالكفر؛ لئلا يُفتنون.

3- وقوله (ص) في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين المشهود عليهم بالكفر : "دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" [أخرجه البخاري] . فها قد ترك رسولنا الأكرم قتل أهل النفاق المشهود عليهم بالكفر لما في ذلك من تنفير الناس من الإسلام؛ إذ لم يفارق هؤلاء (الجامع السياسي) لدولة النبي (ص) وإن فارقوه في (الجامع العقدي). [وتفصيل الكلام في هذا الأمر له مقام آخر إن شاء الله]

يحيى رضا جاد
10-05-17 ||, 08:24 PM
يقول العلامة ابن بية - بتصرف قليل مني [ يحيى] - : التسهيل غير التساهل .. التسهيل مطلوب ومرغوب لانبنائه على (مقصد التيسير) .. أما التساهل فمبني على (اتباع الهوى)

مولاي أحمد بن محمد بن إبراهيم أمناي
10-05-17 ||, 08:39 PM
ومما يندرج تحت عنوان موضوعي هذا (في رحاب المقاصد والمصالح .. خواطر أصولية !) هذه الأبيات الجميلة للعلامة ابن بية؛ إذ يقول :


عُقُودُ المُسلِمينَ بدَارِ غَربٍ === تَجَاذَبَها المَقَاصِدُ والفُرُوعُ


ومِيزَانُ الفَقِيه يَجُورُ طَوراً === إلى طَرَفِ فَيُفْرِطُ أو يُضِيعُ


فَفِي الجُزْئِيِّ ضِيقُ وانْحِصَارُ === وفي الكُلِيِّ مُنْفَسَحُ وَسِيعُ


ونُورُ الحَقِ مَصْلَحَةُ تُوازَى === بِجُزئيِّ النُصُوصِ لَه سُطُوعُ


مَآلاتُ الأُمُورِ لَهَا اعتِبَارُ === وحَاجِيُّ الضَرُورةِ قَدْ يُطِيعُ


فَزِنْ هذَا بذَاكَ وذَا بِهذَا يَكُنْ === في القَيسِ مَنْهَجُك البَدِيعُ


"فِإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أمراً فَدَعْهُ وجَا === وزهُ إلى مَا تَسْتَطِيعُ"



فزن هذا بذاك وذا بهذا *** يكن في القيس منهجك البديع
فإن لم تستطع شيئا فدعه *** وجاوزه إلى ما تستطيع.
هذا تصليح للبيت والله أعلم.
وبيني وبين العروض مدة.

يحيى رضا جاد
10-05-17 ||, 08:51 PM
جاء في محاضرة أستاذنا الجليل الدكتور أحمد الريسوني وعنوانها (المقاصد الشرعية .. والإمام الشاطبي) ما يلي - أحببتُ إثبات كلامه لتعميم ما فيه من فوائد - :


خامسا: جمال الدين عطية وتفعيل المقاصد


أنتقل إلى نموذج آخر من المعاصرين الأحياء، ممن لهم جهود مقدرة ومفيدة في مجالنا... وهو الدكتور جمال الدين عطية. وقد صدر له منذ سنوات كتاب سماه "نحو تفعيل مقاصد الشريعة ". وفيه آراء وإضافات على هذا الطريق...

قسم المؤلف كتابه إلى ثلاثة فصول:


الفصل الأول: خصصه لما سماه قضايا محورية، وهي قضايا كُتب فيها الكثير، لكنه يلخصها ويبدي ما له من آراء وإضافات فيها، مثل قضية الضروريات الخمس وترتيبها، وحصرها أوالزيادة عليها..، ومثل طرق الكشف عن مقاصد الشريعة حيث ناقش بصفة خاصة دور العقل والفطرة في الاهتداء إلى مقاصد الشريعة والدلالة عليها...


الفصل الثاني: خصصه لإعادة ترتيب مجمل مقاصد الشريعة. نحن ذكرنا من قبل تقسيمات وترتيبات للعلماء: الكليات والجزئيات، العامة والخاصة، المقاصد العالية، كما سماها ابن عاشور. كما ذكرنا تقسيم الشاطبي المقاصد إلى مقاصد الشارع ومقاصد المكلفين...

جمال عطية تناول هذه المسألة ليقترح نمطا جديدا لتقسيم المقاصد، يتيح الفرصة كما يرى لإبراز جوانب أخرى من مقاصد الشريعة. فقسمها إلى ستة أنواع مرتبة فيما يلي:

1- مقاصد الخلق،
2- مقاصد الشريعة العالية،
3- مقاصد الشريعة الكلية،
4- مقاصد الشريعة الخاصة،
5- مقاصد الشريعة الجزئية،
6- مقاصد المكلفين.

وأما المجالات والدوائر المعنية بمقاصد الشريعة، فقد سبق أن المتقدمين ركزوا على المجال الفردي والدوائر الفردية ؛ فالمقاصد عندهم تقاس وتعرف وتقسم وترتب بالنظر إلى احتياجات الفرد ومصالحه وما هو مطلوبه أو مطلوب منه.

جاء ابن عاشور فأعطى اعتبارا أكبر لإبراز المقاصد بالنسبة لعموم الأمة. فهذا مجال وذاك مجال: الفرد والجماعة. وهكذا جرت التقسيمات بحسب نطاق المقاصد ومجالها إلى: العامة والخاصة، الأمة والفرد، فروض الكفاية وفروض الأعيان. فالفروض العينية خطاب فردي، ومقاصدها فردية. والفروض الكفائية خطاب جماعي ومقاصدها جماعية عامة. فانحصر الخطاب بين الفرد والجماعة.

الدكتور جمال الدين عطية يرى أن نتناول المقاصد متدرجة بحسب مجالات ودوائر أربع، تستوعب المقاصد العامة والخاصة والجزئية، وتقدم بديلا عن تقسيم الضروريات إلى الخمس المعروفة، لأنها تندرج وتتوزع على المجالات الأربعة المقترحة.

المجال الأول: هو مجال الفرد، وهذا لا إشكال فيه ولا جديد فيه. والمقاصد التي أدخلها فيه هي حفظ النفس والعقل والتدين - وليس الدين - والعرض والمال. فهذه هي الاحتياجات الفردية والمقاصد الفردية، أو التي تبرز على مستوى الأفراد أكثر مما تبرز على أي مستوى آخر.

المجال الثاني: هو مجال الأسرة؛ من الفرد إلى الأسرة. في مجال الأسرة سجل وتناول المقاصد الآتية:

- المقصد الأول تنظيم العلاقة بين الجنسين في مجال الأسرة، وهذا يبدو مستوحى من عند ابن عاشور في المقاصد الخاصة بالعائلة. فالشريعة لها مقاصدها في تنظيم العلاقة بين الجنسين. وهو أمر صحيح؛ فالعلاقة بين الجنسين تحتل مساحة كبيرة وأهمية كبيرة، في الأحكام الشرعية وفي الحياة البشرية، قد تكون أكبر مما هو الشأن بالنسبة لتنظيم مجموع علاقات الجنس البشري. علاقة الرجل والمرأة، الرجال والنساء، لها أهمية كبيرة وآثار بليغة في الحياة، وفي بناء المجتمعات. ولها تبعا لذلك أهمية كبيرة في الشريعة ومقاصدها.

- ثم مقصد حفظ النسل، فهو مقصد شرعي يتحقق أولا على مستوى الأسرة.

- ثم مقصد تحقيق السكن والرحمة.

- ومقصد حفظ النسب.

- ومقصد حفظ التدين في الأسرة، أي على مستوى الأسرة وليس الفرد.

- ثم التنظيم المؤسسي والمالي لشؤون الأسرة.


المجال الثالث: هو مجال الأمة؛ من الفرد إلى الأسرة إلى الأمة.

على مستوى الأمة سجل المقاصد الشرعية التالية:

أولا: التنظيم المؤسسي لشؤون الأمة، أي: الشؤون العامة للأمة تصبح منظمة وداخل مؤسسات.
ثانيا: مقصد الأمن.
ثالثا مقصد العدل.
ثم مقصد حفظ الدين والخلق.
ثم التعاون والتضامن والتكافل.
ثم نشر العلم وحفظ عقول الأمة. لاحظوا التفريق بين حفظ العقل للأفراد، وهو مقصد فردي، والآن حفظ العقل للأمة.
ثم في الأخير جعل عمارة الأرض وحفظ ثروة الأمة. أي من مقاصد الشريعة على صعيد الأمة: حفظ ثروتها وعمارة الأرض التي يقيم بها المسلمون.


المجال الرابع، أو الدائرة الرابعة: على مستوى البشرية أو الإنسانية، أي للشريعة مقاصد على المستوى البشري الأعم. من ذلك:
التعارف والتعاون والتكامل بين البشر وبين الأمم والشعوب.
ومن ذلك تحقيق خلافة الإنسان في الأرض.
ثم تحقيق السلام العالمي القائم على العدل.
ثم نشر دعوة الإسلام، أي على صعيد البشرية كلها.

هذه أهم الأفكار الجديدة عند الدكتور جمال الدين عطية في الفصلين الأول والثاني.


الفصل الثالث: وهو الذي يعكس عنوان الكتاب ويترجم رسالته "نحو تفعيل مقاصد الشريعة". وهو يرمي ويدعو إلى جعل مقاصد الشريعة حاضرة ومؤثرة ومتبعة في مجالات جديدة، وفي مجالات واسعة، وبصفة خاصة في المجالات التي لا يسعها لا الفقه ولا أصول الفقه، بصورتيهما السائدة. ومن تلك المجالات: أسلمة العلوم الإنسانية والاجتماعية والكونية، أي تأسيسها وتوجيهها وفق مقاصد الشريعة - ومنها الترقية المنهجية للعقلية الإسلامية، أو تكوين العقلية المقاصدية .. إلخ . أهـ ما أردت اقتباسه من المحاضرة

يحيى رضا جاد
10-05-18 ||, 11:28 AM
من جميل أقوال الشاطبي قوله : "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعة ربما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوى أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية .. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغبّ جار على مقاصد الشريعة".
وبرهان ذلك :
1- قوله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من الله فيسبوا الله عدواً بغير علم"
2- وقول رسولنا الأكرم : "لولا أن قومك حديثو عهد بشرك ، لهدمت الكعبة . فألزقتها بالأرض . وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا . وزدت فيها ستة أذرع من الحجر . فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" [أخرجه مسلم] .. فها قد ترك رسولنا الأكرم بناء البيت على قواعد إبراهيم لحدثان عهد القوم بالكفر؛ لئلا يُفتنون.
3- وقوله (ص) في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين المشهود عليهم بالكفر : "دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" [أخرجه البخاري] . فها قد ترك رسولنا الأكرم قتل أهل النفاق المشهود عليهم بالكفر لما في ذلك من تنفير الناس من الإسلام؛ إذ لم يفارق هؤلاء (الجامع السياسي) لدولة النبي (ص) وإن فارقوه في (الجامع العقدي). [وتفصيل الكلام في هذا الأمر له مقام آخر إن شاء الله]




والبعض يسمي (فقه المآلات) بـ (فقه التوقع) .. ولا مشاحة في الاصطلاح .. وهذا البعض يفرق بين (فقه الافتراض) و(فقه التوقع)؛ فالأول في معظمه حبيس اللحظة يتحرك وهو ثابت فيها، بينما (فقه التوقع) نظرة عقلية تستشرف المستقبل قبل وقوعه، من خلال النظر في الواقع .. بتوقع أبعاد الحكم كلها وجوانبه المختلفة من حيث ما يفضي إليه، وحال الناس في بيئاتهم المختلفة معه، وما سيؤول إليه الأمر في في المستقبل القريب والبعيد.

إذن فقه التوقع - عند هذا البعض- مصطلح حديث يراد به الأمر الواجب الذي لا يستقيم الاجتهاد دونه .. وعلى الفقيه تقليب نظره في مآلات اجتهاده، وأبعاد الحكم الذي يخرج به في ضوء نظرية المصالح والمفاسد بضوابطها الشرعية .. فلابد أن يتوقع الفقيه - كما قلنا قبل سطور- أبعاد الحكم وجوانبه المختلفة وما يمكن أن يفضي إليه، وما سيؤول إليه الأمر في المستقبل، وينتج عن ذلك أن ما غلب على ظن الفقيه أنه سيؤدي مخالفة للأصول فلابد أن يُدفع باسم رعاية المصالح - الذي يستلزم في ذاته دفع المفاسد-

يحيى رضا جاد
10-05-18 ||, 12:03 PM
خاطرة أصولية أخرى :

لقد ندبنا الله تعالى إلى التدبر في معاني كتابه .. وأمرنا أن نعتبر بما فيه من مواضع العبرة .. ثم أجرى سنته (أحكامه) التشريعية على وجه يمهد لنا الطريق فيها إلى ذلك الاعتبار؛ إذ وضع بجانب أكثر الأحكام عللها وغاياتها؛ لنتخذ منها أصولاً ومقاييس نرد إليها أشباهها ونظائرها، يستوي في ذلك أمره ونهيه وإذنه وتقريره للحقوق والواجبات، فنحن إذا سمعناه يقول: افعلوا كذا، عرفنا أن من مقاصد الشرع هذا الـ (كذا) في هذا الشأن وغيره، وإذا سمعناه يقول لا تفعلوا كذا، فهمنا أنه ينهى عن كل ما فيه هذا الـ (كذا) في هذا الشأن وغيره، .. والقرآن جلّه - بل كله؛ "كتاباً متشابهاً" كما قال تعالى- على هذا النمط

يحيى رضا جاد
10-05-18 ||, 12:51 PM
خاطرة أخرى :

بعض الأدعياء والدخلاء على الشريعة ندبوا أنفسهم - تحت مسميات كثيرة- من أجل تنحية النص - القرآن والثابت من السنة- عن التطبيق، وإعادة الدين إلى المسجد .. والهدف - في زعمهم- إعادة الاعتبار للإنسان في مواجهة الخالق - تعالى سبحانه عما يقولون- .. وذروة هذا الاتجاه يعبر عنه "محمد أركون" في كتابه المترجم بعنوان "تاريخية الفكر العربي الإسلامي"، فهو يدعو إلى التجديد المقاصدي بهدف "تخفيف حدة النظرية الصارمة لأصول الفقه، وذلك باستبدال مفهوم جديد بها وهو مقاصد الشريعة".. لأن أصول الفقه -على حد تعبيره- ساهم في دعم الفكرة القائلة بأن الإنسان لا يحسم بنفسه أي شيء من الأشياء المتعلقة بوعي وسلوك الأفراد، وأن التاريخ الحاصل خارج الحدود المثبتة من قبل الله، يؤدي إلى انحطاط المجتمع الأولي الذي أسسه النبي.

وإلى مثل ذلك ينتهي "د/ حسن حنفي" في كتابه "من الواقع إلى النص"، فهو يعتبر الأدلة النقلية كلها ظنية، لا تتحول إلى يقين إلا بالدليل العقلي، وهذه القراءة -كما يقول "حسن حنفي" نفسه- تعني الإبقاء على الروح مع تغيير البدن، والمحافظة على القصد مع تطور الوحي، وهكذا تتعدد القراءات لعلم الأصول عامة وللمقاصد خاصة، ولا توجد قراءة صحيحة وأخرى خاطئة، بل هي اجتهادات متعددة تنبع من طبيعة موقف القارئ ووضعه الثقافي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

وما يقوله "حسن حنفي" يعني أنْ يوجد قارئ ويختفي المقروء، أن ْيحيا الواقع ويموت النص .. وهكذا يوجد عند هؤلاء "علمٌ للمقاصد" ليكون بديلاً لعلم أصول الفقه - لا مكملاً معيناً له- ، ويحكم السلوك البشري بعيدًا عن صيغة الأحكام الفقهية .. وهكذا يتم التحديث والتجديد - بزعمهم- بعيدًا عن القرآن والسنة؛ استبدالاً للعقل بالشريعة، وللواقع بالنص، وللإنسان بالله - كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً- .

والرأي عندي أن الشريعة تصبح بذلك - أي بهذا الفهم الأعور- مجموعة من الأضداد والمتناقضات؛ إذ سيكون الفعل الواحد حلالاً أو حرامًا إن شئت، والرأي الواحد حقًّا أو باطلاً إن أردت، وبذلك تذهب منها وحدة الحق الذي لا يختلف، وتزول عنها هيمنة الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه؛ إذ كيف يرتفع الخلاف بما فيه اختلاف ؟!

والفقيه الحق هو من يقف بين لاآت ثلاثة؛ فهو :

1- "لا يستطيع" أن يحبس نظره على خصوص النصوص وصور الوقائع العينية، وإلا لبقيت الشريعة - بهذا المنهج غير السديد- ناقصة محتاجة إلى التكميل

2- "ولا يستطيع" أن يعتمد على المقاصد والكليات وحدها، وإلا لخرج به ذلك إلى اللين الذي لا عزيمة فيه، والسعة التي لا حدود لها، حتى تصبح الشريعة بهذا المهج غير السديد- (وضعًا عقليًّا) لا (هديًا إلهيًّا)؛ ولأبطلنا إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ بل لِمَ الحاجة إذن إلى الاعتقاد بوجود إله !

3- و"لا يستطيع" أن يأخذ بأي من هذين النظرين السابقين شاء، وإلا لتناقضت الأنظار وكانت الفوضى والاضطراب في التشريع .. وكيف يجرؤ مسلم - صح إسلامه- على أن يهدر أحد جانبي الشريعة وهي كل ما يتجزأ؟ .. إذن لم يبقَ أمام طالب الهدي الإسلامي إلا أن يلتمس جادة يلتقي عندها هذان الجانبان.

هذه الجادة هي (مقاصد الشريعة) - أقصد الجامعة بين الأصول الكلية والنصوص الجزئية- ؛ إذ الشريعة ما وَضعت الخصوص إلى جانب العموم، والنصوص إلى جانب المقاصد، إلا ليحتكم المسلم إليهما، ويلتمس الهدي فيهما، ويستخرج الحق من بينهما في كل مسألة، فلا غنى له عند النظر في القواعد والمقاصد، عن الاسترشاد بنماذجها من الجزئيات القولية والفعلية، لكيلا يذهب التأويل إلى ساحة الهوى والضلال البعيد .. ولا مناص له كذلك عند النظر في النصوص والوقائع الجزئية من الاستئناس بأسبابها وظروفها وغاياتها -إن كانت معللة؛ والشريعة كلها تقبل التعليل والتقصيد- لينزلها منازلها ويضع كل حكم في الموضع الذي يناسبه، وليعتبر بها في أمثالها من المسائل المتجددة، وأن يمتنع عن تطبيقها حرفيًّا إذا اختلفت طبيعة الحوادث وتغير مناط الحكم فيها، وإلا لرجعت به المحافظة على ظواهر النصوص أحيانًا إلى حد الإخلال بمقاصد التشريع، وإيقاع الحرج في الدين وقد نفاه الله عنه.

إذن لا بد من الجمع بين هذين الطرفين على وجه تتحقق به تلك "المرونة" التشريعية التي هي خاصة الدين الإسلامي .. وهي لا تعني معنى التساهل وقبول الامتداد مطلقًا، ولكنها - أي "المرونة"- تؤدي في اللغة معنى مركبًا من معنيين، هما اللين والصلابة معًا، وهذا هو المعنى الذي نقصد إليه، وهو الذي ينطبق تمام الانطباق على الشريعة الإسلامية؛ فهي قابلة للامتداد في الفهم والعمل إلى الحد الذي لو جاوّزه المرء وأوغل فيه بغير رفق اشتدت عليه وغلبته وأفلت حبلها من يده وتركته بمكان قصيّ عنها، يقول صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين يسر" ويقول: "إن هذا الدين متين"، فذلك الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط هو الصراط المستقيم، وهو السنة -أعني : المنهج- الذي كان عليه رسولنا الأكرم الكريم صلى الله عليه وسلم.

والأمانة - التي هي خطاب التكليف- لا تتجسد واقعًا إلا في حدود "الوسع" .. وفكرة "الوسع" تجعل "خطاب التكليف" متعدد التطبيقات ومتجدد التلقي، وتجعل "قواعد فقه التنزيل" مغايرة لـ "قواعد فقه الخطاب"؛ لأن "التنزيل" يتقدمه الوعي بالتاريخ - ماضيه وحاضره- ، و"الخطاب" هو بطبيعته يتجاوز الزمان والمكان .. وهنا يمكن - بل يجب- القول بأن "الواقع التنزيلي" لا يتجرد من "الخطاب" و"لا يمكنه أن يتفلت منه"، أي "لا يمكنه تعطيل النص".

نعم، (مقاصد الشريعة وكلياتها) "تغني" عن "حفظ التفاصيل والجزئيات" - وهي فوق ذلك ومعه بمنزلة "القطب من الرحى"، و"الأساس من المبني"؛ فهي "منشأ التفاريع"، و"إليها انصراف الجميع" (أقصد جميع التشريعات)- ، ولكنها "لا تستغني" - بأي حال من الأحوال- عن التفاصيل والجزئيات في بناء عناصرها، ولا في "تنزيل" أوامر النص ونواهيه، وإلا فمن أين أتينا بهذه المقاصد وتلك الكليات ؟!

إن "مرونة النص" (أقصد القرآن والسنة) إنما تكون بأبعاده المقاصدية - المشار إليها آنفاً- التي تفتح الفضاء الواسع أمام "العقل الفقهي" للتجديد بغير "تقييد لحركة العقل" أو "تبديد لثروة النصوص" .. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.


المصادر والمراجع :

1- نحو قراءة مقاصدية أصولية، مقال، د/ محمد كمال إمام

2- الميزان بين السنة والبدعة، العلامة الإمام د/ محمد عبد الله دراز

والله أعلى وأعلم

يحيى رضا جاد
10-05-18 ||, 01:27 PM
خاطرة تكميلية :

فقه المقاصد منهج علمي استقرائي استنباطي تحليلي يتغيا الربط بين الأحكام الجزئية؛ ليستخلص منها ويصوغ قانوناً عاماً دلت عليه تلك الأحكام .. ومن ثم يصبح هذا القانون الكلي مقصداً من مقاصد الشريعة، فيتحول إلى حاكم على الجزئيات قاضٍ عليها (بمعنى وجوب أن تُفهَم تلك الجزئيات في ضوئه وعلى هدي منه .. واستحالة أن يأتي نص، أو أن يُفهَم، بما يناقضه أو يتناقض معه) بعد أن كان يستمد وجوده منها .. فهو يشبه - كما عبر د/ طه العلواني في بعض ما كتب- القانون العلمي التجريبي الذي يستخلصه الباحث من استقراء الجزئيات، ثم يحكم به ـ فيما بعد ـ على كل مشابه لها - سواء كان لم يشمله الاستقراء أو جد حدوثه فيما بعد- .

وينطلق المنهج المقاصدي من فلسفة هدتنا إليها نصوص الشرع؛ وهي أن جميع ما وردت به الشريعة الغراء معقول المعنى، وذو حكمة بالغة، سواء عقل المجتهدون كلهم تلك الحكمة، أو عقلها بعضهم وغفل عنها آخرون .. فكل حكم ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو مشتمل على حكمة معقولة المعنى، ظاهرة أو كامنة، تظهر بمزيد تدبر للنص، أو بسير في الارض، أو بنظر في الوقائع.

والله أعلم

يحيى رضا جاد
10-05-19 ||, 12:00 AM
وبيني وبين العروض مدة.

حالي كحالك .. وعلى كلٍّ؛ شكراً على التنبيه

يحيى رضا جاد
10-05-19 ||, 06:37 PM
استجابة لطلب وتنبيه أخينا العزيز أ/ عبد الحميد الكراني نعيد تنسيق الخواطر كلها كالآتي - وذلك بعد التهذيب والتنقيح والمراجعة وإعادة النظر فيما كتب؛ إذ لم يكن المرء (ولا يزال) مشغولاً بهموم أخرى عامة وخاصة- :



في رحاب الأصول .. خواطر أصولية !



يحيى رضا جاد









الخاطرة الأولى : في مصطلح المقاصد


1- مصطلح (المقاصد) يتضمن ثلاث دلالات أساسية يفيدها فعل "قصد" في معناه المعجمي؛ إذ يتضمن معنى (الفائدة والمعقولية)؛ لأنه ضد (اللغو) .. كما يفيد معنى (العمد) الذي يضاده (السهو) .. ويحمل معنى (الحكمة) التي تنافي (اللهو والعبث).

وقد اجتهد العلامة الفيلسوف الدكتور طه عبد الرحمن اجتهاداً موفقاً للغاية في كشف هذه المعاني الثلاثة من مفهوم المقاصد، فانتهى إلى ما حاصله [1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1) :

أ‌- المعنى الأول يَستَعْمِل الفعل قصد بمعنى ضد الفعل "لغا" "يلغو". ولما كان اللغو هو الخلو من الفائدة أو صدق الدلالة فإن المقصد يكون على عكس ذلك "هو معقول الفائدة أو معقول الدلالة"، وهذا المضمون الدلالي يعود إلى الفصل الذي وضعه الشاطبي تحت عنوان "مقاصد وضع الشريعة للإفهام"، وقد ناقش فيه قضيتين أساسيتين حاول فيهما إثبات صفة العربية والأمية للشريعة الإسلامية.

ب‌- والمعنى الثاني يستعمل الفعل "قصد" أيضا بمعنى ضد فعل "سها" "يسهو". ولما كان السهو هو فقدان التوجه أو الوقوع في النسيان، فان المقصد يكون على خلاف ذلك، وهو حصول التوجه والخروج من النسيان. وهو ما تعكسه - عند الشاطبي في موافقاته- "مقاصد وضع الشريعة للامتثال" و"مقاصد المكلف".

ت‌- وفي المعنى الثالث يستعمل فعل "قصد" ضد الفعل "لها " "يلهو"، ولما كان اللهو هو خلو من الغرض الصحيح و فقدان الباعث المشروع، فإن المقصد يكون على العكس من ذلك، وهو حصول الغرض الصحيح وقيام الباعث المشروع .. وهو ما تناوله الشاطبي في فصل "مقاصد وضع الشريعة ابتداء.

2- لقد ندبنا الله تعالى إلى التدبر في معاني كتابه .. وأمرنا أن نعتبر بما فيه من مواضع العبرة .. ثم أجرى سنته (أحكامه) التشريعية على وجه يمهد لنا الطريق فيها إلى ذلك الاعتبار؛ إذ وضع بجانب أكثر الأحكام عللها وغاياتها؛ لنتخذ منها أصولاً ومقاييس نرد إليها أشباهها ونظائرها، يستوي في ذلك أمره ونهيه وإذنه وتقريره للحقوق والواجبات، فنحن إذا سمعناه يقول: "واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم"، عرفنا أن من مقاصد الشرع تأليف القلوب في هذا الشأن وغيره، وإذا سمعناه يقول: "لا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة"، فهمنا أنه ينهى عن كل فحش زنا كان أو غيره .. والقرآن جلّه - بل كله؛ "كتاباً متشابهاً" كما قال تعالى- على هذا النمط.

إذاً، المقاصد أمر مركزي - بل هي الأمر المركزي الأول- في التشريع الإسلامي .. ولذلك فمراعاتها واجبة في الفتوى والقضاء والتعليم بل وفي كل شأن من شئون الأمة عاماً كان أو خاصاً .. ولذلك قال الإمام العز بن عبد السلام : "قاعدة: كل تصرف تقاعد عن تحصيل مقصوده فهو باطل" [2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2) .. ولذلك أيضاً قال الشاطبي: "إن عمل المكلف إذا خالف قصد الشارع من التشريع يعتبر عمله باطلاً فلا يقبل ولا يثاب عليه" [3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3) .

3- إذاً يمكن تعريف المقاصد على النحو التالي:

المقاصد «هي الأهداف والغايات التي شُرعت الأحكام لتحقيقها؛ وهذه الأهداف والغايات هي المصالح التي تعود على العباد - أفرادًا وأسرًا وجماعات وأمة- في دنياهم وأخراهم، وتحصيلها إنما يكون بجلب المنافع - ودفعُ المضار من جملته- » [4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4) .

والمصالح جمع مصلحة، والمصلحة في عُرف الشارع - في تعريف جامع مانع لها- هي : "المحافظة على مقصود الشارع؛ ومقصود الشارع أن يحفظ على العباد دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم وعرضهم وأمنهم وحقوقاهم وحرياتهم، وأن يقيم العدل وينشر التكافل بينهم، وأن ييسر عليهم حياتهم، ويرفع الحرج عنهم، ويتمم لهم مكارم الأخلاق، وأن يهديهم إلى التي هي أقوم في الآداب والأعراف والنظم والمعاملات".

فالمصلحة إذاً هي المحافظة على مقاصد الشارع ولو خالفت مقاصد الناس؛ فإن الأخيرة عند مخالفتها للأولى ليست في الواقع مصالحاً، بل هي أهواء وشهوات زينتها النفوس، وألبستها العادات والتقاليد ثوب المصالح [5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5) .

إذاً، وبناءً على ما جميع ما سبق، وباستقراء نصوص الشارع، يمكن القول بأن المقصد العام من التشريع - بل المقصد الأعلى للشريعة فيما أرى- هو «إنشاء أمة ممثلة لمقتضيات الإيمان، قادرة على الحضور الذي يمكن من الشهادة ويقيم الحجة ويبعث على الاحترام ويغري بالاقتداء، أمة قادرة على عمارة الأرض وتسخير الكون لتكون الحياة على الأرض طيبة لا عسر فيها ولا ضنك، تحكمها الرحمة والتخفيف والسماحة، وتتوجه إلى البناء والعمران والتواصل والتعارف» [6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6) .




الخاطرة الثانية : تجديد المقاصد لتنحية النصوص ! [7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)


بعض الأدعياء والدخلاء على الشريعة ندبوا أنفسهم - تحت مسميات كثيرة- من أجل تنحية النص - القرآن والثابت من السنة- عن التطبيق، وحصر الدين في المسجد .. والهدف - في زعمهم- إعادة الاعتبار للإنسان في مواجهة الخالق - تعالى سبحانه عما يقولون- .. وذروة هذا الاتجاه يعبر عنه "محمد أركون" في كتابه المترجم بعنوان "تاريخية الفكر العربي الإسلامي"، فهو يدعو إلى التجديد المقاصدي بهدف "تخفيف حدة النظرية الصارمة لأصول الفقه، وذلك باستبدال مفهوم جديد بها وهو مقاصد الشريعة".. لأن أصول الفقه - على حد تعبيره- ساهم في دعم الفكرة القائلة بأن الإنسان لا يحسم بنفسه أي شيء من الأشياء المتعلقة بوعي وسلوك الأفراد، وأن التاريخ الحاصل خارج الحدود المثبتة من قبل الله، يؤدي إلى انحطاط المجتمع الأولي الذي أسسه النبي.

وإلى مثل ذلك ينتهي "د/ حسن حنفي" في كتابه "من الواقع إلى النص"، فهو يعتبر الأدلة النقلية كلها ظنية، لا تتحول إلى يقين إلا بالدليل العقلي، وهذه القراءة - كما يقول "حسن حنفي" نفسه- تعني الإبقاء على الروح مع تغيير البدن، والمحافظة على القصد مع تطور الوحي، وهكذا تتعدد القراءات لعلم الأصول عامة وللمقاصد خاصة، ولا توجد قراءة صحيحة وأخرى خاطئة، بل هي اجتهادات متعددة تنبع من طبيعة موقف القارئ ووضعه الثقافي والاجتماعي والسياسي والأخلاقي.

وما يقوله "حسن حنفي" يعني أنْ يوجد قارئ ويختفي المقروء، أن ْيحيا الواقع ويموت النص .. وهكذا يوجد عند هؤلاء "علمٌ للمقاصد" ليكون بديلاً لعلم أصول الفقه - لا مكملاً معيناً له- ، وليَحكُم السلوكَ البشري بعيدًا عن صيغة الأحكام الشرعية .. وهكذا يتم التحديث والتجديد - بزعمهم- بعيدًا عن القرآن والسنة؛ استبدالاً للعقل بالشريعة، وللواقع بالنص، وللإنسان بالله - كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً- .

والرأي عندي أن الشريعة تصبح بذلك - أي بهذا الفهم الأعور- مجموعة من الأضداد والمتناقضات؛ إذ سيكون الفعل الواحد حلالاً أو حرامًا إن شئت، والرأي الواحد حقًّا أو باطلاً إن أردت، وبذلك تذهب منها وحدة الحق الذي لا يختلف، وتزول عنها هيمنة الحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه؛ إذ كيف يرتفع الخلاف بما فيه اختلاف ؟!

والفقيه الحق، والمقاصدي الحق، والمجدد الحق، هو من يقف بين لاآت ثلاثة؛ فهو :

1- "لا يستطيع" أن يحبس نظره على خصوص النصوص وصور الوقائع العينية، وإلا لبقيت الشريعة - بهذا المنهج غير السديد- ناقصة محتاجة إلى التكميل

2- "ولا يستطيع" أن يعتمد على المقاصد والكليات وحدها، وإلا لخرج به ذلك إلى اللين الذي لا عزيمة فيه، والسعة التي لا حدود لها، حتى تصبح الشريعة بهذا المهج غير السديد- (وضعًا عقليًّا) لا (هديًا إلهيًّا)؛ ولأبطلنا إرسال الرسل وإنزال الكتب؛ بل لِمَ الحاجة إذن إلى الاعتقاد بوجود إله !

3- و"لا يستطيع" أن يأخذ بأي من هذين النظرين السابقين شاء (أي بلا ربط بينهما)، وإلا لتناقضت الأنظار وكانت الفوضى والاضطراب في التشريع .. وكيف يجرؤ مسلم - صح إسلامه- على أن يهدر أحد جانبي الشريعة - النصوص ومقاصد تلك النصوص- وهي كل ما يتجزأ؟ .. إذن لم يبقَ أمام طالب الهدي الإسلامي إلا أن يلتمس جادة يلتقي عندها هذان الجانبان.

وهذه الجادة هي (مقاصد الشريعة الجامعة بين الأصول الكلية والنصوص الجزئية) ؛ إذ الشريعة ما وَضعت الخصوص إلى جانب العموم، والنصوص إلى جانب المقاصد، إلا ليحتكم المسلم إليهما، ويلتمس الهدي فيهما، ويستخرج الحق من بينهما في كل مسألة، فلا غنى له عند النظر في القواعد والمقاصد، عن الاسترشاد بنماذجها من الجزئيات القولية والفعلية، لكيلا يذهب التأويل إلى ساحة الهوى والضلال البعيد .. ولا مناص له كذلك عند النظر في النصوص والوقائع الجزئية من الاستئناس بأسبابها وظروفها وغاياتها -إن كانت معللة؛ والشريعة كلها تقبل التعليل والتقصيد- لينزلها منازلها ويضع كل حكم في الموضع الذي يناسبه، وليعتبر بها في أمثالها من المسائل المتجددة، وأن يمتنع عن تطبيقها حرفيًّا إذا اختلفت طبيعة الحوادث وتغير مناط الحكم فيها، وإلا لرجعت به المحافظة على ظواهر النصوص أحيانًا إلى حد الإخلال بمقاصد التشريع، وإيقاع الحرج في الدين وقد نفاه الله عنه.

إذن لا بد من الجمع بين هذين الطرفين على وجه تتحقق به تلك "المرونة" التشريعية التي هي خاصة الدين الإسلامي .. وهي لا تعني معنى التساهل وقبول الامتداد مطلقًا، ولكنها - أي "المرونة"- تؤدي في اللغة معنى مركبًا من معنيين، هما اللين والصلابة معًا، وهذا هو المعنى الذي نقصد إليه، وهو الذي ينطبق تمام الانطباق على الشريعة الإسلامية؛ فهي قابلة للامتداد في الفهم والعمل إلى الحد الذي لو جاوّزه المرء وأوغل فيه بغير رفق اشتدت عليه وغلبته وأفلت حبلها من يده وتركته بمكان قصيّ عنها، يقول صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين يسر" ويقول: "إن هذا الدين متين"، فذلك الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط هو الصراط المستقيم، وهو السنة - أعني المنهج- الذي كان عليه رسولنا الأكرم الكريم صلى الله عليه وسلم.

والأمانة - التي هي خطاب التكليف- لا تتجسد واقعًا إلا في حدود "الوسع" .. وفكرة "الوسع" تجعل "خطاب التكليف" متعدد التطبيقات ومتجدد التلقي، وتجعل "قواعد فقه التنزيل" مغايرة لـ "قواعد فقه الخطاب"؛ لأن "التنزيل" يتقدمه الوعي بالتاريخ - ماضيه وحاضره- ، و"الخطاب" هو بطبيعته يتجاوز الزمان والمكان .. وهنا يمكن - بل يجب- القول بأن "الواقع التنزيلي" لا يتجرد من "الخطاب" و"لا يمكنه أن يتفلت منه"، أي "لا يمكنه تعطيل النص".

نعم، (مقاصد الشريعة وكلياتها) "تغني" عن "حفظ التفاصيل والجزئيات" - وهي فوق ذلك ومعه بمنزلة "القطب من الرحى"، و"الأساس من المبني"؛ فهي "منشأ التفاريع"، و"إليها انصراف الجميع" (أقصد جميع التشريعات)- ، ولكنها "لا تستغني" - بأي حال من الأحوال- عن التفاصيل والجزئيات في بناء عناصرها، ولا في "تنزيل" أوامر النص ونواهيه، وإلا فمن أين أتينا بهذه المقاصد وتلك الكليات ؟!

إن فقه المقاصد منهج علمي استقرائي تحليلي استنباطي ؛

أ‌- ينطلق من فلسفة هدتنا إليها نصوص الشرع؛ وهي أن جميع ما وردت به الشريعة الغراء معقول المعنى، وذو حكمة بالغة، سواء عقل المجتهدون كلهم تلك الحكمة، أو عقلها بعضهم وغفل عنها آخرون .. فكل حكم ورد في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فهو مشتمل على حكمة معقولة المعنى، ظاهرة أو كامنة، تظهر بمزيد تدبر للنص، أو بسير في الارض، أو بنظر في الوقائع.

ب‌- ويتغيا الربط بين الأحكام الجزئية؛ ليستخلص منها ويصوغ قانوناً عاماً دلت عليه تلك الأحكام .. ومن ثم يصبح هذا القانون الكلي مقصداً من مقاصد الشريعة، فيتحول إلى حاكم على الجزئيات قاضٍ عليها (بمعنى وجوب أن تُفهَم تلك الجزئيات في ضوئه وعلى هدي منه .. واستحالة أن يأتي نص، أو أن يُفهَم، بما يناقضه أو يتناقض معه) بعد أن كان يستمد وجوده منها .. فهو يشبه من هذا الجانب - كما عبر د/ طه العلواني في بعض ما كتب- القانون العلمي التجريبي الذي يستخلصه الباحث من استقراء الجزئيات، ثم يحكم به ـ فيما بعد ـ على كل مشابه لها - سواء شمله الاستقراء العلمي التجريبي أو لم يشمله، أو اكتُشف بعده، أو جَدَّ حدوثه مع تطور العلوم والمعارف - .

إن "مرونة النص" (أقصد القرآن والسنة) إنما تكون بأبعاده المقاصدية - المشار إليها آنفاً- التي تفتح الفضاء الواسع أمام "العقل الفقهي" للتجديد بغير "تقييد لحركة العقل" أو "تبديد لثروة النصوص" .. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.




الخاطرة الثالثة : في فقه المآلات


من جميل أقوال الشاطبي قوله : "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعاً كانت الأفعال موافقة أو مخالفة؛ ذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل فقد يكون مشروعا لمصلحة فيه تستجلب أو لمفسدة تدرأ ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به ولكن له مآل على خلاف ذلك فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدّى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعة ربما أدّى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوى أو تزيد فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية .. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود الغبّ جار على مقاصد الشريعة"[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).

وبرهان ذلك :

1- قوله تعالى: "ولا تسبوا الذين يدعون من الله فيسبوا الله عدواً بغير علم"

2- وقول رسولنا الأكرم : "لولا أن قومك حديثو عهد بشرك، لهدمت الكعبة . فألزقتها بالأرض . وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا . وزدت فيها ستة أذرع من الحجر . فإن قريشا اقتصرتها حيث بنت الكعبة" [أخرجه مسلم] .. فها قد ترك رسولنا الأكرم بناء البيت على قواعد إبراهيم لحدثان عهد القوم بالكفر؛ لئلا يُفتنون.

3- وقوله (ص) في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين المشهود عليهم بالكفر : "دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" [أخرجه البخاري] . فها قد ترك رسولنا الأكرم قتل أهل النفاق المشهود عليهم بالكفر لما في ذلك من تنفير الناس من الإسلام؛ إذ لم يفارق هؤلاء (الجامع السياسي) لدولة النبي (ص) وإن فارقوه في (الجامع العقدي) - وتفصيل الكلام في هذا الأمر له مقام آخر إن شاء الله- .

إذاً، فقه المآلات - والبعض يسميه بـ (فقه التوقع)، ولا مشاحة في الاصطلاح، وإن كان التعبير الأول أدق وأوضح وأكثر شيوعاً- نظرةٌ عقلية تستشرف المستقبل قبل وقوعه، من خلال النظر في الواقع؛ بتوقع أبعاد الحكم كلها وجوانبه المختلفة من حيث ما يفضي إليه، وحال الناس في بيئاتهم المختلفة معه، وما سيؤول إليه الأمر في في المستقبل القريب والبعيد.

إذاً، فقه المآلات فقهٌ واجب لا يستقيم الاجتهاد دونه، وعلى الفقيه تقليب نظره في مآلات اجتهاده، وأبعاد الحكم الذي يخرج به في ضوء نظرية المصالح والمفاسد بضوابطها الشرعية، فلابد أن يتوقع الفقيه - كما قلنا قبل سطور- أبعاد الحكم وجوانبه المختلفة وما يمكن أن يفضي إليه، وما سيؤول إليه الأمر في المستقبل، وينتج عن ذلك أن ما غلب على ظن الفقيه أنه سيؤدي مخالفةٍ للأصول فلابد أن يُدفع باسم رعاية المصالح - الذي يستلزم في ذاته دفع المفاسد- .




الخاطرة الرابعة : من جميل أقوال العلامة عبد الله بن بية [9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)


الأول، قوله - بتصرف قليل مني- : التسهيل غير التساهل؛التسهيل مطلوب ومرغوب لانبنائه على (مقصد التيسير)، أما التساهل فمبني على (اتباع الهوى)

والثاني، قوله - في أبيات جميلة- :

عُقُودُ المُسلِمينَ بدَارِ غَربٍ === تَجَاذَبَها المَقَاصِدُ والفُرُوعُ

ومِيزَانُ الفَقِيه يَجُورُ طَوراً === إلى طَرَفِ فَيُفْرِطُ أو يُضِيعُ

فَفِي الجُزْئِيِّ ضِيقُ وانْحِصَارُ === وفي الكُلِيِّ مُنْفَسَحُ وَسِيعُ

ونُورُ الحَقِ مَصْلَحَةُ تُوازَى === بِجُزئيِّ النُصُوصِ لَه سُطُوعُ

مَآلاتُ الأُمُورِ لَهَا اعتِبَارُ === وحَاجِيُّ الضَرُورةِ قَدْ يُطِيعُ

فَزِنْ هذَا بذَاكَ وذَا بِهذَا يَكُنْ === في القَيسِ مَنْهَجُك البَدِيعُ

"فِإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ أمراً فَدَعْهُ وجَا === وزهُ إلى مَا تَسْتَطِيعُ"




والله تعالى أعلى وأعلم


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) انظر: تجديد المنهج في تقويم التراث، طه عبد الرحمن، ص 98، ط1، 1991م، دار الكتب العلمية - بيروت

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، العز بن عبد السلام، 2/ 143، 1986م، ط الكليات الأزهرية

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) الموافقات، الشاطبي، 2 / 333 وما بعدها، دار الكتب العلمية - بيروت

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) قارن بـ : المقاصد العامة للشريعة الإسلامية، الدكتور يوسف حامد العالم (رحمه الله)، ص 79، ط 2، 1994م، الرياض، الدار العالمية للكتاب الإسلامي والمعهد العالمي للفكر الإسلامي

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) انظر: المستصفى، أبو حامد الغزالي، 2/478-485، تحقيق د. حمزة زهير حافظ . والسياسة الشرعية في ضوء نصوص الشريعة ومقاصدها، د/ يوسف القرضاوي، ص92، ط 1، 1998م، مكتبة وهبة

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) حوار في المقاصد - تعريفات، رياض أدهمي، مجلة الرشاد، العدد (3)، صيف 1996م

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) نحو قراءة مقاصدية أصولية، د/ محمد كمال إمام، مقال منشور على موقع إسلام أون لاين. والميزان بين السنة والبدعة، العلامة الإمام د/ محمد عبد الله دراز، ط دار القلم - القاهرة

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) الموافقات، الشاطبي، 5/ 177- 178، ط مشهور حسن آل سلمان.

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) انظر: معايير الوسطية في الفتوى، عبد الله بن بية، بحث منشور على موقع سيادته على شبكة المعلومات الدولية

مصطفى بن الحو حداني
10-05-26 ||, 02:35 PM
مجهود مشكور بارك الله فيك

تمارا محمد علي
10-05-26 ||, 06:06 PM
بوركتم ....وزادكم الله علماً

فاطمة رشاد
10-05-26 ||, 07:56 PM
3- وقوله (ص) في تعليل انصرافه عن قتل المنافقين المشهود عليهم بالكفر : "دعه؛ لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" [أخرجه البخاري] .
[/quote]

جزاك الله خيراً أخي الكريم ، تقرير طيب عن أهم موضوع في الشريعة ، نفعنا في الحقيقة
لكن أخي انتبه فإن الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا تختصر . زادك الله علما نافعا ونفع بك جميع المسلمين .

حمد وديع ال عبدالله
10-05-26 ||, 09:53 PM
بارك الله فيكم جميعا ونفع بكم...

هدى إبراهيم
10-05-26 ||, 10:59 PM
أن علم مقاصد الشريعة حظي عند العلماء المعاصرين بأهمية بالغة ؛ وذلك لأهميته ومكانته في الإجتهاد الفقهي ,خصوصاً مع الحوادث الطارئة في هذا العصر، فأفرد في التصنيف كعلم مستقل عن سائر العلوم الشرعية ,وعنوا بالتأليف والتدوين فيه وبيان مصطلحاته وأقسامه وأنواعه وعلائقه.
وقد وردت عدة تعريفات لهذا العلم نورد بعضاً منها, وما أورده الدكتور يوسف البدوي من تعليقات عليها فيما يلي:
_عرفها الشيخ بن عاشور بأنها:" المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع ومعظمها,بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام التشريع ,فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغاياتها العامة التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها.. ..ويدخل في هذا معاني من الحكم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام ,ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة"([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)) . وهذا التعريف للمقاصد العامة,وقد ذكر في موضع آخر تعريف للمقاصد الخاصة
_وعرفها اليوبي بأنها: المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموماً وخصوصاً من أجل تحقيق مصالح العباد"([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)), ويؤخذ على هذا التعريف التفصيل والتطويل بقوله" عموماً وخصوصاً, والحكم ونحوها" فالحكم داخلة في المعاني والتعريف الصحيح لا يحتوي ذلك.
_ وعرفها الفاسي بأن المراد بمقاصد الشريعة الغاية منها والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها"([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)), وهذا التعريف وإن شمل المقاصد العامة والخاصة بقوله" عند كل حكم من أحكامها" إلا أنه لم يتعرض للقصد منها.
_ وعرفها الريسوني بقوله:" هي الغايات التي وضعت الشريعة لأجل تحقيقها لمصلحة العباد"([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) والمأخذ على هذا التعريف حصر الغاية منها في مصلحة العباد.
_ وعرفها نور الدين لخادمي بأنها: المعاني الملحوظة في الأحكام الشرعية , والمترتبة عليها سواء كانت تلك المعاني جزئية أو مصالح كلية أم سمات إجمالية , وهي تجتمع ضمن هدف واحد ,هو تقرير عبودية الله ومصلحة الإنسان في الدارين"([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)) .وهذا التعريف موفق ؛لأنه كشف عن المقصد ,وهو تقرير عبودية الله,إلا أنه يؤخذ عليه التكرار , والتطويل؛حيث أنه شرع في بيان تلك المعاني.

أما التعريف المختار على ضوء أقوال وعبارات ابن تيمية أن المقاصد الشرعية هي:" الحكم التي أرادها الله من أوامره ونواهيه؛ لتحقيق عبوديته,وإصلاح العباد في المعاش والمعاد". فالحكم تشمل الحكم والغايات الكلية العامة والخاصة والجزئية([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).




([1]) مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور(ص:51)

([2]) مقاصد الشريعة وعلاقتها بالأدلة الشرعية لليوبي(ص:37)

([3]) مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها للفاسي(ص:7)

([4]) نظرية المقاصد عند الشاطبي للريسوني(ص:19)

([5]) علم المقاصد الشرعية للخادمي(ص:17)

([6]) مقاصد الشريعة عند ابن تيمية للبدوي(ص:54)

هدى إبراهيم
10-05-26 ||, 11:04 PM
كنت قد قرأت كتاب (مقاصد الشريعة عند ابن تيمية) وهو في الأصل رسالة دكتوراه واستنبط بعض المميزات فيه واعتمد البحث على طبعة دار النفائس للنشر والتوزيع, الأردن/ عمان, الطبعة الأولى 1421هـ/2000م.
:::

المطلع على هذا البحث يلمس من موضوع الكتاب أصالته وجدته ، فلعل طرق مقاصد الشريعة عند ابن تيمية_رحمه الله_ نادراً إن لم يكن معدوماً على الوجه الذي طرح في هذا الكتاب,لذا كان ما تفرد به المؤلف من موضوعات, وما تميز فيه من مسائل هي من الأهمية العظمى, والمكانة الكبرى في علم المقاصد؛ ليكون طرحه على ما جاءت به الشريعة موافقاً للمنهج السوي, والطريقة العدل الذي اشتهر به شيخ الإسلام في أحكامه وأرائه, لاسيما وقد كثر الأصوات التي تنادي ببناء الشريعة أصولها وفروعها على مقاصد الشريعة وأهدافها، ويعرف كل ذي بصيرة أن هذا سلاح ذو حدين, وعملة ذات وجهين،في أحداهما داء لو تفشت, وفي الأخرى دواء لو استخلصت.

فإن قصد به إظهار محاسن الشريعة, وبيان مصالحها وربط العباد بنصوصها, وتوظيف مقاصد الشارع في فقه الواقع , والترجيح بين المصالح والمفاسد, فهي صلاح ودواء وخير, وهي فساد وداء وشر إن أريد بها هدم الشريعة, وتجاوز نصوصها, وضوابطها بحجة المقاصد, واتخاذها سلماً للتطاول على النصوص الشرعية, ومعول هدم للرسالة السماوية الربانية من حيث عُلم أو لم يُعلم.

لأجل ذلك سوف يبين هذا المبحث أبرز تلك المسائل التي انفرد الكتاب بإبرازها,أو تميز في إيضاحها,أو كشف اللبس عن غوامضها، مما يجدد الروح في مقاصد الشريعة على المنهج القويم, فكان الأحرى للصواب, والأنسب للمقام وضعها في نقاط على النحو التالي:

_من أبرز المسائل التي تميز المؤلف في طرحها وانفردت بها مقاصد الشريعة عند ابن تيمية مسألة علاقة مقاصد الشريعة بالسياسة الشرعية, فقد أوضح المؤلف بأمثلة ونصوص ابن تيمية التفاته إلى بيان مقاصد الشارع في السياسة والحكم, فبعد أن أورد نصاً للإمام يعلق عليه بقوله:"فانظر إلى هذا الربط الشديد بين مقاصد الشارع ومقاصد المكلف, وكيف تكون مقاصد الشريعة ضابطة لمقاصد المكلفين وقوانين الولاية وشؤون الدولة الإسلامية"([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)) ,ثم أظهر منهج ابن تيمية_ رحمه الله_ في مسألة تنصيب الحكم وتولي القيادة من خلال المقدرة على ممارسة السلطة, وبين مذهبه في الخروج على أئمة الجور بناء على قاعدة مقاصدية كبرى عند ابن تيمية_رحمه الله_ وهي تعارض المصالح والمفاسد وتزاحمها، فقرر على قواعده تحريمه إن كانت المفسدة أكبر من المصلحة فيه([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وما أشد الحاجة لإظهار هذا الفقه المقاصدي الأصيل!, وأعظم الغبن في إهماله, وتهميشه,ثم أوضح بأن مقاصد الشريعة هي هدف السياسة وقبلتها وغايتها([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)) , وفي هذا يظهر عمق فهم ابن تيمية _رحمه الله_ لشأن الولاية في الشريعة, وحسن استنباط المؤلف لمنهجه فيها.

_ كذلك مسألة جلب المصالح وتعطيل المفاسد, وإن لم تكن مسألة جديدة ,فقد تكلم فيها الأصوليين وغيرهم, إلا أنه طرحها طرحاً متميزاً على منهج ابن تيمية_رحمه الله_ حيث أوضح أن المقصود بجلب المصالح وتعطيل المفاسد الدارين لا المصلحة الدنيوية كما أوضح في استدراكاته على البعض([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)), ثم بين تحقيق ابن تيمية للمصلحة والمفسدة باشتراطه خلوصهما ([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)), وقرر أن معرفة العقل للمصلحة والمفسدة مشروط بعدم مصادمة الأدلة الشرعية([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)), وانتهى إلى مسألة الترجيح بين المصالح والمفاسد وهي لب هذه المسألة عند ابن تيمية, وبين القواعد في المصالح والمفاسد.
فجاء الكلام فيها على منهج وسطي معتدل يحتاج إلى تفهم مقاصدها؛لتطبيق قواعد هذه المسألة وأصولها على الحوادث والمستجدات؛ لكثرة اختلاط وتصادم المصالح والمفاسد في عصر كثرة فيه المتغيرات الحضارية ، فالبعض يغلب جانب الفساد فيها, والبعض يغلب جانب المصلحة ؛لذا كانت الحاجة ماسة لضبط المصلحة والمفسدة الشرعية_كما فعل ابن تيمية_ بقوله بالخلوص فيهما,ثم الترجيح بينهما, فالثمرة يانعة, قريبة الجني لمن عرف مقاصد الشارع فيها.

-إبرازه في هذه الرسالة دور الأعلام السابقين لابن تيمية _رحمه الله_ ومن جاء بعده , وإضافتهم في علم المقاصد , وجاء ذلك جلياً عند حديثه عن تاريخ المقاصد الشرعية في الفصل الأول, فالمؤلف لا يفتأ يذكر إضافة الأعلام من المسائل التي تكلموا فيها في المقاصد فينسب الفضل لذويه,فقد ذكر إضافة كل عالم والمسائل التي أحدث التصنيف فيها على شكل نقاط مركزة([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)), وهذا التلخيص أغنى الباحث في هذا المجال من طول البحث فيما انفرد به كل إمام من مسائل المقاصد الشرعية وما شارك غيره فيها.
_وإن كان هذا البحث كتب أصالة في مقاصد الشريعة عند ابن تيمية_رحمه الله_ فالمؤلف كثيراً ما يقرن بين أقوال ابن تيمية_رحمه الله_ وتلميذه النجيب_ابن القيم_ فيورد في المسألة أقوال بن تيمية ونصوصه, بعد ذكر أقوال من سبقه, ويؤيد سريان الفكر المقاصدي لابن تيمية بما يورده من نصوص ابن القيم_رحمه الله_ وهي في الغالب تحوم حوله, وتفسر وتشرح, وتقعد وتؤصل ما ذهب إليه شيخ الإسلام؛ لذا جاء الكتاب موسوعة في المقاصد الشرعية فهو يطرق في المسألة الواحد الخلافية الأقوال والأدلة_كما صنع في مسألة التعليل_ ويناقش ويرجح بمنهج علمي على أعدل ما يكون من الإنصاف.

-ومما يلفت الانتباه ما كتب في مسألة مدى حصر المقاصد في الضروريات الخمس_ ولا يخفى شهرتها_فأول ما بدأبه تنبيه على الخلاف الحاصل في تقسيمها ([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)) ثم ساق الخلاف فيها وبيان الزيادة عليها وهي النظرة التي برزت عند المعاصرين فزادوا على المقاصد الخمسة مقاصد أخرى كالعدل, وحرية التفكير, والمساواة , والمسامحة, وهو هنا يظهر التوجه المعاصر في مقاصد الشريعة؛ لذا كانت هذه المسألة بحاجة إلى ضبط أصولها, وبيان وجه الحق فيها بتنصيص الشارع على اعتبار ما قد يزاد من مقاصد عامة, كما بين في المقاصد التي انفرد ابن تيمية_رحمه الله_ بالقول بها.

_ ومما يكمل البيان في المسألة السابقة تفرد كتاب البدوي بذكره للمقاصد غير الضروريات الخمس التي ظهرت في مصنفات شيخ الإسلام_ابن تيمية_ وبما أن هذا المؤَلف خاص بمقاصد الشريعة عند ابن تيمية فتعتبر هذه المقاصد أحدى ثمرات هذا البحث العلمية.
وقد أشبع هذه لمقاصد دراسة من نصوص الشيخ وهي سبعة:
1) مخالفة المشركين وعدم التشبه بهم([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).
2) مخالفة الشيطان ومن لم يكمل دينه([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
3)خلق السماحة والصبر والشجاعة والكرم([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)).
4)الإتلاف وعدم الإختلاف([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)).
5) الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله والتعاون على ذلك([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)).
6) العدل وعدم الظلم([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)).
7) مخالفة المكلف هواه حتى يكون عبداً لله طوعاً كما هو عبد لله كرها([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15)).

_ ومن الجدة في هذا البحث الإستدراكات, والإنتقادات التي بثها المؤلف في ثنايا هذا الكتاب, في مسائل مهمة, وموضوعات قيمة, وهي دقيقة المأخذ, بعيدة الغور لا يحسن بالقارئ المتفحص الوقوف منها إلا موقف الإعجاب والتقدير للملكة التي تفرد فيها باستخلاص تلك الإستدراكات, سواء التي استنبطها من نصوص شيخ الإسلام_ابن تيمية_ ,أو التي ظهرت للمؤلف أثناء البحث والتنقيب في المصنفات, وعند المقارنة بنسبة الأمور إلى أهلها. ويذكر هنا أبرز تلك الإستدراكات وما أكثروها!
1) التنبيه على الخطأ في استعمال لفظ الغرض للتعبير عن المقصد , ويقول في ذلك:" وهذا مما حذر من ابن تيمية......لأن هذا اللفظ يشعر بنوع من النقص,إما ظلم وإما حاجة,فإن كثير من الناس إذا قال: فلان له غرض في هذا,أو فعل هذا لغرضه,أرادوا أنه فعله لهواه ومراده المذموم, والله منزه عن ذلك"([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)).
2) استدراكه على من قال أن القدماء لم يشترطوا العلم بمقاصد الشريعة عند الإجتهاد([17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17)).
3) استدراكه على الشيخ ابن عاشور_رخمه الله_ ومتابعة الدكتور يوسف العالم_حفظه الله_ له في القول بأن حق العامي أن يتلقى الشريعة بدون معرفة لمقصد([18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18)).
4) استدراكه على من قال أن الشاطبي_رحمه الله_ شيخ المقاصديين ويقول في بيان ذلك:" فأما أنه مؤسس هذا العلم فهذا لا يسلم كما ذكرنا في تاريخ المقاصد,وأما أنه شيخ المقاصديين فهذا إن سلم من الناحية النظرية التأصيلية ,فإنه لا يسلم بإطلاقه"([19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19)) ثم يقول:" أما على مستوى الناحية التطبيقية التوظيفية فابن تيمية هو شيخ المقاصديين وقائدهم.....لاسيما أن الشاطبي قد انتقده البعض.....بأنه أطال في مسائل المقاصد تطويلات وخلط,وغفل عن مهمات المقاصد, وأنه استطرد كثيراً, وفرع فروعاً خارجة عن المقصود, مما سبب تشتت وحدة الموضوع,وأضفى على كتابه الموافقات روح الجدل الممل"([20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20))
5) استدراكه على ما يراه كثير من الأصوليين القدماء والمعاصرين من أن المقصد الأسمى من الشريعة هو حفظ نظام البشرية وصلاح الكون وسعادة الإنسان، بينما خلص مما ساقه من نصوص شيخ الإسلام_ابن تيمية_ أن هذا المقصد تابع ومكمل لتحقيق العبودية فهو الأصل وغيره تابع.([21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21))
6) في مسألة مدى إدراك العقل للمصلحة والمفسدة ينكر على الغزالي_رحمه الله_ قوله بإستقلال العقول بمعرفة جهة المصالح والمفاسد([22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22)),كما ينكر بالمقابل قول الشاطبي_رحمه الله_ عندما قرر أن العقل لا يحسن ولا يقبح([23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23)) ,ويرجح ما ذهب إلية شيخ الإسلام ابن تيمية, وتلميذه _ابن القيم_ رحمهما الله_ أن معرفة العقل عند ابن تيمية مشروط بعدم مصادمة الأدلة النقلية , فالعلاقة بينهما تكاملية مع كون النقل هو أساس العقل.
7) وممن أستدرك عليهم شيخ الإسلام ابن تيمية_رحمه الله_ فلم يكن بمنأى عن توجيه أقواله,فعند ذكره أحد مقاصد الشريعة عند ابن تيمية_رحمه الله_ وهو مخالفة المشركين ذكر فعلق على قوله بأن المخالفة فيه صلاح لنا. قال البدوي:" لا يسلم لابن تيمية أن مخالفتنا لهم فيما يتقنوه من أمور الدنيا مضر بآخرتنا , لاسيما إذا كان فيه مصلحة تيسير أمور الدنيا ولا تتعارض مع الأصول الشرعية , وذلك كالإستفادة من الإختراعات الحديثة في خدمة الدين والدنيا".([24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn24))
8) أن تقرير شيخ الإسلام _ابن تيمية_ لمقصد الإئتلاف وعدم الإختلاف _كما ذكر في المقاصد التي أثبتها في كتبه_ استدراك ورد لشبهة القائلين بتعصب الشيخ في فتاويه ومؤلفاته وتشتيته لجماعة المسلمين وتفريقهم, فقد رُد هذا الإدعاء من خلال تأسيسه لمقصد الإئتلاف وعدم الإختلاف من بين المقاصد التي أثبتها([25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn25)).
9) استدراكه على الريسوني قوله بأن سكوت الشارع عن الحكم مع قيام المقتضى وتوافر الشرط وانتفاء المانع أقل طرق معرفة المقاصد أهمية؛مدافعاً فيه عن ابن عاشور _رحمه الله_ عدم ذكره له، فقد بين بأن هذا الطريق يعادل الطرق المذكور جميعها؛ لأن الطرق جميعها تعرّف بالمقاصد من جانب الوجود, وهذا الطريق يعرّف بالمقاصد من جانب العدم.([26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn26))
_ ومن جميل ما صنع في أغلب مباحث الكتاب أن يورد في نهاية كل مبحث تنبيهات على المسألة التي ناقشها كما فعل في مسألة التعليل([27] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn27)), وما فعل في نهاية مبحث الإستقراء وهو أحد طرق إثبات المقاصد فقد نبه على المجالات التي وظف فيها ابن تيمية _رحمه الله_ الإستقراء لمعرفتها([28] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn28)),وذكر في أخر طرق معرفة المقاصد وهو سكوت الشارع مع وجود المقتضى وانتفاء المانع تنبيهات ([29] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn29)) وفي هذه التنبيهات يذكر مسائل يفند القول على تأصيلها في علم المقاصد, أو يصحح نسبة القول والعلم لأهله.

_ ومن أظهر المسائل التي تفرد بها هذا الكتاب هي إسهامات ابن تيمية في علم المقاصد,والتي جاء تفصيل القول فيها في الفصل الخامس من الكتاب ومن تلك المسائل, مسألة الإعتدل والوسطية في مقاصد الشريعة ([30] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn30))والتي أظهر فيها التميز والتفرد لابن تيمية_رحمه الله_ فيها من خلال فتاويه ومنهجيته المعتدلة فيها, وهذه المسألة نافعة وجديرة بتسليط الأضواء عليها,وإظهارها لحيز الوجود لاسيما في هذا العصر الذي اتهمت فيه النصوص الشرعية, ومن هم في وجه المدفع من العلماء الربانيين بالتشدد, والتعسف في فتاويهم؛ لذا كان الإهتمام بهذا الجانب من الأهمية بمكان, فتبين فيه مقاصد الشريعة في وسطية سلفية معتدلة المنهج.















[/URL]([1]) ص:432

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)([2]) انظر:ص433

([3]) انظر:ص443

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)([4]) انظر:284

([5]) انظر:287

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)([6]) انظر:297

([7]) انظر:ص92

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7)([8]) انظر:250

([9]) انظر: 265

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9)([10]) انظر: 268

([11]) انظر:296

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11)([12]) انظر: 271

([13]) انظر:274

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13)([14]) انظر:276

([15]) انظر:279

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15)([16]) ص:61

([17]) انظر:114

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17)([18]) انظر:102

([19]) ص:505

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19)([20]) ص:505

([21]) انظر: 264

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref21)([22]) انظر:297

([23]) الصفحة نفسها

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref23)([24]) ص:267

([25]) انظر: 271

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref25)([26]) انظر:233

([27]) انظر:198

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref27)([28]) انظر:211

([29]) انظر:234

[URL="لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref30"] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref29)([30]) انظر:519

طارق موسى محمد
10-05-26 ||, 11:26 PM
جزاكم الله خيرا على المعلومات المفيدة وجعلها الله في ميزان حسناتكم

أحمد محمد عروبي
10-05-27 ||, 02:05 AM
تلخيص مفيد وجيد
بارك الله فيك
غير أني أسالك إن كان من الممكن الحصول على هذا البحث ؟
ولك جزيل الشكر

هدى إبراهيم
10-05-28 ||, 10:17 PM
بعد إنتهاء مناقشة البحث سيتم رفعه _إن شاء الله_

د. أريج الجابري
10-05-28 ||, 10:52 PM
بارك الله فيكم
وهناك تعريف للمقاصد قد رجحه أستاذنا في المقاصد أيام دراستي في السنة المنهجية للماجستير؛ فهو تعريف دقيق وشامل؛ إذ يقول في تعريف المقاصد:" هي المصالح العاجلة والآجلة للعباد التي أرادها الله عز وجل من دخولهم في الإسلام، وأخذهم بشريعته".
قوله: "المصالح العاجلة والآجلة"؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل للعباد مصالح في الدارين؛ ولذلك ذكر في التعريف لئلا يتطرق في الذهن قصر المصالح على واحدِ منها.
وقوله:" للعباد"؛ لبيان من تعود عليهم المصالح.
وقوله:" التي أرادها الله عز وجل" ولم يقل لفظ "الشارع"؛ حتى لا يقع في الاعتراض على هذا اللفظ،، ولم يقل "وضع"؛ لأن الله تعالى أورد لفظ الإرادة في قوله تعالى : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)؛ فهو موافق لتعبير المقاصد؛ فرفع الحرج من مقاصد الشريعة.
وقال تعالى: ( يريد الله أن يخف عنكم...)؛ فرفع المشقة والتخفيف من مقاصد الشريعة.
س/فما فائدة هذا القيد؟
ج/ فائدته لبيان مصدر المقاصد، والذي له حق التشريع هو الله تعالى؛ لأن البعض استغل المقاصد في تحليل ماحرم الله.
وقوله:" من دخولهم في الإسلام"؛ فهذا القيد يُذكر؛ لبيان أن الذي يستفيد من المقاصد هم المسلمون، أما غيرهم فلا يستفيد منها إلا في المصالح الظاهرة فقط، وأما المصالح الحقيقية النفسية والعقدية لا تعود عليهم؛ لذلك نجد أنه يكثر فيهم الانتحار والكبت والهم.
وقوله:"وأخذهم بشريعته"؛ وذكر هذا القيد؛ لأن بعض المسلمين لم يلتزموا بشريعة الإسلام؛ فلم تتحقق لهم المصالح كاملة.
لذلك أجد- في نظري- كما ذكر أستاذنا أن هذا التعريف دقيق وشامل.

يحيى رضا جاد
10-06-29 ||, 02:51 PM
لقد أخبرتُ - منذ مدة- الأختيْن الكريمتين صاحبي التعليقات السابقة أني سأعلق على بعض ما جاء في كلامهما حين ينفرج لي بعضُ وقت .. ولكن الأمر ما يزال على ما كان .. فأعتذر لهما آسفاً

يحيى رضا جاد
10-06-29 ||, 02:54 PM
وشكرٌ موصول للأستاذ/ مصطفى والأستاذة/ تمارا

رحاب خالد القاسم
10-12-23 ||, 10:53 AM
القاعدة الأولى: أن الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي.
القاعدة الثانية: أن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقين بإطلاق.
القاعدة الثالثة: أنه لا يلزم من اختلال الباقين اختلال الضروري.
القاعدة الرابعة: أنه قد يلزم لاختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي اختلال الضروري بوجه ما.
القاعدة الخامسة: أنه ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري

عفوا هل من تمثيل لهذه القواعد كي يتضح معناها

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-12-23 ||, 05:20 PM
عفوا هل من تمثيل لهذه القواعد كي يتضح معناها
حياك الله أختنا الكريمة:
أنا بصدد الولوج لهذا التمثيل في الدرس القادم من سلسلة: تلخيص كتاب: (علم مقاصد الشارع) للدكتور الربيعة (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

القاعدة الثانية: أن اختلال الضروري يلزم منه اختلال الباقين بإطلاق.
مثاله:
1- ارتفاع أصل البيع من الشريعة لا يمكن معه اعتبار عدم الجهالة والغرر.
2- ارتفاع أصل القصاص لا يمكن معه اعتبار المماثلة فيه؛ لأنها من أوصاف القصاص، ويستحيل ثبوت الوصف مع انتفاء الموصوف.
3- سقوط أصل الصلاة عن المغمي عليه أو الحائض لا يمكن معه بقاء حكم القراءة فيها، أو التكبير، أو الجماعة، أو الطهارة الحدثية أو الخبثية.

القاعدة الثالثة: أنه لا يلزم من اختلال الباقين اختلال الضروري.
مثاله:
1- إذا سقط من أجزاء الصلاة كالذكر أو القراءة أو غيرهما مما هو من أوصافها وليس بركن فيها، لا يبطل أصل الصلاة.
2- ارتفاع اعتبار الجهالة والغرر لا يبطل أصل البيع؛ كما في الخشب، والثوب المحشو، والجوز، والأصول المغيبة في الأرض، كالجزر، واللفت، وأسس الحيطان.
3- ارتفاع اعتبار المماثلة في القصاص لا يبطل أصل القصاص.

القاعدة الرابعة: أنه قد يلزم لاختلال التحسيني بإطلاق أو الحاجي اختلال الضروري بوجه ما.
مثاله:
الصلاة: تقدُّمها بالطهارة قبل دخول الوقت مثلاً، كمن ينتظر الصلاة، ثم يتوضأ فيحسن الوضوء ويسبغه مستحضراً الذكر الوارد وفضله، ثم يجيب المؤذن حال الأذان، ويمشي إلى الصلاة بسكينة ووقار، ثم يدخل المسجد مقدماً رجله اليمنى على اليسرى ذاكراً الدعاء الوارد مستحضراً إياه، داخلاً للمسجد قاصداً الصف الأول مستشعراً أجر أهل الصف الأُوَل، ولا يجلس حتى يصلي تحية المسجد خاشعاً داعياً، ثم يسلم ينتظر الصلاة بالذكر والدعاء؛ حتى إذا أقيمت الصلاة أقبل على ربه يناجيه.
فلو اقتصر المصلي على الفرض تاركاً مكملاتها مخلاً بها بإطلاق، بحيث لا يأتي بشيء منها، أو إن أتى بشيء منها كان يسيراً؛ فما أسهل نفوذ الخلل إلى الصلاة، وحديث المسيء صلاته شاهدٌ في هذا الباب.


القاعدة الأولى: أن الضروري أصل لما سواه من الحاجي والتكميلي.

القاعدة الخامسة: أنه ينبغي المحافظة على الحاجي والتحسيني للضروري
مثاله:
ما سبق ذكره في مقدمات الصلاة التي ينبغي المحافظة عليها؛ كي تقع صلاته كاملة، مقامة على ما أراد الله، ولذا ورد في الحديث أَطْبَاق الناس في قبول الصلاة حتى إن منهم من تلف وتلقى عليه كالثوب الخرق! مع أنه صلى أمام الناظرين!

سيدي محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد
11-06-05 ||, 06:38 AM
جزاك الله خيرا
موضوع مفيد جدا