المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : علة خفية في العلل الخفية!



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-05-31 ||, 05:43 PM
علة خفية في العلل الخفية!





ألاحظ – بكثرة - على بعض من يتكلمون في تعليل الأحاديث ونقدها أنهم إذا اعترضهم حديث أشاروا إلى علة خفية فيه، فنبشوا رجال الإسناد، وأخرجوا من رجاله من استغربوا عنه أحرفاً من أحاديثه، أو أنه يغرب أحيانا، أو أن له أحرفاً يسيرة غلط فيها، ثم يضعون احتمالاً أن هذا يمكن أن يكون منها!.


وبهذه الطريقة أمكن هؤلاء الجهابذة المتأخرون أن يستعملوا أدوات أحمد والبخاري وأبي حاتم والدارقطني في نقد الأحاديث التي ظاهرها الصحة.


وفات هؤلاء أنهم بطريقتهم هذه يمهدون للطعن في عامة النصوص والأحاديث، فكم هي الأحاديث التي رويت بسلاسل الذهب، ومَنْ مِن الناس سَلِم له شيء؟ حتى هؤلاء المذهَّبون!


إن الكلام في الرجال في فرز ما أخطؤوا فيه مما أصابوا مسلكٌ صعب ووعر، تقحمه الكبار الأوائل، وتنازعوا في بعض ذلك، وما سلِّم لهم كل شيء.


فما على المتأخر إلا التقليد أو السكوت، أو الكلام بعلم خاص، من غير التعويل على أن فلاناً قيل فيه، أو أنه ربما، فإن الكلام بالظن والخرص ضربٌ من الكلام بغير علم.


وأعجب من كل عجيب أن النص إذا وافق مشربهم لم يرتضوا هذه الإثارات إما لأن الأصل الصحة أو أن هذه الاحتمالات لا تقاوم المعروف عنه والغالب.


وكما ترى فإن "إعلال" الرجال الثقات، ببعض ما قيل فيهم، أو"التمسك" بأصل صحة أحاديثهم، مطايا تمتطى بالحق تارة وبالباطل تارات!.

ضرغام بن عيسى الجرادات
10-05-31 ||, 07:47 PM
أوافقك الرأي أخي الشيخ فؤاد ،وأنت تعلم ان المتأخرين فيهم جرأة في العلم، وتلك وإن كانت جرأة ادت كثيرا منهم إلى التحرر من ربقة التقليد واتباع الأدلة،لكن هذه الجرأة انسحبت وكبرت حتى أدخلتهم في الجرأة غير المحمودة،وألجأتهم إلى ما أسميه(التفزلك) إلى حد بعيد ،وذلك ليس في باب واحد من أبواب العلم بل في الفقه والأصول والعقيدة ،وغيرها.
ولكن:ثمة بحوث رأيتها معاصرة في العلل،لطلبة علم جيدة، قد يخرج الباحث فيها بعض العلل الخفية،ولكنه لما يرى تلك العلل بفعله صارت جلية، يقدم على الأحاديث التي لما يعلها أحد،ويتكلم فيها ويدعي-بصنيعه-أن هذه العلة خفت على أهل الصنعة الحديثية، من عهد شعبة إلى الألباني.
وبذلك:يظهر أهمية ان لا يقدم الباحث في العلل على تضعيف إلا ويكون مسبوقا في تضعيفه،أو يكون نص إمام على كون هذا الحديث معلولا وإن لم يبن ماهية العلة.
وأمر مهم:-كما في شريف علمكم -كل علم يدخله الهوى والعصبية يفسدانه،فإنهما يحرفان النظر عن الموضوعية،ويجريانه مع الأهواء الهوية.
ثم إشارتكم-حفطكم الله- إلى أن الباحث لا ينبغي أن يعول على الظن،بمجرد أنه قيل فيه يروي أحاديث منكرة،أو استنكرت عليه،لا يكفي في تضعيفه او ضرب النظر عن حديثه،بل يجب أن ينضم إلى ذلك قرائن أخرى، ثم لينظر الباحث دائما هل هذا الحديث مما استنكره أهل الصنعة قديما عليه،وقد أحسن الحافظ ابن عدي في الكامل،وغيره رحم الله الجميع.
وعلم الحديث:دخله -كما غيره-هوى كثير،نسأل الله أن يعصمنا من الزلل،ويقيمنا على العلم وصالح العمل.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-06-01 ||, 09:40 PM
شكر الله لكم إضافتكم الثرية، ومازلتُ أطمع في مشاركات الإخوة.

مقامات الكبار ينبغي أن تكون محفوظة لهم ولمن كان شبههم أو حتى قريباً منهم.
وليس بالضرورة أن يكون كل من اعتلى منصة العروس عروساً!
فما أكثر المتسلقين!

د. أيمن علي صالح
10-06-02 ||, 07:52 AM
الأخوان الكريمان الهاشمي وجرادات جزاكما الله خيرا، اسمحا لي أن أخالفكما وجهة النظر ولو قليلا.
نعم لا يجوز التعالم والتفذلك والقول بالخرص والأوهام، لكني لست من أهل التسليم للعلماء السابقين بإطلاق حتى في معايير التصحيح والتضعيف، والتوثيق والتجريح، مع حفظي للود والفضل والأدب والتقدير لهم في كل مقام، لأن العلوم في كل المجالات تتنامى وتتطور ويبني فيها اللاحق على السابق (انظر إلى فَرْق ما بين رسالة الشافعي ومستصفى الغزالي مثلا، من حيث العمق والشمول وحتى الصياغة والترتيب)، فما المعنى أن العلوم الدينية هي وحدها التي تتراجع! وأنها في السابق كانت أفضل وأوفر منها الآن!

الأقدمون وإن كان لهم فضل السبق، فالمتأخرون لديهم مزية الإحاطة، لا سيما في علم الحديث، فمع انتشار الطباعة والفهارس، والبرامج الحاسبوية المسهلة للعمل، ما ينجزه واحد من المتقدمين في شهر، يمكن أن ينجزه أحد المعاصرين في يوم.

المشكلة في الحقيقة ليست في الإمكانيات، ولا في قدْر العِلم وكثرته وتطوره على مدى السنين، وإنما في قلة عدد العلماء النوابغ المشتغلون المتفرغون للعلم، بسبب انصراف الناس جملة عن العلوم الدينية. في الأزمان السالفة كان العلم الأساس هو العلم الديني، ولا يشتغل به إلا الأذكياء والنوابغ من المسلمين، أما العلوم الأخرى فأقلُّ إقبالا، حتى إن الغزالي في الإحياء ذكر أن علم الطب كان محتقرا في عصره، لذلك اشتغل به أهل الذمة. أما اليوم فأكثر النوابغ والأذكياء يتوجهون إلى العلوم الدنيوية المختلفة من طب وهندسة واقتصاد وغير ذلك بسبب ما تدره من رزق، وأكثر المشتغلين بالعلوم الدينية وخريجي كليات الشريعة هم من ضعيفي، أو على الأقل، متوسطي الذكاء. ومن هنا قل العلماء النوعييون، وازداد انصاف المتعلمين، والمتسلقون. (ولا أستثني نفسي في هذا المقام).

أنا لست متخصصا في علم الجرح والتعديل، ولكن يحق لي أن أتساءل كيف كان يحكم علماء الجرح والتعديل على أناس لم يعاصروهم، أو عاصروهم ولم يعاشروهم، بالضعف والتوهين، أو بالعدالة والضبط؟

من المؤكد أنهم كانوا ينظرون في روايات هؤلاء الرواة، ويعرضونها على روايات الذين اشتهرت عدالتهم وضبطهم، ومن خلال المقارنة يظهر لهم، من هو ثقة، يوافق الثقات في غالب روايته، ومن هو ضعيف، يُغْرب ويزيد وينقص. ولعل هذه الطريقة هي عمدتهم في الجرح والتعديل. ولا أدري إذا كانت لديهم ثم طريقٌ سواها. فإذا كان ذلك كذلك ألا نستطيع أن نسلك السبيل نفسه اليوم في الرواة (لا سيما المختلف فيهم عند علماء الجرح والتعديل) فنجمع روايات الواحد منهم كلها، ونعرضها على روايات الأثبات المتفق على توثيقهم، ثم نعطي كل راوٍ نسبةً مؤوية في الضبط (من 10% إلى 99%) تبعا لموافقته ومخالفته وتفرده، سيما أن هذا الأمر الآن هو أيسر وأسرع وأدق بالوسائل الحاسوبية الحديثة مما كان عند المتقدمين.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-06-02 ||, 10:44 AM
الأخوان الكريمان الهاشمي وجرادات جزاكما الله خيرا، اسمحا لي أن أخالفكما وجهة النظر ولو قليلا.

نعم لا يجوز التعالم والتفذلك والقول بالخرص والأوهام، لكني لست من أهل التسليم للعلماء السابقين بإطلاق حتى في معايير التصحيح والتضعيف، والتوثيق والتجريح، مع حفظي للود والفضل والأدب والتقدير لهم في كل مقام، لأن العلوم في كل المجالات تتنامى وتتطور ويبني فيها اللاحق على السابق (انظر إلى فَرْق ما بين رسالة الشافعي ومستصفى الغزالي مثلا، من حيث العمق والشمول وحتى الصياغة والترتيب)، فما المعنى أن العلوم الدينية هي وحدها التي تتراجع! وأنها في السابق كانت أفضل وأوفر منها الآن!

الأقدمون وإن كان لهم فضل السبق، فالمتأخرون لديهم مزية الإحاطة، لا سيما في علم الحديث، فمع انتشار الطباعة والفهارس، والبرامج الحاسبوية المسهلة للعمل، ما ينجزه واحد من المتقدمين في شهر، يمكن أن ينجزه أحد المعاصرين في يوم.


المشكلة في الحقيقة ليست في الإمكانيات، ولا في قدْر العِلم وكثرته وتطوره على مدى السنين، وإنما في قلة عدد العلماء النوابغ المشتغلون المتفرغون للعلم، بسبب انصراف الناس جملة عن العلوم الدينية. في الأزمان السالفة كان العلم الأساس هو العلم الديني، ولا يشتغل به إلا الأذكياء والنوابغ من المسلمين، أما العلوم الأخرى فأقلُّ إقبالا، حتى إن الغزالي في الإحياء ذكر أن علم الطب كان محتقرا في عصره، لذلك اشتغل به أهل الذمة. أما اليوم فأكثر النوابغ والأذكياء يتوجهون إلى العلوم الدنيوية المختلفة من طب وهندسة واقتصاد وغير ذلك بسبب ما تدره من رزق، وأكثر المشتغلين بالعلوم الدينية وخريجي كليات الشريعة هم من ضعيفي، أو على الأقل، متوسطي الذكاء. ومن هنا قل العلماء النوعييون، وازداد انصاف المتعلمين، والمتسلقون. (ولا أستثني نفسي في هذا المقام).


أنا لست متخصصا في علم الجرح والتعديل، ولكن يحق لي أن أتساءل كيف كان يحكم علماء الجرح والتعديل على أناس لم يعاصروهم، أو عاصروهم ولم يعاشروهم، بالضعف والتوهين، أو بالعدالة والضبط؟


من المؤكد أنهم كانوا ينظرون في روايات هؤلاء الرواة، ويعرضونها على روايات الذين اشتهرت عدالتهم وضبطهم، ومن خلال المقارنة يظهر لهم، من هو ثقة، يوافق الثقات في غالب روايته، ومن هو ضعيف، يُغْرب ويزيد وينقص. ولعل هذه الطريقة هي عمدتهم في الجرح والتعديل. ولا أدري إذا كانت لديهم ثم طريقٌ سواها. فإذا كان ذلك كذلك ألا نستطيع أن نسلك السبيل نفسه اليوم في الرواة (لا سيما المختلف فيهم عند علماء الجرح والتعديل) فنجمع روايات الواحد منهم كلها، ونعرضها على روايات الأثبات المتفق على توثيقهم، ثم نعطي كل راوٍ نسبةً مؤوية في الضبط (من 10% إلى 99%) تبعا لموافقته ومخالفته وتفرده، سيما أن هذا الأمر الآن هو أيسر وأسرع وأدق بالوسائل الحاسوبية الحديثة مما كان عند المتقدمين.


أخي فضيلة الدكتور الكريم، شكر الله لك هذه الإضافات الطيبة، وأجدني أوافقك في أكثر ما ذكرت، ولا أجدها تعارض صلب المسألة المذكورة، فهي تعالج جزئية محددة في "كيفية التعليل"، ولم تتعرض للمسألة فيما ذكرت من شريف كلامكم.

د. أيمن علي صالح
10-06-02 ||, 12:30 PM
أخي فضيلة الدكتور الكريم، شكر الله لك هذه الإضافات الطيبة، وأجدني أوافقك في أكثر ما ذكرت، ولا أجدها تعارض صلب المسألة المذكورة، فهي تعالج جزئية محددة في "كيفية التعليل"، ولم تتعرض للمسألة فيما ذكرت من شريف كلامكم.

أخي الحبيب الهاشمي، نعم ما قلتُهُ لا يعارض صلب ما تفضَّلتَ به، لكني ألحظ في كلام الكثيرين في هذا المنتدى المبارك وغيره، نبرة عالية، ونغمة متكررة في تعظيم الأقدمين من أهل العلم وتبجيلهم، وفي الوقت نفسه جلد المعاصرين وذمهم، أو على الأقل التهوين من شأن ما يأتون به في مقابل المتقدمين. وكأن لسان الحال ما قال الشاعر:

ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم .............. وبقيت في خَلْفٍ كجلد الأجرب


ومع إدراكي التام بأن أكثر هذا الكلام إنما يُزجُّ به في وجه طائفة متنامية من المتعالمين وأصحاب ما يُسمى بفقه الدليل، كبحا لتطاولهم على الأئمة، ودفعا لهم لقَدْر أنفسهم مقاديرها، وحثا لهم ولغيرهم من الناشئين في العلم على إتيان البيوت من أبوابها، والتربي بصغار العلم قبل كباره، والتَّحصْرُم قبل التَّزَبُّب ــ مع إدراكي لهذا كله، فإني أجد جانبا من الآثار غير الحميدة لهذا الأسلوب، تتمثل في شيوع احتقار الذات، والتهوين من القدرات، والتغني بأمجاد الماضي، وكثرة الشكوى من انصرام العلوم، وعقم الفهوم في الوقت الحاضر، كما هو شائع بين الإسلامين عموما، وطلبة العلم الشرعي خصوصا. وهذا من شأنه أن يدفع إلى اليأس والخمول وقلة الابتكار والإبداع، وهو يستمد من الروح العلمية التي سادت في عصور "الجمود"، التي حكمت بتحريم الاجتهاد وإيجاب التقليد.


لماذا يسير الناس وَوُجوههم متجهة إلى الأمام، بينما يسير كثير من المشتغلين بالعلم الديني ووجوههم دائمة الاتجاه إلى الخلف؟ بل إن كثيرا منهم يعيش جسدا في الحاضر وعقله يسكن في الماضي منحازا أومحتارا بين الأشاعرة والمعتزلة، و"السلفية"، و"الخلفية"، وهذا وذاك.


ومع قبولي وتقديري لوجهة النظر المخالفة، فإني أدعو إلى التعاطي مع التراث وما سطره الأقدمون بروح تحليلية نقدية، لا بروح تبجيلية إطرائية، فهم بشرٌ أصابوا وأخطأوا، وعلموا أشياء وغاب عنهم كثير، {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وكم تركوا لنا، لنضيف جزاهم الله عنا كل خير. وينبغي أن نبث هذه الروح في نفوس المتعلمين، مع حثهم في الوقت نفسه على الموضوعية التامة واتباع المنهج العلمي الصحيح في التلقي، والبحث، والتحليل والنقد.


أما المتعالمون والمتسلقون وأنصاف المتعلمين، فهم سيتساقطون يوما بعد يوم، ولن يقيم التاريخ لهم وزنا، فضررهم إنما هو عليهم، وشررهم إنما يتطاير في دارهم. المهم أن لا يكونوا دائمي الحضور في وجداننا وكلماتنا، كأنهم جل أهل العلم والمشتغلين فيه في هذا العصر، فإهمالهم ربما يكون في رأيي خيرا من التعرض لهم، وما أكثر من يصلح حاله منهم بعد حين، كما قالوا: طلبنا العلم لغير الله فأبى الله إلا أن يكون له.


د. أيمن صالح

يحيى رضا جاد
10-06-02 ||, 07:22 PM
لقد قرأت هذا الموضوع لأخينا النابه/ فؤاد الهاشمي الآن .. وإذا بي أهم بالتعليق على ما قاله فرأيت برهان د/ أيمن صالح قد أثلج صدري

نعم, تعليق النابه الهاشمي يركز على أمر, وتعقيب أخينا الفاضل -النابه أيضاً- د/ أيمن صالح يركز على دائرة أخرى, لكن الأمر كما قال الأستاذ أيمن





لكني ألحظ في كلام الكثيرين في هذا المنتدى المبارك وغيره، نبرة عالية، ونغمة متكررة في تعظيم الأقدمين من أهل العلم وتبجيلهم، وفي الوقت نفسه جلد المعاصرين وذمهم، أو على الأقل التهوين من شأن ما يأتون به في مقابل المتقدمين [..] أجد جانبا من الآثار غير الحميدة لهذا الأسلوب، تتمثل في شيوع احتقار الذات، والتهوين من القدرات، والتغني بأمجاد الماضي، وكثرة الشكوى من انصرام العلوم، وعقم الفهوم في الوقت الحاضر
ومع قبولي وتقديري لوجهة النظر المخالفة، فإني أدعو إلى التعاطي مع التراث وما سطره الأقدمون بروح تحليلية نقدية، لا بروح تبجيلية إطرائية، فهم بشرٌ أصابوا وأخطأوا، وعلموا أشياء وغاب عنهم كثير [..] ينبغي أن نبث هذه الروح في نفوس المتعلمين، مع حثهم في الوقت نفسه على الموضوعية التامة واتباع المنهج العلمي الصحيح في التلقي، والبحث، والتحليل والنقد.



أما المتعالمون والمتسلقون وأنصاف المتعلمين، فهم سيتساقطون يوما بعد يوم، ولن يقيم التاريخ لهم وزنا، فضررهم إنما هو عليهم، وشررهم إنما يتطاير في دارهم [..] وإهمالهم ربما يكون في رأيي خيرا من التعرض لهم، وما أكثر من يصلح حاله منهم بعد حين





وأضيف قائلاً :

1- هناك أناسٌ صارت الشريعة عندهم هي أقوال الفقهاء (المتقدمين منهم خاصة) وأقوال الفقهاء هي الشريعة... فوقعت الأمة في شرٍ وبلاء, ودخلت جحر الضب الذي حذرها رسول الله (ص) منه؛ فخمدت الحركة العقلية, ووقف النشاط الفكري, وضاع الاستقلال العلمي .. فوقف الالفقهاء لا يستظهرون غير المتون, ولا يعرفون غير الحواشي, وما فيها من إيرادات واعتراضات وألغاز, وما كتب عليها من تقريرات.

ومن كان كذلك, فالبعد عنه مغنم !

فأصيب بذلك الفقه الإسلامى بالجمود, ومُنع الاجتهاد فى استنباط الأحكام وفهم النصوص, وصار عمل الفقيه لا يعدو عمل التابع داخل إطار المذهب المقلد له.

ولقد ساءنى - وما يزال- أن العالم المسلم لا يعلم عن دينه إلا القليل, وأن الفتاوى يصدرها, والآراء التي يبثها, التقليد فيها هو الطابع السائد والعملة المتداولة .. وهذه حال لا يجوز قبولها أو الغض من عقباها بأي حال من الأحوال؛ لأن (ضعف الرأي العلمي) كـ (فقر الدم): دليل ضعف وذبول, ونذير ضياع وهزيمة.


2- والواقع - كذلك- أن كلمة (مذهب) – والتى يجعلها البعض شرعاً مع الشرع, وأوامراً ونواهياً لا تجوز الحيد عنها – لا تعني إلا (وجهة نظر فقيه ما - تبعه عليها عدد من الفقهاء- في فهم النص السماوي). [ وهي وجهة نظر محترمة, صدرت من عالم مؤهل لإصدارها, وتبعه عليها - في كثير من الأحيان- فضلاء مشهود لهم بالأهلية العلمية .. فلا تظن بكلامي الظنون]

ووجهة النظر هذه لا عصمة لها ولا قداسة .. إنما هي تفكير بشرى في فهم الوحي الإلهي, ومحاولة استنباط ما يدل عليه ويرشد إليه. فالتعويل, كل التعويل, على الوحي (كما فعل أصحاب الآراء التي انبنت عليها المذاهب) .. والكرامة, كل الكرامة, في الانتماء إليه وحده (كما فعل أيضاً أصحاب الآراء التي انبنت عليها المذاهب)

3- وكذلك هي كلمة (الإجماع) - وما هو إلا إجماع خيالي مدعى- ؛ لا تعني إلا وجهة نظر ما لمجموعة من الفقهاء, أو حتى لمجموعة الفقهاء كلها - وهو ما لا يمكن إثباته عن أعيان جميعهم بالسند الصحيح إلى كل واحد منهم- في فهم النص السماوي. [ لاحظ أخي أني أفرق - كما تعلم- بين (الإجماع الذي تدعيه كتب الأصول) و(ما ثبت من الدين بالدليل القطعي ثبوتاً ودلالة) ]

ووجهة النظر هذه - أيضاً- لا عصمة لها ولا قداسة .. إنما هي تفكير بشرى في فهم الوحي الإلهي, ومحاولة استنباط ما يدل عليه ويرشد إليه. فالتعويل - كل التعويل- على الوحي, والكرامة - كل الكرامة- في الانتماء إليه وحده.

4- إن المشتغلين بالعلوم الشرعية - في مجملهم- نستطيع تصنيفهم إلى ثلاثة أصناف :

أ- (جامد) حجر ما وسع الله في شريعته .. فغلَّق الأبواب وجعل آراء المذاهب (أختاماً) و(أكلشيهات) صماء، لا يجوز الحيد عنها قيد شعرة.

جلف .. جسمه موجود في الحاضر وعقله يعيش في الماضي السحيق .. يجتر المنقضِ المنصرم .. لا يعايش العصر، ولا يحس بما تمور به بجور الحياة من أفكار، ولا بما يجري في العالم جولة من أحداث.

يصر على أن يعيش في التاريخ، أو في أحسن الأحوال في بطون كتبه، وهو يُشهرُ على كل من يدعو إلى الاجتهاد سيفاً مصنوعاً من حديد التقليد, ومصقولاً من معدن الآبائية، كُتِبَ عليه بالخط العريض (عندنا كل شيء ولا نحتاج شيئاً) لأن (الأوائل لم يتركوا شيئاً للأواخر)

انقلب التقليد عنده تعصباً مذهبياً .. فتقديساً للسابقين .. فَرِضاً بالعلم الجاهز -علم الأوائل- دون إعمال عقل لتنزيل الوحي على الواقع الذي يتغير من زمان إلى زمان, ومن مكان إلى مكان.

وهذا الصنف إن فكر وقدر (أي إن اجتهد وأفتى) فإنه ولا شك مقدم على مصيبة .. وبه وبأمثاله سوف يتدحرج المسلمون من العالم الثالث إلى عالم الفناء والتلاشي !!


ب- (متسيب) لا يريد أن يقيد بشئ، ولا أن تضبطه ضوابط, ولا أن تحكمه أصول وقواعد .. متعالٍ في مقاله، جريء على الكلام فيما لا يحسن، معجب برأيه، متجاوز للحدود في رد أمور الشرع ولـمز حملته، واتهامهم بما هم منه براء، واقع في أقبح مما عاب ‏عليهم !

يدعو إلى الانسلاخ من الدين والهوية والتاريخ والخصوصيات الثقافية؛ لأنها نتاج وبضاعة (الأوائل) التي - إن كان فيها شيءٌ أصلاً- فإنه لا يناسب - بإطلاق لا يقبل الاستثناء، وعموم لا يحتمل التقييد- سوى زمانهم ومكانهم وواقعهم المعين !

خطفه بريق المدينة الغريبة ، وراعه ذلك الصنم الكبير، فتعبد له، وقدم إليه القرابين، ووقف أمامه خاشعاً بصره يرهقه ذلة. فأحدث في ثوب الإسلام رتقاً بتبريره وتأويله وتحريفه .. فأصبح الحلال فى نظره ما أحله الغرب, والحرام ما حرمه .. وتناسى قول الله عز وجل: "إن الحكم إلا لله" .. وتناسى أن كلمة الله هى العليا .. فهى تُتََّبَع ولا تَتَّبِـع .. تعلو ولا يُعلى عليها.

ج- (وسطى ربانى) يجتهد فى الجمع بين الحسنين: فقه الشرع وفقه الواقع.

يستلهم القِيَم وينتفع بالجديد .. يستهدى بالتراث ويستشرط المستقبل .. يتدبر الكليات ويلحق بها الجزئيات .. لا يغلو - فى قوله- ولا يقصر, ولايطغى - فى الميزان- ولايخسر .. ييسر ما وجد السبيل القويم إلى ذلك ولا يعسر .. يبشر ولا ينفر .. يدعو الى ائتلاف القلوب واجتماعها, وينهى عن تفرقها واختلافها

فتنجذب له القلوب, وتميل إليه النفوس, وتُذَلل له الصعاب؛ فينقلب له المتعصب منصفا, والمبتدع سنيا, ويرتدى أثواب الرواية (أقصد الصحيحة) من كان متجلببا بالرأي (أقصد المذموم), ويمشى فى رياض الاجتهاد من كان معتقلاً فى سجن التقليد، مكبلاً بالقيل والقال، مكتوفاً باراء الرجال

5- ما قلته في آراء الفقهاء ينطبق على مذاهب المحدثين وآرائهم في علم المصطلح وفي الجرح والتعديل

مصطفى محمد ابراهيم
10-06-02 ||, 07:24 PM
).
أنا لست متخصصا في علم الجرح والتعديل،


ولذلك قلت ماقلت
ورحم الله الحافظ بن حجر حيث قال
من تكلم في غير فنه أتي بالعجائب

مصطفى محمد ابراهيم
10-06-02 ||, 07:29 PM
).
، ولكن يحق لي أن أتساءل كيف كان يحكم علماء الجرح والتعديل على أناس لم يعاصروهم، أو عاصروهم ولم يعاشروهم، بالضعف والتوهين، أو بالعدالة والضبط؟

.

أجاب علماء الحديث المعاصرون على هذا السؤال ولهم أبحاث في هذ ه المسألة
ومن ذلك كتاب الجرح والتعديل للشيخ إبراهيم اللاحم

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-06-02 ||, 07:48 PM
الأساتذة الكرام أحييكم على هذه المداخلات الثرية، وأسأل الله عز وجل أن يزيدنا وإياكم من فضله.

وكنت أفكر لو أنكم أثريتم مشاركاتكم في موضوع خاص بعنوان واضح، حتى يساهم بقية الإخوة في علاج الظاهرة التي أشرتم إليها، ويمكن أن تكون هي موضوع إحدى الندوات القادمة بإذن الله.

أما خصوص هذه المسألة فأرى أن الصواب لم يحالفكم فيه، فهناك قضايا فاتت، لها رجالها الذين انصرموا.

فمثلاً هل الرجل ثقة أو ليس بثقة، العلم المباشر به قد فات، إنما يعرفه من باشرهم، ونحن إنما نعرف ذلك بواسطة هؤلاء النقاد، ولذا لما أوردوا على الإمام أحمد حديثاً في الفتنة انتفض عليهم وقال: إن فلانا الذي رواه قد نهتيه عن التحديث به فقد غلط فيه.

فالإمام أحمد لم يكتف بالتغليط بل قد ذهب إلى الرجل نفسه وحذره ونهاه عن التحديث به، لأن روايات شيخه معروفة ومحصورة، وتلامذته متاوفرون وهذا قد غلط فيه.

هذه القصة هل يمكن أن تتكرر؟

عندما يقول أحد النقاد: إن فلاناً ثقة وله أحاديث مستغربة.
ثم أخذنا بتوثيقه تقليدا له وثقة به.
ثم وجدناه يقول في بعض أحاديث هذا الرجل: إن هذا مما ينكر عليه.
فإن هذا لا يخالف توثيقه الأول، فلا مناقضة بين العموم والاستثناء.

ولا يجوز أن أخالف ثوثيق هذا الإمام بما أخذه على هذا الرجل.

فأحكام الجهابذة المتقدمين على "الرجال" عبارة عن استقراء عيني على رواياتهم.


فإذا أخذ أحد المتأخرين نتيجة هذه الاستقراءات في كلمة واحدة بأنه "ثقة" فلا يجوز لهذا المتأخر المقلد في خصوص هذا التوثيق، أن يناقش في التفاصيل.


نعم لو جاء رجل استعمل أداة ابن عدي الإمام الفحل، وصار يستقري روايات الرجل الواحد، فهنا نعم، ولكن أين هؤلاء؟ هم أقل القليل.

يحيى رضا جاد
10-06-02 ||, 07:48 PM
كيف كان يحكم علماء الجرح والتعديل على أناس لم يعاصروهم، أو عاصروهم ولم يعاشروهم، بالضعف والتوهين، أو بالعدالة والضبط؟
من المؤكد أنهم كانوا ينظرون في روايات هؤلاء الرواة، ويعرضونها على روايات الذين اشتهرت عدالتهم وضبطهم، ومن خلال المقارنة يظهر لهم، من هو ثقة، يوافق الثقات في غالب روايته، ومن هو ضعيف، يُغْرب ويزيد وينقص [..] هذه الطريقة هي عمدتهم في الجرح والتعديل [..] فإذا كان ذلك كذلك ألا نستطيع أن نسلك السبيل نفسه اليوم في الرواة (لا سيما المختلف فيهم عند علماء الجرح والتعديل) فنجمع روايات الواحد منهم كلها، ونعرضها على روايات الأثبات المتفق على توثيقهم، ثم نعطي كل راوٍ نسبةً مؤوية في الضبط (من 10% إلى 99%) تبعا لموافقته ومخالفته وتفرده، سيما أن هذا الأمر الآن هو أيسر وأسرع وأدق بالوسائل الحاسوبية الحديثة مما كان عند المتقدمين




رأي دقيق سديد أذهب إليه من قديم - بعد دراستي التفصيلية لعلوم المصطلح واختلاطه بلحمي ودمي- وإن لم أسجله من قبل في بحث أو مقال

وهذا الرأي الذي أبداه أخونا النابه د/ أيمن صالح هو عينه - بكافة تفصيلاته الواردة في الاقتباس- الرأي الذي أبداه, والتحليل الذي قدمه, د/ بشار عواد معروف والشيخ/ شعيب الأرنؤوط في مقدمتهما لكتابهما الماتع "تحرير (التقريب والتهذيب لابن حجر)" - طبعة مؤسسة الرسالة

مصطفى محمد ابراهيم
10-06-02 ||, 07:49 PM
الأقدمون وإن كان لهم فضل السبق، فالمتأخرون لديهم مزية الإحاطة، لا سيما في علم الحديث، فمع انتشار الطباعة والفهارس، والبرامج الحاسبوية المسهلة للعمل، ما ينجزه واحد من المتقدمين في شهر، يمكن أن ينجزه أحد المعاصرين في يوم.



قال الشيخ إبراهيم اللاحم إجابة عن سؤال
.س: ما صحة من يقول: إن تصحيح المتأخرين أقوى من تصحيح المتقدمين؛ لما حصل لهم من جمع المعلومات والطرق؟ج: هذا الكلام يعني أولا: هو خطير، الأمر الآخر هو أنه غير دقيق أبدا، ما يمكن هذا، ما يمكن أبدا، وعواقبه خطيرة أيضا، وله تبعات وذيول، وهو مبني على مقدمتين:
المقدمة الأولى، أو مبني على مقدمة: وهو أن المتأخرين وقفوا أو جمعوا من الطرق، ما لم يجمعه العالم مثلا إذا حكم، نحن الآن عندنا الكمبيوتر، وعندنا كذا، وعندنا كذا، وعندنا كذا، إذن العالم الأول لم يقف على ما وقفنا عليه، وهذا الكلام لا يصح، أول ما يبدأ به هذه الكلمة: ما عندنا شيء يا إخوان، حتى الطرق الموجودة الآن، لا توازي شيئا بالنسبة لما عند الأولين، حتى الواحد منهم، لا نقول هذا مجازفة، هذا أبو زرعة -رحمه الله، انتبهوا- يقول: "نظرت...". يعني: دققت. ليس يقول مثلا: قرأت، أو سمعت. "نظرت في مائة ألف حديث لعبد الله بن وهب". في مائة ألف حديث لمن؟
لعبد الله بن وهب، لراوٍ واحد فقط، ويأتونك يقولون لك: فلان مثلا له عشرة آلاف حديث، فلان سمع من فلان عشرين ألف حديث. يقول مثلا أحمد بن صالح المصري: "عندي عن محمد بن الحسن بن زبالة، خمسون ألف حديث، ما حدثت منها بشيء". لأنه يراه متروك الحديث، أو يراه يكذب.
خمسون ألف حديث! يعني: أنت الآن لو تتبعت كل ما هو موجود على وجه الأرض من طرق الحديث، ما تجمع لمحمد بن الحسن هذا، ولا جزءا يسيرا منه، ولا كذلك لعبد الله بن المبارك.
فالمقصود بهذا أن هذا الكلام غير… الأمر الآخر أننا لو كانت الطرق أمامنا، فإن القواعد التي يسير عليها الإمام المتقدم، أضبط وأدق وأحكم من القواعد التي أدت بك إلى مخالفته، في أي شيء؟
في التصحيح والتواريخ، يعني: قواعد أدت بك لى مخالفتهم، معناه: أن منهجهم أو… هذا كلام خطير ما يتصوره قائله، كلام خطير في غاية الخطورة، معناه: أن النهج الذي صاروا عليه … يعني ليس الكلام الآن بس فقط الطرق والوقوف عليها، وإنما المنهج الذي تنظر فيه من خلاله لهذه الطرق، يعني لو افترضنا: أن مع الإمام أحمد مثلا عشرين طريقا، ومعك أنت عشرين طريقا، إذا صحح هو أو ضعف، ثم صححت أنت أو العكس، فمعناه أن هناك منهجان.
نعم قد يكون اختلاف اجتهاد في تطبيق منهج واحد، ولكن المتتبع لعمل المتأخرين، يرى أن الخلل ليس في الاجتهاد، وإنما هو كثير منه في أي شيء؟
في القواعد وفي المنهج، وأنا كررت عليكم كثيرا هذا: أن الخلل يأتي أحيانا من تقرير القاعدة، وأحيانا من تطبيقها، وأحيانا من الاختلاف، يعني: تطبيقها، نحن نعرف أن هذا يطبقها جيدا، ولكن اختلف معه مرة في حديث، وأوافقه عشر مرات، فهذا هو الذي دلنا على سلامة منهجهم، قد يختلفون في أحاديث، ولكنهم اتفقوا على الكثير من الأحاديث، أو أكثر الأحاديث.
فالمقصود من هذا أن هذا الكلام لا يتصوره قائله، وهو كلام خطير، ولا ينبغي أن نلتفت له.

يحيى رضا جاد
10-06-02 ||, 08:13 PM
تعليقي - باللون الأحمر- في صلب كلام أخي الحبيب/ فؤاد الهاشمي






فهناك قضايا فاتت، لها رجالها الذين انصرموا
[هذا صحيح في الجملة, أؤيدكم فيه]

فمثلاً هل الرجل ثقة أو ليس بثقة، العلم المباشر به قد فات، إنما يعرفه من باشرهم، ونحن إنما نعرف ذلك بواسطة هؤلاء النقاد،
[ هذا صحيح بالقيد الذي ذكرتَهُ أنتَ؛ وهو "إنما يعرفه من باشرهم" .. فالمباشرة (أقصدُ - القصد مني [يحيى]- المبنية على المنهج العلمي الاستقرائي التتبعي من قِبَل الناقد المؤهل للنقد) التي يَصْدُر على إثرها حكم في راو معاصر له - ولاحظ هذا القيد كذلك- ملزمة لنا .. أما إذا بحثنا في حال هذا الراوي (أو في حال غيره ممن لم يعاصره الجارح أو المعدل المتقدم) في عصرنا هذا؛ فجمعنا من مروياته -التي تصح نسبها إليه- عدداً لا بأس به منها يكفي لأن نصدر على أساسه حكماً يفيد الظن القوي الراجح - لاحظ هذا القيد؛ حتى يكون الحكم المبني على استقرائنا لأحاديثه حكماً معتبراً) فانتهينا إلى نتيجة تخالف قول الجارح أو المعدل المتقدم, أخذنا بما انتهينا إليه, وعزونا ما قاله الناقد المتقدم إلى نقص استقرائه؛ فإنه ليس بمعصوم, وكلامه لم ينزل من السماء ]

ولذا لما أوردوا على الإمام أحمد حديثاً في الفتنة انتفض عليهم وقال: إن فلانا الذي رواه قد نهتيه عن التحديث به فقد غلط فيه.
فالإمام أحمد لم يكتف بالتغليط بل قد ذهب إلى الرجل نفسه وحذره ونهاه عن التحديث به، لأن روايات شيخه معروفة ومحصورة، وتلامذته متاوفرون وهذا قد غلط فيه.
[مثال صحيح سديد للمقدمة التي وافقتكم عليها أول تعليقي]

أحكام الجهابذة المتقدمين على "الرجال" عبارة عن استقراء عيني على رواياتهم.
فإذا أخذ أحد المتأخرين نتيجة هذه الاستقراءات في كلمة واحدة بأنه "ثقة" فلا يجوز لهذا المتأخر المقلد في خصوص هذا التوثيق، أن يناقش في التفاصيل.
[ليس بيننا خلاف في هذه النقطة؛ بشرط استصحاب تعليقي المتقدم قبل سطور]

نعم لو جاء رجل استعمل أداة ابن عدي الإمام الفحل، وصار يستقري روايات الرجل الواحد، فهنا نعم، ولكن أين هؤلاء؟ هم أقل القليل.
[ليس بيننا خلاف؛ بل كلامك هذا يؤول إلى, بل يواقفق تمام الموافقة, ما قد شرحتُه في تعليقي.
نعم, هم أقل القليل, ولكنْ لا يمنع ادعاء قلتهم من عدم وجودهم .. كما لا يمنع من وجوب إيجاد أمثالهم .. كما لا يمنع من الأخذ بنتائج من سار على المنهج المشروح آنفاً]

يحيى رضا جاد
10-06-02 ||, 08:45 PM
تنبيه



نعم, ليس كل استقراء منا - نحن المعاصرين- سيكون استقراءً تاماً لا يند عنه شيء (كما لا يجوز أن يُدعى مثل ذلك في أعيان كافة الأحكام التي أصدرها المتقدمون في حق الرواة), ولكن ذلك لا يعني تجويز التشنيع على ما ذهبنا إليه - د/ بشار عواد, والشيخ/ شعيب الأرنؤوط, ود/ أيمن صالح, والفقير إليه تعالى (كاتب هذه الكلمات), بل وغيرنا ممن لم أقف على كلامه, أو ممن لا أتذكره الآن, أو ممن لم يضع بعدُ رأينا هذا على منضدة التشريح العلمي؛ تحقيقاً ودراسة واشتغالاً, أو ممن لم تشغله هذه المسألة من قبل؛ فنبهه كلامنا هذا على ضرورة دراستها علمياً- .. بل الواجب هو المزاوجة .. والموازنة .. والاستفادة من الأئمة النقاد الجهابذة .. لم أقل - ولا يجوز لي ذلك- : "نضرب بكلامهم عرض الحائط" .. كيف ذلك ؟!! وإنما انبنت آراؤهم في الرجال - وخاصة المعاصرين لهم- على المنهج العلمي التتبعي الاستقرائي.

نعم, قد يتطرق (عدم الدقة) إلى (النادر) من أقوالهم في (معاصريهم), فكان ماذا ؟! .. أندع أحكامهم لأجل هذا (النادر) الذي لا حكم له - كما تقول القاعدة الشرعية- ؟!

ولكن هذا التطرق لعدم الدقة قد - لا حظ أني قلتُ "قد", لا أنه شيء لازم- يزيد بدرجة ما في أحكامهم على المتقدمين عليهم من غير معاصريهم, أليس كذلك ؟ وهذا لا يعني ألا نعير أقوالهم هذه التفاتاً !! كيف ذلك؛ وقد قامت - علوم الحديث في جملتها- على المنهج العلمي -الذي لا تجد له نظيراً في تاريخ البشرية- ؟! .. إنما غاية رأيي هذا؛ أننا إذا تطرق إلينا الشك - لسبب من الأسباب- في راو من الرواة, أو في طريقة الحكم عليه من قبل أئمتنا وسادتنا المتقدمين, وجب إعمال المنهج - الذي بيناه من قبل- من قِبلنا - نحن المعاصرين- مع الموازنة والمزاوجة والاستفادة من أحكام متقدمينا العظام.


والله الموفق .. وهو تعالى أعلى وأعلم

يحيى رضا جاد
10-06-02 ||, 08:56 PM
فيما علقتُ به على كلام أخوينا الحبيبين/ الهاشمي وأيمن صالح غُنيةٌ عن مناقشة ما أورده الأستاذ/ مصطفى إبراهيم

وتعليقه على الموضوع -في مجمله- غير علمي وغير دقيق .. ويكفيك قوله: "من تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائب"؛ فليست هكذا تُناقَش الآراء .. أهذا هو النقاش العلمي ؟! إذن, رحم الله مدارسة العلم !

يحيى رضا جاد
10-06-02 ||, 10:16 PM
فيما علقتُ به على كلام أخوينا الحبيبين/ الهاشمي وأيمن صالح غُنيةٌ عن مناقشة ما أورده الأستاذ/ مصطفى إبراهيم

وتعليقه على الموضوع -في مجمله- غير علمي وغير دقيق .. ويكفيك قوله: "من تكلم في غير فنه أتى بهذه العجائب"؛ فليست هكذا تُناقَش الآراء .. أهذا هو النقاش العلمي ؟! إذن, رحم الله مدارسة العلم !





بخصوص مسألة (مدارسة العلم), يُنظَر هذا الرابط - مشاركتي رقم 11 و12- :

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

ضرغام بن عيسى الجرادات
10-06-02 ||, 11:04 PM
السلام عليكم ورحمة الله
بعد قرأتي لمجمل ما كتب ،لا أريد أن أعلق على كل ما لاحظته لكنني أريد أن أعلق على أمور سريعة .
هذا مع بالغ الشكر لكل من شارك وأفاد.
1-الذي ذكره الشيخ فؤاد ابتداء هو ذم ظاهرة تفشت ونقدها،ولا يلمح من مشاركته ولا مشاركتي الحجر على العقول أو التحقير من المتأخرين،لكن كلامنا كان في في نقد ما انتشر من نقد الأحاديث من بعض الباحثين حتى غلوا في ذلك.
2-من خلال دراستي لعلوم الحديث واعتنائي بالتخريج والتحقيق لألوف الأحاديث والىثار ،أستطيع ان أقول (قل) أن يتفطن باحث متأخر لعلة لم يتفطن لها إمام متقدم.
وليقف عند كلمة(قل)فمعنى ذلك أنه قد يجد علة لم ينص عليها أحد،وهذا قد يقع لأن علم الحديث قواعد تطبق،واستقراءات،وأنا شخصيا وقع لي أمثلة على ذلك من خلال عملي في التحقيق ،وخاصة في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
ولولا أنني أخشى أن أطيل المقام لجئت بأمثلة على ذلك،.
3- هنالك ملكة حديثية كما أن هناك ملكة فقهية،والمعنى:أنه لا يهجم على الإفتاء من حاز كل الكتب من مذهب ،على الحاسوب أو غيره،وكذلك لا يجوز إعلال الحديث ممن ليس له ملكة حديثية،نعم علم الحديث قواعد،ولكن تطبيقها ليس بالأمر الهين لا سيما إذا تعارضت قواعد،فيصار إلى الجمع أوالترجيح كما في الفقه،ولذلك أنا اقول :كما نشترط في الفقيه الملكة للفتيا نشترط للباحث في الحديث الملكة الحديثية،حتى يعل الأحاديث التي لم يعلها غيره.
4-الباحثون في السنة درجات،ومعلوم لدى أهل العلم بالحديث أن الحديث في العلل لا يستطيعه إلا الجهابذة،ولذلك قلت:لا تقدم أيها الباحث على تضعيف حديث ليس لك في تضعيفه إمام،وأقصد به الباحث المتوسط ، لا المتعمق الذي حاز الملكة بعد طول النظر في الأسانيد والرجال والمتون.
5-يوجد للباحثين فسحة كبيرة في علم الحديث ، في دراسة مناهج المحدثين والترجيح بينها،ومزاولة النقد العلمي البناء،لكنني أصر على شرط التعمق في البحث والدراسة الجادة الواعية.

يحيى رضا جاد
10-06-02 ||, 11:35 PM
تعليقي -باللون الأحمر- في صلب تعليق الأستاذ الفاضل/ ضرغام الجرادات




1-الذي ذكره الشيخ فؤاد ابتداء هو ذم ظاهرة تفشت ونقدها،[نعم, ولا بأس بالتوسع في الموضوع المطروح مما له به وجه صلة .. ألم يتحصل كل منا على فوائد مما عُلق به على كلام الحبيب الهاشمي] ولا يلمح من مشاركته ولا مشاركتي الحجر على العقول أو التحقير من المتأخرين، [أنا لم أتهم أحداً منكما بذلك, بل كلامي مطلق] لكن كلامنا كان في في نقد ما انتشر من نقد الأحاديث من بعض الباحثين حتى غلوا في ذلك.

2-من خلال دراستي لعلوم الحديث واعتنائي بالتخريج والتحقيق لألوف الأحاديث والىثار ،أستطيع ان أقول (قل) أن يتفطن باحث متأخر لعلة لم يتفطن لها إمام متقدم.
وليقف عند كلمة(قل)فمعنى ذلك أنه قد يجد علة لم ينص عليها أحد،وهذا قد يقع لأن علم الحديث قواعد تطبق،واستقراءات،وأنا شخصيا وقع لي أمثلة على ذلك من خلال عملي في التحقيق ،وخاصة في مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة.
ولولا أنني أخشى أن أطيل المقام لجئت بأمثلة على ذلك،. [تقرير جيد في الجملة]

3- هنالك ملكة حديثية كما أن هناك ملكة فقهية، والمعنى: أنه لا يهجم على الإفتاء من حاز كل الكتب من مذهب ،على الحاسوب أو غيره،وكذلك لا يجوز إعلال الحديث ممن ليس له ملكة حديثية،نعم علم الحديث قواعد،ولكن تطبيقها ليس بالأمر الهين لا سيما إذا تعارضت قواعد،فيصار إلى الجمع أوالترجيح كما في الفقه، ولذلك أنا اقول : كما نشترط في الفقيه الملكة للفتيا نشترط للباحث في الحديث الملكة الحديثية،حتى يعل الأحاديث التي لم يعلها غيره. [تقرير صحيح نوافقكم عليه]

4-الباحثون في السنة درجات،ومعلوم لدى أهل العلم بالحديث أن الحديث في العلل لا يستطيعه إلا الجهابذة، ولذلك قلت: لا تقدم أيها الباحث على تضعيف حديث ليس لك في تضعيفه إمام، وأقصد به الباحث المتوسط، لا المتعمق الذي حاز الملكة بعد طول النظر في الأسانيد والرجال والمتون. [في هذا تحريرٌ لمحل النزاع بيننا .. وبه يتضح ألا خلاف بين كلينا في هذه النقطة]

5-يوجد للباحثين فسحة كبيرة في علم الحديث، في دراسة مناهج المحدثين والترجيح بينها، ومزاولة النقد العلمي البناء، لكنني أصر على شرط التعمق في البحث والدراسة الجادة الواعية.
[جيد منكم هذا التعليق]


والله أعلم

مصطفى محمد ابراهيم
10-06-03 ||, 12:44 AM
ألا نستطيع أن نسلك السبيل نفسه اليوم في الرواة (لا سيما المختلف فيهم عند علماء الجرح والتعديل) فنجمع روايات الواحد منهم كلها، ونعرضها على روايات الأثبات المتفق على توثيقهم، ثم نعطي كل راوٍ نسبةً مؤوية في الضبط (من 10% إلى 99%) تبعا لموافقته ومخالفته وتفرده، سيما أن هذا الأمر الآن هو أيسر وأسرع وأدق بالوسائل الحاسوبية الحديثة مما كان عند المتقدمين.


بالله عليكم أليست هذه دعوة لهدم جهود أئمة الحديث عبر القرون والإبتداء من الصفر في هذا العلم
أعندنا الآن الوسائل التي حكم بها الأئمة على الرواة فنستطيع أن نحكم على الرواة
كما حكموا

مصطفى محمد ابراهيم
10-06-03 ||, 12:57 AM
).



ولعل هذه الطريقة هي عمدتهم في الجرح والتعديل. ولا أدري إذا كانت لديهم ثم طريقٌ سواها. .

ما دام لا يدري الطرق التي اتبعها الأئمة
ألم يكن عليه النظر في كتبه علماء الحديث بخصوص الوسائل التي اتبعها الأئمة في ذلك

قبل أن يكون لديه تصور كامل على وسائل الأئمة في الحكم على الرواة كيف يدعو إلى الحكم على الرواة بأنفسنا ونهدر أحكام الأئمة قبا أن يعرف هل لدينا هذه الوسائل الآن أم لا
وإذا كان كلامي يغضب الأعضاء فهذه آخر مشاركة لي في هذا الملتقى
وأعلن الإنسحاب منه

د. أيمن علي صالح
10-06-03 ||, 12:17 PM
شكرا لأخي مصطفى محمد إبراهيم على عرضه وجهة نظر مخالفة في الموضوع، وإمدادنا والقراء ببعض المراجع في هذا الشأن. وحرصه الواضح على الحديث وأهله. وأرجو أن يتسع صدره للمخالفة بالرأي، لا سيما ونحن هنا نتدارس المسائل، ونتسائل حولها، ولسنا بصدد تقرير شيء. وعليه فلا حاجة لإعلان الانسحاب ما دام الأمر خاضع لوجهات النظر

كما أشكر الأخوين الهاشمي ويحيى جاد على ملاحظاتهما وإضافاتهما القيمة.

ومتابعةً للنقاش أود الاستمرار في طرح تساؤلاتي حول موضوع "التسليم لعلماء الجرح والتعديل" وأرجو أن يُلاحظ هنا أني أتكلم "عن" علم الجرح والتعديل لا "فيه"، أي أني أنظر في المنهجية المتبعة فيه ولا أمارسه بأن أطبق هذه المنهجية على أفراد الرواة. ولعل هذا يغفر لي آفة "عدم الاختصاص". فنظري إنما هو من الخارج لا من الداخل، وهو ألصق بالأصول ومنهجية البحث منه بأي شيء آخر. وعلى كل فما كان من رأي ذي وجاهة فمن الإنصاف النظر فيه، وما لا فليجعل دُبُرَ الأُذن، لأنه قد يكون فعلا كما قال ابن حجر "من العجائب".
1. من المنهجية العلمية التي لا تقبل الجدل: عدم قبول القول دون برهان، والبيَّنة على من ادعى، وقل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين. وهذا يصدق على كل العلوم، فلماذا يُستثنى علم الجرح والتعديل؟! ولماذا يجب علينا أن لا نقبل قول كل قائل من غير دليل إلا علماء الجرح والتعديل فإنه ينبغي التسليم لما قالوه حتى لو كان من غير دليل؟

نعم ذكروا في قواعد الجرح والتعديل بأن الجرح لا يقبل إلا مُفَسَّرا، وذلك لأن علماء الحديث يختلفون فيما يُعد جارحا؛ إذ قيل لشعبة : لم تركت حديث فلان ؟ فقال : " رأيته يركض على بِرْذَون – بغل – فتركت حديثه "! وعن مسلم بن إبراهيم أنه قال في راو : " ما تصنعون به ؟ ذكروه يوما عند حماد فامتخط حماد "، فهذه الجروح، غير قادحة عند عموم المحدثين وإن كانت قادحة عند بعضهم.
ولكن هل ساروا جميعا على هذا المبدأ (أعني ذكر الجرح مفسرا)؟ وكم نسبة ما ورد من الجرح مفسرا؟ إنها لا تكاد تذكر بإقرار أهل العلم نفسه (علوم الحديث لابن الصلاح ص98). وحتى ما ورد مفسرا فإن أكثره تفسير إجمالي غير تام كقولهم: يخلط في الأسانيد، أو صدوق يهم، وغير ذلك مما هو غاية في الإجمال دون ذكرٍ للتفاصيل، ثم إنهم اشترطوا التفسير في الجرح فقط دون التوثيق؟ وهذا وإن كان مُقنعا بالنسبة للعدالة، إذ إن شروطها كثيرة فلا حاجة لتعدادها، فليس مقنعا بالنسبة للضبط، فهو شيء واحد ولا بد من إقامة البرهان عليه، ولا برهان إلا بالتتبع والاستقراء للروايات، وملاحظة الموافقة والمخالفة والتفرد والشذوذ، وتعيين ذلك وبيانه بالتفصيل.





وقد جاء في كتاب الجرح والتعديل عند المحدثين لرضا صمادي (وهو على الشبكة) تحت عنوان منهج المحدثين في معرفة ضبط الراوي ما يلي:
"يقول ابن الصلاح : ((يُعْرف كون الراوي ضابطا بأن نعتبر رواياته بروايات الثقات المعروفين بالضبط والإتقان فإن وجدنا رواياته موافقة ولو من حيث المعنى لرواياتهم أو موافقة لها في الأغلب، والمخالفة نادرة عرفنا حينئذ كونه ضابطا ثبتا، وإن ودناه كثير المخالفة لهم عرفنا اختلال ضبطه ولم نحتج بحديثه)).
واعتبار الروايات والموازنة بينها هو روح منهج النقد عند المحدثين والمرتكز الأساس فيه....
والمقصود أن الأئمة لا يوثقون أحدا حتى يطلعوا على عدة أحاديث للراوي تكون مستقيمة وتكثر حتى يغلب على الظن أن الاستقامة كانت ملكة لذلك الراوي، وهذا كله يدل على أن جل اعتمادهم في التوثيق والجرح إنما هو على سبر حديث الراوي .
وتفصيل ذلك أن الناقد إذا أراد معرفة حال راو فإنه يعمد إلى جمع مروياته ويتتبع كل الطرق إليها ولا يكتفي بمجرد ورود مروياته من طرق معينة حتى يعرف أن تلك المرويات رويت عنه على الوجه ، ولم يحدث خطأ ممن تحته فيها، فإذا تجمعت لديه مرويات الراوي خالية من أخطاء غيره وازن بينها وبين مرويات الثقات الذين شاركوه في الرواية عن شيوخه مع اعتبار مرويات أولئك الثقات أيضا حتى لا يوازن بين مرويات الراوي الذي يبحث عن حاله مع أخطاء الثقات ، فإذا ما وجد أن مرويات ذلك الراوي تشابه روايات الثقات ولا تخالفها اعتبر ضابطا لما يرويه ، فإذا وجد بعض الخطأ النادر اغتفر له ذلك مع تنبيهه على ما أخطأ فيه ، فإذا كثر خطؤه وفحش غلطه ضعف أو ترك .
فاستبان بهذا أن طريق معرفة حال الراوي تحتاج إلى اطلاع واسع على مرويات الرواة وأسانيدهم".



وهذا هو عين ما أشرنا إليه، وأيده مشكورا الأخ الفاضل يحيى جاد وعزاه إلى عدد من المعاصرين من أهل الحديث، فإذا كان هذا هو منهج المحدثين، ولكنهم في الأعم الأغلب لم يفصلوه بالبيان وذكر البرهان في كل راو، فلماذا لا يجوز لنا الآن أن نقوم بهذا العمل؟


2. قد يقال كما أورده مشكورا الأخ الفاضل مصطفى إبراهيم، أن النقاد الأوائل اطلعوا على روايات كثيرة لم تصل إلينا، وعليه فاستقراؤهم صحيح تام واستقراؤنا ناقص. وهذا الكلام ينبني على دعوى أن أكثر الروايات والأحاديث فُقد ولم يصل إلينا، وهي دعوى في محل نظر لأنها تتنافى مع أصل حفظ السنة. ولو سلمنا بها فلا حجة علينا فيما لم يصل إلينا، وإنما الحجة فيما وصل إلينا ووقفنا عليه. ثم ما المانع في النظر فيما وصل إلينا من روايات الراوي وأحاديثه، وما سنحصله في هذا ، بعد تدوين السنة، أكثر مما كان يحصله آحاد النقاد في كل راو، قبل تدوين السنة، وهو كاف في إعطائنا فكرة عن مخالفة الراوي وموافقته. ثم إن دعوى شمولية استقراء آحاد النقاد في كل راو تحتاج إلى تدليل، ولا يكفي ذكر مثال أو مثالين من استقراء ناقد ما لروايات راو ما وإنما المطلوب أن هذا واقع من كل النقاد في كل الرواة، وهذا أشبه شيء بالمستحيل.
3. سلمنا أن قول علماء الجرح والتعديل مسلم لا نقاش فيه ولا حاجة إلى بيان براهينه، فهذا يمكن إمضاؤه بلا صعوبة في التطبيق فيمن اتفقوا على توثيقه أو تجريحه، لكن ماذا نعمل فيمن اختلفوا فيه ما بين مجرِّح وموثق، وهو كثير؟ أنصنِّف النقاد إلى متشدد ومعتدل ومتراخ، ونوازن بين آرائهم في ظل هذا التصنيف؟ لكن ما هي المعايير الموضوعية لهذا التصنيف (دون الاعتماد الكلي على الثقة العمياء بقولي الذهبي وابن حجر وغيرهم من المتأخرين)؟



أم نأخذ بقول الجارح ونقدمه على قول الموثق كما ذكروه في قواعد الجرح والتعديل؟ مع أن الكثير من المحدثين لم يسيروا على هذه القاعدة. ولماذا يقدم استقراء الجارح على استقراء الموثق؟ هذا في العدالة مقبول لأن الجارح لربما اطلع على ما لم يطلع عليه الموثق. أما في الضبط فاستقراء الجارح والموثق كلاهما يتكافأ، لأن الضبط نسبي، يعتمد على مقدار ما جمع الموثق والجارح من روايات الراوي وسبراه، فإن كان المجموع كبيرا، كان الحكم أقرب إلى الصواب، وإن كان قليلا كان الحكم أقرب إلى الخطأ بغض النظر عن نوع الحكم جرحا أو توثيقا. ولكن أنى لنا أن نقف على قدر المستقرأ عند كل ناقد بعينه؟ ولماذا لا يحق لنا أن نقوم نحن بهذا الاستقراء؟

4. ما ذكره الأخ الفاضل الهاشمي من أن هذا يحتاج لأمثال ابن عدي في سعة الاطلاع، فهذا حق لو كان المطلوب من رجل واحد النظر في كل من اختلف فيهم. لكن لماذا لا يجزأ الاجتهاد، وإذا كان تجزيء الاجتهاد بشروطه جائز في الفقه، ومواضيع الفقه من التلاحم بمكان، فلما لا يجوز في علم الجرح والتعديل. وكيفيته أن نحصر الرواة المختلف فيهم (من حيث الضبط)، ثم نجمع رواياتهم واحدا واحدا ثم نجمع روايات الثقات (المتفق عليهم) لنفس تلك الأحاديث، ثم يتولى أهل الحديث، كل بحسب سعته، المقارنة، وعد الأخطاء والأوهام والموافقات والتفردات، ويعطى كل راو نسبة في الضبط بالنظر إلى مجموع الأخطاء مقسوما على مجموع رواياته. الفكرة هنا أنه لا يشترط أن يقوم عالم واحد بهذا الأمر، بل يمكن أن ينظر عالم في راو واحد فقط، ويخرج بعد ذلك بنتيجة. ونحن جد محتاجون إلى هذا في رواة مشكل أمرهم حتى الآن والخلاف فيهم مستشر كالحارث الأعور، وأبي حنيفة وغير ذلك كثير ممن أفردوا بالمصنفات في الهجوم عليهم أو في الدفاع عنهم. وكل هذه المصنفات (إلا ما لم أقف عليه) إنما اعتمدت منهج النقل عن أهل الشأن، لا استقراء روايات الراوي وسبرها من جديد.



5. أرجو ملاحظة أني لا أدعو إلى اطَّراح ما قاله النقاد، وإنما إلى البناء عليه ببيان براهينه الاستقرائية التي سكتوا عن بيانها غالبا. وأن دعوتي هذه إنما هي لإعادة النظر فيمن اختلف فيهم من الرواة خاصة من جهة الضبط لا فيمن اتفق على جرحهم، أو توثيقهم.



والله أعلم وأحكم

د. أيمن صالح

يحيى رضا جاد
10-06-03 ||, 12:46 PM
المشاركة رقم 21 للأستاذ النابه د/ أيمن صالح؛ مشاركة قيمة (أوافقه عليها)؛ فصل فيها بعضَ تفصيل ما أوردتُهُ في تعليقاتي السابقة

يحيى رضا جاد
10-06-03 ||, 12:47 PM
بالله عليكم أليست هذه دعوة لهدم جهود أئمة الحديث عبر القرون والإبتداء من الصفر في هذا العلم
أعندنا الآن الوسائل التي حكم بها الأئمة على الرواة فنستطيع أن نحكم على الرواة
كما حكموا


نوقش هذا الرأي من قبلُ في تعليقات المشاركين؛ فلم التكرار ؟

يحيى رضا جاد
10-06-03 ||, 12:56 PM
[quote=مصطفى محمد ابراهيم;37574
وإذا كان كلامي يغضب الأعضاء فهذه آخر مشاركة لي في هذا الملتقى
وأعلن الإنسحاب منه[/quote]


هذه حدة لا لزوم لها .. واندفاع لا مبرر له .. إنما أردتُ التنبيه على أن النقاش العلمي والمدارسة الفكرية لا تكون بطريقة "أتى بالعجائب!" .. لِمَ لا يحترم بعضنا بعضاً ؟! أسلوبك يا أخي الفاضل الكريم هو ما أزعجني .. لماذا لا ننتقي ألفاظنا ؟! لماذا لا نحرر عباراتنا ؟! .. أعقمت العربية أن نجد فيها أسلوب خطاب بالذي هو أحسن ؟ لقد أمرنا الله أن نخاطب (الكفار) - وأن نجادهم ونبادلهم المدارسة في أعظم وأخطر أبواب العلم؛ باب الاعتقاد- بالتي هي أحسن, وبالحكمة والموعظة الحسنة .. فقارن بين كيفية الخطاب فيما بيننا كمسلمين -لمدارسة بعض الأمور العلمية- وبين كيفية الخطاب الذي أمرنا الله به تجاه غير المسلمين؛ يتضح لك أننا لا ننزل غيرنا من المسلمين منزلة الكفار أصلاً, بل أدنى دركات ودركات !!

فليتحر المرء منا - والخطاب لي شخصياً قبل أي قارئ لهذا التعليق- في تعليقاته : إما أن يضيف جديداً مفيداً .. وإما أن ينتقد انتقادا علمياً محرر الطرح والألفاظ والأسلوب

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-06-05 ||, 01:23 PM
بسم الله والحمدُ لله...


اسمحوا لي يا حضرة الفقهاء الأجلاء أن أقول : إن كلامكم في الجملة غيرُ سديد ، وما جردتُم له أنظاركم ليس محلا للنزاع أو الرفض من طائفة.
إن المشكلة التي لمستها من هذه المشاركات العطرة = أنها تنطلق من نظر أصولي في معالجة القضايا الحديثية =وبالتالي فستنصرون مذهب "المحدثين ـ أصوليين" وهذا واضح جدا : فكأنني أقرأ لابن حجر رضي الله عنه وأثابه على خدمته العظيمة للسنة لكن :




1.من تقصدون بالمتأخرين : لابد أن المقصود بهذا المصطلح أولئك النفر الذين يدعون إلى التمسك بمنهج أهل القرون الثلاثة في النقد الحديثي (فليصحح لي أحدُ الأفاضل إن أخطأتُ).
2.ما رأيكم في قولهم : مدار التعليل على المخالفة .(بالمناسبة هذا كلام ابن حجر والسخاوي).
3.الثقة العدل : هل يقبل ما روى في كل حال؟
4.إن علل المتقدمون حديثا ثم وجدنا من حسنه أو صححه من أهل القرن السادس والسابع ، فما رأيكم والحال كما وصفتُ؟
5.إطلاق القول بأن إعلال الثقات ببعض ما قيل فيهم طعن في السنة مطلقا لا أراه حقا ـ والعلم عند الله ـ : فإما أن نبني ديننا على منهج صارم وقويم تطرد فيه كل جزئيات البحث ، أو نتغاضى بما لا يرضي منهج العلم وطريقته؟ ثم من أعل ثقة مطلقا ببعض م اقيل فيه ، وكيف ذلك ، وهل من أمثلة؟

أرجو ممن تشبع قلبه وعظمه بعلم المصطلح أن يجيب...

د. أيمن علي صالح
10-06-09 ||, 06:58 AM
الأخ الفاضل آل زعتري جزاك الله خيرا على المشاركة
يبدو أن جل مشاركتك موجه لصاحب الموضوع الأصل الشيخ الفاضل فؤاد الهاشمي، وإلا ففيما تلا من المشاركات والردود فقد تشعب بنا الكلام إلى أمرين:
الأول: حق المتأخرين وقدرتهم(وأقصد بهم المعاصرين من العلماء كل في تخصصه) على مجاراة المتقدمين ونقدهم والاستدراك عليهم باتباع المنهج العلمي السليم، وضرورة إشاعة هذه الروح بين طلبة العلم هذه الأيام، وأن إشاعة هذه الروح على الرغم من أضرارها الجانبية، كبروز بعض المتفلتين والمتحذلقين والمتسلقين، إلى أن فائدتها أفضل من بث روح جلد الذات وتصغيرها وتبجيل المتقدمين وتعظيمهم.
الثاني: إثارة التساؤل حول إمكانية إعادة دراسة علم الرجال وبناؤه على البرهان والدليل (ما أمكن) وعدم الاعتماد الأعمى على أقوال من سلف من علماء الجرح والتعديل.

يحيى رضا جاد
10-07-03 ||, 12:07 PM
أهلاً بالأستاذ مصطفى محمد إبراهيم ثانيةً بيننا .. فقد بعث لي برسالة يعتذر فيها عن أسلوبه الحاد في النقاش .. واعداً إياي بالرجوع مرةً أخرى للموقع متفاعلاً مفيداً مستفيداً

فأهلاً به وسهلاً