المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سبق اللسان بالطلاق هل يقع به طلاق؟



د.محمود محمود النجيري
08-03-27 ||, 04:27 AM
سبق اللسان بالطلاق هل يقع به طلاق؟



إذا تلفظ الزوج بالطلاق سهوًا، أو سبق لسانه بالطلاق دون أن يقصد، كأن يقول: أردت بقولي: "أنت طالق"، أي من وثاقي. أو قال: أردت أن أقول: "طلبتك"، فسبق لساني، فقلت: "طلقتك". ونحو ذلك.
فهل يقع بذلك الطلاق؟
في هذه المسألة قولان للفقهاء:
القول الأول: إذا جرى الطلاق على لسان الرجل، فادعى أنه لم يرده، وإنما قاله خطأ، فإنه يصدق ديانة، ولا يُقبل قوله إنه لم يرد الطلاق قضاءً، إلا أن يأتي بقرينة تدل على نيته.
وهذا قول الجمهور: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ورواية عند أحمد، وقول ابن حزم .
وفيما يلي ننقل أقوال المذاهب التي توضح ذلك:
المذهب الحنفي:
قال ابن نجيم:
"طلاق الهازل واللاعب والمخطئ واقع كما قدمناه- لكنه في القضاء. وأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يقع على المخطئ" .
المذهب المالكي:
قال الدردير:
"إن سبق لسانه بأن قصد التكلم بغير لفظ الطلاق، فزلّ لسانه فتكلم به، فلا يلزمه شيء مطلقًا إن ثبت سبق لسانه، وإن لم يثبت، قبل في الفتوى دون القضاء" .
المذهب الشافعي:
قال الخطيب الشربيني:
"لو قال: "أردت بالطلاق إطلاقها من وثاق"، أو بالفراق: "مفارقة المنزل، أو فراقًا بالقلب"، أو بالسراح: "تسريحها إلى منزل أهلها"، أو : "أردت غير هذه الألفاظ، فسبق لساني إليها". ولم يكن قرينة تدل على ذلك، لم يُقبل في الظاهر؛ لأنه خلاف ما يقتضيه اللفظ عرفًا. وديّن فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه يحتمل ما ادعاه. فإن كانت قرينة، كما لو قال ذلك وهو يحلها من وثاق، قبل ظاهرا لوجود القرينة الدالة على ذلك" .
ابن حزم الظاهري: قال في المحلى:
"من طلق وهو غير قاصد إلى الطلاق، لكن أخطأ لسانه، فإن قامت عليه بينة- قضي عليه بالطلاق، وإن لم تقم عليه بينة، لكن أتى مستفتيًا- لم يلزمه الطلاق" .
وفرق ابن حزم بين ألفاظ الطلاق من ناحية، وألفاظ السراح، والفراق من ناحية أخرى.
فإن نطق الزوج بلفظ الطلاق، ثم قال: لم أنو الطلاق، صدق في الفتيا، ولم يصدّق في القضاء. وإن نطق بلفظ السراح أو الفراق، ثم ادعى أنه لم ينو طلاقًا، صدّق في الفتيا، وصدّق في القضاء أيضًا.
ولم يرَ ابن حزم الطلاق يقع إلا بلفظ من هذه الألفاظ الثلاث.
وعلل ابن حزم هذا التفريق، بأن لفظة الطلاق وما تصرف منها، لا يقع لغة وشرعًا إلا على حلِّ عقد الزواج فقط، فيثبت به حقوق للمرأة، لا يجوز معها أن يصدق الرجل في دعواه، فتسقط هذه الدعوى.
وأما السراح والفراق، فتقع في اللغة العربية على معان منها: حل عقد النكاح، فلم يمكن القطع إلا بنية الرجل، فيصدّق فيما ادعاه، لأن نيته أمر يعود إليه .
القول الثاني:إذا جرى الطلاق على لسان الرجل، فادعى أنه لم يرد الطلاق، وإنما قاله خطأ، فإنه يصدّق قضاء، وفيما بينه وبين نفسه.
وهذا مذهب الحنابلة.
وفي رواية أخرى عن أحمد: لا يقبل منه ذلك في الحكم، ويقبل ديانة. وتعليله: أنه فسر كلامه بما يحتمله احتمالا غير بعيد.
فإن كان هناك قرينة تخالف دعواه، كأن يقول لها ذلك في حال الغضب، أو سؤالها الطلاق- فلا تقبل دعواه في الحكم؛ لأن لفظه ظاهر في الطلاق، وقرينة حاله تدل عليه، فكانت دعواه مخالفة للظاهر من وجهين فترفض .
وقد اختار ابن القيم القول الثاني، موافقًا مذهبه الحنبلي، قال:
"الصحيح أن لفظ الطلاق ... إذا أراد به غير تسييب الزوجة... لا يقع به طلاق.. هذا هو الصواب الذي ندين الله به، ولا نرتاب فيه البتة... فإذا ضرب امرأته الطلق، فسئل عنها، فقال: هي طالق. ولم يخطر بقلبه إيقاع الطلاق، وإنما أراد أنها في طلق الولادة، لم تطلق بهذا. وليست هذه الألفاظ مع هذه القرائن صريحة إلا فيما أريد بها، ودل السياق عليها، فدعوى أنها صريحة في.. الطلاق مع هذه القرائن مكابرة، ودعوى باطلة قطعًا" .
ويبين ابن القيم أن دعوى الزوج أنه لم ينو الطلاق، إن تصادق الزوجان عليها، لم يقع الطلاق في الحكم؛ لأنه متكلم باللفظ، مريد به أحد معنييه، فلزم حكم ما أراده بلفظه دون ما لم يرده، فلا يُلزم بما لم يرده باللفظ إذا كان صالحًا لما أراده. واستدل ابن القيم لذلك بحديث رُكانة، لما طلق امرأته البتة، فاستحلفه النبي r، فقال: ما أردت؟ قال: واحدة، قال: آلله؟ قال: آلله. قال: هو ما أردت" .
فقبل منه نيته في اللفظ المحتمل .
وهذا اختيار ابن تيمية أيضًا، قال:
"إن كل لفظ بغير قصد المتكلم، لسهو، وسبق لسان، وعدم عقل، فإنه لا يترتب عليه حكم" .
الترجيح:
يترجح في هذه المسألة أن سبق اللسان بالطلاق لايقع به شيء، وهذا الاختيار متوافق مع اعتبار النيات والمقاصد في الأحكام، ويظهر ذلك فيما يلي:
1. أن الألفاظ لا تلزم بها أحكامها حتى يكون المتكلم بها قاصدًا لها، مريدًا لموجباتها، كما أنه لابد أن يكون قاصدًا للتكلم باللفظ مريدًا له. فلابد من إرادتين: إرادة التكلم باللفظ اختيارًا، وإرادة موجبه ومقتضاه. بل إرادة المعنى آكد من إرادة اللفظ؛ فإنه المقصود، واللفظ وسيلة.
2. هذا الموافق لقول أئمة الفتوى من علماء الإسلام:
• قال مالك وأحمد فيمن قال: "أنت طالق البتة"، وهو يريد أن يحلف على شيء، ثم بدا له فترك اليمين: لا يلزمه شيء؛ لأنه لم يُرد أن يطلقها. وكذلك قال أصحاب أحمد .
• وقال أبو حنيفة: مَن أراد أن يقول كلامًا فسبق لسانه فقال: "أنت حرة"، لم تكن بذلك حرة .
• وقال أصحاب أحمد ومالك: لو قال الأعجمي لامرأته: "أنت طالق"، وهو لا يفهم معنى هذه اللفظة- لم تطلق؛ لأنه ليس مختارًا للطلاق، فلم يقع طلاقه كالمكره .
3. أن عمر بن الخطاب قضى في امرأة قالت لزوجها: سمِّني، فسماها الطيبة. فقالت: لا. فقال لها: ما تريدين أن أسميك؟ قالت: سمِّني خلية طالق. فقال لها: فأنت خلية طالق. فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقصَّ عليه القصص، فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خُذْ بيدها. وأوجع رأسها .
ويعقب ابن القيم على هذا الأثر قائلا:
"فهذا الحكم من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوج اللفظ الذي يقع به الطلاق، بل قصد لفظًا لا يريد به الطلاق" .
"هذا هو الفقه الحي الذي يدخل على القلوب بغير استئذان، وإن تلفظ بصريح الطلاق" .

والأدلة على رجحان قول الجمهور في هذه المسألة، أنه لا يلزم المكلف أحكام الأقوال التي ينطق بها حتى ينوي معناها، ويريد مقتضاها. فإن لم ينو المعنى، ولم يرده، لم يلزمه حكمه. وبرهان ذلك قول الله تعالى: ] وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً {5} [ [الأحزاب] . وقول رسول الله r: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" .
فلا يعتد بالأعمال إلا بالنية، ولا نية إلا بعمل. وحديث ركانة المذكور نص في المسألة. ولما كان الأمر راجعًا إلى نية المتكلم، ولا يمكن الوقوف عليها إلا من قبله. انبنى الحكم على ما يذكر أنه نواه. وهو مصدّق فيما قال، كما صدق النبي r ركانة بعد أن حلّفه.
والخلاصة: أن لفظ الطلاق لا يقع به شيء إذا لم يقصده، فلو سبق اللسان بطلاق لم يرده، أو تلفظ به سهوًا وخطأ. لا يقع الطلاق ديانة، ويقبل قول المطلق قضاءً: إنه لم يرد الطلاق.
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ

الهوامش:

1- يذكر بعض الدارسين أن أبا حنيفة مخالف للجمهور في هذه المسألة، وأنه يُلزم بالطلاق في القضاء والفتيا من سبق لسانه بلفظ الطلاق، وأن الجمهور لا يلزمون به لا قضاء ولا ديانة. ومن هؤلاء الدكتور عبد الكريم زيدان، وهو ينقل من حاشية ابن عابدين غير ما نسبه للمذهب دون أن ينتبه لذلك . (انظر: المفصل في أحكام المرأة والبيت المسلم 7/385 وما بعدها) .
والصواب ما ذكره ابن رشد من أن مالكا والشافعي وأبا حنيفة اتفقوا على أنه لا يقبل قول المطلق قضاء إذا نطق بألفاظ الطلاق، إن ادعى أنه لم يرد به طلاقا.( بداية المجتهد مج 3، ص 1421).
أما إن كان هناك قرينة تدل على أنه لم يرد الطلاق، وإنما نطق بلفظه خطأ، فلا يقع الطلاق في مذهب الأئمة الأربعة، وليس عليه شيء؛ لأنه ليس بمختار للطلاق، فلا يقع كالمكره . وإن كان عند الحنفية تردد في هذه المسألة (انظر: المغني لابن قدامة 7/135). مغني المحتاج للخطيب الشربيني 3/369. حاشية الدسوقي 2/577. البحر الرائق لابن نجيم 3/269).
وأكد ابن القيم أن طلاق الملقّن لا يقع، ووافقه د. عبد الكريم زيدان (المفصل 7/387)، ود.محمد الحفناوي (الطلاق، ص39).
2- البحر الرائق 3/269.
3- الشرح الكبير للدردير 2/577.
4- مغني المحتاج 3/370. وانظر أيضًا: المهذب للشيرازي 2/106.
5- المحلى لابن حزم 11/247.
6- المحلى 11/234.
7- المغني 7/122. الإنصاف للمرداوي 8/464.
8- زاد المعاد لابن القيم 3/510-511. وذهب ابن القيم من ذلك إلى أن الغضبان إذا علم من نفسه أن لسانه سبقه بالطلاق من غير قصد جاز له الإقامة على نكاحه (إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان، ص40).
9- أخرجه الشافعي وأبو داود وابن حبان والحاكم والدارقطني، وأحمد.
10- زاد المعاد 5/187-188.
11- مجموع الفتاوى لابن تيمية 33/64.
12- انظر: الإنصاف 8/465.
13- عن أبي حنيفة روايتين في العتق، مع أنه لا فرق بين الطلاق والعتاق في المسألة، فأحدهما يقاس على الآخر؛ ولذلك رمى ابن حزم قول أبي حنيفة هنا بالمناقضة (المحلى 11/248) . وأصحاب أبي حنيفة لا يفرقون في النية بين طلاق وعتاق (انظر: البحر الرائق 3/269).
14- حاشية الدسوقي 2/577. الإنصاف8/475.
15- أخرجه وكيع في مصنفه.
16- زاد المعاد 5/187.
17- إعلام الموقعين لابن القيم 2/67.
18- أخرجه البخاري في بدء الوحي، باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله r، (1). ومسلم في الإمارة،باب قوله r: "إنما الأعمال بالنية"، (1907).

د.محمود النجيري

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-03-27 ||, 01:32 PM
بارك الله فيك وجزاك الله عنا خير الجزاء.
الآن بإذن الله سنشرع في قراءة البحث.

د.محمود محمود النجيري
08-03-27 ||, 04:32 PM
أرفع الملف مرة أخرى؛ لوجود عيب في الملف الأول