المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : طريقة الفقهاء الربانيين



أحمد بن فخري الرفاعي
08-03-27 ||, 09:26 PM
قال ابن رجب الحنبلي في " جامع العلوم والحكم" في شرح الحديث التاسع :
عَنْ أَبي هُريرة قال : سَمِعتُ رَسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ : (( ما نَهَيتُكُمْ عَنْهُ ، فاجْتَنِبوهُ ، وما أمرتُكُم به ، فأتُوا منهُ ما استطعتُم ، فإنَّما أهلَكَ الَّذين من قبلِكُم كَثْرَةُ مسائِلِهم واختلافُهم على أنبيائِهم )) . رواهُ البخاريُّ ومُسلمٌ .

قال: ".... اعلم أنَّ كثرةَ وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة، إنَّما هو مِنْ ترك الاشتغال بامتثالِ أوامر الله ورسوله ، واجتنابِ نواهي الله ورسوله ، فلو أنَّ من أرادَ أنْ يعمل عملاً سأل عمَّا شَرع الله في ذلك العمل فامتثله ، وعما نهى عنه فاجتنبه ، وقعت الحوادثُ مقيدةً بالكتاب والسنة .
وإنَّما يعمل العاملُ بمقتضى رأيه وهواه ، فتقع الحوادثُ عامّتُها مخالفةً لما شرعه الله، وربما عَسُر ردّها إلى الأحكام المذكورةِ في الكتاب والسنة ؛ لبعدها عنها .

قالَ الأوزاعيّ: إنَّ الله إذا أرادَ أنْ يَحرمَ عبدَهُ بركةَ العلمِ ألقى على لسانهِ المغاليط ، فلقدْ رأيتهم أقلَّ النَّاسِ علماً .

وقالَ ابنُ وهبٍ ، عنْ مالكٍ : أدركتُ هذه البلدة وإنَّهم ليكرهون الإكثارَ الذي فيهِ النَّاس اليومَ : يريدُ المسائلَ .

وقالَ أيضاً : سمعتُ مالكاً وهو يعيبُ كثرةَ الكلامِ وكثرةَ الفتيا ، ثُمَّ قالَ : يتكلمُ كأنَّهُ جملٌ مُغتَلِمٌ ، يقولُ : هوَ كذا هوَ كذا يهدرُ في كلامهِ .

وقال: سمعتُ مالكاً يكره الجوابَ في كثرة المسائل، وقال : قال الله تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرّوحِ قُلِ الرّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) فلم يأته في ذلك جواب .

وكان مالكٌ يكره المجادلة عن السّنن أيضاً .

قال الهيثم بن جميل : قلت لمالك : يا أبا عبدِ الله ، الرجلُ يكونُ عالماً بالسّنن يُجادل عنها ؟ قال : لا ، ولكن يخبر بالسّنَّةِ ، فإنْ قُبِلَ منه ، وإلاّ سكت .

قال إسحاق بن عيسى : كان مالك يقول : المِراء والجِدال في العلم يَذهبُ بنور العلم من قلب الرجل .

وقال ابن وهب : سمعت مالكاً يقول : المراءُ في العلم يُقسِّي القلوب ، ويورِّث الضغن .

وكان أبو شريح الإسكندراني يوماً في مجلسه ، فكثُرَتِ المسائلُ ، فقال : قد دَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم ، فقوموا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا قلوبكم ، وتعلَّمُوا هذه الرغائب ، فإنَّها تُجدِّدُ العبادة ، وتُورث الزهادة ، وتجرُّ الصداقة ، وأقِلُّوا المسائلَ إلا ما نزل ، فإنَّها تقسي القلوب ، وتورث العداوة .

وقال الميمونيُّ : سمعتُ أبا عبد الله - يعني : أحمد - يُسأل عن مسأَلة ، فقال : وقعَت هذه المسألة ؟ بُليتم بها بعدُ ؟

وقد انقسم الناسُ في هذا الباب أقساماً :
فمن أتباع أهلِ الحديث منْ سدَّ بابَ المسائل حتَّى قلَّ فِقهُه وعلمُه بحدود ما أنزل الله على رسوله ، وصار حامِلَ فقه غير فقيه .
ومن فقهاء أهل الرأي من توسَّع في توليدِ المسائل قبلَ وُقوعها ، ما يقع في العادة منها وما لا يقع ، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجواب عنْ ذلك ، وكثرة الخصومات فيه ، والجدال عليه حتَّى يتولدَ مِنْ ذلك افتراقُ القلوب ، ويستقرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشّحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترن ذلك كثيراً بنية المغالبة، وطلب العلوِّ والمباهاة ، وصرف وجوه الناس، وهذا ممَّا ذمّه العلماءُ الربانيون ، ودلَّتِ السّنَّةُ على قبحه وتحريمه .

وأما فقهاء أهل الحديث العامِلُون به ، فإنَّ معظمَ هَمِّهِمُ البحثُ عن معاني كتاب الله تعالى ، وما يُفسِّرُهُ من السنن الصحيحة ، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان ، وعن سُنَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعرفة صحيحها وسقيمِها ، ثم التفقه فيها وتفهمها ، والوقوف على معانيها ، ثم معرفة كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسّان في أنواع العلوم من التفسير والحديث ، ومسائل الحلال والحرام ، وأصول السّنة والزهد والرقائق وغيرِ ذلك ، وهذا هو طريقة [الفقهاء المسترشدين] ومَنْ وافقهم من علماء الحديث الرَّبّانيين ، وفي معرفة هذا شغلٌ شاغلٌ عن التَّشاغُل بما أُحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به ، ولا يقع ، وإنَّما يُورِثُ التجادلُ فيه الخصوماتِ والجدالَ وكثرة القيل والقال . وكان الإمام أحمد كثيراً إذا سُئِلَ عن شيء من المسائل المولدات التي لا تقع يقول : دعونا منْ هذه المسائل المحدثة .

وما أحسن ما قاله يونسُ بنُ سليمان السَّقَطِيُّ : نظرتُ في الأمرِ ، فإذا هو الحديث والرأي ، فوجدتُ في الحديث ذكرَ الرب ، وربوبيتَه وإجلاله وعظمته ، وذكرَ العرش وصفة الجنة والنار ، وذكرَ النبيين والمرسلين ، والحلال والحرام ، والحثَّ على صلة الأرحام ، وجماع الخير فيه ، ونظرت في الرأي ، فإذا فيه المكرُ ، والغدرُ ، والحيلُ ، وقطيعة الأرحام ، وجماع الشَّرِّ فيه .

وقال أحمد بن شبويه : من أراد عِلمَ القبرِ فعليه بالآثار ، ومن أراد علم الخُبْزِ ، فعليه بالرأي .

ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه ، تمكَّن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالباً ؛ لأنَّ أصولها تُوجد في تلك الأصول المشار إليها ، ولابدَّ أنْ يكون سلوكُ هذا الطريق خلف أئمة أهل الدين المجمَعِ على هدايتهم ودرايتهم كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبيد ومن سلك مسلكَهم ، فإنَّ مَنِ ادّعى سلوكَ هذا الطريق على غير طريقهم وقع في مفاوزَ ومهالك ، وأخذ بما لا يجوز الأخذُ به ، وترك ما يجب العملُ به .
ومِلاكُ الأمرِ كلِّه أنْ يقصِدَ بذلك وجه الله ، والتقرّبَ إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله ، وسلوكِ طَريقه ، والعمل بذلك ، ودعاء الخلق إليه ، ومَنْ كان كذلك ، وفَّقه الله وسدَّده ، وألهمه رشده ، وعلَّمه ما لم يكن يعلم ، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب في قوله تعالى : ( إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء ) ، ومن الراسخين في العلم، وقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" من حديث أبي الدرداء : أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئِل عن الرَّاسخين في العلم ، فقال : (( من برَّت يمينُه ، وصدق لسانُه ، واستقامَ قلبُه ، ومن عفَّ بطنُه وفرجُه ، فذلك مِنَ الرَّاسخين في العلم )) .

وقال نافع بن يزيد : يقال : الرَّاسخونَ في العلم : المتواضعون لله ، والمتذلِّلون لله في مرضاته لا يتعاطون من فوقهم ، ولا يحقرون من دونهم .

ويشهد لهذا قول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم : (( أتاكم أهلُ اليمن ، هُمْ أبرّ قلوباً ، وأرقّ أفئدةً . الإيمان يمانٍ ، والفِقه يمانٍ ، والحكمة يمانيةٌ )) .
وهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري ، ومن كان على طريقهِ من عُلَماء أهلِ اليمن ، ثمَّ إلى مثل أبي مسلم الخولاني ، وأُويس القَرَنيِّ ، وطاووس ، ووهب بن منبه ، وغيرهم من عُلماء أهل اليمن ، وكلّ هؤلاء مِنَ العلماء الربانيين الخائفين لله ، فكلهم علماءُ بالله يخشونه ويخافونه ، وبعضُهم أوسعُ علماً بأحكام الله وشرائع دينه من بعض ، ولم يكن تميّزهم عن الناس بكثرة قيلٍ وقالٍ ، ولا بحثٍ ولا جدالٍ .

وكذلك معاذُ بنُ جبل : أعلم الناس بالحلال والحرام ، وهو الذي يحشر يومَ القيامة أمام العلماء برتوة ، ولم يكن علمه بتوسعة المسائل وتكثيرها ، بل قد سبق عنه كراهةُ الكلام فيما لا يقع ، وإنما كان عالماً بالله وعالماً بأصول دينه .

وقد قيل للإمام أحمد : مَنْ نسألُ بعدَك ؟ قال : عبد الوهَّاب الورَّاق ، قيل له : إنَّه ليس له اتَّساعٌ في العلم ، قال : إنَّه رجل صالح مثلُه يُوفَّقُ لإصابة الحق .

وسُئِل عن معروف الكرخي ، فقال : كان معه أصلُ العلم : خشية الله . وهذا يرجعُ إلى قولِ بعض السَّلف : كفى بخشية الله علماً ، وكفى بالاغترار بالله جهلاً . وهذا بابٌ واسع يطول استقصاؤه ".

انتهى بتصرف يسير

د / ربيع أحمد ( طب ).
08-03-28 ||, 10:25 PM
جزاكم الله خيرا على هذا السفر المبارك فكلنا يحتاج لهذه الكلمات الطيبة .

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-03-28 ||, 11:07 PM
لقد نفعك الله بعلم الحديث نفعاً عظيماً؛ فأفدنا وآتنا مما أفاء الله عليك
وجزاك الله خيراً

أبو حزم فيصل بن المبارك
08-03-28 ||, 11:54 PM
بارك الله فيك على الفائدة الغالية .

أحمد بن فخري الرفاعي
08-03-31 ||, 09:40 PM
جزاكم الله خيرا على هذا السفر المبارك فكلنا يحتاج لهذه الكلمات الطيبة .

واياكم أيها الأخ الحبيب

لقد افتقدناكم .

أحمد بن فخري الرفاعي
08-03-31 ||, 09:42 PM
لقد نفعك الله بعلم الحديث نفعاً عظيماً؛ فأفدنا وآتنا مما أفاء الله عليك
وجزاك الله خيراً

جزاكم الله خيرا شيخنا الحبيب ، ونفع بكم

نسأل الله تعالى أن ينفعني واياكم بما علمنا ، وأن يعلمنا ما ينفعنا ، وأن يرزقنا حسن الخاتمة .

أحمد بن فخري الرفاعي
08-03-31 ||, 09:43 PM
بارك الله فيك على الفائدة الغالية .

اللهم آمين ، وفيكم ، ونفع بكم

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-03-31 ||, 10:32 PM
بارك الله فيك شيخنا أبا عبد الله
تم الاستفادة بحمد الله من هذه المادة في موضوع:

نقولات نافعة في فضل علماء أهل اليمن، وفي ترجمة ابن الوزير، ومعاني عزيزة في طلب العلم
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

أحمد بن فخري الرفاعي
08-04-01 ||, 01:17 AM
بارك الله فيك شيخنا أبا عبد الله
تم الاستفادة بحمد الله من هذه المادة في موضوع:

نقولات نافعة في فضل علماء أهل اليمن، وفي ترجمة ابن الوزير، ومعاني عزيزة في طلب العلم
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

أكرمكم الله شيخنا فؤاد ، ونفع بكم .

هكذا هو العلم : بذرة تزرع ، وبرعم ينبت ، وشجرة تستغلظ فتستوي على سوقها ، وتجود بكل عزيز .

رحم الله شيخنا ابن رجب الحنبلي ، فهو الباذر والزارع ، والمهذب والمشذب ، ونحن أكلة الثمر .

سعدت بموضوعك عن الامام ابن الوزير الصنعاني ، فجزاكم الله خيرا . .