المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تصنيف مبحث الإجماع ضمن مباحث الأصول



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-06-14 ||, 05:45 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
افترق الأصوليون في تصنيف مبحث الإجماع إلى فريقين :
*الفريق الأول : اعتبره متضمنا لدليل أو ناقلا له
*الفريق الثاني : عده دليلا.
الفريق الأول :
اختلف الأصوليون في أمر الإجماع : أدليل هو أم ناقل لدليل؟
وخلافهم هذا راجع إلى تصور كل فريق لطبيعة الإجماع ووظيفته العلمية ...، أما الفريق الأول وهم الذين اعتبروا الإجماع متضمنا لدليل وناقلا له : فاعتبروا أن الإجماع لا بد له من مستند ، فتكون الحجة راجعة في حقيقة الأمر إلى دليل تقوم به الحجة ، لذلك يقول إمام الحرمين : " فإن ذا التحصيل لا يطمع في كون الإجماع حجة لعينه ، وإنما المطلوب المكتفى به استناده إلى حجة"([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn1)) ، وقبله الإمام الشافعي : " لا يكون الإجماع حجة إلا إذا استبان أنه كان عن نص، علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn2)) ، وقال :" لا يصح دفع الخبر الثابت بدعوى الإجماع؛ لأنه متأخِّر الرتبة عن النص، ولأن الإجماع لا يكون إلا عن خبر، فما ثبت أولى أن يؤخذ به"([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn3)) .
والسبب هو : أهل الإجماع ليس لهم الاستقلال بإثبات الأحكام، فوجب أن يكون عن مستند، ولأنه لو انعقد عن غير مستند لاقتضى إثبات شرع بعد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو باطل.
وهذا ما ذهب إليه الشريف التلمساني ــ من المتأخرين ــ في "مفتاح الوصول"([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn4)) وابن جزي الغرناطي في "تقريب الوصول"([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn5)) .
ويترتب على هذا المذهب : المنع من إجماع المجتهدين على مسألة لا دليل عليها (=بمجرد الرأي) ، خلافا لمن أجاز وقوع الإجماع([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn6)) عن غير مستند([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn7))..

الفريق الثاني:
في المقابل نجد أن عددا من الأصوليين صنفوا الإجماع ضمن الأدلة الشرعية ، قال الغزالي : "والأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع فقط"([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn8)) ، وقال صاحب نثر الورود: "الإجماع من الأدلة الشرعية"([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn9)) ، مثله السبكي في جمع الجوامع وجلال الدين المحلي([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn10)) وعبد العلي الأنصاري([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn11)) وغيرهم...
ويلزم هؤلاء أن يجوزوا وقوع الإجماع بدون استناد إلى دليل ، وهذا هو مذهب الآمدي ــ وغيره ــ إذ يقول:"والمختار أنه إن أجمعوا من غير مستند ، فلا يكون إجماعهم إلا حقا"([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn12)).
لكن جمهورهم لا يعدونه دليلا قائما بنفسه : أي منشئا للأحكام بدون استناد إلى دليل تقوم به الحجة ، يقول عبد العلي الأنصاري :"مسألة لا إجماع إلا عن مستند شرعي على المختارخلافا للبعض"([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn13)).
فيكون عده دليلا ثالثا عند هؤلاء من باب التجوز في العبارة وإلا فلا بد له من مستند = فيكون من باب النقل لا أكثر.

[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref1) - البرهان : 1/ 263.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref2) - "الإمام الشافعي : حياته وعصره وآراؤه" لمحمد أبي زهرة : 272.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref3) - "الأم" لمحمد بن إدريس الشافعي : 7/ 261.

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref4) - "مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول" لأبي عبد الله الشريف التلمساني ::

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref5) - "تقريب الوصول إلى علم الأصول" لابن جزي الغرناطي :

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref6) - اعتبر الآمدي أن الخلاف في الجواز لا في الوقوع (إرشاد الفحول : 1/210)

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref7) - السابق.

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref8) - المستصفى : 15.

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref9) - " نثر الورود على مراقي السعود" لمحمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي : 2/425.

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref10) - "شرح المحلي على جمع الجوامع" :

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref11) - فواتح الرحوت : 2/260.

[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref12) - "منتهى السؤل في علم الأصول" لسيف الدين علي بن الحسين الآمدي : 68.

[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref13) - السابق ، وكلام عبد العلي ممزوج بكلام محب الله بن عبد الشكور صاحب المتن.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-06-14 ||, 06:06 PM
الشيخ عبد الرحمن بارك الله فيكم
يظهر أن المسألة لفظية لا معنوية بدليل ما يلي :
1 - الجميع متفق على حجية الإجماع ظهر مستنده أولا .
2 - الجميع متفق أنه لا إجماع بدون مستند والقول بجوازه شاذ ثم هو في الجواز العقلي لا الوقوع الشرعي .
أما مسألة الاستناد إلى النص فمن هذه الجهة نستطيع أن نقول إن كل الأدلة سوى القرآن والسنة هي من هذا النوع وبيان ذلك :
1 - القياس :
مبني على إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة تجمع بينهما وهو في حقيقته عموم معنوي للنص ؛ إذ غاية ما يصنعه المجتهد تعميم العلة المنصوص عليها أو المستنبطة من النص فالنتيجة أن لا قياس بدون نص .
وسواء قلنا هو تعميم لعلة النص عموماً معنوياً أو قلنا إلحاق الفرع بالأصل بعلة النص مباشرة ، في الحالتين القياس فرع النص .
2 - المصلحة المرسلة :
هي المصلحة المسكوت عنها وهي تلائم مقاصد الشريعة بحيث ورد النص العام لاعتبار جنسها ، فلا مصلحة مرسلة محتجاً بها دون نص يشهد لها ، ولذا فإن تعريف المصلحة المرسلة بالمسكوت عنها فقط دون ذكر قيد شهادة النص العام لها وملائمة مقاصد الشريعة يعتبر تعريفاً فاسداً ؛ لأن هذه المصلحة لا يحتج بها عند الجميع .
3 - الاستحسان :
حقيقته تقوية أحد الدليلين المستند إلى أحد الأدلة ( النص او الإجماع أو القياس القوي أو العرف أو الضرورة ) وهو عين ما عرفه به بعضهم بأنه ( العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص ) .
4 - الاستصحاب :
هو انعدام النص الناقل وهو استصحاب البراءة الأصلية ،أو استصحاب دليل النص إثباتاً وعموماً حتى يرد المغير من ناسخ أو مخصص ، أو استصحاب الإجماع في محل النزاع ، فصور الاستصحاب كلها متعلقة بالنص .
5 - الاستقراء :
هو تتبع جزئيات منصوص عليها في الكتاب والسنة للوصول إلى حكم كلي .
6 - شرع من قبلنا :
هو ما ثبت أنه شرع لمن قبلنا في الكتاب والسنة ولم يرد ما يدل على نسخه أو وجوب العمل به ، ولذا فالعلماء متفقون على أن شرع من قبلنا الذي لم يرد به النص لا يحتج به .
7 - العرف :
هو في حقيقته تحقيق المناط في نصوص الشريعة في الكتاب والسنة المناطة بالعرف .
بل إن بعض الأصوليين - كالشاطبي - يرون عدم ورود حكم مستقل في السنة وأن كل ما فيه السنة فأصله موجود في القرآن فالسنة إما مؤكدة أو مفسرة لما ورد في القرآن .
وبغض النظر عن صحة ما ذهب إليه الشاطبي فإن النتيجة أن جميع الأدلة متفرعة عن الكتاب والسنة سواء في جزئياتها كما سبق أو في إثبات حجيتها ابتداء فحجية الإجماع والقياس والاستحسان والمصلحة والاستصحاب والعرف ثابتة بالنص فهي متفرعة عنه كتفرع الفروع المنصوص عليها .

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-06-14 ||, 07:52 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم على الفوائد....


1 - الجميع متفق على حجية الإجماع ظهر مستنده أولا .


نقل الجويني عن الشافعي ما يفيد عكس هذا الرأي : فإن الشافعي في مسألة القراض منع أن ينعقد حولها الإجماع لأنها مستحدثة زمن عمر ولم ينقل فيها نص ، مع العادات تقتضي ذلك = فيمتنع أن ينعقد فيها الإجماع ....

وقد ذكر الزركشي حاصل م اأوردته لكم في البحر المحيط...

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-06-14 ||, 08:35 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم على الفوائد....








نقل الجويني عن الشافعي ما يفيد عكس هذا الرأي : فإن الشافعي في مسألة القراض منع أن ينعقد حولها الإجماع لأنها مستحدثة زمن عمر ولم ينقل فيها نص ، مع العادات تقتضي ذلك = فيمتنع أن ينعقد فيها الإجماع ....


وقد ذكر الزركشي حاصل م اأوردته لكم في البحر المحيط...

الشيخ عبد الرحمن بارك الله فيكم
كلام الشافعي يوافق قول الجمهور لا يخالفه وبيان ذلك :
يقول الجويني نقلا عن الشافعي : ( لم يعهد القراض في زمن رسول الله صلى الله عليه و سلم وأول ما جرى هذا الضرب من المعاملة في زمن عمر رضي الله عنه في قضية مشهورة لابنيه رضي الله عنهما )
ثم قال الجويني : ( فقال الشافعي : لا ينقدح الإجماع من غير ثبت ولو كان في القراض خبر لذكر وعنى بنقله فلا معنى لجواز اعتقاده حقا بسبب أصل واحد من الأصول ولا سيما إذا كانت المعاملة عامة والحاجة فيها مطردة والناس كانوا يعتنون بنقل الأصول العامة على قضية واحدة .

ثم بعد مساق كلامه قال : لا أدري للقراض أصلا إلا ما صح عن رسول الله صلى الله عليه و سلم في المساقاة ) البرهان ( 2 / 591 ) ف ( 883 )
هذا الكلام من الشافعي يفيد أن الإجماع لا بد له من مستند وانه يجب البحث عن المستند هذا من جهة .
ومن جهة أخرى إنكار الشافعي للإجماع هنا لا لمجرد الإجماع بدون ذكر مستند وإنما بالنظر لمتعلق الإجماع وهي مسألة القراض وعلق ذلك بأمرين :
1 - مقاصد الشريعة وقواعدها .
2 - كون المسألة من العادات العامة .
بمعنى أنه يقول لا يمكن ان ينعقد إجماع بدون مستند مما تعم به البلوى وهو من قبيل الحاجات التي يحتاجها عامة الناس ثم لا يوجد دليل يدل على ذلك .
ولذا قال الجويني مفسرا هذا الكلام : ( فإن قيل : هذا منه قلب لمجاري القياس فإن المختلف فيه يعتبر بالمتفق عليه
والذي ذكره اعتبار اعتبار المتفق عليه بالمختلف فيه .
قلنا : الشافعي يرسل تصرفه على قواعد الشريعة غير معرج على موضع الوفاق والخلاف ثم ما ذكره ليس بقياس وإنما هو يتعلق على حصول الغرض بمسلك أصولي لا يهتدي إليه غيره فإنه أثبت أن الإجماع لا يعقد هزلا ثم مزجه بمآخذ العادات وهي من أعظم القواعد في أصول الشريعة وما يتعلق بالنقل وعدم النقل )
وفي كلام الشافعي أيضا تأكيد على البحث عن المستند وهذا ما فهمه الزركشي حيث يقول : ( وحكى الإمام في باب القياس عن الشافعي ما يقتضي البحث عن المستند حيث قال : لم يعهد القراض في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأول ما جرى في زمن عمر فقال الشافعي لا ينعقد الإجماع بغير مستند ولو كان في القراض خير لاعتني بنقله ) البحر المحيط ( 4 / 451 )


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية : ( فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع . فيستدل به كما أنه يستدل بالنص من لم يعرف دلالة النص وهو دليل ثان مع النص ...
فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص ....
وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصا فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص لكن كان النص عند غيرهم ...

ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة وكثير من العلماء لم يعلم النص وقد وافق الجماعة كما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع وكما يكون في المسألة نص خاص وقد استدل فيها بعضهم بعموم ...
ولا يعلم مسألة واحدة اتفقوا على أنه لا نص فيها ؛ بل عامة ما تنازعوا فيه كان بعضهم يحتج فيه بالنصوص ) مجموع الفتاوى ( 19 / 195 ) وما بعدها بتصرف

د. أيمن علي صالح
10-06-26 ||, 12:34 PM
الأَخوان آل زعتري وأبا حازم، أتحفتمونا بارك الله فيكما

لكني ما زلت متشككا في أنه يوجد قولين في هذه المسألة، أي أن القول فيها هو واحد وهو أن الإجماع ليس حجة بنفسه وإنما لأنه متضمن للنص سواء ظهر أم لا، وهو الذي صرح به الشافعي كما تفضلتم بنقله، وشرحه على نحو بالغ إمام الحرمين في البرهان، وأستبعد أن يخالفه في ذلك السبكي وأضرابه من المتأخرين كما في موضوع هذه المشاركة.
وينبني على القول الأول، وهو ما أراه راجحا، أمورٌ كثيرة في الغاية من الأهمية، منها:

الأمر الأول: أن حجية الإجماع ثبتت بالعقل لا بالنص. وتقرير ذلك: أن وجود الإجماع مظنة لوجود النص (وصلنا أم لم يصلنا). والنص حجة باتفاق، ومظنة الشيء تنزل مقام الشيء لأنها دليل على وجوده غالبا، فكان الإجماع على هذا حجة. وبناء عليه، يمكننا تصوُّر الإجماع على أنه نص نقل بالمعنى، كالحديث تماما الذي هو نص نقل بالرواية.



الأمر الثاني: أنه لا وجه للقول بقطعية الإجماع فيما لا نصَّ قطعيا فيه، لأن الإجماع فيما ليس فيه نص وَصَلنا، على فرض وجوده، هو مجرد مظنة لوجود نص. وما كان مظنة لشيء يكون دليلا ظنيا عليه ولا يكون قاطعا في حال أبدا، ولهذا أخَّر الشافعي دلالة الإجماع على دلالة خبر الواحد كما نقله الفاضل آل زعتري، وهذا في ظني خاص بالإجماع الذي لم يظهر مستنده. أما ما ظهر النص الساند له فهو أقوى من خبر الواحد المجرد بلا شك.


الأمر الثالث: أنه لا حاجة لتكلُّف القول ببيان حجية الإجماع بنصوص الكتاب والسنة كالآية {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}، والآية: {كنتم خير أمة أخرجت للناس} والحديث: لا تجتمع أمتي على ضلالة، والحديث: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، وغير ذلك مما يذكره الأصوليون في باب الإجماع، وذلك لثلاثة أسباب:


أحدها: أن الإجماع ليس حجة بنفسه، وإنما الحجة في النص الذي تضمنه. وحجية النص لا مراء فيها، ويكفينا في حجية الإجماع أن نثبت أنه مظنة للنص. وهذا مسلكه عقليٌ لا نقليا، قائمٌ، كما قال إمام الحرمين، على مبدأ استحالة اتفاق العلماء في مجرى العوائد على مسألة ظنية دون وجود نص فيها.


والسبب الثاني: أن هذه الأدلة دالة على حجية الإجماع بنفسه لا لما يتضمنه من نص، وهو خلاف ما قرره الشافعي وغيره


والسبب الثالث: أن فيها إشكال من حيث الدلالة على حجية الإجماع من وجهين:



أحدهما: أنها غير صريحة ومنتقضة بأكثر من وجه كما أفاض به منكرو حجية الإجماع، وهي لا تكاد تقوى على حجية الإجماع ظنا فكيف لها أن تثبته قطعا كما هو المشروط في الأصول الإجمالية الكبرى كالإجماع. وادعاء الغزالي أن دلالتها على الإجماع مستفادة بالتواتر المعنوي، في محل نظر، إذ التواتر المعنوي إنما يتم إذا دلت آحاد الأدلة على المدعى ظنا، أما هنا فثمة نزاع ليس بالهين في دلالتها على الإجماع أصلا، لا سيما وأن دلالتها في أرقى حالاتها هي من قبيل الدلالة الإشارية غير الصريحة وغير المقصودة عادة (وقد شكَّك الغزالي نفسه في بعض هذه الأدلة كآية ومن يشاقق وأبطل دلالتها من عدة وجوه).



والوجه الآخر: أن هذه الأدلة في ظاهرها تعتبر في الإجماع قول المؤمنين عموما، أو قول الأمة جمعاء لا المجتهدين خاصَّة. وعندما رجح كثيرٌ من الأصولين أن قول العوام غير معتبر في الإجماع فإنهم من حيث لا يدرون نقضوا أدلة الإجماع التي أوردوها لأن هذه الأدلة لم تفرق بعمومها بين مجتهد وعامي.

الأمر الرابع: أن المعتبر في الإجماع فيما ليس فيه نص وَصَلنا، على فرض وجوده، هو إجماع العصور المتقدمة كالصحابة والتابعين وتابعيهم، لأنه بعد هذه العصور يبعد القول بأن عصرا ما اطلع على نصوص شرعية ثم لم تنقل إلينا. وعليه، فإجماع العلماء في عصرنا وفي أي عصر بعد العصور المفضلة على مسألة اجتهادية لا نص صريحا فيها، على فرض إمكانه ووقوعه لا حجة فيه، لأنه قطعا ليس مظنة لنص مفقود، ولا حجة في إجماع لا يقوم على نص أو ليس مظنة لنص. وهذا ـ وأنا أغرف من ذاكرتي المريضة ـ هو ما مال إليه إمام الحرمين، وصرح به ابن حزم، وأيده ابن تيمية وابن القيم. وعليه لا يصح تعريف كثير من الأصوليين للإجماع بأنه اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور على حكم شرعي.

الأمر الخامس: أن إجماع العصور المتقدمة سواء أكان صريحا، أو قول الأكثر وسكوت الباقين، أو قول واحد وسكوت الباقين، أو إجماع عملي هو حجة ظنية، لأن كل هذا مظنة لوجود نص وإن لم يصلنا أحيانا، والتفاوت بين هذه الأنواع المختلفة من الإجماعات إنما هو في درجة الظن.
الأمر السادس: إذا قصرنا الإجماع على عصور السلف، فلا بد من اشتراط انقراض العصر في تحقق الإجماع ( أي استمرار المجتهد على رأيه إلى الوفاة، وثبوت الإجماع فقط بعد التحقق من موت جميع المجتهدين على رأيهم)، لأن عكسه غير ممكن لنا عمليا وهو ثبوت اجتماعهم في لحظة من اللحظات.
هذا كلام سقته مما تدفق في ذهني من غير مدارسة ومراجعة، فأرجو من الإخوة أن يسبروه وينقدوه، بعد إعذاري طبعا فيما قد يكون مجانبا للصواب.
د. أيمن صالح

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-06-26 ||, 02:56 PM
فضيلة الشيخ الدكتور الفاضل أيمن وفقه الله لكل خير
اسمح لي أن أقف مع ما ذكرتم وقفات :
الوقفة الأولى :
قولكم إن الإجماع ثبت بالعقل مرادكم حجية الإجماع أو المسائل المجمع عليها ؟
إن أردتم الثاني فوارد وإن أردتم الأول فلا لما سيأتي .

الوقفة الثانية :
موقف العلماء من الاستدلال بالعقل في الإجماع :
يرى كثير من العلماء أن الاستدلال بالعقل – مع النقل فضلا أن يكون وحده - غير وارد لإثبات حجية الإجماع ومنهم أبو بكر الرازي الجصاص وأبو إسحاق لشيرازي والغزالي والزركشي والشوكاني وغيرهم بل نقل بعض الأصوليين - كالزركشي والشوكاني - أن هذا هو قول الأكثرين ومعظم الأصوليين .
ومن استدل بالعقل كالقاضي عبد الوهاب والسرخسي والبزدوي والجويني والآمدي وابن الحاجب وغيرهم إنما استدلوا به مضموما إلى النقل .
وإن كان استدلال الآمدي وابن الحاجب معتمده العادة المطردة لا العقل حقيقة وهو في الحقيقة أصل دليل الجويني في البرهان ( ف ( 627 ) وقد ناقش الغزالي ذلك ورده إلى العادة كما في المنخول ( ص 306 )

الوقفة الثالثة :
قولكم : ( لا حاجة لتكلُّف القول ببيان حجية الإجماع بنصوص الكتاب والسنة )
هذا الكلام غريب حقيقة فقد تواترت كتب العلماء من جميع المذاهب من الأصوليين والفقهاء والمحدثين والمفسرين وغيرهم على الاحتجاج بأدلة السمع بل كما ذكرت سابقا معظم الأصوليين جعل السمع هو العمدة في ذلك . وذلك من عهد الإمام الشافعي الذي استدل بقوله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول ..) الآية إلى هذا العصر فلا أعلم هل تتابع العلماء في كل هذه العصور على صنيع ما ليس له حاجة والانشغال بما لا طائل تحته ؟ .
ولا أدري لمَ أشغل الشافعي نفسه في البحث عن دليل من القرآن وهو من هو في قوة عقله وفهمه .
لمَ لم يورد دليلاً عقلياً وكفى ؟ .
أما الاعتراض على الأدلة فلا يعني سقوطها فلا يكاد يسلم دليل إلا ويمكن ان يرد عليه الاعتراض وإنما المحك هو قوة الاعتراضات وإسقاطها للدليل .
وقد أورد الأصوليون كل هذه الاعتراضات وأجابوا عنها
قال الجويني - في التعليق عل اعتراض بعض الأصوليين على ما استدل به الشافعي - : " وظني أن معظم تلك الاعتراضات الفاسدة تكلفها المصنفون حتى ينتظم لهم أجوبة عنها ولست لأمثالها "
ثم ذكر ما يراه اعتراضا قويا على الآية التي استدل بها الشافعي .
نعم الاستدلال بالآية ليس قاطعاً لكنه ظاهر فإذا انضم إلى بقية الأدلة أفاد القطع كما سيأتي .
وأما الاستدلال بالسنة فقد ذهب بعض الأصوليين إلى أنه أقرب الطرق في إثبات كون الإجماع حجة قاطعة وأدلة السنة على أنواع :
1 – منها ما يثبت عصمة الأمة من الخطأ .
2 – ومنها ما يدل على تحريم الخروج عن جماعة المسلمين .
3 – ومنها ما يدل على أن الحق ملازم لجماعة المسلمين .
والأدلة التي انتظمت هذا المعنى كثيرة ولا يشك من يطلع عليها أنها تعطي معنى مشتركا متواترا تواترا معنويا يفيد أن الأمة لا تجتمع على خطأ وعلى وجوب لزوم قولهم .
وأما ما ادعاه الرازي من إنكار صحة تواتر ذلك معنويا فضعيف وقد استدل بحجة واهية تنقض أصل التواتر في جميع الشريعة حيث يقول : " أما الطريق الأول وهو ادعاء التواتر فبعيد فإنا لا نسلم بلوغ مجموع هذه الأخبار إلى حد التواتر لأن العشرين بل الآلف لا يكون متواترا لأنه ليس يستبعد في العرف إقدام عشرين إنسانا علي الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة "
وهذا يعني أنه لا تواتر في الأحاديث مطلقا فليس ثمة حديث رواه أكثر من ألف من الصحابة .
ولذا قال الأنصاري في فواتح الرحموت ( 2 / 216 ) : " واستبعد الإمام الرازي صاحب المحصول - كما هو رأيه في التشكيكات في الأمور الظاهرة - التواتر المعنوي "
وقد أطال الغزالي في المستصفى في تقرير الاحتجاج بأدلة السنة وإفادتها القطع وأجاب عن أجوبة المعترضين في المقامات الثلاث ( الرد والتأويل والمعارضة ) .
وقد ذكر القرافي أن كثيرا من الأدلة والقواعد الأصولية ثبتت بالاستقراء التام للنصوص وأقضية الصحابة وهذا يفيد القطع وإن كانت في آحادها ظنية :
يقول القرافي : " الإجماع قطعي لأجل دلالة كل عموم لا بالنظر إلى ذلك العموم وحده بل جميع أصول الفقه مسائله المشهورة قطعية ومدرك لقطع فيها يحصل لمن حصل له الاستقراء التام في نصوص الشريعة وأقضية الصحابة وفتاويهم والاطلاع على كثرة واردات السنة السنة في أعيان تلك المسائل فيحصل القطع حينئذٍ " نفائس الأصول ( ص 6 / 2697 ) وقد قرر نحو ذلك الشاطبي في الموافقات .

الوقفة الرابعة :
قولكم بأن النصوص تقتضي دخول جميع الأمة لا العلماء خاصة هذا خلاف تفسير السلف للحديث كعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجمهور الأصوليين والمحدثين . وقد علم أن الحل والعقد هو فيمن عندهم الآلة لفهم الشرع وقد علم أن العوام ليسوا كذلك بل ويحرم عليهم الفتوى في الدين بالإجماع فضلا أن يعتد بقولهم .
وقولكم رجح كثير من الأصوليين عدم دخول العوام الصواب رجح أكثر الأصوليين .
وقد نقل عن الباقلاني انه يعتد بهم وما في التقريب خلافه بل كاد أن ينقل الإجماع على عدم الاعتداد بهم كما ذكر الزركشي .
بل نقل ابن السبكي في الإبهاج ( 2 / 383 – 384 ) عن الباقلاني نقله الاتفاق على عدم الاعتداد بهم وينظر بقية كلامه ، ولذا عد بعض الأصوليين هذا الخلاف خلافا لفظيا .
ينظر : الإبهاج ( 2 / 384 385 ) سلاسل الذهب ( ص 343 ) الخلاف اللفظي عند الأصوليين لشيخنا أ . د . عبد الكريم النملة ( 2 / 104 – 107 )

الوقفة الخامسة :
قولكم إن الإجماع في جميع صوره الصريح وغير الصريح والإجماع السكوتي ..حجة ظنية .
أقول هذا قول طائفة من الأصوليين كالرازي والآمدي وغيرهما بينما يرى جمهور الأصوليين أن الإجماع منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني ولهم في ذلك تقسيمات لا تخفاكم .

الوقفة السادسة :
يلزم على قولكم أن الحجة في النص فقط لا في الإجماع انه يجوز مخالفة النص الذي استند إليه الإجماع لمعارض كوجود نص آخر علماً أن الإجماع يرفع الخلاف فلو استند الإجماع إلى نص وخولف بنص آخر فالعبرة بالإجماع المستند إلى النص وهنا يظهر الفرق بين النص المنفرد والإجماع المستند إلى نص .

الوقفة السابعة :
فهمت من كلامكم أنه لا إجماع إلا عن نص فلا يصح الإجماع عن اجتهاد من قياس أو مصلحة ونحوهما فلا ادري هل فهمي لكلامكم صحيح أو لا ؟.
وعموما فالقول بصحة استناد الإجماع إلى القياس قول جمهور أهل العلم وهو الذي صححه الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم خلافا لابن جرير والظاهرية وقد دل عمل الصحابة على جوازه في حوادث كثيرة كإجماعهم على قياس خلافة أبي بكر رضي الله عنه على إمامته بالصلاة وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وغيرها من الفروع التي ذكرها الأصوليون تحت هذه المسألة على أن في بعضها نزاعا لاستنادها لدليل آخر .
وبناء عليه فليس الإجماع محصوراً بعصر الصحابة حتى يورد إشكال خفاء النص على من سبق لإمكانية استناد الإجماع إلى غير النص .
والله أعلم

د. أيمن علي صالح
10-06-26 ||, 05:00 PM
أخي أبا حازم ما أشد عجبي من سرعة جوابك وحسن إيرادك وكأنك تغرف من بحر، جزاك الله خيرا
في البداية أريد أن أُخرج الإجماع على المسائل المنصوصة كوجوب الصلاة وحرمة الخمر وغير ذلك من محل نقاشنا، لأن الإجماع في هذه المسائل دليلٌ مؤيِّد ومقوٍ لا مؤسس، والتأسيس إنما هو للنص، والنص أو (مجموع النصوص) في آحاد هذه المسائل قطعيٌ مستغنٍ عن الإجماع.
ويبقى نقاشنا في المسائل التي استند الاستدلال بها إلى الإجماع فقط دون وجود نص كمسألة تحريم بيع الكالئ بالكالئ التي استند الإمام أحمد فيها إلى الإجماع لضعف الحديث الوارد في ذلك
السؤال في قضية حجية مثل هذا النوع من الإجماع هو كالآتي: هل الإجماع حجة بنفسه؟ أم لأنه مظنة وجود نص صحيح لم يصلنا؟

- إن كان قولنا هو الأول، وهو أنه حجة بنفسه، فيحتاج إثبات الإجماع في مسألة ما إلى أمور:




أحدها: دليل الحجية، وهنا تفنن الأصوليون في الإيراد ولكن ليس أيٌّ من هذه الأدلة صريحا في الحجية ولذلك نازع في دلالتها منكرو الإجماع قديما وحديثا، وليس هذا موضع الدخول في حجاج كل من الفريقين ومناقشته وإنما محل ذلك المطولات. وما يستخلصه الباحث المنصف المتجرد من أي تحيُّزٍ قبليٍ، ومن تعظيم للرجال على حساب أدلة الأقوال، بعد النظر في هذه الأدلة وما أثير حولها من نقاش هو أنها لا تقوى على النهوض بإثبات حجية الإجماع كدليل قطعي، نعم قد تثير الظن الغالب عند البعض وقد يتشكك فيها آخرون لكنها أبدا لا تقوى على لجم الخصم وقطع النزاع في المسألة.

والثاني: إثبات إمكان وقوع الإجماع في المسألة المدعاة التي هي كما قلنا مسألة اجتهادية ليس فيها نص ـ وهذا من وجهة نظري المتواضعة أشبه شيء بالمستحيل.
والثالث: إثبات وقوع الإجماع وحصوله إما في لحظة معينة عند من لا يشترطون انقراض العصر، (وإثبات مثل ذلك من الخيال، وأنى لأحد إلا الله أن يعرف تزامن اتفاق العلماء على قول واحد في مسألة اجتهادية)، وإما إثبات وقوعه وحصوله واستمرار جميع المجتهدين على رأيهم إلى حين وفاتهم عند من لا يشترطون انقراض العصر، وهذا إن سُلِّم بإمكانه إلا أنه عسير.
والرابع: نقل هذا الإجماع الذي وقع بالشروط السابقة نقلا متواترا عن جميع المجمعين إلى وقتنا الراهن. وهذا لا يدعيه أحد في مسألة اجتهادية، (ويمكن الاستغناء عن هذا الشرط إذا قلنا بأن الإجماع حجة ظنية في المسائل غير المنصوصة، أما القول بقطعيته، مع أنه منقول باستقراء آحاد العلماء الذين اعتمدوا على آخبار الآحاد في النقل كابن المنذر رحمه الله تعالى وغيره، فهذا يتعارض مع أبسط مسلمات العقل).


والخلاصة أن الاحتجاج بالإجماع المجرد في مسألة ما على فرض أن الإجماع حجة بنفسه تحفُّه الظنون من كل جانب: في أصل الاحتجاج بالإجماع أولا، وفي الإمكان العقلي لوقوعه على المسألة المدعاة ثانيا، وفي نقله إلينا ثالثا، وهذا يجعله أكثر ظنية من القياس، لأن القياس يستند إلى أصل وهذا لا أصل له يستند إليه وإنما يستند إلى نفسه.

- أما إن كان قولنا هو الفرض الثاني، وهو أن الإجماع في المسائل التي ليس فيها نص ليس حجة بنفسه، بل لأنه مظنة لوجود نص لم يصلنا. كما صرح به الشافعي وبرهن عليه إمام الحرمين فهاهنا نحن لسنا بحاجة إلى البرهنة على أي من الأمور التي قلناها في الفرض الأول، وما نحتاج إليه فقط أمرٌ واحد وهو البرهنة على أن اتفاق العلماء على مسألة في مثار الظن والخلاف لا يكون إلا عن نص قاطع بلغهم قولا أو عملا، ومرد هذا البرهان إلى جري العوائد بذلك وهذا دليل عقلي أو عادي سمِّه ما شئت. وبهذا يُتفصَّى عن جميع إيرادات منكري حجية الإجماع وإمكانه ووقوعه، لأن الإجماع في هذا الفرض ليس دليلا بنفسه بل هو دليل الدليل، أي أنه قرينة، وكما نصل إلى النص بالرواية القولية، وبالرواية بالمعنى، وبعمل أهل المدينة أحيانا، نصل إليه بقرينة الإجماع، وهاهنا يصح تأخير دليل الإجماع على خبر الواحد كما نُقِل آنفا عن الشافعي، وإن كان قول مالك: الإجماع عندي أكبر من الحديث المنفرد أقوى في التحقيق، من وجهة نظري، لأن الإجماع الصريح أو العملي أو حتى السكوتي من السلف على مسألة اجتهادية (كصيام يوم السبت مثلا) أقوى في إثارة الظن من حديث يتفرد به أحدهم، ونحن نعلم ما يرد على الأحاديث والرواة حتى الثقات منهم من خطأ ووهم ورواية بالمعنى ورواية الحديث دون سببه ورواية بعض الحديث وتدليس الثقات وغير ذلك من مثارات الظن في رواية الآحاد.
وللحديث بقية إن شاء الله تعالى فقد جاءني ما شغلني

صلاح الدين
10-06-26 ||, 06:36 PM
جزاكم الله خيرا.
قلتم :(أحدهما: أنها غير صريحة ومنتقضة بأكثر من وجه كما أفاض به منكرو حجية الإجماع، وهي لا تكاد تقوى على حجية الإجماع ظنا فكيف لها أن تثبته قطعا كما هو المشروط في الأصول الإجمالية الكبرى كالإجماع. وادعاء الغزالي أن دلالتها على الإجماع مستفادة بالتواتر المعنوي، في محل نظر، إذ التواتر المعنوي إنما يتم إذا دلت آحاد الأدلة على المدعى ظنا، أما هنا فثمة نزاع ليس بالهين في دلالتها على الإجماع أصلا، لا سيما وأن دلالتها في أرقى حالاتها هي من قبيل الدلالة الإشارية غير الصريحة وغير المقصودة عادة (وقد شكَّك الغزالي نفسه في بعض هذه الأدلة كآية ومن يشاقق وأبطل دلالتها من عدة وجوه).

لكنه استدل بهذه الأحاديث من وجهين الاول :ما ذكرتم وهو التواتر المعنوي لنصوص السنة.
والثاني تلقي الأمة لها بالقبول ..وقد اورد عليه ابن الحاجب أنه لا يخرجها عن الآحاد .

ولا يسلم له فهي وردت من عدة طرق ومخارجها متعددة
قال شيخنا حفظه الله في تقرير هذا الدليل ما نصه .
(إن الأمة تلقت عبارات هذه الأحاديث بالقبول وتمسكت بها من غير نكير .
والعادة تحيل توافق الأمة في أعصار متكررة على التسليم بما لم تقم الحجة بصحته مع التفاوت في الأخذ بالنصوص واختلاف المذاهب في الرد والقبول فلولا أنها صحيحة لما تلقتها الأمة بالقبول).

قلتم
(الأمر السادس: إذا قصرنا الإجماع على عصور السلف، فلا بد من اشتراط انقراض العصر في تحقق الإجماع ( أي استمرار المجتهد على رأيه إلى الوفاة، وثبوت الإجماع فقط بعد التحقق من موت جميع المجتهدين على رأيهم)، لأن عكسه غير ممكن لنا عمليا وهو ثبوت اجتماعهم في لحظة من اللحظات.)

هذا تحكم فاشتراط انقراض العصر مسألة لا ألزم باعتبارها . قال بها الإمام احمد وابن فورك
وابن الحاجب وغيره على عدم اعتبار انقراض العصر.
ودعوى الاستحالة غير مسلمة .

حمد وديع ال عبدالله
10-06-26 ||, 08:36 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
اسمحوا لي بالتعليق على المسألة بعدما تفضلتم بما قلتم:
اولا: الا ترون اخوتي ان الاجماع والادلة الاخرى المذكورة كالقياس والمصالح المرسلة والاستحسان والاستصحاب و....الخ كلها ادلة فرعية، وان جاز لي تسميتها انها كلها الطرق المعتبرة شرعا لاستنباط الاحكام الشرعية من مصادر التشريع الاسلامي وهي الكتاب والسنة ؟


ثانيا: ثم هل هناك حكم شرعي في مسألة ما ثبت بالاجماع غير المستند لنص شرعي؟


ما رأيكم دام فضلكم.....

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-06-26 ||, 11:09 PM
شيخنا الكريم الدكتور أيمن وفقه الله
قلتم : ( في البداية أريد أن أُخرج الإجماع على المسائل المنصوصة كوجوب الصلاة وحرمة الخمر وغير ذلك منمحل نقاشنا، لأن الإجماع في هذه المسائل دليلٌ مؤيِّد ومقوٍ لا مؤسس، والتأسيس إنماهو للنص، والنص أو (مجموع النصوص) في آحاد هذه المسائل قطعيٌ مستغنٍ عنالإجماع )
بارك الله فيكم شيخنا الكريم
هذا النوع لا إشكال فيه لأنه مما علم من الدين بالضرورة .

ثم قلتم : ( ويبقى نقاشنا في المسائل التي استند الاستدلال بها إلى الإجماع فقط دون وجود نص كمسألةتحريم بيع الكالئ بالكالئ التي استند الإمام أحمد فيها إلى الإجماع لضعف الحديثالوارد في ذلك )
هذه المسألة فيها نص ولذا فالصواب – بارك الله فيكم - أن يقال : نقل الإمام أحمد الإجماع على العمل بمعنى الحديث فالإجماع مستنده الحديث الذي تلقي بالقبول فارتقى إلى مرتبة الاحتجاج وهذا الأصل قد قرره غير واحد من العلماء كحافظ المشرق الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه ( 1 / 190 ) وحافظ المغرب ابن عبد البر في التمهيد ( 16 / 219 -120 ) وابن تيمية وابن القيم كما في كتاب الروح ( ص 14 ) وابن حجر في النكت على ابن الصلاح ( 1 / 78 ) والسخاوي في فتح المغيث ( 1 / 288 ) والسيوطي في تدريب الراوي كما قرره القاضي عبد الوهاب وابن فورك من الأصوليين نقل ذلك عنهم ابن حجر وغيره .
وينظر كذلك : خاتمة تحقيق الأجوبة الفاضلة للكنوي لأبي غدة ( ص 228 – 238 )
ومن أقوال العلماء في ذلك :
1 - قال الإمام الشافعي : " استدللنا بما وصفت من نقل عامة أهل المغازي عن النبي أن لا وصية لوارث " على أن المواريث ناسخة للوصية للوالدين والزوجة مع الخبر المنقطع عن النبي وإجماع العامة على القول به " ( ص 142 )
وقال عند كلامه على قبول المرسل : " و كذلك إن وجد عوام من أهل العلم يفتون بمثل معنى ما روي عنهم عن النبي صلى الله عليه و سلم " الرسالة ( ص 463 )

2 – وقال الحافظ ابن عبد البر معلقا على حديث " هو الطهور ماؤه " : " وهذا الحديث لا يحتج أهل الحديث بمثل إسناده وهو عندي صحيح لأن العلماء تلقوه بالقبول له والعمل به " التمهيد ( 16 / 219 – 220 )
وقال : " والدليل على صحة كتاب عمرو بن حزم تلقي جمهور العلماء له بالقبول " التمهيد ( 17 / 397 )
3 - وقال الزركشي : " إن الحديث الضعيف إذا تلقته الأمة بالقبول عمل به على الصحيح حتى أنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع " النكت على ابن الصلاح ( 2 / 497 )
4 - وقال الكمال بن الهمام : " ومما يصحح الحديث أيضا : عمل العلماء على و فقه " فتح القدير ( 3 / 143 )
5 - وقال السيوطي : " و قد صرح غير واحد بأن من دليل صحة الحديث قول أهل العلم به وإن لم يكن له إسناد يعتمد على مثله " التعقبات على الموضوعات ( ص 12 ) .
6 - وقال ابن الوزير : " و قد احتج العلماء على صحة أحاديث بتلقي الأمة لها بالقبول " العواصم والقواصم ( 2 / 397 )
7 - بل إن بعض الحنفية نصوا على انه إذا تلقي بالقبول اصبح في حيز المتواتر أي أنه قطعي الثبوت وفي ذلك يقول الجصاص : " وقد استعمل الفقهاء هذا الخبر وتلقوه بالقبول فجرى مجرى التواتر كقوله عليه السلام ( لا وصية لوارث ) وقوله : ( لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ) ( وإذا اختلف البيعان فالقول ما قاله البائع أو يترادان ) وما جرى مجرى ذلك من الأخبار التي مخرجها من جهة الأفراد وصارت في حيز التواتر لتلقى الفقهاء لها بالقبول من استعمالهم إياها " أحكام القرآن ( 1 / 44 ) وينظر كذلك ( 1 / 205 ) عند حديث " لا وصية لوارث " وينظر المبسوط للسرخسي ( 17 / 51 ) ( 27 / 261 )
والإجماع المذكور قد تتابع عليه العلماء كابن المنذر وابن رشد وابن قدامة وابن تيمية وابن السبكي وغيرهم .
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية : " والأمة لا تجتمع على خطأ ، فلو كان الحديث كذبا في نفس الأمر ، والأمة مصدقة له قابلة له لكانوا قد أجمعوا على تصديق ما هو في نفس الأمر كذب وهذا إجماع على الخطأ وذلك ممتنع وإن كنا نحن بدون الإجماع نجوز الخطأ أو الكذب على الخبر فهو كتجويزنا قبل أن نعلم الإجماع على العلم الذي ثبت بظاهر أو قياس ظني أن يكون الحق في الباطن ، بخلاف ما اعتقدناه فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأن الحكم ثابت باطنا وظاهرا ، ولهذا كان جمهور أهل العلم من جميع الطوائف على أن " خبر الواحد " إذا تلقته الأمة بالقبول تصديقا له أو عملا به أنه يوجب العلم وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد ..." مجموع الفتاوى ( 13 / 351 - 352 )

قلتم بارك الله فيكم : ( السؤال في قضية حجية مثل هذا النوع من الإجماع هو كالآتي:
هل الإجماع حجة بنفسه ؟ أم لأنه مظنة وجود نص صحيح لم يصلنا؟

- إن كان قولنا هو الأول، وهو أنه حجةبنفسه، فيحتاج إثبات الإجماع في مسألة ما إلى أمور:

أحدها: دليلالحجية، وهنا تفنن الأصوليون في الإيراد ولكن ليس أيٌّ من هذه الأدلة صريحا فيالحجية ولذلك نازع في دلالتها منكرو الإجماع قديما وحديثا، وليس هذا موضع الدخول فيحجاج كل من الفريقين ومناقشته وإنما محل ذلك المطولات. وما يستخلصه الباحث المنصفالمتجرد من أي تحيُّزٍ قبليٍ، ومن تعظيم للرجال على حساب أدلة الأقوال، بعد النظرفي هذه الأدلة وما أثير حولها من نقاش هو أنها لا تقوى على النهوض بإثبات حجيةالإجماع كدليل قطعي، نعم قد تثير الظن الغالب عند البعض وقد يتشكك فيها آخرون لكنهاأبدا لا تقوى على لجم الخصم وقطع النزاع في المسألة )
بارك الله فيكم
القطع والظن نسبيان بحسب ما يطلع عليه المرء وما يتحقق له من قرائن ومن استقراء فقد يحصل القطع لفلان دون فلان وكون الإجماع ثبتت حجيته بالقطع أمر قد تتابع عليه كثير من العلماء من اتباع المذاهب وهذا دليل صحة القطع فيبقى الأمر بالظن راجعا إلى من لم يحصل القطع في المسألة لا في نفس الأمر .
وقد نص على قطعية الإجماع عامة أهل العلم منهم الجصاص والسرخسي والبزدوي والشاشي والباقلاني والباجي والقرافي والشاطبي وابن حزم والشيرازي والجويني والصيرفي وابن برهان والسمعاني والغزالي والخطيب البغدادي وابن السبكي والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب وابن قدامة والطوفي وابن تيمية وابن مفلح وابن بدران وابن النجار وغيرهم .
ولا أعلم أحدا قال إن الإجماع ظني إلا الرازي والآمدي حينما لا يدخل العوام فيه .
حتى قال الشاطبي عن الرازي إنه خالف من قبله ومن بعده .
يقول القرافي في الكلام عن قطعية مسائل الأصول :
" ونحن نستدل عليها بظواهر النصوص والمصحح لذلك أنا نريد بكل نص منها ذلك الظاهر بقيد إضافته لما معه من الأمور الحاصلة بالاستقراء التام من النصوص وأقضية الصحابة ومناظراتهم وفتاويهم وتصرفات أحوالهم في الأحكام الشرعية فإن الاستقراء التام في هذه الأمور من الكتاب والسنة وأحوال السلف يفيد القطع فكل ظاهر نحن نريد الدلالة به يفيد إضافته لهذا الأمر فيكون كل ظاهر مفيداً للقطع حينئذٍ وليس في الممكن وضع تلك الأمور كلها في كتاب فتعينت الإشارة إليها فقط فالمسائل قطعية والمدارك كذلك غير أن الإشارة إليها حاصلة في الكتب لا جملتها فلا تنافي بين كون الظواهر المذكورة تفيد الظن وكون المطلوبات قطعية وقد تكرر هذا البحث مراراً وهو يحتاج إليه في هذا العلم ؛ لأن الجمهور مجمعون على أن المسائل الأصولية قطعية ولا يتقرر إلا بهذا الطريق فليضبط " نفائس الأصول ( 7 / 3248 )
وقال نحو ذلك في موضع آخر ثم تعقب الرازي بأن الإجماع ظني بقوله : " هو خلاف إجماع من تقدمه كما حكاه هو ها هنا ، وما سببه إلا عدم النظر في هذا البحث - يقصد المسلك السابق - فتأمله تخلص من هذه الضوائق إن شاء الله تعالى " النفائس ( 6 / 2698 )
وقال في شرح تنقيح الفصول ( ص 324 - 325 ) :
" والعمدة الكبرى : أن كل نص من هذه النصوص مضمومٌ للاستقراء التام من نصوص القرآن والسنة وأحوال الصحابة وذلك يفيد القطع عند المطَّلِع عليه، وأن هذه الأمة معصومة من الخطأ وأن الحق لا يفوتها فيما تثبته شرعاً والحق واجب الاتباع، فقولهم واجب الاتباع "
وقال الشاطبي : " الأدلة المعتبرة هنا المستقرأة من جملة أدلة ظنية تضافرت على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع ؛ فإن للاجتماع من القوة ما ليس للافتراق، ولأجله أفاد التواتر القطع، وهذا نوع منه، فإذا حصل من استقراء أدلة المسألة مجموعٌ يفيد العلم؛ فهو الدليل المطلوب، وهو شبيه بالتواتر المعنوي، بل هو كالعلمشجاعة علي -رضي الله عنه- وجود حاتم المستفاد من كثرة الوقائع المنقولة عنهما....
ومن هاهنا اعتمد الناس في الدلالة على وجوب مثل هذا على دلالة الإجماع؛ لأنه قطعي وقاطع لهذه الشواغب.
وإذا تأملت أدلة كون الإجماع حجة، أو خبر الواحد أو القياس حجة؛ فهو راجع إلى هذا المساق ؛ لأن أدلتها مأخوذة من مواضع تكاد تفوت الحصر، هي مع ذلك مختلفة المساق، لا ترجع إلى باب واحد؛ إلا أنها تنتظم المعنى الواحد الذي هو المقصود بالاستدلال عليه، وإذا تكاثرت على الناظر الأدلة عضد بعضها بعضا، فصارت بمجموعها مفيدة للقطع " الموافقات ( 1 / 28 )

ثم قلتم بارك الله فيكم : ( والثاني: إثبات إمكان وقوع الإجماع في المسألة المدعاة التي هي كما قلنا مسألة اجتهادية ليس فيها نص ـ وهذا من وجهة نظري المتواضعة أشبه شيء بالمستحيل )
لمَ مستحيل - بارك الله فيكم - فالعقل لا يمنعه والواقع أنه حصل الإجماع على مسائل اجتهادية مستندها القياس .

ثم قلتم : ( والثالث: إثبات وقوع الإجماع وحصوله إما فيلحظة معينة عند من لا يشترطون انقراض العصر، (وإثبات مثل ذلك من الخيال، وأنى لأحدإلا الله أن يعرف تزامن اتفاق العلماء على قول واحد في مسألة اجتهادية)، وإما إثباتوقوعه وحصوله واستمرار جميع المجتهدين على رأيهم إلى حين وفاتهم عند من لا يشترطونانقراض العصر، وهذا إن سُلِّم بإمكانه إلا أنه عسير )
مفهوم كلامكم - بارك الله فيكم - نفي إمكانية حصول الإجماع لا حجيته وهذه مسألة أخرى وعامة أهل العلم على جوازه عقلاً حتى من يرى أنه حجة ظنية بل العلماء مجمعون على جوازه عقلا ومن منع إنما منع عادة لا عقلاً .

ثم قلتم : ( والرابع: نقل هذا الإجماع الذي وقع بالشروطالسابقة نقلا متواترا عن جميع المجمعين إلى وقتنا الراهن. وهذا لا يدعيه أحد فيمسألة اجتهادية، (ويمكن الاستغناء عن هذا الشرط إذا قلنا بأن الإجماع حجة ظنية فيالمسائل غير المنصوصة، أما القول بقطعيته، مع أنه منقول باستقراء آحاد العلماءالذين اعتمدوا على آخبار الآحاد في النقل كابن المنذر رحمه الله تعالى وغيره، فهذايتعارض مع أبسط مسلمات العقل )
والخلاصة أن الاحتجاج بالإجماع المجرد فيمسألة ما على فرض أن الإجماع حجة بنفسه تحفُّه الظنون من كل جانب: في أصل الاحتجاجبالإجماع أولا، وفي الإمكان العقلي لوقوعه على المسألة المدعاة ثانيا، وفي نقلهإلينا ثالثا، وهذا يجعله أكثر ظنية من القياس، لأن القياس يستند إلى أصل وهذا لاأصل له يستند إليه وإنما يستند إلى نفسه )
الظن لا يكتنف أصل الحجية ولا الإمكان عند عامة أهل العلم بل الحجية والإمكان ثابتتان قطعاً كما سبق .
أما تحقق الإجماع في المسألة وطريق النقل فنعم فما ثبت الإجماع فيه عن طريق قاطع ونقل نقلا متواترا فهو قطعي وإلا فظني فلا إشكال في هذا .
لا إشكال أن من الإجماعات ما هو ظني كالإجماع المنقول بخبر الآحاد أو الإجماع المسبوق بخلاف وأما الإجماع السكوتي ففيه خلاف منهم من يراه قطعيا ومنهم من يراه ظنياً .
والإجماع المستند إلى دليل ظني محل خلاف أيضا فمنهم من يراه قطعيا كالجويني والغزالي والقاضي أبي يعلى وأبي الخطاب وابن مفلح والسمعاني وابن السبكي وغيرهم ويحتجون بأدلة السمع تارة والتي تثبت العصمة وبالعادة تارة أخرى .
ومنهم من يراه ظنيا وينسب إلى ابن جرير الطبري .
قولكم ( أما إن كان قولناهو الفرض الثاني، وهو أن الإجماع في المسائل التي ليس فيها نص ليس حجة بنفسه، بللأنه مظنة لوجود نص لم يصلنا. كما صرح به الشافعي وبرهن عليه إمام الحرمين فهاهنانحن لسنا بحاجة إلى البرهنة على أي من الأمور التي قلناها في الفرض الأول، ومانحتاج إليه فقط أمرٌ واحد وهو البرهنة على أن اتفاق العلماء على مسألة في مثار الظنوالخلاف لا يكون إلا عن نص قاطع بلغهم قولا أو عملا، ومرد هذا البرهان إلى جريالعوائد بذلك وهذا دليل عقلي أو عادي سمِّه ما شئت. وبهذا يُتفصَّى عن جميع إيراداتمنكري حجية الإجماع وإمكانه ووقوعه، لأن الإجماع في هذا الفرض ليس دليلا بنفسه بلهو دليل الدليل، أي أنه قرينة، وكما نصل إلى النص بالرواية القولية، وبالروايةبالمعنى، وبعمل أهل المدينة أحيانا، نصل إليه بقرينة الإجماع، وهاهنا يصح تأخيردليل الإجماع على خبر الواحد كما نُقِل آنفا عن الشافعي، وإن كان قول مالك: الإجماععندي أكبر من الحديث المنفرد أقوى في التحقيق، من وجهة نظري، لأن الإجماع الصريح أوالعملي أو حتى السكوتي من السلف على مسألة اجتهادية (كصيام يوم السبت مثلا) أقوى فيإثارة الظن من حديث يتفرد به أحدهم، ونحن نعلم ما يرد على الأحاديث والرواة حتى الثقات منهم من خطأ ووهم ورواية بالمعنى ورواية الحديث دون سببه ورواية بعض الحديثوتدليس الثقات وغير ذلك من مثارات الظن في رواية الآحاد )
بارك الله فيكم شيخنا الكريم :
تارة أرى أنكم ترون الإجماع لا يمكن وقوعه وتارة أرى أنكم ترونه ظنياً وتارة أرى أنكم تثبتون الإجماع إن استند إلى نص دون اجتهاد ولست أعرف قولكم بالضبط .
لكن عموما يظهر أن ثمة خلاف لفظي في بعض المسائل فالذي يظهر لي أنكم تقولون لا يحصل إجماع إلا بنص قد يصلنا وقد لا يصل وهذا لا إشكال فيه إن اتفق على انه حجة في الحالتين وعليه فسواء قلنا هو بنفسه حجة أو لا فلا تأثير له إن اتفق على قبوله مطلقا سواء ظهر النص أو لا .
وأمر آخر أظننا نتفق عليه وهو أن عامة الإجماعات هي إجماعات الصحابة وليس ثمة ما يجعلها متعذرة حتى بدون انقراض العصر .
وأمر ثالث وهو أننا متفقان – فيما يظهر لي - على أن الإجماع القطعي لا يقع إلا بأن يظهر النص فلا يمكن عادة أن يوجد نص في مثل هذا النوع من الإجماعات ويكون خفياً فما خفي نصه فهو من قبيل الإجماع الظني .

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-06-27 ||, 07:15 PM
ما أحسن ما أرى!
وإنني لأستمطر رحمة الله عليكما أيها الشيخين الفاضلين (د.أبو حازم - د.أيمن) وإني لأرجو أن تكونَ من سحائب تترى واحدة بعد أخرى...

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-06-27 ||, 07:24 PM
بالنسبة لشيخي الجليل أبي حازم :

كأنني رأيتكم تنسبون إلى الجويني الاستدلال على حجية الإجماع بالنقل = والواقع أن ما في كتابه استدلال بالعادة ؛ ولم ير في السمع قاطعا...


******



ولتقريب الهوة فإن :
* كل الإجماعات التي كانت بعد الصحابة ظنية : ولربما نضيف بعض إجماعات التابعين = وهذا هو مذهب الإمام أحمد فيما نسبه إليه ابن تيمية في المُسَوَّدة (هل ضبطي صحيح؟) ...؛ ولقد قرأ للدكتور العلامة وهبة الزحيلي في موسوعته الأصولية أنه قال ما معناه : لا تكاد تسلم كل الإجماعات المدعاة بعض عصر الصحابة من عوارض النقض....

*لا بدَّ للإجماع من مستند = والمستند قد يكون نصا وقد يكون اجتهادا (ليس قياسا بل مصلحة ، وإن جوز بعض الظاهرية أن يكون المستند عن قياس عقلا) ...

* والإجماع إن لم يظهر مستنده القاطع = فهو ليس قاطعا (بل مطرح)، فإن كان عن مصلحة فإنه ليس قاطعا اتفاقا : والدليل جواز نقضه ثم الإجماع على غيره لمصلحة راجحة...

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-06-27 ||, 08:08 PM
بالنسبة لشيخي الجليل أبي حازم :



كأنني رأيتكم تنسبون إلى الجويني الاستدلال على حجية الإجماع بالنقل = والواقع أن ما في كتابه استدلال بالعادة ؛ ولم ير في السمع قاطعا...
الشيخ الكريم عبد الرحمن بارك الله فيكم
أين نسبت إليه هذا ؟



ولتقريب الهوة فإن :

* كل الإجماعات التي كانت بعد الصحابة ظنية : ولربما نضيف بعض إجماعات التابعين = وهذا هو مذهب الإمام أحمد فيما نسبه إليه ابن تيمية في المُسَوَّدة (هل ضبطي صحيح؟) ...؛ ولقد قرأ للدكتور العلامة وهبة الزحيلي في موسوعته الأصولية أنه قال ما معناه : لا تكاد تسلم كل الإجماعات المدعاة بعض عصر الصحابة من عوارض النقض....


نعم المشهور عن أحمد أن الإجماع بعد عصر الصحابة أو الصحابة والتابعين او الصحابة والتابعين وتابعيهم يتعذر وهذا ما نقله ابن تيمية كما تفضلتم



*لا بدَّ للإجماع من مستند = والمستند قد يكون نصا وقد يكون اجتهادا (ليس قياسا بل مصلحة ، وإن جوز بعض الظاهرية أن يكون المستند عن قياس عقلا) ...


لا أوافقكم على نفي الإجماع مستنداً إلى القياس ومدرككم - أيها الظاهرية - في المسألة عدم حجية القياس وهو حجة عند الجمهور



* والإجماع إن لم يظهر مستنده القاطع = فهو ليس قاطعا (بل مطرح)، فإن كان عن مصلحة فإنه ليس قاطعا اتفاقا : والدليل جواز نقضه ثم الإجماع على غيره لمصلحة راجحة...


إن لم يظهر مستنده القاطع فليس بقاطع - كما تفضلتم - لكنه ليس مطرحاً فلا يشترط في مستند الإجماع القطعية عند عامة أهل العلم بل هو إجماع ظني إن توفرت شروطه .
وأما نقض الإجماع بإجماع فلا يصح إن كانت المصلحة نفسها لم تتغير فإن تغيرت المصلحة فنعم لأن المناط تغير فالإجماعان حقيقة لم يقعا على محل واحد .

صلاح الدين
10-06-28 ||, 07:52 PM
جزاكم الله خيرا.
نعم المشهور عن أحمد أن الإجماع بعد عصر الصحابة أو الصحابة والتابعين او الصحابة والتابعين وتابعيهم يتعذر وهذا ما نقله ابن تيمية كما تفضلتم

هل برغم ما نقل عن أصحاب الإمام أحمد من تفسيرات لعبارته نقول :بأن المشهور هو عدم اعتباره لغير اجماع الصحابة والتابعين؟
وهل يقبل قول ابن تيمية ويترك اقوال من باشر التتلمذ ؟

د. أيمن علي صالح
10-07-06 ||, 05:43 AM
الإخوة الكرام الذين أبدو بعض الملاحظات على مشاركتي السابقة


الفكرة الأساسية التي أردتها تتمثَّل أساسا في لفت الانتباه إلى أن تحقيق المسلك وبيان المأخذ في حجية الإجماع هو أوَّل مهم لمن أراد التصدي للنظر في باب الإجماع ومسائله، فلا بد لهذا المتصدي، قبل النظر في أي مسألة من مسائل الإجماع الفرعية، من تحقيق هذا المأخذ وتحديده أولا؛ لما لنتيجة البحث في هذا الشأن من أثر كبير في الترجيح بين أقوال الأصوليين عند النظر في مسائل الإجماع الفرعية، مثل مسألة اشتراط انقراض العصر، دخول العوام وعدم دخولهم، الإجماع السكوتي، النسخ بالإجماع، إجماع الأكثر، الإجماع المركب والضمني والإجماع بعد ثبوت الخلاف، وغير ذلك.

فمن دون تحقيق مأخذ القول بحجية الإجماع وتحديده، سوف يضطرب نظر الأصولي وبحثه في المسائل الفرعية في باب الإجماع بلا بد، وسيكون ترجيحه فيها مختلا غير مضطرد وغير منسجم مع أصل الحجية نفسه.

فمثلا من قال بأن أصل حجية الإجماع هو الأدلة الدالة على عصمة الأمة ثم عندما أتى إلى مسألة إجماع الأكثر من العلماء ومخالفة البعض، وقال بأنه إجماع وحجة، فهذا تناقض، لأن الأكثر ليسوا هم الأمة باتفاق.

وإذا قال بأن العوام لا يدخلون في الإجماع، وإنما المعتبر "العلماء" فهذا ـ من وجهة نظري ـ تناقض أيضا، لأن العلماء ليسوا كل الأمة والأدلة المستدل بها على عصمة الأمة (مثل لا تجتمع أمتي على ضلالة) لم تفرّق بين عالم وعامي، وحمل لفظ "الأمة" أو "المؤمنين"أو "الجماعة" الواردة في النصوص المقررة للحجية على المجتهدين الماضين (غير المعاصرين) فحسب هو تخصيص بالغ (لأنه أخرج من اللفظ العام أكثر ما اشتمل عليه وقصره على الأقل) وهو يحتاج إلى دليل مخصص قوي الظهور (ولا تكفي في ذلك الأقوال المرسلة كقولهم:"الحل والعقد هو فيمن عندهم الآلة لفهم الشرع، وقد علم أن العوام ليسوا كذلك بل ويحرم عليهم الفتوى في الدين بالإجماع فضلا أن يعتد بقولهم"، وذلك لأن أدلة العصمة التي هي مُستند الحجية يمكن أن تُفهم دون تكلف التخصيص ومخالفة الظاهر، بأن يُقال: إن المقصود فيها هو ما أجمعت الأمة عليه مما عُلم من الدين بالضرورة أو مما فيه نص مشهورٌ ظاهر الدلالة على الحكم فمثل هذا الإجماع لا يكون خطئا ولا ضلالة، فهذا فهْمٌ للأدلة منسجم مع ظاهر العموم، لذلك كان أرجح من ارتكاب تخصيص العموم بأدلة مستندها الرأي المحض).
فإذا تقرر ما سبق، من أهمية تحقيق مأخذ حجية الإجماع وأثره في باقي مسائل الإجماع، فهذا المأخذ: 1) إما أن يكون النص (السمع) وحده، 2) وإما أن يكون العادة (العقل) وحدها، 3) وإما أن يكون النص والعادة معا، فهذه ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول:
أن يكون مأخذ الحجية هو النص، وهو يتمثل ـ فيما لخَّصَه أخي الفاضل البارع أبو حازم ـ في النصوص الدالة على عصمة الأمة، والنصوص الدالة على لزوم الجماعة وأن الحق معها. وهذا المأخذتغبِّر في وجهه أمور:


الأول: عدم صراحة هذه الأدلة السمعية باتفاق مثبتي الإجماع ومنكريه، (وأعني بالصراحة تناولها موضوع الإجماع في المسائل المظنونة قصدا إليه) وإنما يُستدل بها على الإجماع على نحو إشاري ولزومي مع ارتكاب التأويل بشكل أو بآخر. ومن غير المستساغ أن يخلي الشارع أصلا عظيما من أصول الدين كالإجماع من غير بيان واضح صريح قاطع.
لا يقال بأن هذا وارد أيضا على القياس. لأنا نقول: القياس إنما هو بُعْدٌ ثانٍ من أبعاد النص لا غير، فحجية النص نفسه دالة على حجية ما انطوى عليه من مقاصد وعلل، ولذلك لم يعد الغزالي القياس دليلا مستقلا بل رده إلى معقول النص. هذا فضلا عن وفرة التنبيهات النبوية والتطبيقات الصحابية المبنية على هذا الأصل وهذا تقريبا منعدم أو لا يتوفر بالقدر نفسه للإجماع.

والثاني: أن النزاع قائم في ظهور دلالة كل دليل من هذه الأدلة على حجية الإجماع، وقد سلَّم الغزالي وإمام الحرمين وغيرهم بضعف مسلك الاحتجاج على حجية الإجماع بالآيات القرآنية لما يرد عليها من الاحتمالات المساوية. أما مسلك السنة الذي قال الغزالي بأنه أقوى مسلك في الاحتجاج، فيضعفه أمران: أحدهما أن الأحاديث التي تمسك بها في هذا المقام محصورة معدودة لا تصل إلى إفادة التواتر كما قاله غير واحد من الأصوليين، بل إن عددا منها لا يثبت سنده أهل الحديث. والثاني: أنه يمكن النزاع في دلالتها على الإجماع واحدا واحدا ، لا سيما أحاديث الأمر بلزوم الجماعة لأنها واردة في تحريم شق عصا الطاعة والخروج على رأي الإمام الشرعي ومنابذته، كما تدل عليه مجمل سياقات الأحاديث الوارد فيها لفظ "الجماعة"، هذا فضلا عن أن بعضها يمكن حمله على فضل وحدة الصف وعدم التفرق والنزاع، والبعض الآخر قد يحمل على فضل صلاة الجماعة، وهذه احتمالات واردة عليها بقوة، وهي في غالبها منسجمة مع الظاهر ولا تستلزم تأويل لفظ الجماعة بـ"المجتهدين" كما يستلزمه الاستدلال بها على حجية الإجماع.

والثالث: أن منكر الإجماع يمكنه التسليم بكون الأدلة السمعية المذكورة دالة على حجية الإجماع ولكن لا على كل إجماع بل على ما بُني على نصٍّ قطعي لا ما كان في المسائل المظنونة، على نحو ما قاله ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في الآية {ومن يشاقق...الآية}، حيث حملها على الإجماع على ما فيه نص لا على ما سوى ذلك. وهذا الجواب، على التحقيق، هو أقوى ما يمكن أن يتمسك به منكرو الاحتجاج بالإجماع في المسائل المظنونة.

والرابع: أن القول بمأخذ النص في إثبات حجية الإجماع يستلزم أن الإجماع حجة بنفسه، فكأنَّ الشارع فوَّض الأمة، متمثلةً بمجتهديها، في تقرير الشرع. وهذا هو مقتضى قول بعض الأصوليين عندما قرر بأن أدلة الشرع ثلاثة: قول الشارع وفعله وقول الأمة، كما أنه مقتضى قول بعضهم عندما استَدلَّ على حجية الإجماع بالمفهوم المخالف لـ{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ}و {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ}،أي وما لم تختلفوا أو تتنازعوا فيه (=حصل فيه إجماع) فليس حكمه إلى الله بل إليكم. ولعل هذا الملحظ في المأخذ هو الذي دفع جماعة من الأصوليين إلى عدم اشتراط وجود مستند للإجماع، وقالوا بجواز أن ينعقد الإجماع بالبخت والإلهام. أما الجمهور القائلون بوجوب وجود مستند شرعي، ظهر أو لم يظهر، فيبدو ثمة تناقض بين اشتراطهم هذا وبين مسلك إثبات حجية الإجماع بالنص، لأن الأدلة السمعية القائلة بعصمة الأمة لم تشترط صدور قول الأمة عن مستند، فاشتراطهم يتضمن تقييدا لمطلق هذه الأدلة من غير دليل بَيِّن.

والخامس: أن هذا المأخذ (مأخذ إثبات حجية الإجماع بالنص) هو ما دفع كثيرا من الأصوليين إلى إبعاد النَّجْعة في تصوير الإجماع، كما قالوه في اشتراط تصريح جميع المجتهدين بالمجمع عليه ووجوب نقله عنهم شفاها أو تواترا، ورفضهم الإجماع السكوتي، وقول الأكثر، واشتراط انقراض العصر، وذلك لأن مرد هذه الاشتراطات هو الوفاء بمقتضى أصل الحجية، وهو أن العصمة للأمة متمثلة بجميع العلماء لا بعضهم وأنه لا ينسب لساكت منهم قول.

والسادس: أن هذا المأخذ المثبت لعصمة الأمة حتى في المسائل الاجتهادية يتناقض مع ما قرره كثيرٌ من القائليين به من "تصويب المجتهدين"، ومنهم الغزالي والباقلاني وغيرهم؛ لأن "تصويب المجتهدين" يقتضي أن الصواب نسبي، وأنه لا يوجد خطأ في المسائل الاجتهادية حتى يُحتاج إلى أن تُعصم الأمة منه، فما اجتهدوا فيه صواب كائنا ما كان. وعليه لا يصح القول: "لا تجتمع أمتي على خطأ" بالحمل على الرأي في المسائل المظنونة، لأنه لا يُتصوَّر في هذه المسائل الخطأ أصلا، على رأي المصوِّبة طبعا.

الاحتمال الثاني:
أن يكون مأخذ الحجية هو العادة (وقد يعبر عن ذلك بالعقل) وهو بالقول: إنا إذا رأينا السلف أجمعوا على رأي ما في مسألة فهذا مظنة لصدورهم في ذلك عن نص بلغنا بلفظه أم لم يبلغنا. وتقرير الحجية على هذا الوجه ليس هو الشأن في حجية الإجماع فحسب بل هو نفسه، على تفاوت في قوة إفادة الظن، في حجية قول الصحابي، لا سيما فيما لا مدخل فيه للرأي، وحجية عمل أهل المدينة فيما هو مظنة النقل كما قرره القاضي عياض وغيره. وهذا المأخذ في الحجية هو ما أراه والله أعلم؛ لأنه يجنِّبنا كل الإلزامات التي ترتبت على المأخذ الأول. وبالبناء عليه يمكن القول بارتياح بحجيَّة الإجماع السكوتي (عدم العلم بالمخالف) بل وبحجية قول الأكثر لكن ينبغي تقييد ذلك بعصر الصحابة وربما التابعين وتابعيهم، لأن مظنة فقدان النص بلفظه بعد هذه العصور ضعيفة جدا.

الاحتمال الثالث:
أن يكون المأخذ هو النص والعادة معا. وهذا لا يستقيم لأنه تترتب عليه آثار متعارضة في تصور الإجماع ومسائله: فمأخذ النص يقتضي حجية الإجماع بنفسه، ومأخذ العادة يقتضي حجية الإجماع لأنه قرينة. مأخذ النص يقتضي حجية الإجماع في كل عصر، ومأخذ العادة يقتضي قصر الإجماع على القرون الثلاثة. مأخذ النص لا يرجح معه الاستدلال بالإجماع السكوتي وبقول الأكثر، ومأخذ العادة يرجح معه ذلك. مأخذ النص يقتضي دخول قول العوام ومأخذ العادة لا يستلزم ذلك. مأخذ النص قد يقتضي اشتراط انقراض العصر، ومأخذ العادة لا يقتضي ذلك. مأخذ النص يقتضي جواز انعقاد الإجماع لا عن اجتهاد لأن الإجماع دليل بنفسه، ومأخذ العادة لا يقتضي ذلك بل يقتضي وجود نص حاضر أو دارس.
وقد يمكن الجمع بين المأخذين إذا فصَّلنا في الإجماع فقلنا هو نوعان مختلفان في المأخذ والحقيقة (وقد أشار إلى هذا العبدري، فيما نقله الزركشي، عندما اعترض على حد الأصوليين الإجماع بكافة أنواعه حدا واحدا قائلا بل يجب في كل نوع حَدُّه بِحَسبه): أحدهما: إجماع العامة، وهذا مأخذه النص وهو قطعي وسَرْمَد لعصمة الأمة، والثاني: إجماع الخاصة، وهذا مأخذه العادة وهو ظني ومقصور على القرون الثلاثة.

د. أيمن علي صالح
10-07-06 ||, 06:48 AM
فيما يلي إجبات تفصيلية وتعليقات على بعض ما أورده الإخوة الفضلاء أعلاه، وليعذرني الإخوة من دمج ملاحظات الإخوة من غير إشارة إلى القائل غالبا:


قولكم بارك الله فيكم:
((قد تواترت كتب العلماء من جميع المذاهب من الأصوليين والفقهاء والمحدثين والمفسرين وغيرهم على الاحتجاج بأدلة السمع بل كما ذكرت سابقا معظم الأصوليين جعل السمع هو العمدة في ذلك))


يمكن حمل هذا على الإجماع القطعي كما صوره أيضا معظم الأصوليين، وهو ما كان مستندا إلى ما علم من الدين ضرورة أو ما استند إلى نص متواتر أو مشهور ظاهر الدلالة في المسألة محل الإجماع. أما حمل ذلك على الإجماع الظني والسكوتي وغير ذلك فدونه عقبات وعليه اعتراضات أوضحتها في مشاركاتي السابقة.


قولكم بارك الله فيكم:
((أما الاعتراض على الأدلة فلا يعني سقوطها فلا يكاد يسلم دليل إلا ويمكن ان يرد عليه الاعتراض وإنما المحك هو قوة الاعتراضات وإسقاطها للدليل . وقد أورد الأصوليون كل هذه الاعتراضات وأجابوا عنها...الخ))


كثرة الاعتراضات، وتشكك الكثيرين في الدليل، دليل على ضعفه أو على الأقل ظنيته، وقد سلم بهذا إمام الحرمين والرازي والآمدي وغيرهم. وعلى ما ذهبنا إليه من إسناد إجماع الضرورة إلى هذه الأدلة نكون قد أعملنا السمع والعقل معا في تثبيت الإجماع ولكن كل منهما في الدلالة على نوع مختلف من أنواعه.


قولكم بارك الله فيكم:
((قولكم بأن النصوص تقتضي دخول جميع الأمة لا العلماء خاصة هذا خلاف تفسير السلف للحديث كعبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجمهور الأصوليين والمحدثين . وقد علم أن الحل والعقد هو فيمن عندهم الآلة لفهم الشرع وقد علم أن العوام ليسوا كذلك بل ويحرم عليهم الفتوى في الدين بالإجماع فضلا أن يعتد بقولهم...))


هذا التفسير يستلزم تأويل لفظ "المؤمنين" و"الأمة" و"الجماعة" الواردة في أدلة الحجية، وهو تخصيص قوي يقصر العام على أقل أفراده ولا دليل عليه إلا الرأي. وإذا كان ثمة تفسير للنص لا يتعارض مع ظاهره، كما قلناه في حمل ذلك على إجماع الضرورة، فهو أولى والله أعلم.


قولكم بارك الله فيكم:
((قولكم إن الإجماع في جميع صوره الصريح وغير الصريح والإجماع السكوتي ..حجة ظنية....أقول: هذا قول طائفة من الأصوليين كالرازي والآمدي وغيرهما بينما يرى جمهور الأصوليين أن الإجماع منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني ولهم في ذلك تقسيمات لا تخفاكم....الخ))


القطعي فقط هو ما استند إلى قاطع أو على الأقل مشهور يفيد علم الطمأنينة كما ذكر الحنفية، أما غير ذلك فلا تتوفر له أدلة القطع من القطع بنفي المخالف، وتواتر النقل عن المجمعين، وهما شرطا الإجماع القطعي الذي ذكره الأصوليون. وعند تطبيق هذين الشرطين على الواقع، لا يتخلَّص لدينا إجماع قطعي إلا ما استند إلى قطعي كالمعلوم من الدين ضرورة.


قولكم بارك الله فيكم:
((يلزم على قولكم أن الحجة في النص فقط لا في الإجماع انه يجوز مخالفة النص الذي استند إليه الإجماع لمعارض كوجود نص آخر علماً أن الإجماع يرفع الخلاف فلو استند الإجماع إلى نص وخولف بنص آخر فالعبرة بالإجماع المستند إلى النص وهنا يظهر الفرق بين النص المنفرد والإجماع المستند إلى نص...))


الإجماع القطعي يرفع الخلاف أما الظني فهو حجة إضافية تضاف إلى النص عند تعارضه مع غيره، فيتقوى الظن بهما ويرجح مدلولهما. ولا نقصد بقولنا الحجة في النص لا الإجماع أن يكون الإجماع مهملا بل هو كما ذكرت نور على نور، فاللازم المذكور على هذا غير لازم ولا مقصود.


قولكم بارك الله فيكم:
((فهمت من كلامكم أنه لا إجماع إلا عن نص فلا يصح الإجماع عن اجتهاد من قياس أو مصلحة ونحوهما فلا أدري هل فهمي لكلامكم صحيح أو لا ؟ وعموما فالقول بصحة استناد الإجماع إلى القياس قول جمهور أهل العلم وهو الذي صححه الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم خلافا لابن جرير والظاهرية وقد دل عمل الصحابة على جوازه في حوادث كثيرة كإجماعهم على قياس خلافة أبي بكر رضي الله عنه على إمامته بالصلاة وإجماعهم على تحريم شحم الخنزير قياسا على لحمه وغيرها من الفروع التي ذكرها الأصوليون تحت هذه المسألة على أن في بعضها نزاعا لاستنادها لدليل آخر...))


الإجماع المنقول عن الصحابة في مسألة من المسائل هو غالبا يكون بغير ذكر المستند ونقله عن المجمعين، وإنما يخمِّنه الأصوليون والفقهاء بعد ذلك، كقولهم أنهم أجمعوا على قياس شحم الخنزير على لحمه، فالمحرم لشحم الخنزير من الصحابة لم يقل أو يظهر مع قوله بالتحريم أنه قاسه على اللحم، ولربما تكون له حجة أخرى كنص أو فعل نبوي أو إقرار لم يبلغنا. وهذا يمكن تقديره في كل مسألة ادعي أن مستند الإجماع فيها هو الاجتهاد والقياس، مع أن القياس الجلي هو نوع من دلالة النص اللغوية كما لا يخفى، فيُستثنى من الاجتهاد. ومع هذا فإذا أجمعوا على مسألة اجتهادية وأجمعوا كذلك على الاستدلال لها بقياس ما (وهذا لا أظنه يتوفر لنا في أي مسألة ما نُقلت عنهم) فإن قولهم حجة لا لأنه إجماع بل لأن اجتهادات الصحابة أرجح من اجتهادات من بعدهم لسلامة اللغة، ومعاصرة الوحي، والعلم بمقاصد الشارع وعاداته.


والحاصل هنا أني أتفق معك على حجية الإجماع القياسي ولكن مأخذ الحجية مختلف، فليس هو الاتفاق نفسه وإنما إما نص مقدر لم يبلغنا وإما رجحان اجتهاد الصحابة على من بعدهم لما ذكرته من أسباب.


قولكم بارك الله فيكم:
((لكنه استدل بهذه الأحاديث من وجهين الاول :ما ذكرتم وهو التواتر المعنوي لنصوص السنة. والثاني تلقي الأمة لها بالقبول ..وقد أورد عليه ابن الحاجب أنه لا يخرجها عن الآحاد...الخ)).


التواتر المعنوي في نصوص السنة المفيدة للإجماع زعمه الغزالي ولم يزعمه أحد قبله ممن استدل على الإجماع، وهو لا يسلم من الاعتراض لسببين:


أحدهما: الأحاديث التي ذكرها محصورة معدودة لا أظنها تزيد على عشرة وهو أقل ما قبله علماء المصطلح في حد التواتر اللفظي فما بالك بالمعنوي الذي يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير.


والثاني: أن هذه الأحاديث المذكورة، بعضها نوزع في إسناده حديثيا كلا تجتمع أمتي على خطأ وعلى ضلالة، ثم نوزع في دلالة كل واحد منها على الإجماع، وشرط التواتر المعنوي كشجاعة علي وكرم حاتم أن تتوفر وقائع منفردة دال كل منها على حِدَة على المعنى المشترك. وسأضرب لك مثالا بحديث "عليكم بالجماعة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الإثنين أبعد" أو "من سره بحبوبوحة الجنة فليلزم الجماعة" فلفظ الجماعة مشترك شرعي إما أن يقصد به صلاة الجماعة مثل: أيما ثلاثة...لا تقام فيهم الجماعة إلا استحوذ عليهم الشيطان، وإما أن يقصد به جماعة المسلمين. فإن كان القصد هو الأول فيسقط الاستدلال، وإن كان الثاني فما معنى التزام جماعة المسلمين. قال الإمام الشافعي، رحمه الله تعالى، عندما استدل للإجماع بأنه المقصود هو لزوم قولهم، فهل هذا متعين؟ لا سيما والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التَعرُّب، وهو مفارقة حسية للجماعة لا قولية، ثم هذا يدخل في سياق الأحاديث الآتية مثل: ((من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات ، إلا مات ميتة جاهلية)) [البخاري]، وحديث: ((من خرج من الطاعة ، وفارق الجماعة، ثم مات، مات ميتة جاهلية. ومن قتل تحت راية عمية، يغضب للعصبة، ويقاتل للعصبة، فليس من أمتي. ومن خرج من أمتي على أمتي، يضرب برها وفاجرها، لا يتحاش من مؤمنها، ولا يفي بذي عهدها، فليس مني)) [مسلم]. فهذا هو السياق الأظهر للحديث وهو الخروج السياسي وشق عصا الطاعة. أما حمله على عدم جواز مخالفة المجتهدين في عصر سابق إذا أجمعوا على رأي ما في مسألة ظنية، فهو تأويل مستكره لا يدعمه السياق العام للفظ الجماعة في السنة ويتضمن ارتكاب تأويل تخصيص لفظ الجماعة بالمجتهدين، ثم تأويل المجتهدين بوجودهم في عصر ماض، لأن مخالفة المجتهدين في نفس العصر جائز باتفاق لعدم تحقق الإجماع.


أما القول بأن هذه الأحاديث تلقيت بالقبول في الاستدلال، فـ"التلقي بالقبول" على فرض التسليم به، هو نفسه الإجماع، ولا يجوز الاستدلال بالإجماع على الإجماع كما لا يخفاكم.


قولكم بارك الله فيكم:
((هذا تحكم فاشتراط انقراض العصر مسألة لا ألزم باعتبارها . قال بها الإمام احمد وابن فورك وابن الحاجب وغيره على عدم اعتبار انقراض العصر...))


اشتراط انقراض العصر إنما لزم لوجود مشكلة في تصوُّر الإجماع الذي صوره الأصوليون، لأنه عمليا من المستحيل إثبات تزامن أقوال المجتهدين. فالنقول عن الصحابة في أكثر مسائل الإجماع غير محددة التاريخ، ولذلك اشترط بعض الأصوليين انقراض العصر حتى يستقر الإجماع ويمكن التأكد عمليا من التوافق. وهذا لا يلزم على الوجه والمأخذ الذي بينته في حجية الإجماع.


قولكم بارك الله فيكم:
((هل هناك حكم شرعي في مسألة ما ثبت بالاجماع غير المستند لنص شرعي؟))


كثير من مسائل الإجماع لم يرد فيها نص. خذ مثلا التكبير بعد الصلوات أيام العيد، المضاربة والاستصناع، وبعض المسائل نقل الإجماع والنص فيها ضعيف من حيث الإسناد كبيع الكالئ بالكالئ ولا ميراث لقاتل ولا وصية لوارث وغيرها.


شيخي الفاضل أبو حازم قولكم بارك الله فيكم تعليقا على مثال بيع الكالئ بالكالئ الذي أوردتُه على الإجماع فيما ليس فيه نص:
((هذه المسألة فيها نص ولذا فالصواب – بارك الله فيكم - أن يقال : نقل الإمام أحمد الإجماع على العمل بمعنى الحديث، الإجماع مستنده الحديث الذي تلقي بالقبول فارتقى إلى مرتبة الاحتجاج وهذا الأصل قد قرره غير واحد من العلماء...الخ)).


هذا استطراد في الموضوع يحمد لكم التنبيه عليه فقد أتحفتمونا بفوائد من النقول عن أهل العلم. والسبب في كونه استطرادا أنه يناقش في مثال، والأمثلة لا تحتمل التنقير. على أن تأصيلكم لهذه المسألة بالذات فيه نظر ولا أحسبها تخفى عليكم مسألة إجماع العلماء على وفق حديث هل يقتضي صحته أم لا، المبحوثة في الأصول. وقول الجمهور كما ذكره الزركشي هو أنه لا يقتضي الصحة. والأصح، والله أعلم، التفصيل فإن نُقل إجماعهم على الحكم فقط فهذا لا يقتضي صحة الحديث، وإن نقل إجماعهم على الحكم مستدلين عليه بالحديث فهذا يقتضي صحة الحديث، وهذا ما لا أظنه يتوفر في حديث بيع الكالئ بالكالئ لا سيما أنه تفرد به موسى بن عبيدة الربذي، وقد قال فيه أحمد: ((لا تحل الرواية عنه عندي، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره)) . وقال: ((ليس في هذا أيضا حديث يصح، ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين)). فها أنت ذا ترى كيف نفى، رحمه الله، عن الحديث الصحة واستدل على الحكم بالإجماع.


قولكم بارك الله فيكم:
((القطع والظن نسبيان بحسب ما يطلع عليه المرء وما يتحقق له من قرائن ومن استقراء فقد يحصل القطع لفلان دون فلان وكون الإجماع ثبتت حجيته بالقطع أمر قد تتابع عليه كثير من العلماء من اتباع المذاهب وهذا دليل صحة القطع فيبقى الأمر بالظن راجعا إلى من لم يحصل القطع في المسألة لا في نفس الأمر...))


لا أسلم بأن تتابع الكثيرين من أتباع المذاهب دليل الصحة، وقد عرفت إدمانهم على مجرد النقل عن المتقدمين وتهيب مخالفتهم، ولا سيما أيضا أن أكثرهم صوَّر الإجماع القطعي بصورة خيالية، حين شرطوا فيه الصراحة، واستغراق جميع المجتهدين، وثبوت تواتر النقل عنهم، ويكفي اعتراض الرازي والآمدي الذي تفضلت بالتنبيه عليه مُشَوِّشا على هذا التتابع، وقبلهم إمام الحرمين الذي وإن قال بقطعية الإجماع إن ثبت بشروطه، فقد رده إلى جري العوائد لا إلى دليل السمع والتواتر المعنوي الذي تتابع عليه الأصوليون بعد الغزالي.


قولكم بارك الله فيكم:
((تارة أرى أنكم ترون الإجماع لا يمكن وقوعه وتارة أرى أنكم ترونه ظنياً وتارة أرى أنكم تثبتون الإجماع إن استند إلى نص دون اجتهاد ولست أعرف قولكم بالضبط .
لكن عموما يظهر أن ثمة خلاف لفظي في بعض المسائل فالذي يظهر لي أنكم تقولون لا يحصل إجماع إلا بنص قد يصلنا وقد لا يصل وهذا لا إشكال فيه إن اتفق على انه حجة في الحالتين وعليه فسواء قلنا هو بنفسه حجة أو لا فلا تأثير له إن اتفق على قبوله مطلقا سواء ظهر النص أو لا .
وأمر آخر أظننا نتفق عليه وهو أن عامة الإجماعات هي إجماعات الصحابة وليس ثمة ما يجعلها متعذرة حتى بدون انقراض العصر .
وأمر ثالث وهو أننا متفقان – فيما يظهر لي - على أن الإجماع القطعي لا يقع إلا بأن يظهر النص فلا يمكن عادة أن يوجد نص في مثل هذا النوع من الإجماعات ويكون خفياً فما خفي نصه فهو من قبيل الإجماع الظني)).


أظن بعد كل هذه التوضيحات قد ظهر لكم رأيي بوضوح، والخلاصة هي:


الإجماع حجة: وهو نوعان: قطعي إن استند إلى إلى دليل قاطع، وعلى هذا النوع من الإجماع يمكن حمل الأدلة السمعية التي يذكرها الأصوليون للإجماع. والثاني ظني إن استند إلى نص ظني أو اجتهاد، ومأخذ حجيته هو أنه مظنة لوجود نص مقدر وقفنا عليه أو لم نقف، وعليه كان قاصرا على عصور السلف.


كلمة أخيرة:


لقد أثقل موضوع الإجماع وحجيته ومناقشة ذلك أصوليا بالبحث، وهو أمر حسن، لكن ما ينبغي صرف الهمة إليه الآن هو "استقراء" موارد الإجماع لا سيما الظني وتمحيصها وتصنيفها، على سبيل المثال لا الحصر، إلى:


إجماعات مستندها نص قطعي

إجماعات مستندها دلالة قرآنية ظنية

إجماعات مستندها حديث مشهور

إجماعات مستندها دلالة خبر واحد صح سندا

إجماعات مستندها دلالة خبر واحد ضعف سندا

إجماعات قيل إنها عارضت النص

إجماعات قيل إنها نسخت النص

إجماعات قيل إن مستندها القياس

إجماعات قيل إن مستندها المصلحة

إجماعات بنيت على علة مؤقتة

إجماعات سبقت بخلاف

وهكذا.....



كما أني أود التأكيد على ما أوصى به السدحان في ختام كتابه مناقشة الاستدلال بالإجماع حين قال:


((1- إن المثبتين للإجماع والمنكرين له أطالوا في بحث مسائل: (إمكان وقوع الإجماع، وإمكان العلم به، وإمكان نقله)، وكأن الإمكان هو المقصد الأهم.
والمقترح: أن يصرف الجهد إلى المسألة التي حكي وقوع الإجماع عليها وتحقيق القول فيها، إذ أن هذا هو الغاية الأولى، فإذا كان المستدل في مسألة يحكي الإجماع عليها، فالأمر قد تجاوز الإمكان إلى الوقوع، فلا يبدو – حينئذ – أن لبحث موضوع الإمكان وجها، وبخاصة أن الأمر يتعلق بإمكان عادي أو استحالة عادية، والمستحيل العادي ليس له صفة الثبات؛ فما يكون مستحيلا – عادة – في وقت قد يقال بإمكانه في وقت آخر، تبعا لتغير الظروف.


2 – أن مسائل الإجماع المحكية في مصادرها (وموسوعاتها) لم تحظ بما تستحق من التحقيق والتنقيح وتمييز الثابت من غيره، ولم تخضع لمعايير نقد السند والمتن، وكان المنتظر أن تحظى بمثل ذلك؛ لأنها جزئيات دليل ثابت من أدلة التشريع، فهي كجزئيات دليل السنة النبوية التي حظيت بذلك كما لا يخفى.
والمقترح: أن تتضافر جهود الباحثين لتتبع مسائل الإجماع المنقولة في مصادرها، ونقدها، فالإجماع دليل نقلي، وله سند ومتن، فيجب أن يحقق القول فيهما.

3 – أن الذين يستدلون بالإجماع يذكرون في كثير من المواضع – إجماعات مجردة؛ فيقولون – مثلا -: (دليلنا الإجماع؛ فقد أجمع العلماء على كذا) أو نحو ذلك.
والمقترح: اتباع المنهج الآتي للاستدلال بالإجماع:

أ – ذكر الطريق الذي ثبت به الإجماع – إما بالرواية أو بالعزو إلى كتاب – مع تصحيح ذلك الطريق، وبيان نوع النقل (متواتر أم مشهور أم آحاد؟)، وذكر عبارة الناقل.


ب – ذكر صفة الإجماع، وذلك ببيان دليل حصول الاتفاق بين العلماء (قول الجميع، أم فعل الجميع، أم قول بعضهم وفعل البقية، أم قول بعضهم وسكوت البقية، أم فعل بعضهم وسكوت البقية؟).

جـ - ذكر وجه الدلالة من متن الإجماع (نص أم ظاهر؟ منطوق أم مفهوم؟...) )) انتهى كلامه.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-07-06 ||, 01:24 PM
أظن بعد كل هذه التوضيحات قد ظهر لكم رأيي بوضوح، والخلاصة هي:


الإجماع حجة: وهو نوعان: قطعي إن استند إلى إلى دليل قاطع، وعلى هذا النوع من الإجماع يمكن حمل الأدلة السمعية التي يذكرها الأصوليون للإجماع. والثاني ظني إن استند إلى نص ظني أو اجتهاد، ومأخذ حجيته هو أنه مظنة لوجود نص مقدر وقفنا عليه أو لم نقف، وعليه كان قاصرا على عصور السلف.


بارك الله فيكم شيخنا الكريم الدكتور أيمن
هذا ما أقول به وأود تقريره فإذاً لا خلاف ولله الحمد وقد قلت سابقاً يظهر أن الخلاف في أكثر ما ذكر خلاف لفظي .
وأما بقية الجزئيات فهي قابلة للنظر والخلاف فيها واقع بين القائلين بالإجماع أنفسهم .

طارق موسى محمد
10-07-06 ||, 02:07 PM
جزاكم الله خيرا
مجالس اهل العلم خير المجالس

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-07-06 ||, 03:07 PM
بارك الله فيكم شيخنا الكريم الدكتور أيمن
بعد تقرير ما سبق من الاتفاق في الجملة هذه بعض التعليقات البسيطة حول بعض ما تفضلتم به







فمن دون تحقيق مأخذ القول بحجية الإجماع وتحديده، سوف يضطرب نظر الأصولي وبحثه في المسائل الفرعية في باب الإجماع بلا بد، وسيكون ترجيحه فيها مختلا غير مضطرد وغير منسجم مع أصل الحجية نفسه.


فمثلا من قال بأن أصل حجية الإجماع هو الأدلة الدالة على عصمة الأمة ثم عندما أتى إلى مسألة إجماع الأكثر من العلماء ومخالفة البعض، وقال بأنه إجماع وحجة، فهذا تناقض، لأن الأكثر ليسوا هم الأمة باتفاق.
بارك الله فيكم ألحظ انكم تلزمون الجمهور بمسائل الخلاف التي لم يقل بها إلا آحاد العلماء وهذا ليس لازما لأن التناقض لا يتحقق في حق الجمهور لاطراد قولهم .


وإذا قال بأن العوام لا يدخلون في الإجماع، وإنما المعتبر "العلماء" فهذا ـ من وجهة نظري ـ تناقض أيضا، لأن العلماء ليسوا كل الأمة والأدلة المستدل بها على عصمة الأمة (مثل لا تجتمع أمتي على ضلالة) لم تفرّق بين عالم وعامي، وحمل لفظ "الأمة" أو "المؤمنين"أو "الجماعة" الواردة في النصوص المقررة للحجية على المجتهدين الماضين (غير المعاصرين) فحسب هو تخصيص بالغ (لأنه أخرج من اللفظ العام أكثر ما اشتمل عليه وقصره على الأقل) وهو يحتاج إلى دليل مخصص قوي الظهور (ولا تكفي في ذلك الأقوال المرسلة كقولهم:"الحل والعقد هو فيمن عندهم الآلة لفهم الشرع، وقد علم أن العوام ليسوا كذلك بل ويحرم عليهم الفتوى في الدين بالإجماع فضلا أن يعتد بقولهم"، وذلك لأن أدلة العصمة التي هي مُستند الحجية يمكن أن تُفهم دون تكلف التخصيص ومخالفة الظاهر، بأن يُقال: إن المقصود فيها هو ما أجمعت الأمة عليه مما عُلم من الدين بالضرورة أو مما فيه نص مشهورٌ ظاهر الدلالة على الحكم فمثل هذا الإجماع لا يكون خطئا ولا ضلالة، فهذا فهْمٌ للأدلة منسجم مع ظاهر العموم، لذلك كان أرجح من ارتكاب تخصيص العموم بأدلة مستندها الرأي المحض).
بارك الله فيكم يقال في مسألة قول العوام مثل ما قيل في مسألة قول الأكثر : هذا إلزام لمن لم يقل به هذا من جهة .
ومن جهة أخرى تخصيص هذا العموم ثابت بالنص والإجماع والعقل .
أما النص فقوله تعالى : " فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون " وقوله تعالى : " قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " وقوله تعالى : " ولا تقف ما ليس لك به علم " وحديث : " إذا اجتهد الحاكم فأصاب .." ونصوص كثيرة تحرم الفتيا بغير علم .
والإجماع على تحريم الفتيا بغير علم وقد نقل الباقلاني افجماع على عدم الاعتداد بالعوام قبل وجود المخالفين الذين لا وجود لهم حقيقة فهو محكي عن الباقلاني والصحيح أنه لا يقول به وبه قال الآمدي لكنه اعتبر إجماع المجتهدين دون العوام حجة ظنية .
وأما العقل فهو يدل على أن العامي ليس عنده الآلة التي يميز بها بين الحق والباطل والصواب والخطأ فكيف يعتمد عليه كسائر العلوم .
فإذا تقرر ما سبق، من أهمية تحقيق مأخذ حجية الإجماع وأثره في باقي مسائل الإجماع، فهذا المأخذ: 1) إما أن يكون النص (السمع) وحده، 2) وإما أن يكون العادة (العقل) وحدها، 3) وإما أن يكون النص والعادة معا، فهذه ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول:

أن يكون مأخذ الحجية هو النص، وهو يتمثل ـ فيما لخَّصَه أخي الفاضل البارع أبو حازم ـ في النصوص الدالة على عصمة الأمة، والنصوص الدالة على لزوم الجماعة وأن الحق معها. وهذا المأخذتغبِّر في وجهه أمور:




الأول: عدم صراحة هذه الأدلة السمعية باتفاق مثبتي الإجماع ومنكريه، (وأعني بالصراحة تناولها موضوع الإجماع في المسائل المظنونة قصدا إليه) وإنما يُستدل بها على الإجماع على نحو إشاري ولزومي مع ارتكاب التأويل بشكل أو بآخر. ومن غير المستساغ أن يخلي الشارع أصلا عظيما من أصول الدين كالإجماع من غير بيان واضح صريح قاطع.

لا يقال بأن هذا وارد أيضا على القياس. لأنا نقول: القياس إنما هو بُعْدٌ ثانٍ من أبعاد النص لا غير، فحجية النص نفسه دالة على حجية ما انطوى عليه من مقاصد وعلل، ولذلك لم يعد الغزالي القياس دليلا مستقلا بل رده إلى معقول النص. هذا فضلا عن وفرة التنبيهات النبوية والتطبيقات الصحابية المبنية على هذا الأصل وهذا تقريبا منعدم أو لا يتوفر بالقدر نفسه للإجماع.
هذا المأخذ تماما كالقياس والفرق المذكور ينطبق على الإجماع والمصلحة المرسلة والاستحسان والعرف وسد الذرائع ..
والمخالفون في حجية القياس لا يوافقونكم على انه مندرج في النص فهم تماما يرون ذلك مأخوذا لا بطريق قطعي .


والثاني: أن النزاع قائم في ظهور دلالة كل دليل من هذه الأدلة على حجية الإجماع، وقد سلَّم الغزالي وإمام الحرمين وغيرهم بضعف مسلك الاحتجاج على حجية الإجماع بالآيات القرآنية لما يرد عليها من الاحتمالات المساوية. أما مسلك السنة الذي قال الغزالي بأنه أقوى مسلك في الاحتجاج، فيضعفه أمران: أحدهما أن الأحاديث التي تمسك بها في هذا المقام محصورة معدودة لا تصل إلى إفادة التواتر كما قاله غير واحد من الأصوليين، بل إن عددا منها لا يثبت سنده أهل الحديث.
بعض أفراد هذه الأحاديث تصل حد التواتر كحديث " لا تزال طائفة من امتي على الحق ظاهرين .." وقد نص على تواتره غير واحد من أهل العلم فضلا عن تواتر هذه الأحاديث في المعنى وهو ما لا تسلمون به .
والثاني: أنه يمكن النزاع في دلالتها على الإجماع واحدا واحدا ، لا سيما أحاديث الأمر بلزوم الجماعة لأنها واردة في تحريم شق عصا الطاعة والخروج على رأي الإمام الشرعي ومنابذته، كما تدل عليه مجمل سياقات الأحاديث الوارد فيها لفظ "الجماعة"، هذا فضلا عن أن بعضها يمكن حمله على فضل وحدة الصف وعدم التفرق والنزاع، والبعض الآخر قد يحمل على فضل صلاة الجماعة، وهذه احتمالات واردة عليها بقوة، وهي في غالبها منسجمة مع الظاهر ولا تستلزم تأويل لفظ الجماعة بـ"المجتهدين" كما يستلزمه الاستدلال بها على حجية الإجماع.
مسألة الاحتمالات واردة حتى على القياس وغيره ومن يطلع على اعتراضات ابن حزم على ادلة الجمهور لحجية القياس يرى مثل كلامكم .


والثالث: أن منكر الإجماع يمكنه التسليم بكون الأدلة السمعية المذكورة دالة على حجية الإجماع ولكن لا على كل إجماع بل على ما بُني على نصٍّ قطعي لا ما كان في المسائل المظنونة، على نحو ما قاله ابن تيمية، رحمه الله تعالى، في الآية {ومن يشاقق...الآية}، حيث حملها على الإجماع على ما فيه نص لا على ما سوى ذلك. وهذا الجواب، على التحقيق، هو أقوى ما يمكن أن يتمسك به منكرو الاحتجاج بالإجماع في المسائل المظنونة.
بارك الله فيكم
هذا تسليم بوجود إجماع قطعي وظني وهو كلام صحيح لا غبار عليه والكلام على إثبات أصل الإجماع أما أنواع الإجماع الظنية فالخلاف فيها وارد .


والرابع: أن القول بمأخذ النص في إثبات حجية الإجماع يستلزم أن الإجماع حجة بنفسه، فكأنَّ الشارع فوَّض الأمة، متمثلةً بمجتهديها، في تقرير الشرع. وهذا هو مقتضى قول بعض الأصوليين عندما قرر بأن أدلة الشرع ثلاثة: قول الشارع وفعله وقول الأمة، كما أنه مقتضى قول بعضهم عندما استَدلَّ على حجية الإجماع بالمفهوم المخالف لـ{وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللهِ}و {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ}،أي وما لم تختلفوا أو تتنازعوا فيه (=حصل فيه إجماع) فليس حكمه إلى الله بل إليكم. ولعل هذا الملحظ في المأخذ هو الذي دفع جماعة من الأصوليين إلى عدم اشتراط وجود مستند للإجماع، وقالوا بجواز أن ينعقد الإجماع بالبخت والإلهام. أما الجمهور القائلون بوجوب وجود مستند شرعي، ظهر أو لم يظهر، فيبدو ثمة تناقض بين اشتراطهم هذا وبين مسلك إثبات حجية الإجماع بالنص، لأن الأدلة السمعية القائلة بعصمة الأمة لم تشترط صدور قول الأمة عن مستند، فاشتراطهم يتضمن تقييدا لمطلق هذه الأدلة من غير دليل بَيِّن.
هذا لا يعد تناقضا لأن العادة جرت بعدم حصول الاتفاق بدون مستند والواقع العملي كذلك .
ونصوص الشرع المانعة من الفتيا بغير علم هي التي تقيد عموم نصوص الإجماع فليس بالضرورة ان تذكر الشروط في النصوص الدالة على الإجماع وثمة كثير من أصول الشريعة وفروعها قيدت بنصوص منفصلة .


والخامس: أن هذا المأخذ (مأخذ إثبات حجية الإجماع بالنص) هو ما دفع كثيرا من الأصوليين إلى إبعاد النَّجْعة في تصوير الإجماع، كما قالوه في اشتراط تصريح جميع المجتهدين بالمجمع عليه ووجوب نقله عنهم شفاها أو تواترا، ورفضهم الإجماع السكوتي، وقول الأكثر، واشتراط انقراض العصر، وذلك لأن مرد هذه الاشتراطات هو الوفاء بمقتضى أصل الحجية، وهو أن العصمة للأمة متمثلة بجميع العلماء لا بعضهم وأنه لا ينسب لساكت منهم قول.
لا زلتم شيخنا الكريم تستدلون بالخلاف على إلزام الجمهور .


والسادس: أن هذا المأخذ المثبت لعصمة الأمة حتى في المسائل الاجتهادية يتناقض مع ما قرره كثيرٌ من القائليين به من "تصويب المجتهدين"، ومنهم الغزالي والباقلاني وغيرهم؛ لأن "تصويب المجتهدين" يقتضي أن الصواب نسبي، وأنه لا يوجد خطأ في المسائل الاجتهادية حتى يُحتاج إلى أن تُعصم الأمة منه، فما اجتهدوا فيه صواب كائنا ما كان. وعليه لا يصح القول: "لا تجتمع أمتي على خطأ" بالحمل على الرأي في المسائل المظنونة، لأنه لا يُتصوَّر في هذه المسائل الخطأ أصلا، على رأي المصوِّبة طبعا.
لا زلتم تستدلون بهذا النوع من الاستدلال وقد أجمع الصحابة على أن المصيب في الاجتهاديات واحد .


الاحتمال الثاني:

أن يكون مأخذ الحجية هو العادة (وقد يعبر عن ذلك بالعقل) وهو بالقول: إنا إذا رأينا السلف أجمعوا على رأي ما في مسألة فهذا مظنة لصدورهم في ذلك عن نص بلغنا بلفظه أم لم يبلغنا. وتقرير الحجية على هذا الوجه ليس هو الشأن في حجية الإجماع فحسب بل هو نفسه، على تفاوت في قوة إفادة الظن، في حجية قول الصحابي، لا سيما فيما لا مدخل فيه للرأي، وحجية عمل أهل المدينة فيما هو مظنة النقل كما قرره القاضي عياض وغيره. وهذا المأخذ في الحجية هو ما أراه والله أعلم؛ لأنه يجنِّبنا كل الإلزامات التي ترتبت على المأخذ الأول. وبالبناء عليه يمكن القول بارتياح بحجيَّة الإجماع السكوتي (عدم العلم بالمخالف) بل وبحجية قول الأكثر لكن ينبغي تقييد ذلك بعصر الصحابة وربما التابعين وتابعيهم، لأن مظنة فقدان النص بلفظه بعد هذه العصور ضعيفة جدا.
استغرب كيف تستدلون بهذا النوع مستقلا وترفضونه مضموما إلى النصوص


الاحتمال الثالث:
أن يكون المأخذ هو النص والعادة معا. وهذا لا يستقيم لأنه تترتب عليه آثار متعارضة في تصور الإجماع ومسائله: فمأخذ النص يقتضي حجية الإجماع بنفسه، ومأخذ العادة يقتضي حجية الإجماع لأنه قرينة.
هذا لا إشكال فيه لأن العادة تقضي أن لا يوجد إجماع بدون مستند .
مأخذ النص يقتضي حجية الإجماع في كل عصر، ومأخذ العادة يقتضي قصر الإجماع على القرون الثلاثة.
الجمهور على حجيته في كل عصر وهم من يستدل بالنص والقول بالحجية غير القول بتعذر الإجماع فيما بعد العصور المفضلة .
مأخذ النص لا يرجح معه الاستدلال بالإجماع السكوتي وبقول الأكثر، ومأخذ العادة يرجح معه ذلك.
أما الإجماع السكوتي فأدلته من النصوص كثيرة لا تخفاكم والعادة هي أحد أدلة حجيته بل الاستدلال بالنص والمعقول اقوى في الدلالة على حجية الإجماع .
مأخذ النص يقتضي دخول قول العوام ومأخذ العادة لا يستلزم ذلك.
سبق جوابه .
مأخذ النص قد يقتضي اشتراط انقراض العصر، ومأخذ العادة لا يقتضي ذلك.
لا يسلم اقتضاء النص لذلك بل عموم النصوص تقتضي عدم اشتراطه
مأخذ النص يقتضي جواز انعقاد الإجماع لا عن اجتهاد لأن الإجماع دليل بنفسه، ومأخذ العادة لا يقتضي ذلك بل يقتضي وجود نص حاضر أو دارس.
قد سبق أن النص مقيد بشروط دلت عليها نصوص أخرى منفصلة .
وقد يمكن الجمع بين المأخذين إذا فصَّلنا في الإجماع فقلنا هو نوعان مختلفان في المأخذ والحقيقة (وقد أشار إلى هذا العبدري، فيما نقله الزركشي، عندما اعترض على حد الأصوليين الإجماع بكافة أنواعه حدا واحدا قائلا بل يجب في كل نوع حَدُّه بِحَسبه): أحدهما: إجماع العامة، وهذا مأخذه النص وهو قطعي وسَرْمَد لعصمة الأمة، والثاني: إجماع الخاصة، وهذا مأخذه العادة وهو ظني ومقصور على القرون الثلاثة.


بارك الله فيكم شيخنا الكريم

صلاح الدين
10-07-06 ||, 04:06 PM
بارك الله فيكم .
مستوى راقي من المناقشات .
وعندي أمران .
الأول:
اتفقتم بارك الله فيكم على القول بما يلي.
( وعليه كان قاصرا على عصور السلف.)
هل يفهم بارك الله فيكم قولكم بقصر الإجماع على العصور الثلاثة الأولى ؟
والثاني:
قلتم (الأول: عدم صراحة هذه الأدلة السمعية باتفاق مثبتي الإجماع ومنكريه، (وأعني بالصراحة تناولها موضوع الإجماع في المسائل المظنونة قصدا إليه) وإنما يُستدل بها على الإجماع على نحو إشاري ولزومي مع ارتكاب التأويل بشكل أو بآخر. ومن غير المستساغ أن يخلي الشارع أصلا عظيما من أصول الدين كالإجماع من غير بيان واضح صريح قاطع.)
لكنها أعني النصوص هذه تضافرت على إثبات معنى واحد وهو القدر المشترك بينها
وهو عصمة هذه الأمة عن الوقوع في الخطأ وإنما يرد الإحتمال لو فهمنا كل لفظ منها مجردا عن الآخر ولا نقول به فنحنو نستدل بها مجتمعة فدليلنا هو القدر المشترك بين النصوص الذي تقرر .
وهذا المسلك ارتضاه غير واحد.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-07-06 ||, 05:15 PM
قلتم بارك الله فيكم :
يمكن حمل هذا على الإجماع القطعي كما صوره أيضا معظم الأصوليين، وهو ما كان مستندا إلى ما علم من الدين ضرورة أو ما استند إلى نص متواتر أو مشهور ظاهر الدلالة في المسألة محل الإجماع. أما حمل ذلك على الإجماع الظني والسكوتي وغير ذلك فدونه عقبات وعليه اعتراضات أوضحتها في مشاركاتي السابقة.

قلتُ :
هل الإجماع القطعي اكتسب قطعيته من هذه الأدلة أو الأدلة دلت عليه ؟ وعليه ينبني الجواب على قولكم بالتخصيص .


قلتم :
كثرة الاعتراضات، وتشكك الكثيرين في الدليل، دليل على ضعفه أو على الأقل ظنيته، وقد سلم بهذا إمام الحرمين والرازي والآمدي وغيرهم. وعلى ما ذهبنا إليه من إسناد إجماع الضرورة إلى هذه الأدلة نكون قد أعملنا السمع والعقل معا في تثبيت الإجماع ولكن كل منهما في الدلالة على نوع مختلف من أنواعه.
قلتُ :
كثرة الاعتراضات لا تؤثر إلا إن كانت قوية والدليل أن كثيرا من الأصوليين أوردوها واجابوا عنها وحكموا عليها بالفساد والضعف ومنهم الجويني نفسه .
ثم افهم من كلامكم أنكم تجعلون الإجماع نوعين :
1 - إجماعاً قطعياً دلت عليه النصوص .
2 - وإجماعاً ظنياً دلت عليه العادة وهذا غريب لم يسبق إليه أحد فيما أعلم


قلتم :
هذا التفسير يستلزم تأويل لفظ "المؤمنين" و"الأمة" و"الجماعة" الواردة في أدلة الحجية، وهو تخصيص قوي يقصر العام على أقل أفراده ولا دليل عليه إلا الرأي. وإذا كان ثمة تفسير للنص لا يتعارض مع ظاهره، كما قلناه في حمل ذلك على إجماع الضرورة، فهو أولى والله أعلم.
قلتُ :
هذا من باب العام المخصوص الذي دل على كونه مخصوصا النص والإجماع والعقل كما سبق وكون المراد هو الأقل جائز وواقع في نصوص الشريعة لا يخفى فضيلتكم .



قلتم :
القطعي فقط هو ما استند إلى قاطع أو على الأقل مشهور يفيد علم الطمأنينة كما ذكر الحنفية، أما غير ذلك فلا تتوفر له أدلة القطع من القطع بنفي المخالف، وتواتر النقل عن المجمعين، وهما شرطا الإجماع القطعي الذي ذكره الأصوليون. وعند تطبيق هذين الشرطين على الواقع، لا يتخلَّص لدينا إجماع قطعي إلا ما استند إلى قطعي كالمعلوم من الدين ضرورة.
قلتُ :
هذا كلام صحيح في الجملة على الأعم الأغلب وإلا فثمة إجماعات قطعية ليست مما علم من الدين بالضرورة والخلاف يتعلق بالحكم على مستند الإجماع هل هو قطعي أو ظني كما في خبر الآحاد مثلاً أو بعض أنواع القياس .



قلتم :
الإجماع القطعي يرفع الخلاف أما الظني فهو حجة إضافية تضاف إلى النص عند تعارضه مع غيره، فيتقوى الظن بهما ويرجح مدلولهما. ولا نقصد بقولنا الحجة في النص لا الإجماع أن يكون الإجماع مهملا بل هو كما ذكرت نور على نور، فاللازم المذكور على هذا غير لازم ولا مقصود.
قلتُ :
إذاً ما فائدة الإجماع الظني إن لم يرفع الخلاف فالإجماع والخلاف نقيضان إن وجد أحدهما ارتفع الآخر فإما أن تسميه إجماعا فترفع به الخلاف أو أنه ليس إجماعا حقيقة فيكون كالمعدوم .



قلتم :
الإجماع المنقول عن الصحابة في مسألة من المسائل هو غالبا يكون بغير ذكر المستند ونقله عن المجمعين، وإنما يخمِّنه الأصوليون والفقهاء بعد ذلك، كقولهم أنهم أجمعوا على قياس شحم الخنزير على لحمه، فالمحرم لشحم الخنزير من الصحابة لم يقل أو يظهر مع قوله بالتحريم أنه قاسه على اللحم، ولربما تكون له حجة أخرى كنص أو فعل نبوي أو إقرار لم يبلغنا. وهذا يمكن تقديره في كل مسألة ادعي أن مستند الإجماع فيها هو الاجتهاد والقياس، مع أن القياس الجلي هو نوع من دلالة النص اللغوية كما لا يخفى، فيُستثنى من الاجتهاد. ومع هذا فإذا أجمعوا على مسألة اجتهادية وأجمعوا كذلك على الاستدلال لها بقياس ما (وهذا لا أظنه يتوفر لنا في أي مسألة ما نُقلت عنهم) فإن قولهم حجة لا لأنه إجماع بل لأن اجتهادات الصحابة أرجح من اجتهادات من بعدهم لسلامة اللغة، ومعاصرة الوحي، والعلم بمقاصد الشارع وعاداته.


والحاصل هنا أني أتفق معك على حجية الإجماع القياسي ولكن مأخذ الحجية مختلف، فليس هو الاتفاق نفسه وإنما إما نص مقدر لم يبلغنا وإما رجحان اجتهاد الصحابة على من بعدهم لما ذكرته من أسباب.
قلتُ :
أتفق معكم على أنه لا بد من وجود مستند من نص او اجتهاد سواء سميت القياس الجلي اجتهادا أو نصاً .
وأنتم هنا تجعلون اجتهاد الصحابة حجة لكن يبقى النزاع في معارضة هذا الاجتهاد بالأدلة الأخرى - كنص لأو قياس - هو الفيصل فإن قلنا هو إجماع فلا تجوز المخالفة وإن قلنا هو حجة فالحجج تتعارض .


قلتم :
التواتر المعنوي في نصوص السنة المفيدة للإجماع زعمه الغزالي ولم يزعمه أحد قبله ممن استدل على الإجماع، وهو لا يسلم من الاعتراض لسببين:
أحدهما: الأحاديث التي ذكرها محصورة معدودة لا أظنها تزيد على عشرة وهو أقل ما قبله علماء المصطلح في حد التواتر اللفظي فما بالك بالمعنوي الذي يحتاج إلى أكثر من ذلك بكثير.
قلتُ :
سبق الجواب عن هذا في المشاركة السابقة


قلتم :
أما القول بأن هذه الأحاديث تلقيت بالقبول في الاستدلال، فـ"التلقي بالقبول" على فرض التسليم به، هو نفسه الإجماع، ولا يجوز الاستدلال بالإجماع على الإجماع كما لا يخفاكم.
قلتُ :
التلقي بالقبول هذا عمل نقلي من أهل الفن والاختصاص وهم أهل الحديث فحيث تلقي بالقبول دل على إثبات متنه مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد سبق قول كثير من العلماء أن ما تلقي بالقبول صحيح او حجة وأن ذلك يغني عن إسناده فهو بمثابة الحكم على الحديث بالصحة ابتداء .



قلتم :
اشتراط انقراض العصر إنما لزم لوجود مشكلة في تصوُّر الإجماع الذي صوره الأصوليون، لأنه عمليا من المستحيل إثبات تزامن أقوال المجتهدين. فالنقول عن الصحابة في أكثر مسائل الإجماع غير محددة التاريخ، ولذلك اشترط بعض الأصوليين انقراض العصر حتى يستقر الإجماع ويمكن التأكد عمليا من التوافق. وهذا لا يلزم على الوجه والمأخذ الذي بينته في حجية الإجماع.
قلتُ :
إذاً السؤال هو : هل تشترطون انقراض العصر في الإجماع ؟ وإن كان الجواب بنعم فهل الدليل النص أو العادة ؟ ثم ما هو الضابط في تحديد وقت الانقراض ؟ وكيف يمكن التعامل مع من بلغ رتبة الاجتهاد قبل انقراض العصر ثم قبل موته خرج مجتهدون آخرون وهكذا يتسلسل خروج المجتهدين الذين يعتد بقولهم في الإجماع فمتى إذا ينقرض العصر ؟.



قلتم :
كثير من مسائل الإجماع لم يرد فيها نص. خذ مثلا التكبير بعد الصلوات أيام العيد، المضاربة والاستصناع، وبعض المسائل نقل الإجماع والنص فيها ضعيف من حيث الإسناد كبيع الكالئ بالكالئ ولا ميراث لقاتل ولا وصية لوارث وغيرها.
قلتُ :
أما التكبير في العيد فقد دل عليه عمل الصحابة رضي الله عنهم عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم . وعملهم تفسير لقوله تعالى : " واذكروا الله في أيام معدودات " فقد ورد عن علي وابن عباس وابن الزبير وأبي موسى رضي الله عنهم تفسيرها بأيام التشريق .
واستدل له ايضا بما رواه الحاكم وصححه عن علي وعمار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم ، وكان يقنت في صلاة الفجر ، وكان يكبر يوم عرفة من صلاة الصبح ويقطعها صلاة العصر آخر أيام التشريق " لكن إسناده ضعيف وروى نحوه الدارقطني عن جابر بسند ضعيف جداً .
واما المضاربة فنعم نقل الإجماع على مشروعيتها ابن عبد البر وابن حزم وابن المنذر وابن قدامة وغيرهم ويدل عليها ما يلي :
1 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : "كان العباس بن عبد المطلب إذا دفع مالا مضاربة اشترط على صاحبه أنْ لا يسلك به بحرا ولا ينزل به واديا ولا يشتري به ذات كبد رطبة فإن فعل فهو ضامن. فرفع شرطه إلى رسول الله فأجازه " أخرجه البيهقي في السنن الكبرى والدارقطني .
2 - واستدل الماوردي لمشروعية المضاربة بحديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يبع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " رواه مسلم
3 - واستدل الماوردي وغيره بأنه r ضارب لخديجة رضي الله تعالى عنها بمالها إلى الشام، وأنفذت معه عبدها ميسرة قبل أن يتزوجها بنحو شهرين وسنة إذ ذاك نحو خمس وعشرين سنة "
4 - واستدل بعضهم بما روى ابن ماجه بسند ضعيف عن صُهَيْبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه r : "ثلاث فيهن البركة : البيع إلى أجل أجل والمقارضة وأخلاط البر بالشعير للبيت لا للبيع "



قال ابن حزم : " كل أبواب الفقه ليس منها باب الا وله أصل في القرآن والسنة نعلمه ولله الحمد حاشا القراض فما وجدنا له أصلا فيهما البتة ولكنه اجماع صحيح مجرد والذي نقطع عليه أنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعلمه فأقره " مراتب الإجماع ( ص 91 )
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "وقد كانَ بعض الناس يذكرُ مسائل فيها إجماعٌ بلا نص كالمضاربة، وليس كذلك، بل المضاربةُ كانت مشهورة بينهم في الجاهلية لا سيما قريش، فإنَّ الأغلب كان عليهم التجارة، وكان أصحاب الأموال يدفعونها إلى العمال، ورسول الله قد سافر بمالِ غيره قبل النبوة، كما سافر بمالِ خديجة، والعير التي كان فيها أبو سفيان كانَ أكثرها مضاربةً مع أبي سفيان وغيره، فلما جاء الإسلامُ أقرها رسول الله وكان أصحابه يُسافرون بمال غيرهم مضاربةً ولم ينهَ عن ذلك، والسنةُ قوله وفعله وإقراره فلما أقرها كانت ثابتةً بالسنة " مجموع الفتاوى ( 19 / 195 )

وأما الاستصناع فإن العلماء منهم من أدرجه ضمن البيع ومنهم من ادرجه ضمن الإجارة ومنهم من جعله من قبيل السلم فاشترط فيه شروطه وهذه كلها لها ادلتها في المشروعية .
وعموما فقد استدل بعض الفقهاء لذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي اله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اصطنع خاتما من ذهب ثم القاه وكذا استصنع منبرا كما في الصحيحين من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه


قلتم :
هذا استطراد في الموضوع يحمد لكم التنبيه عليه فقد أتحفتمونا بفوائد من النقول عن أهل العلم. والسبب في كونه استطرادا أنه يناقش في مثال، والأمثلة لا تحتمل التنقير. على أن تأصيلكم لهذه المسألة بالذات فيه نظر ولا أحسبها تخفى عليكم مسألة إجماع العلماء على وفق حديث هل يقتضي صحته أم لا، المبحوثة في الأصول. وقول الجمهور كما ذكره الزركشي هو أنه لا يقتضي الصحة. والأصح، والله أعلم، التفصيل فإن نُقل إجماعهم على الحكم فقط فهذا لا يقتضي صحة الحديث، وإن نقل إجماعهم على الحكم مستدلين عليه بالحديث فهذا يقتضي صحة الحديث، وهذا ما لا أظنه يتوفر في حديث بيع الكالئ بالكالئ لا سيما أنه تفرد به موسى بن عبيدة الربذي، وقد قال فيه أحمد: ((لا تحل الرواية عنه عندي، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره)) . وقال: ((ليس في هذا أيضا حديث يصح، ولكن إجماع الناس على أنه لا يجوز بيع دين بدين)). فها أنت ذا ترى كيف نفى، رحمه الله، عن الحديث الصحة واستدل على الحكم بالإجماع.
قلتُ :
أما الاستطراد في الكلام على المثال فلما يلي :
1 - أن المراد تأصيل قاعدة تلقي الأحاديث بالقبول لا المثال ذاته لأن هذا ينسحب على كثير من المسائل الواردة في الباب كحديث " لا وصية لوارث " وحديث " لا يرث القاتل شيئاً " ونحوها .
2 - أن المقصود من البحث هو الواقع العملي في الشرع وعمل العلماء وهذا إنما يتحقق بالأمثلة والتطبيق فحيث صحت صحت الدعوى وإلا فهي مردودة وأما التنظير الذي لا تسنده الأمثلة والواقع فلا حاجة إليه .

وأما مسألة تلقي العلماء بالقبول فقد سبق أن منهم من جعل الحديث بعد ذلك صحيحا ومنهم من جعله في حيز المتواتر ومنهم من لم يطلق عليه ذلك لكنه رأى الاحتجاج به .


قلتم :
لا أسلم بأن تتابع الكثيرين من أتباع المذاهب دليل الصحة، وقد عرفت إدمانهم على مجرد النقل عن المتقدمين وتهيب مخالفتهم، ولا سيما أيضا أن أكثرهم صوَّر الإجماع القطعي بصورة خيالية، حين شرطوا فيه الصراحة، واستغراق جميع المجتهدين، وثبوت تواتر النقل عنهم، ويكفي اعتراض الرازي والآمدي الذي تفضلت بالتنبيه عليه مُشَوِّشا على هذا التتابع، وقبلهم إمام الحرمين الذي وإن قال بقطعية الإجماع إن ثبت بشروطه، فقد رده إلى جري العوائد لا إلى دليل السمع والتواتر المعنوي الذي تتابع عليه الأصوليون بعد الغزالي.
قلتُ :
أفهم من هذا أنكم لا ترون قطعية الإجماع ؟
تارة تذكرون أنه نوعان قطعي وظني وهنا لا تسلمون بصحة ذلك .
وأما اعتراض الرازي والآمدي فلا يخفاكم أنه مخالف لمن سبق ومن لحق كما قال الشاطبي وتعلمون ان منهج الرازي منهج تشكيك في جل أدلة الشريعة فهو لا يرى القطع في نصوص الكتاب والسنة ولا الإجماع بل إنه شكك في العقل نفسه ومعلوم ان هذا مصدره علم الكلام لا الوحي المنزل ولا عمل السلف وقد وصل الحال بالرازي إلى ما تعلمه من الحيرة والاضطراب والشك لعدم ثقته بقطعية الأدلة .
وأما الآمدي فعنده الإجماع نوعان قطعي وظني فما انفرد به المجتهدون دون سائر الأمة فهو ظني وما شاركهم فيهم العوام فهو قطعي فلم ينف القطعية مطلقاً ولو سلم بذلك فهو مخالف لقول عامة أهل العلم ممن سبقه .



بارك الله فيكم

إسماعيل إبراهيم محمد
10-07-06 ||, 10:40 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم على الفوائد....



نقل الجويني عن الشافعي ما يفيد عكس هذا الرأي : فإن الشافعي في مسألة القراض منع أن ينعقد حولها الإجماع لأنها مستحدثة زمن عمر ولم ينقل فيها نص ، مع العادات تقتضي ذلك = فيمتنع أن ينعقد فيها الإجماع ....

وقد ذكر الزركشي حاصل م اأوردته لكم في البحر المحيط...

انطلاقا من هذه المشاركة، أرجو أن يبين الإخوة الأفاضل لي: ما مستند الإجماع في المسألتين الآتيتين:

1. رسم المصحف العثماني وكونه توقيف لا تجوز مخالفته بالإجماع

2. قراءة حمزة بن زيات وتجويزه للوقف على حسب الرسم، علما بأن الإجماع وقع على جواز قراءة حمزة وفي ضمنها مسألة جواز الوقف حسب الرسم

جزاكم الله خيرا

د. أيمن علي صالح
10-07-07 ||, 03:43 AM
أخي الحبيب أبو حازم، نعم يبدو لا خلاف بيننا في النتائج في قضية حجية الإجماع وإنما في طريق الوصول إليها، فأنا أقول بالإجماع القطعي بشرطه وأنت لا تخالف في ذلك، وأقول بالظني وأنت لا تخالف في ذلك. والفرق بيننا هو في تحديد طريق إثبات كلا النوعين، فأنا أحمل الأدلة السمعية المذكورة في كتب الأصوليين على القطعي الذي لا فرق فيه بين عامي وعالم، وأحمل دليل العادة على الظني. وهو أقرب ما يكون إلى رأي الآمدي. أما أنت فتمزج بين المأخذين وتستدل بهما معا على نوعي الإجماع.
لكن ربما بيننا خلاف في مسألتين من آثار ما سبق:

إحداهما: أنا أنفي وجود الإجماع الظني بعد عصور السلف لا لتعذر الوقوف على الإجماع، وإنما لقصور دليل العادة عن دعم حجية هذا الإجماع، وأنت لا تنفي مثل هذا الإجماع وإن كنت استبعدت وقوعه لتعذر الوقوف على آراء المجمعين بعد عصر الصحابة.
والأخرى: أنا أقول بأن الإجماع الظني حجة ظنية يمكن مخالفته لدليل من نص أو اجتهاد كغيره من الحجج الظنية، وأنت ـ كما يبدو لي ـ تقول بأنه يرفع الخلاف بمعنى عدم جواز مخالفته، وعليه فلا فرق في هذا الباب بينه وبين الإجماع القطعي من حيث وجوب العمل.
هذي هي ربما خلاصة ما سبق، وشكرا لكل من ساهم في هذا الموضوع وأدلى فيه بدلوه لا سيما من ابتدأه ونبه إليه الفاضل آل زعتري.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-07-07 ||, 03:58 AM
شيخنا الكريم الدكتور أيمن بارك الله فيكم
قد شرفت بمذاكرتكم واستفدت منكم كثيراً فجزيتم خيراً

د. أيمن علي صالح
10-07-07 ||, 04:11 AM
شيخنا الكريم الدكتور أيمن بارك الله فيكم
قد شرفت بمذاكرتكم واستفدت منكم كثيراً فجزيتم خيراً

ولكم بمثل شيخي الكريم، بل أنا استفدت منكم أكثر مما استفدتم مني

د. أيمن علي صالح
10-11-06 ||, 07:25 AM
الإمام الشافعي : " لا يكون الإجماع حجة إلا إذا استبان أنه كان عن نص، علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn2)) ، وقال :" لا يصح دفع الخبر الثابت بدعوى الإجماع؛ لأنه متأخِّر الرتبة عن النص، ولأن الإجماع لا يكون إلا عن خبر، فما ثبت أولى أن يؤخذ به"([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftn3)).

_________________________ ___

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref2) - "الإمام الشافعي : حياته وعصره وآراؤه" لمحمد أبي زهرة : 272.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد d&f=39#_ftnref3) - "الأم" لمحمد بن إدريس الشافعي : 7/ 261..

أخي الفاضل عبد الرحمن
أرجو التحقق من عزو الأقوال المذكورة إلى الإمام الشافعي. أما الأول فلم أجده بنصه أو معناه عند أبي زهرة في الصفحة المذكورة، والكلام في الصفحة المعزو إليها إنما هو عن إجماع أهل المدينة
أما الثاني فهو ليس على نمط كلام الإمام الشافعي، فتعبيرات من قبيل "متأخر الرتبة"، "دعوى الإجماع" هي تعبيرات متأخرة لا تجدها في كلام الشافعي ولا أهل عصره، وهذا النص الذي عزي إلى الأم غير موجود فيه؟!