المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاجتهاد في عصر التشريع



د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:30 PM
الإخوة الكرام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛ فهذا بحثٌ أحببت ألا يبقى محبوساً في ملفاتي الخاصة؛ وقد كتبته من مدة تربو على اثني عشر عاماً؛ وكان أحد أبحاثي الصفيَّة؛ فلعلَّني أستفيد قبل أن أفيد.
علماً بأنه مُناقَش من قِبَل المشرف عليه؛ وكانت مدة مناقشته لي فيه قرابة الساعتين والنصف.
وعنوانه:


الاجتهاد في عصر التشريع

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:32 PM
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلَّم- ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102].
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ) [النساء:1].
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) [الأحزاب:70-71]([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
أما بعـــد([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)): -
فإن شمس الدُّنيا لم تشرق على أفضل من ذلك العصر؛ ألا وهو عصر التشريع والتنزيل، الذي كان ببعثة خاتم الأنبياء والمرسلين.
وما أحسن قول عبد الله بن مسعود t وأجمله، في وصف ذلك الرعيل الذي نشأ مع التشريع، وشهد وقائع التنزيل، حيث قال: (( من كان منكم مُستناً فليسنَّ بمن قد مات، فإن الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد r، كانوا أفضل هذه الأمة، أبرَّها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلَّها تكلُّفاً، قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتَّبعوهم في آثارهم، وتمسَّكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم ))([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
وقال أيضاً t: (( إن الله نَظَرَ في قلوبِ العبادِ، فوجدَ قلبَ محمدٍ r خَيْـرَ قلوبِ العبادِ، فاصطفاهُ لنفسِهِ، فابتعثه برسالتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ في قلوبِ العبادِ بعدَ قلبِ محمدٍ، فوجدَ قلوبَ أصحابه خَيْرَ قلوبِ العبادِ، فجعلهم وزراء نبيِّه، يُقاتلونَ على دينِهِ، فما رأَى المسلمونَ حَسَناً، فهو عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وما رَأَوْا سَيِّئاً فهو عِنْدَ اللهِ سيِّئٌ ))([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).

([1]) الطريقة الصحيحة في الصلاة على النبي - صلى الله عليه وآله وسلَّم -، هكذا: (صلى الله عليه وآله وسلَّم ) فكلمة (آله) لا بُدَّ منها؛ وإنما تركت فترة من الزمن عندما كان بنو أُميَّة يتتبعون العَلَويين ثم هجرها الكثير تقليداً "[يُنظر: اختيارات ابن قدامة الفقهية، في أشهر المسائل الخلافية(1/5)].

([2]) هذه الخطبة تُسمَّى عند العلماء بـ" خطبة الحاجة "، وتشرع بين يدي كل خطبة، سواءً كانت خطبة جمعة أو عيداً أو نكاح أو درس أو محاضرة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية ~ٍٍِِ: ( ولهذا استحبَّت وفعلت في مخاطبة الناس بالعلم عموماً وخصوصاً من تعليم الكتاب والسنة والفقه في ذلك وموعظة الناس ومجادلتهم أن يفتتح بهذه الخطبة الشرعية النبوية، وكان عليه شيوخ زماننا…)، [يُنظر: فتاوى ابن تيمية(18/287)]. قال العلاَّمة الألباني – غفر الله له ورحمه -: ( ولي رسالة خاصة جمعت فيها الأحاديث الواردة فيها وطرقها…، فنحثُّ المحبين لسنة النبي r والراغبين في إحيائها أن يلتزموا هذه الخطبة )، [السلسلة الصحيحة(1/28) هامش(1)].

([3]) أوَّل من قال: (أما بعد) داود عليه السلام، وهو فصل الخطاب، قاله: أبو موسى الأشعري t والشعبي، قال الحافظ ابن حجر ~ٍٍِِ في الفتح(6/556): (أخرجه ابن أبي حاتم، وذكر عن ابن جرير بإسنادٍ صحيح عن الشعبي مثله)، [يُنظر: تفسير ابن جرير الطبري(10/565)، وتفسير ابن كثير(7/59)، والجامع لأحكام القرآن(15/162)، وزاد المسير(7/111-112)].

([4]) أخرجه بنحوه ابن عبدالبر في "جامع بيان العلم وفضله"، وأخرجه بلفظ مقارب أبو نعيم في "الحلية"(1/305) من قول ابن عمر { .

([5]) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، حديث رقم(3600)(6/84)، وإسناده حسن.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:45 PM
% منهج البحث:
المنهج الذي سرتُ عليه في دراسة هذه المسألة أُجمِله فيما يلي:
أوَّلاً: عند البحث في المسائل أُقدِّمُ القول المرجوح، ذاكراً أَشهرَ أدلَّته، مع وجهة استدلالهم بهذه الأدلَّة، ثمَّ أُعْقِبها بما ورَدَ عليها من مناقشة، ثمَّ أختمُ بالقول الرَّاجح، ذاكراً أشهرَ أدلَّته، ووجهتهم في استدلالهم بها، ثُمَّ أختمُ المسألةَ ببيان القولِ الرَّاجح، وسبب رجحانه.
ثانياً: اعتمدتُّ في بحث المسائل على المراجع الأصليَّة، وقد أستعين بالرجوع إلى بعض المصادر الحديثة.
ثالثاً: عَزَوْتُ آيات القرآن الكريم من المصحف الشَّريف، ذاكراً اسم السورة ورقم الآية.
رابعاً: بالنِّسبة للتَّعاريف اللُّغويَّة أو الألفاظ الغريبة، فقد بحثتها معتمداً في ذلك على المصادر الأصيلة في كُلِّ فنّ.
خامساً: خرَّجتُ الأحاديث مقتصراً على ما في الصَّحيحين أو أحدهما، وقد أُخَرِّجُ أحياناً لأصحاب السُّنن الأربعة، مع ذكر من أشار إلى تصحيحه.

هـذا...، وأسأل الله تعالى العَوْنَ والتَّوفيق،
وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم،،،
الباحث

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:46 PM
الفصل الأول
تمهيد عن الاجتهاد في عصر التَّشريع

وفيــه أربعــة مباحـــث: -
& المبحث الأول: تعريف الاجتهــــاد .
& المبحث الثاني : حكم الاجتهـــــاد.
& المبحث الثالث : المراد من عصر التشريـع.
& المبحث الرابع : الأدلة الشرعية في هذا العصر.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:48 PM
المبحث الأول

تعريف الاجتهـــاد




وفيــــــه : -
& تعريف الاجتهاد لغــةً.
& تعريف الاجتهاد اصطلاحًا.
& العلاقة بين المعنى اللُّغوي والاصطلاحي للاجتهاد .

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:50 PM
تعريف الاجتهـاد لغــة

الاجتهاد، افتعالٌ من الجهد.
والجَهْد والجُهْد: الطَّاقة.
والجُهْد -بالضم- : الوسع والطَّاقة.
والجَهْد -بالفتح- : المَشَقَّة.
وقيل هما لغتان في الوسع والطَّاقة، فأمَّا المشقَّة فالفتح لا غير.
والاجتهاد والتجاهد: بذلُ الوسع والمجهود.
والاجتهاد بذلُ الوسع في طَلَبِ الأمر([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

([1]) يُنظر: لسان العرب (2/395-397).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:50 PM
تعريف الاجتهاد اصطلاحًا

عرَّف الأصوليُّون الاجتهاد بتعريفات كثيرة([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
وسلكوا في تعريفهم للاجتهاد مسلكان([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2))، اقتصر في كل مسلك على أجمع تعريفٍ يناسب الاجتهاد، إذْ ليس في تعداد التعاريف كبيرة فائدة.
% المسلك الأول:
وهو الذي جرت عادة الأصوليِّين بتعريفه غالبًا، فنظروا إلى الاجتهاد باعتبار المعنى المصدري، الذي هو فعل المجتهد، وأجمع تعريف في هذا المسلك هو:
أن الاجتهاد: « بَذْلُ الفقيهِ ما في وُسْعِهِ لتحصيل ظنٍّ بحكمٍ شرعيٍّ عملـيٍّ من الأدلة التفصيلية » .




% شرح التعريف، وبيان محترزاته([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))
لفظ « بذل » : جنسٌ في التعريف شاملٌ لكل بذل من أيِّ باذلٍ فقيهًا كان أو غيره، سواء في الأحكام أو في غيرها، وسواء كانت الأحكام شرعية أو لغوية أو عقلية أو غيرها.
*« الفقيه » : هو المتهيئ للفقه، الذي عنده ملكة الاستنباط، بمعنى: أن الفقيه هو المجتهد الذي يُنتج تلك الفروع عن أدلة صحيحة.
فقولهم « بذلُ الفقيه » فيه إضافة البذل إلى الفقيه.
فخرج به: بذلُ غير الفقيه، كالنَّحْوِيّ والمتكلم الذي لا فقه عنده.
*« ما في وسعه » : الوسع معناه الجهد والطاقة.
ويُعرَفُ ذلك بالإحساس بالعجز عن زيادة البحث والنظر.
فخرج به: بذلُ المُقَصِّـر، فإنه لا يسمى اجتهادًا في الاصطلاح، إذْ الاجتهاد ينقسم إلى ناقص وتام.
فالناقص: هو النظر المطلق في تَعرُّف الحكم، وتختلف مراتبه بحسب الأحوال.
والتام: هو استفراغ القوَّة النظرية حتى يُحسَّ الناظرُ من نفسه العجزَ عن مزيد طلب.
ومثاله: مثال من ضاع منه دِرْهم في التراب، فقلَّبه برجله، فلم يجد شيئًا، فتركه وراح.
وآخر إذا جرى له ذلك، جاء بغربال، فغرب التراب حتى يجد الدرهم، أو يغلب على ظنه أنه ما عاد يلقاه.
فالأول: اجتهادٌ قاصر، والثاني: اجتهاد تام.
*« لتحصيل ظنٍّ » : اللام في كلمة « لتحصيل » تفيد معنى أنه حَصَّل تحصيلًا باذلًا فيه الوسع والطاقة.
« ظنٍّ » : والظنُّ معناه إدراك الطرف الراجح.
وأُتي بلفظ « ظن » لأمرين:
الأول: بيان أن الاجتهاد لا يفيد إلَّا حكمًا ظنيًّا.
الثاني: إخراج الأحكام القطعية، كإدراك ما عُلم من الدِّين بالضرورة من وجوب صلاة وزكاة وصوم وحج، فإن كل ذلك لا يجري فيه الاجتهاد.
*« بحكم شرعيّ » : خرج به ما ليس بحكم.
وفيه تقييد للحكم بكونه شرعيًا فخرج به ما كان حكمًا لُغويًّا، أو عقليًّا، أو حسيًّا، أو غير ذلك.
*« عملي » : معناه: أن الاجتهاد لا يجري إلَّا في الفروع دون الاعتقاديَّات.
*« من الأدلة التفصيلية » : أي: أن الفقيه يبذل جهده لاستنباط حكم شرعي فرعي من آية أو حديث.

[/URL]([1]) انظرها في: إرشاد الفحول: (3/832، 833)، نهاية السُّول: (4/525، 529)، تيسير التحرير: (4/179).

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)([2]) ينظر: الاجتهاد فيما لا نَصَّ فيه: (1/11-15)، والاجتهاد في الإسلام: ص(20-23)، كلاهما بالإحالة على: الأصول العامة للفقه المقارن، للسيد محمد تقي الحكيم: ص(563) بإحالته على مصباح الأصول: ص(434)، إتحاف ذوي البصائر للنَّملة: (8/10-12).

[URL="لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3"]([3]) ينظر: المستصفى: (2/350)، فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت: (2/362)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/396)، التقرير والتحبير: (3/291، 292)، تيسير التحرير: (4/179)، نهاية السول: (4/525-529)، مناهج العقول: (3/260-262)، البحر المحيط: (8/227، 228)، شرح مختصر الروضة: (3/576)، شرح المنهاج للبيضاوي: (2/822)، تهذيب شرح الأسنوي: (3/242، 244)، أصول مذهب الإمام أحمد: ص(694، 695)، إتحاف ذوي البصائر: (8/10-12)، (1/71)، الاجتهاد فيما لا نص فيه: (1/11-15).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:51 PM
% المسلك الثاني:
وهو النظر إلى المعنى الاسمي للاجتهاد، الذي هو وصفٌ قائم بالمجتهد.
وعليه فالاجتهاد هو: « مَلكَة يقتدر بها على استنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية » .
واختار هؤلاء لفظ « مَلَكَة » لأمرين:
الأول: أن صاحب الملكة يصدق عليه أنه مجتهد سواء باشر عملية الاستنباط فعلًا أم لم يباشر.
الثاني: أن لفظ « ملكة » لا يتَجَزَّأ، إذْ لا يصح أن يقال: إن هذا صاحب ملكة كبيرة، وآخر متوسطة، وثالث صغيرة.
وإنما يقال: صاحب ملكة.
- التعريف المختار:
وعلى ما تَبيَّـن من المسلكين، يكون التعريف المختار للاجتهاد، هو ما عرَّف به أصحاب المسلك الأول.
وهو أن الاجتهاد: « بَذْلُ الفَقِيْهِ ما في وُسْعِهِ لتحصيل ظَنٍّ بحُكْمٍ شرعيٍّ عملـيٍّ من الأدلَّةِ التَّفْصِيْلِيَّة ».
وسَبَبُ اختياره أُمورٌ ثلاثة:
أولًا: أنه الذي درج عليه غالب الأصوليِّين، وهو ما جرت به عادتهم.
ثانيًا: لوضوح هذا التعريف، وقرب معانيه من الذِّهن، وهذا الذي ينبغي أن تكون عليه عامة التعاريف.
ثالثًا: أن أصحاب المسلك الثاني يَرِدُ على تعريفهم الاجتهاد "بالملكة" اختلافها مع الواقع([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
إذْ المجتهد لا يُعرف بالاجتهاد، ولا يكون مجتهدًا إلّا بعد تَمرُّسٍ ومِران، وبذل وسعه وطاقته في الحصول على الحكم، فهول فعلٌ كَسْبيّ.
ولا يصحّ أن يوصف بأنه صاحب ملكة إلَّا بعد مروره بهذه الأطوار؛ لأن ملكة الاجتهاد لا تكون وَهْبِيَّة.

([1]) ينظر: الاجتهاد فيما لا نص فيه: ص(12).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-16 ||, 10:52 PM
العلاقة بين المعنى اللّغوي والاصطلاحي للاجتهاد([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))

بعد ذكر تعريف الاجتهاد في اللغة وفي الاصطلاح، نجد التوافق بين المعنيين الاصطلاحي واللُّغوي، كما هو ظاهرٌ من تعريفهما، ونقطة الالتقاء بينهما واضحة، وهي المبالغة في الاستعمالين.
وبالنظر نجد بين المعنيين عمومًا وخصوصًا مطلقًا.
- فأما الاستعمال اللغوي فهو العموم، وهو مطلق الكُلْفَة والمَشَقّة.
- وأمَّا الاستعمال الاصطلاحي للأصوليين، فهو مُختصٌّ ببذلٍ لاستنباط الحكم الشرعي.
وهذا هو الشأن في علاقة التعريف اللُّغوي بالتعريف الاصطلاحي غالبًا.

([1]) ينظر: الاجتهاد في الإسلام: ص(33).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-17 ||, 06:30 AM
المبحث الثاني: حكــم الاجتهـــاد



وفيـــــه: -
& حكــم الاجتهــاد عمومــًا.
& حكــم الاجتهــاد تفصيــلاً.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-06-17 ||, 06:32 AM
حكم الاجتهاد عمومًا

أما حكم الاجتهاد على سبيل العموم، فالقول بجواز الاجتهاد هو مذهبُ جماهير علماءِ المسلمين([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)) ~ٍٍِِ : « والذي عليه جماهير الأمة أن الاجتهاد جائزٌ في الجملة » ([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
والأدلة على ذلك كثيرة منها:
أولًا: ما أخرجه الإمام البخاري([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) ~ٍٍِِ في صحيحه: أن رسول الله r قال: (( كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذِّئْبُ فذهب بابن إحْداهما، فقالت لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود u، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ^، فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها، فقضى به للصغرى )) ([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
« فاستنبط سليمان u لما رأى الأمر محتملًا فأجاد، وكلاهما حكم بالاجتهاد؛ لأنه لو كان داود u حكم بالنَّصِّ لما ساغ لسليمان u أن يحكم بخلافه… ، وَدَلَّت القصة على أن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد، وإنْ كان وجود النصّ ممكنًا لديهم بالوحي، لكن في ذلك زيادة في أجورهم، ولعصمتهم من الخطأ في ذلك إذْ لا يُقرَّن لعصمتهم على الباطل » ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
« فهذا الحديث الصحيح، يدلّ دلالة واضحة على أنهما قضيا معًا بالاجتهاد في شأن الولد المذكور، وأن سليمان أصاب في ذلك، إذْ لو كان قضَاءُ داود بوحيٍ لما جاز نقضه بحال، وقضاء سليمان واضحٌ أنه ليس بوحي؛ لأنه أوهم المرأتين أنه يَشُقَّه بالسكين، ليعرف أمَّه بالشفقة عليه، ويعرف الكاذبة برضاها بشقِّه لتشاركها أمه في المصيبة فعرف الحق بذلك » ([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
ثانيًا: قول الرسول r : (( إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر )) ([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)).
-وهذا الحديث صريح الدلالة في جواز الاجتهاد من المجتهد.
ثالثًا: أن النبي r أَذِنَ لأصحابه y بالاجتهاد، وكان يُقِرُّ لهم على الصواب من اجتهاداتهم([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).

[/URL]([1]) ينظر: الرسالة للشافعي: ص(487).

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1)([2]) هو: أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية الحرّاني الدمشقي، تقي الدي، أبو العباس، الإمام الفقيه المجتهد المحدِّث الحافظ المُفَسِّر الأصولي الزّاهد، شيخ الإسلام وعلم الأعلام، ولد سنة 661هـ، وتوفي سنة 728هـ. [ينظر: الذيل على طبقات الحنابلة: (4/387)].

([3]) ينظر: فتاوى شيخ الإسلام: (20/203).

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)([4]) هو: الإمام الحافظ، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبة، صاحب الجامع الصحيح، مناقبه كثيرة جدًّا، ولد في شوال سنة 194هـ، وتوفي يوم السبت لغرة شوال سنة 256هـ، عاش 62 سنة إلا (13) يومًا. [ينظر: التهذيب: (5/30)].

([5]) في: كتاب الفرائض، باب إذا ادَّعت المرأة ابنًا، حديث رقم (6769).

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5)([6]) ينظر: فتح الباري: (6/567) على شرحه للحديث نفسه مُـخَرَّج برقم (3427).

([7]) ينظر: أضواء البيان: (4/652).

(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7)([8]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم (7352).

[URL="لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9"]([9]) ينظر: زاد المعاد: (3/347).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 08:05 PM
حكم الاجتهاد تفصيلاً

أما حكم الاجتهاد على سبيل التفصيل، فقد يكون في حقِّ المجتهد تارةً فرض عين، وتارةً فرض كفاية، وتارةً يكون مندوبًا، وتارةً يكون حرامًا([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))، وبيانها كما يلي:


أولاً: كون الاجتهاد فرضُ عين:

وذلك في حالين:
الحال الأولى([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)): اجتهاد المجتهد في حقِّ نفسه فيما نزل به من حادثة؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يُقَلِّد غيره في حقِّ نفسه، كما أنه لا يجوز له أن يُقَلِّد غيره في حق غيره.
الحالُ الثانية: اجتهاد المجتهد في حقِّ غيره إذا تعين عليه الحكم فيه، بأنْ ضاق وقت الحادثة فإنه يجب على الفور؛ لأن عدم الاجتهاد يقتضي تأخير البيان عن وقت الحجة، وهو ممنوع شرعًا([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).


ثانيًا: كون الاجتهاد فرض كفاية:

وذلك عندما تنزل حادثة بأحد فاستفتى أحد العلماء، فإن الواجب يكون فرضًا عليهم جميعًا وأخَصُّهم بفرضه المخصوص بالسؤال عن الحادثة، فإن أجاب واحد منهم سقط الفرض عن جميعهم، وإن أمسكوا مع ظهور الصواب لهم أثموا، وإن أمسكوا مع التباسه عليهم عُذِرُوا.


ثالثًا: كون الاجتهاد مندوبًا:

وذلك في حالين:
الحال الأولى: أن يجتهد العالم قبل نزول الحادثة ليسبق إلى معرفة حكمها قبل وقوعها.
الحال الثانية: أن يستفتيه سائل عن حكم حادثة قبل نزولها.


رابعًا: كون الاجتهاد مُحَرَّمًا:

وذلك في حالين:
الحال الأولى: أن يقع الاجتهاد في مقابلة دليل قاطع من نَصٍّ أو إجماع.
الحال الثانية: أن يقع ممن لم تتوفر فيه شروط المجتهد فيما يجتهد فيه؛ لأن نظره لا يُوْصِلُه إلى الحق، فيفضي إلى الضلال والقول في دين الله بغير علم.

([1]) ينظر: تيسير التحرير: (4/179، 180)، التقرير والتحبير: (3/292)، تنقيح الفصول: ص(435)، إتحاف ذوي البصائر: (8/34، 35)، الاجتهاد: ص(66، 67)، أصول الفقه: ص(404)، معالم أصول الفقه: ص(486).

([2]) وهنا لطيفة: أن لفظ الحال يُذكَّر فيقال (حال)، ويُؤَنَّث فيقالة (حالة) بالتاء، وأن معناه قد يُذَكَّر، فيعود الضمير مُذَكَّرًا … ، وقد يُؤَنَّث معناه، فيعود الضمير عليه مُؤَنَّثًا… ، فإذا كان لفظ الحال مُذَكَّرًا فأنت في سعة من أنْ تَذَكِّر معناه أو تُؤَنِّثه، تقول: حالٌ حسن، وحالٌ حسنة.
وأما إذا كان لفظ الحال مُؤَنَّثاً فليس لك مُعَدَّى عن تأنيث الفعل الذي تسنده إليها. [ينظر: عدة السالك: (2/257، 258)].

([3]) قال ابن قدامة ~ٍٍِِ : « فصلٌ، لا خلاف في أنه لا يجوز تأخير البيان عن قوت الحاجة » ا.هـ.
« وذلك؛ لأن وقت الحاجة وقت الأداء، فإذا لم يكن مبينًا تعذر الأداء فلم يكن بدّ من البيان ». [ينظر: روضة الناظر: (2/582) مع هامش (1)].

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 08:09 PM
المبحث الثالث: المراد من عصر التشريع










وفيــــه : -


تعريف العصر لغـــة.
تعريف التشريع لغــة.
المراد من عصر التشريع.
الأدلة الشرعية في هذا العصر.


* * * * * *

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 08:11 PM
تعريف العصر لغة

العَصْـر: مُثَلَّثة، (العَصْـر - والعِصَـر - والعُصْـر).
وبضمَّتين: "العُصُر" : الدَّهر والحين.
قال الله تعالى:(والعصر * إن الإنسان لفي خسر)[العصر:1،2].
أقسم الله تعالى بالعصر.
والجمع: أَعْصُـرٌ وأعْصَارٌ وعُصُـرٌ وعُصُورٌ ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

([1]) ينظر: لسان العرب: (9/236)، والقاموس المحيط: (1/616)، باب الراء، فصل العين، مادة "العَصْـر".

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 08:16 PM
تعريف التشريع لغة

التَّشْـريع: مصدر شرَّع، والشريعة في اللغة ذات إطلاقين:
*أحدهما: مورد الماء الذي يشرب الناس منه ويسقون غبلهم.
ولذا يقول العرب: « شرعت الدواب في الماء » أي: دخلت فشربت الماء.
*ثانيهما: الطريق الواضح، ومنه قول العرب: شرعت له طريقًا.
وفي هذا يقول الله تعالى:(شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه) [الشورى:13].
واشْتُقَّ من ذلك الشِّـرْعَة في الدين والشَّـريْعَة.
قال تعالى : (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا) [المائدة:48].
وقال سبحانه:(ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها)[الجاثية:18].



علاقة الشـَّريعة باللغة، على ضوء الإطلاقين اللغويين السابقين:

*أما علاقة الشريعة بالإطلاق اللُّغوي الأول:
فعلى أن الشريعة: ريٌّ للقلوب والأبدان.
كما تُرَوِّي الشريعة وهي موردُ الماءِ العطشانُ.
*وعلاقة الشريعة بالإطلاق اللُّغوي الثاني:
فعلى أنهى المسلك الموصلة لسالكيها إلى الجنة والفوز برضاء الله، ففيها حياة النفوس وَريُّ العقول ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

([1]) ينظر: لسان العرب: (7/86)، معجم مقاييس اللغة: (3/262)، باب الشين والراء وما يثلثهما، مادة "شرح"، القاموس المحيط: (2/983)، باب العين، فصل الشين، مادة "الشريعة"، خلاصة تاريخ التشريع: ص(11).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 08:21 PM
المراد من عصر التشريع

يقصد بعصر التشريع، هو ذلك العصر الذي عاش فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويبدأ ببعثته بنزول الوحي عليه في مكة وينتهي بوفاته بالمدينة النبوية، فعصر التشريع إذًا شاملٌ لعهديه المَكِّيْ والمدني.
والتشريع في حينه إما أن يكون وحيًا إلهيًا بالمعنى واللفظ، وذلك يتمثَّل في القرآن الكريم، الذي أنزله الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم .
وإمَّا أن يكون وحيًا بالمعنى دون اللفظ، ويتمثَّل في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لفظ الحديث من كلامه، وإن كان معناه وحيًا.
لقوله تعالى: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) [النجم:3،4]، فالله وحده هو المُشرِّع، ورسوله هو المُبَيِّـن لشرعه، (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم)[النحل:44]، فلا شرع إلَّا ما شرع الله سبحانه، أو ما شرع رسوله صلى الله عليه وسلم .
وبوفاته صلى الله عليه وسلم انتهى عهد التشريع الذي بدأ ببعثته، وهو مُقَدَّرٌ بما يقرب من ثلاثٍ وعشرين سنة، نزل عليه القرآن خلالها مُنَجَّمًا، وهو المصدر الأول للتشريع، أما السنة فهي المصدر الثاني، ولا ثالث لهما في هذا العهد النبوي الزاهر الميمون([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).


([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(34، 39).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 08:28 PM
الأدلة الشرعية في هذا العصر

إن من الخصائص المتميزة في عصر التشريع وِحْدَةُ التَّلَقِّي، إذ إن مصدر التلقي للأدلة الشرعية في هذا العصر: هو القرآن الكريم والسنة النبوية، يقول الحقّ -تبارك وتعالى- : (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء)[الأعراف:3]، وقال سبحانه: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر:7]، ففي هاتين الآيتين إشارة واضحة إلى أن مصدر التشريع في هذا العصر هو القرآن والسنة ولا شيء سواهما.
كما أن مصدر تلقي التشريع هو الرسول صلى الله عليه وسلم ولا مُبَلِّغ غيره عن الله، يقول الحق -تبارك وتعالى-: (ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة:67]، إذًا الشريعة معصومة وصاحبها معصوم فيما يبلغ عن ربه عز وجل ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

([1]) ينظر: خلاصة تاريخ التشريع: ص(21، 28).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 08:39 PM
وأوّل مصادر التشريع في هذا العصر: القرآن الكريم:


الذي هو كلام الله المنزّل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم باللفظ العربي المُتَعَبَّد بتلاوته وأحكامه المكتوب في المصاحف بدءًا من سورة الفاتحة ونهاية بسورة الناس المنقول إلينا نقلًا متواترًا.
وكان آية دالَّة على صدق رسالته، نزل به جبريل عليه السلام على رسولنا صلى الله عليه وسلم بلسانٍ عربي: (وإنه لتنزيل رب العالمين * نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين) [الشعراء:192-195]، فالقرآن الكريم هو أساس الدين ومصدر التشريع، وحجّة الله البالغة في ذلك العصر، وفي كل عَصْـرٍ ومِصْـر، بلَّغه رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته امتثالًا لأمر ربه:(ياأيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) [المائدة:67].
وقد اشتمل القرآن الكريم على أصول الشريعة وقواعدها من الحلال والحرام، وجاءت أكثر أحكامه مجملة تشير إلى مقاصد الشريعة، وتضع بيد الأئمة المجتهدين المصباح الذي يستنبطون في ضوئه أحكام جزئيات الحوادث في كل زمانٍ ومكان، وهذا هو سرّ خلود الشريعة، وشمول قواعدها الكليّة ومقاصدها العامّة لما يحدث في الناس من أقضيات.
وإنما فصَّل القرآن ما لابدّ فيه من التفصيل الذي يجب أن يسمو عن مواطن الخلاف والجدل، كما في العقائد وأصول العبادات، أو لأنه يُبنى على أسباب لا تختلف ولا تتغيَّـر بتغَيُّـر الأزمنة والأمكنة، وذلك كما في تشريع المواريث ومحرمات النكاح، وعقوبة بعض الجرئم([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(40-45)، خلاصة تاريخ التشريع: ص(28).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 09:18 PM
وأما المصدر الآخر من مصادر التشريع في هذا العصر: فهي السُّنـّة النبويَّة:


وهي التي أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ أو صفةٍ أو سيرةٍ فيما يبلغ عن ربه من غير أمر خاص به صلى الله عليه وسلم .
والسُّنّة تلي مرتبتها كتاب الله، فقد أخبر سبحانه وتعالى عن نبيِّه صلى الله عليه وسلم بقوله:(وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى) [النجم:3،4]، وأمر باتباعه وطاعته:(وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) [الحشر:7]، (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول) [النساء:59].
وحَذَّرنا من مخالفته:(فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور:63]، ولم يجعل لنا الخيرة أمام حكمه: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) [الأحزاب:36]، وجعل ذلك من أصول الإيمان: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء:65]، وفرض على المؤمنين إطاعته؛ لأنها من طاعة الله: (من يطع الرسول فقد أطاع الله) [النساء:80].
وهذه النصوص تقطع دابر الشك في وجوب الأخذ بالسُّنّة في الأدلة الشرعية، واعتبارها في المقام الثاني بعد القرآن، لمكانتها في نفس المؤمن وتَثَبُّت المسلمين في نقلها بصورة لم يُعْهد لها نظير في تاريخ الأديان، بُذلت فيها جهود مُضْنِيَة لنقض ما نُسِبَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم زورًا وبهتانًا، وتمييز الصحيح من غيره([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(87-89).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 09:20 PM
ومما تجدر الإشارة إليه:
أن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا العصر، أو إذنه لصحابته في الاجتهاد، أو إقراره لهم على اجتهادهم، كان من باب النظر في التطبيق بالجزئيات، ولا يعتبر هذا مصدرًا من مصادر التشريع.
حيث كان اجتهاده صلى الله عليه وسلم عند الحاجة، وتأخر نزول الوحي، فلا يلبث الوحي أن ينزل فيُقِرُّه على اجتهاده، أو يُبيِّـن له وجه الخطأ فيه فيكون المصدر في المآل هو الوحي.
وكان اجتهاد الصحابة بحضرته إقرارًا منه لهم.
وكذلك كان اجتهاد الصحابة عند غيبتهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، حيث لا يتمكنون من الرجوع إليه، فإذا ما رجعوا إما أن يُقِرّهم الرسول صلى الله عليه وسلم على ما رأوا، وإما أن يُبَيِّـن لهم الخطأ، فيرجع التشريع إلى السنة ببيان الرسول صلى الله عليه وسلم لهم.
فالحكم راجع في الحوادث حينئذٍ إلى الوحي من الكتاب والسنة وبذلك يتضح أن الاجتهاد ليس من مصادر التشريع في هذا العصر ويكون مصدر التشريع في عهده النبوّة قاصرًا على الكتاب والسنة لا غير([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).

([1]) ينظر: تاريخ التشريع الإسلامي: ص(10).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-06-01 ||, 09:21 PM
الفصل الثاني: مسائل الاجتهاد في عصر التشريع
وفيــه مبحثــــــان : -


المبحث الأول : اجتهـــاد النبـــي صلى الله عليه وسلم .
المبحث الثاني : اجتهاد الصحابة رضي الله عنهم في عصر التشريع .

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-11-23 ||, 08:48 AM
المبحث الأول: اجتهـــاد النبـــــي صلى الله عليه وسلم
وفيـــه سبعـــة مطالـــب : -
* المطلب الأول: تحرير محل النّزاع في المسألة.
* المطلب الثاني: الجواز العقلـــــي.
* المطلب الثالث: الوقوع الشرعـــي.
* المطلب الرابع: الخلاف في وقوع اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم.
* المطلب الخامس: حكم اتباع النبي صلى الله عليه وسلم في اجتهاده.
* المطلب السادس: أمثلة على اجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم.
* المطلب السابع: الحِكمة من اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم مع اتصاله بالوحي.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-11-23 ||, 08:54 AM
المطلب الأول: تحرير محل النـّزاع في المسألة

اتفق العلماء على أنه لا يجوز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما فيه نصٌّ إلهي([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
واختلفوا في جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم عقلًا فيما لا نصَّ فيه على مذهبين:
-المذهب الأول([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)): شَذَّت طائفة، فمنعت الجواز في اجتهاده عقلًا، ومن باب أولى إنكار وقوعه شرعًا([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
-المذهب الثاني([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)): مذهب جمهور العلماء([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)) على جواز اجتهاده عقلًا.
واختلف جمهور العلماء في وقوعه شرعًا فيما بينهم على قولين مشهورين:
*القول الأول([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)): وقوع الاجتهاد من النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان مأمورًا به مطلقًا، في الأحكام الشرعية والحروب والأمور الدينية من غير تقييد بشيء منها، أو من غير تقييد بانتظار الوحي.
وهذا مذهب أكثر أهل العلم وعامة الأصوليين ومالك والشافعي وأحمد وعامة أهل الحديث([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
*القول الثاني: منهم من أنكر الوقوع مطلقًا([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)).
وأغلبهم فَصَّل:
- فَجَوَّز قوم اجتهاده صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بمصالح الدنيا وتدبير الحروب، وكذلك تصرفات القضاء، وفصل الخصومات([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).
- ومنع آخرون وقوع اجتهاده في الأحكام الشرعية، وأنه صلى الله عليه وسلم لا يصح أن يكون مأمورًا بالاجتهاد([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
وهذا مذهب الأشاعرة([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11)) وأكثر المعتزلــــــــــــــــــ ــــــــــــــــة([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12))
والمتكلمــــــــين([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)).
وتَلَخـَّص مما سبق: أن جمهور العلماء الذين قالوا باجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نصَّ فيه، اتفقوا على أمرين:
-الأمر الأول: اتفقوا على جواز وقوع اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بمصالح الدنيا، وتدبير الحروب.
وممن نقل حكاية الإجماع: ابن النجار الفتوحي([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)) في شرحه على الكوكب المنير، والشوكاني([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15)) في كتابه إرشاد الفحول([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)).
-الأمر الثاني: ما صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم بتصرف القضاء وفصل الخصومات وأمور المحاكمات، فهو مجمع عليه أنه لا يفتقر إلى الوحي([17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17)).
*والذي اختلف فيه جمهور العلماء هو: في وقوع اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه فيما يتعلق بالأحكام الشرعية على قولين([18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18))، يأتي بحثها في مسألتين.
أولاهما: جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نصّ فيه فيما يتعلق بالأحكام الشرعية.
ثانيهما: وقوع اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نصّ فيما يتعلق بالأحكام الشرعية.

([1]) ينظر: شرح مختصر الروضة: (3/246).

([2]) المصدر السابق، الإبهاج في شرح المنهاج: (3/246)، تنقيح الفصول: ص(436)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/398)، المُسَوَّدَة: ص(506)، مناهج العقول: (3/264، 265)، نهاية السول: (4/531)، التقرير والتحبير: (3/296)، تيسير التحرير: (4/185)، شرح الكوكب المنير: (4/474-476).

([3]) وهو قولُ أبي علي الجُبَّائي -شيخ المعتزلة- وابنه أبي هاشم.

([4]) ينظر: المنخول: ص(468)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/398)، المُسَوَّدَة: ص(506، 507)، مناهج العقول: (3/264)، نهاية السول: (4/530، 531)، نفائس الأصول: (9/3814)، التقرير والتحبير: (4/185)، العدة: (5/1578)، شرح الكوكب المنير: (4/474، 475)، إرشاد الفحول: (3/845).

([5]) من الشافعية والحنابلة وأكثر المالكية، منهم القاضي عبدالوهاب والقاضيان أبو يوسف، وعبدالجبار، وأبو الحسين، والقاضي في التقريب.
[البحر المحيط: (8/248)، الإبهاج في شرح المنهاج: (3/246)].

([6]) ينظر: العدة: (5/1578)، شرح مختصر الروضة: (3/594)، فواتح الرحموت: (2/366)، كتاب التلخيص: (3/399، 400)، تنقيح الفصول: ص(436)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/398)، مناهج العقول: (3/265)، نهاية السول: (4/531)، نفائس الأصول: (9/3812، 3813، 3815)، التقرير والتحبير: (3/296)، تيسير التحرير: (4/185)، شرح الكوكب المنير: (4/474-477)، إرشاد الفحول: (3/845، 846).

([7]) وهو اختيار أبي يوسف والآمدي وابن الحاجب وابن بطة والقاضي وابن عقيل وأبو الخطاب. [شرح مختصر الروضة: (3/399، 400)، الإبهاج في شرح المنهاج: (3/246)، البحر المحيط: (8/250)، المُسوَّدَة: ص(506، 507)].

([8]) ينظر: البحر المحيط: (8/250).

([9]) ونقل صاحب التقرير والتحبير: (3/296) قوله: « وذكر ابن أبي هريرة والماوردي أن في وجوب الاجتهاد عليه بعد جوازه له وجهين، وصحَّح ابن أبي هريرة الوجوب، وقال الماوردي: والأصح عندي التفصيل في حقوق الآدميين، فيجب عليه؛ لأنهم لا يَصِلُون إلى حقوقهم إلا بالاجتهاد، ولا يجب في حقوق الله » ا.هـ. وقال الغزالي في المنخول: ص(468): « أما وقوعًا، فالغالب على الظن أنه كان لا يجتهد في القواعد وكان يجتهد في الفروع » ا.هـ.

([10]) وحكاه أبو منصور عن أصحاب الرأي، وهو ظاهر اختيار ابن حزم، وقال القاضي في التقريب: « كل من نفى القياس أحال تعبده صلى الله عليه وسلم به » ا.هـ [البحر المحيط: (8/247، 248)].

([11]) الأشاعرة: فرقة كلامية إسلامية، تنسب لأبي الحسن الأشعري، الذي مرت حياته بثلاث مراحل، فعاش في أوائل حياته في كنف أبي علي الجبائي شيخ المعتزلة في عصره وتلقى علومه حتى صار نائبه وموضع ثقته، وفي مرحلته الثانية ثار فيها على مذهب الاعتزال الذي كان ينافح عنه، ودعى إلى التمسك بالكتاب والسنة على طريقة ابن كُلَّاب وهي تثبت بالعقل الصفات العقلية السبع فقط لله تعالى، (الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام)، ثم إنه رجع في آخر حياته إلى إثبات الصفات جميعها لله تعالى من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تمثيل، وفي هذه المرحلة كتب كتاب الإبانة عن أصول الديانة الذي عبَّـر فيه عن تفضيله لعقيدة السلف ومنهجهم، والذي كان حامل لوائه الإمام أحمد بن حنبل، توفي سنة 322هـ، ودفن ببغداد، من أبرز أئمة الأشاعرة: 1) القاضي أبو بكر الباقلاني (328-403هـ). 2) أبو إسحاق الشيرازي (293-476هـ). 3) أبو حامد الغزالي (450-505هـ). 4) أبو إسحاق الإسفراييني (ت418هـ). 5) إمام الحرمين أبو المعالي الجويني (419-478هـ). 6) الإمام الفخر الرازي (544-606هـ).
وعقيدة الأشاعرة تنسب إلى عقيدة أهل السنة والجماعة بالمعنى العام في مقابل الخوارج والشيعة والمعتزلة، وأن الأشاعرة وبخاصة أشاعرة العراق الأوائل أمثال: أبو الحسن الأشعري، والباهلي، وابن مجاهد، والباقلاني، وغيرهم، أقرب إلى السنة والحق من الفلاسفة والمعتزلة بل ومن أشاعرة خراسان كأبي بكر بن فورك وغيره، وإنهم ليحمدوا على مواقفهم في الدفاع عن السنة والحق في وجه الباطنية والرافضة والفلاسفة، فكان لهم جهد محمود في هتك أستار الباطنية وكشف أسرارهم، بل وكان لهم جهادهم المشكور في كسر سورة المعتزلة والجهمية، وعلى ذلك فإن حسناتهم على نوعين كما صرّح شيخ الإسلام ابن تيمية: « إما موافقة السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث ببيان تناقض حججهم »، ويقول أيضًا: « ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخير الأمور أوسطها » [درء التعارض]، وفي كتاب النبوات يقول: « حيث إن خطؤهم بعد اجتهادهم مغفورة »، وأخيرًا يقول في درء التعارض: « فإن الواحد من هؤلاء له مساعٍ مشكورة في نصر ما نصره من الإسلام والرد على طوائف من المخالفين لما جاء به الرسول فحمدهم والثناء عليهم بما لهم من السعي الداخل في طاعة الله ورسوله، وإظهار العلم الصحيح … وما من أحد من هؤلاء ومن هو أفضل منه إلا وله غلط في مواضع » ا.هـ. [الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب: (1/87-98)].

([12]) المعتزلة: هم إحدى الفرق التي خالفت أهل السنة والجماعة في كثير من أصول العقيدة وفروعها، وقد تعدّدت فرقها حتى بلغت عشرين فرقة، وقيل سبب تسميتهم بذلك: إن رئيس المعتزلة –واصل بن عطاء الغزال (80-131هـ)- الذي كان تلميذًا للحسن البصري، كان يقول: إن الفاسق بين منزلتين: "لا كافرًا ولا مؤمنًا"، ولما سمع منه الحسن البصري هذا طرده من مجلسه وحلقته، فاعتزل عند سارية من سواري المسجد وانضم إليه عمرو بن عبيد، فلما اعتزلا قيل لهما ولمن تبعهما: معتزلة، ويسمون أهل العدل والتوحيد، وبعض العلماء يطلق عليهم "القدرية"، من أهم علماء المعتزلة في أصول الفقه: القاضي عبدالجبار بن أحمد، وأبو علي وأبو هاشم الجبائيان، وأبو الحسين البصري، والنَّظَّام، ويلاحظ عود الفكر الاعتزالي من جديد في الوقت الحاضر، على يد بعض الكتاب والمفكرين الذين يمثلون المدرسة العقلانية الجديدة، وألبسوا هذه الدعوات ثوبًا جديدًا، وأطلقوا عليها أسماء جديدة، مثل: العقلانية أو التنوير أو التجديد أو التحرير الفكري أو التطور أو المعاصرة أو التيار الديني المستنير أو اليسار الإسلامي، وحاولوا تفسير النصوص الشرعية وفق العقل الإنساني، فلجأوا إلى التأويل، كما لجأت المعتزلة من قبل، ثم أخذ ما يتلمسون في مصادر الفكر الإسلامي ما يدعم تصوّرهم، فوجدوا في المعتزلة بغيتهم، فأنكروا المعجزات المادية، وما تفسير الشيخ محمد عبده لإهلاك أصحاب الفيل بِوَبَاءِ الحَصْبَة أو الجدري الذي حملته الطير الأبابيل … إلّا من هذا القبيل، وأهم مبدأ معتزلي سار عليه المتأثرون بالفكر المعتزلي الجدد هو ذاك الذي يزعم أن العقل هو الطريق الوحيد للوصول إلى الحقيقة، حتى لو كانت هذه الحقيقة غيبية شرعية، أي أنهم أخضعوا كل عقيدة وكل فكر للعقل البشري القاصر، وأخطر ما في هذا الفكر الاعتزالي .. محاولة تغيير الأحكام الشرعية التي ورد فيها النص اليقيني من الكتاب والسنة … مثل عقوبة المرتدّ، وفرضية الجهاد والحدود، وغير ذلك … فضلًا عن موضوع الحجاب وتعدد الزوجات والطلاق والإرث… وطلب أصحاب هذا الفكر إعادة النظر في هذا كله … وتحكيم العقل في هذه المواضيع، ومن دعاة الفكر الاعتزالي الحديث: سعد زغلول الذي نادى بنزع الحجاب عن المرأة، وقاسم أمين مؤلف كتاب "تحرير المرأة والمرأة الجديدة"، ولطفي السيد الذي أطلقوا عليه "أستاذ الجيل"، وطه حسين الذي أسموه "عميد الأدب العربي"، وأتباع المعتزلة الجدد وقعوا فيما وقع فيه أسلافهم، وذلك أن ما يعرضونه إنما الهدف منه أن يظهر الإسلام بالمظهر المقبول عند أتباع الحضارة الغربية والدفاع عن نظامه العام قولًا بأنه إن لم يكن أحسن من معطيات الحضارة الغربية فهو ليس بأقل منها، ولذا فلا بد أن يتعلم الخلف من أخطاء سلفهم ويعلموا أن عزة الإسلام وظهوره على الدين كله هي في تميز منهجه وتفرد شريعته واعتباره المرجع الذي تقاس عليه الفلسفات والحضارات في الإطار الذي يمثله الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح في شمولهما وكمالهما.
[الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب: (1/69-80)، وروضة الناظر بتحقيق د. عبدالكريم النملة: (1/158)].

([13]) ينظر: فواتح الرحموت: (2/366)، الإبهاج في شرح المنهاج: (3/247)، تنقيح الفصول: ص(436)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/398)، المسوَّدة: ص(506، 507)، مناهج العقول: (3/264، 265)، نهاية السول: (4/531،532)، نفائس الأصول: (9/3806، 3807)، تيسير التحرير: (4/185)، العدة: (5/1581)، شرح الكوكب المنير: (4/474-477)، إرشاد الفحول: (3/844، 845).

([14]) هو: محمد بن أحمد بن عبدالعزيز الفتوحي، تقي الدين أبو البقاء، الشهير بابن النجَّار، فقيه حنبلي مصري، من القضاة، ولد سنة 898هـ، وتوفي سنة 972هـ، قال الشعراني: صحبته أربعين سنة فما رأيت عليه شيئًا يشينه، وما رأيت أحدًا أحلى منطقًا منه ولا أكثر أدبًا مع جليسه، له "منتهى الإرادات في جمع المقنع مع التنقيح وزيادات". [ينظر: الأعلام للزركلي: (6/233)].

([15]) هو: محمد بن علي بن محمد بن عبدالله الشوكاني، فقيه مجتهد من كبار علماء اليمن، من أهل صنعاء، ولد بهجرة شوكان، (من بلاد خولان باليمن)، سنة 1173هـ، ونشأ بصنعاء، وولي قضاءها سنة 1229هـ، ومات حاكمًا بها سنة 1250هـ، وكان يرى تحريم التقليد، توفي وله (114) مؤلفًا، منها: "نيل الأوطار من أسرار منتقى الأخبار- ط" ثماني مجلدات، و"فتح القدير- ط" في التفسير خمسة مجلدات، و"الدرر البهية في المسائل الفقهية"، و"إرشاد الفحول- ط" في أصول الفقه، و"السيل الجرار- ط" جزآن في نقد كتاب الأزهار"، و"الدر النضيد في إخلاص كلمة التوحيد-ط" رسالة. [ينظر: الأعلام للزركلي: (6/268)].

([16]) ينظر: شرح الكوكب المنير: (4/474)، إرشاد الفحول: (3/844-845).

([17]) ينظر: إتحاف ذوي البصائر: (8/45، 46).

([18]) -

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-11-24 ||, 08:28 AM
المطلب الثاني: الجواز العقلـــــي([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))

*اختلف العلماء في جواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يوح إليه فيه، على مذهبين([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)):
· المذهب الأول: قالوا: إنه لا يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يُوْحَ إليه فيه.
وذهب إلى ذلك قلة من المعتزلة([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))، وبعض الشافعية، ومن شَذَّ من الحنفية([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
*واستدلوا على عدم جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم بأدلة، من أشهرها:
-الدليل الأول: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قادر على معرفة الحكم بالوحي الذي يفيد العلم قطعًا، وكل من كان قادرًا على العلم القطعي لا يجوز له العمل بالظن.
وعليه: فلا يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم العمل بالظن الحاصل بالاجتهاد.
ويجاب عنه بجوابين:
الجواب الأول: لا يُسَلَّم لكم كون الرسول صلى الله عليه وسلم قادرًا على معرفة الحكم بالوحي؛ لأن الوحي ليس في اختياره، ينزل عليه متى شاء، فلذلك قد يضطر إلى الاجتهاد.
الجواب الثاني: أنه لا مانع من أن يأذن الله سبحانه وتعالى ويأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في بعض الأحيان، وحينئذٍ لا يسعه إلا الانقياد.

-الدليل الثاني: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم نصٌّ قاطع وحجة قاطعة على من سمعه مشافهةً، أو بلَّغه عن طريق التواتر، والاجتهاد لا يفيد إلا الظن؛ لأنه يتطرق إليه احتمال الخطأ فإذا جَوَّزنا الاجتهاد للرسول صلى الله عليه وسلم حصل تضادٌّ بين أمرين، وهما:
- كون قول الرسول صلى الله عليه وسلم يفيد القطع.
- وبين اجتهاده حيث إنه لا يفيد إلّا الظن، فالقطع غير الظن فكيف يجتمعان؟!
ويجاب عن ذلك:
بأن لو قيل للرسول صلى الله عليه وسلم إنّ ظنك علامة على حكم الله سبحانه وتعالى فيكون قد استيقن الظن والحكم معًا.
وعليه: فلا تنافي بين معرفته الحكم بالوحي، ومعرفته إيّاه بالاجتهاد؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما ظن الحكم بالاجتهاد فإنه يقطع بكونه حكم الله سبحانه وتعالى في الحادثة، وذلك على رأي المُصَوِّبة.
ولوجود الفارق بين اجتهاده واجتهاد غيره من أمّته على رأي المخطِّئة فإن اجتهاده صلى الله عليه وسلم لا يقبل الخطأ عند بعضهم، فتكون حصيلته القطع بالحكم.

([1]) أي: بحث مسألة الجواز العقلي في اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نصّ فيه، فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، أي: فهل العقل يجيز ذلك.

([2]) ينظر: الإبهاج في شرح المنهاج: (3/246)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/398)، الوصول إلى الأصول: (2/379-382)، التبصرة: ص(521)، المسائل الأصولية لأبي يعلى: ص(82، 83)، كتاب التلخيص: (3/399، 400)، شرح المنهاج للبيضاوي: (2/823)، نهاية السول: (4/530، 531)، المستصفى: (2/355)، فواتح الرحموت: (2/366)، مناهج العقول: (3/264)، شرح الكوكب المنير: (4/475)، العدة: (5/1578-1581)، تيسير التحرير: (4/183-185)، المسوَّدة: ص(507)، التقرير والتحبير: (3/296)، البحر المحيط: (8/248)، تنقيح الفصول: ص(436)، نفائس الأصول: (9/3814-3815)، روضة الناظر: (3/969-974)، شرح مختصر الروضة: (3/593-595)، شرح اللمع: (2/1091-1095)، المختصر في أصول الفقه لابن اللحام: ص(164)، إرشاد الفحول: (3/845)، تهذيب الأسنوي: (3/244-245)، مسلم الوصول لشرح نهاية السول: (4/530، 531)، الوجيز في أصول التشريع: (503، 504)، إتحاف ذوي البصائر: (8/46، 47).

([3]) منهم: أبو علي الجُبَّائي -رئيس المعتزلة- وابنه أبو هاشم.

([4]) وحُكِيَ عن أبي منصور.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-11-24 ||, 08:35 AM
* المذهب الثاني:
قالوا: بجواز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لم يُوْحَ إليه فيه، وهو قول جمهور الفقهاء والأصوليين والمحدثين.
قال صاحب فواتح الرَّحموت: « لكن عند الحنفية كان مُتَعَبَّدًا -بجواز الاجتهاد- بعد انتظار الوحي إلى خوف فوات الحادثة؛ لأن اليقين لا يترك عند إمكانه فيذهب إلى المظنون وهذا أمر معقول ضروري، وإنكاره مكابرة » ([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
واستدل الجمهور على ذلك بأدلة منها:
-الدليل الأول: أنه ليس بمحال في ذاته، ولا يفضي إلى محال ولا مفسدة فلا يلزم من فرض تعبده صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد شيء من ذلك، وكل ما كان كذلك كان جائزًا عقلًا.
-الدليل الثاني: أن الاجتهاد طريق لأمته، والنبي صلى الله عليه وسلم يشارك أمته فيما لم يرد فيه تخصيص له، أو تخصيص لهم، والاجتهاد قد أمرت أمته به لإيجاد أحكام شرعيته للحوادث المتجددة، لكي تكون الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، فهو صلى الله عليه وسلم يشارك أمته في الاجتهاد ليتم الاقتداء به.
وعليه: فيجوز له الاجتهاد صلى الله عليه وسلم مثل غيره، وليس في العقل ما يحيله في حقه، ويصححه في حق أمته.
* الترجيــــــــح:
والراجح أنه يجوز الاجتهاد للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لا نص فيه فيما يتعلق بالأحكام الشرعية، وهذا ما ذهب إليه جمهور علماء الأمة: من الفقهاء والأصوليين والمحدثين.
وسبب الترجيح:
ضعف القول المخالف في المسألة، والقائلين به شواذّ.
إضافة لضعف أدلتهم وورود المناقشة عليها، وسلامة قول الجمهور من المناقشة؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن مُتَعبّدًا بالاجتهاد لما وقع منه، والوقوع دليل على الجواز.
ويأتي في المسألة الآتية..

([1]) ينظر: فواتح الرحموت: (2/366)، التقرير والتحبير: (3/294)، تيسير التحرير: (4/183).

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-11-25 ||, 09:45 AM
* المطلب الثالث: الوقوع الشرعـــي([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1))

بعد عرض مسألة جواز اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم عقلًا وشذوذ الطائفة المانعة للجواز، فإن الجمهور لما جوَّزوا عقلًا اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم في الأحكام الشرعية اختلفوا في وقوع ذلك منه صلى الله عليه وسلم على قولين([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)):
* القول الأول:
أن الاجتهاد لم يقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهب بعض الحنابلة([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3))، وبعض الشافعية وكثير من المتكلمين([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)).
واستدلوا على ذلك بأدلّة منها:
-الدليل الأول: قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4)) [النجم:3،4].
ووجهة استدلالهم بالآية: أن هذه الآية بينت أن كل ما ينطق به النبي صلى الله عليه وسلم وحيٌ، وعليه فلا يبقى للاجتهاد مجال؛ لأن قوله: (إِنْ هُوَ) راجع إلى النطق، أي إنما ينطق به فهو وحي من عند الله.
ويجاب عن استدلالهم بالآية بجوابين:
الجواب الأول: لا يُسَلَّم لكم عموم الآية حتى تشمل ما ادعيتموه، بل كان ورود هذه الآية ردًّا على ما كان يَتَفَوَّه به الكفار تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وأن ما جاء به من القرآن لم يُوْحَ إليه من عند الله إنما افتراه من عند نفسه، كما أخبر الله تعالى عن فريتهم، بقول: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا (4) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا (5) قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (6))[الفرقان:4-6].
فلا يمكن حمل الآية على العموم؛ لأن بعض ما ينطق به الرسول صلى الله عليه وسلم ليس من الوحي قطعًا، فلا تمنع دلالة الآية أن يتكلم الرسول صلى الله عليه وسلم بغير القرآن أو الوحي.
الجواب الثاني: على فرض التَّسليم بعموم الآية وأنها في جميع ما نطق به الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن وغيره، إلا أن ذلك لا ينفي اجتهاده صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لو كان مُتَعَبَّدًا بالاجتهاد بواسطة الوحي لما كان اجتهاده نطقًا عن الهوى بل كان بالوحي.
وحُكْمُ النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد إمّا صوابٌ من أوَّل الأمر، أو يحتمل الخطأ في بادئ أمره، لكن الله سبحانه وتعالى يرشده إلى الصواب أو يقرّه عليه، فظهر أنه لا يحتمل إلّا الحقّ.
-الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان مأمورًا بالاجتهاد ومتعبدًا به لأجاب عن كل واقعة سئل عنها، ولما انتظر الوحي؛ لأن الاجتهاد هو الوسيلة لمعرفة الحكم فيما لا قاطع فيه لكنه توقف في غير ما حادثة([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)) وانتظر الوحي، فانتظاره الوحي دليل على عدم أمره بالاجتهاد وأنه لم يكن متعبدًا به.
وعليه: فلم يقع منه اجتهاد.
ويجاب عنه: أن توقف النبي صلى الله عليه وسلم عن الاجتهاد في بعض الوقائع والحوادث، وانتظاره للوحي لا يلزم منه عدم تَعَبُّده بالاجتهاد في جميع الحوادث؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يجتهد حال حدوث الحادثة، بل كان ينتظر الوحي فإذا لم ينزل عليه الوحي وخشي الفوات اجتهد، وتأخره قد يكون بسبب السعة في الوقت أو أنه لم ينقدح في ذهنه اجتهاد في حينها، أو لكون المسألة لا تقبل الاجتهاد أو مما نهي فيه عن الاجتهاد.
-الدليل الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان مأمورًا بالاجتهاد لوقع منه ولاستفاض نقله، لكنه لم يستفض النقل عنه، فدلّ على أنه لم يقع منه اجتهاد.
ويجاب عنه: بأن الاجتهاد وقع منه صلى الله عليه وسلم واستفاض، ونقل إلينا بطرق مختلفة تثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم اجتهد في أمورٍ كثيرة، وسبق من الأدلة، ويأتي ما يدل على وقوع الاجتهاد منه صلى الله عليه وسلم .
-الدليل الرابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم لو كان مجتهدًا ووقع منه الاجتهاد لاختلفت اجتهاداته، حالُهُ فيه كحال غيره من المجتهدين، ولو اختلفت اجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم لترتب على ذلك اختلاف أحكامه التي يصدرها، فيتهم بسبب ذلك بتغيُّـر رأيه وبوضع الشريعة، ولكنه لم يتهمه بذلك ولم تتغيَّـر أحكامه.
دلّ ذلك: على أنه لم يقع منه الاجتهاد.
ويجاب عنه: بأن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم مثل اجتهادات غيره تَتَغَيَّـر وتَتَبَدَّل في قضايا متشابهة حتى تُوَجَّه إليه هذه التهمة.
فهو إذ يخطئ صلى الله عليه وسلم في بعض اجتهاداته مما يكون سببًا في تغيير نتائجها، إلّا أنه ينزل عليه الوحي مُصَحِّحًا خطأه.
وبذلك: يكون مجتهدًا من غير أن يصدر منه ما يوجب هذا الاتهام.

([1]) أي: بحث مسألة: هل وقع تَعَبُّدٌ شرعي من النبي صلى الله عليه وسلم باجتهاده في الأحكام الشرعية فيما لم يوحَ إليه فيه وحي؟

([2]) ينظر: شرح مختصر الروضة: (3/595-601)، فواتح الرحموت: (2/366-372)، التقرير والتحبير: (3/256-301)، تيسير التحرير: (4/185-193)، المستصفى: (2/356-357)، البحر المحيط: (8/250-254)، الإبهاج في شرح المنهاج: (3/246-252)، الوصول إلى الأصول: (2/379-382)، الإحكام في أصول الأحكام: (3/399-407)، المسائل الأصولية لأبي يعلى: ص(82، 83)، التبصرة: ص(521-525)، كتاب التلخيص: (3/404-410)، شرح اللمع: (2/1091-1095)، تنقيح الفصول: ص(436)، شرح المنهاج للبيضاوي: (2/823-826)، المسوَّدة: ص(507-510)، العدة: (5/1578-1587)، شرح الكوكب المنير: (4/476-480)، مناهج العقول: (3/265-268)، تهذيب شرح الأسنوي: (3/244-247)، نهاية السول: (4/534-538)، التحصيل من المحصول: (2/281-284)، نفائس الأصول: (9/3807، 3812، 3813، 3815)، إرشاد الفحول: (3/844-847)، روضة الناظر: (3/969-974)، اتحاذ ذوي البصائر: (8/51-63).

([3]) -

([4]) -

([5]) كما في اللعان والظهار.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
15-11-25 ||, 10:04 AM
* القول الثاني:
أن الاجتهاد وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مذهب جمهور العلماء من الحنابلة والشافعية والمالكية وبعض الحنفية.
واستدلوا على ذلك بأدلة، من أشهرها:
-الدليل الأول: عموم قوله تعالى: ( فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) [الحشر:2].
ووجه الدلالة من الآية: أن الله أمر أهل البصائر أن يعتبروا ويقيسوا الأشياء بغيرها، وأن يَرُدُّوا الشيء إلى نظيره، وهو عامٌ لجميع أهل البصائر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى أهل البصائر رتبةً، وأرفعهم منزلة، فهو بالاعتبار أولى؛ لأنه أعرف الناس بما أنزل إليه وأكثرهم اطلاعًا على شرائط القياس، وبما يجوز فيه وبما لا يجوز، وهو أولى المأمورين به، فلو لم يرجح على غيره، فلا أقلَّ من أن يساويهم فيه، وهو واحد ممن شملهم الخطاب، ولو لم يأْتمر لانقدح في عصمته صلى الله عليه وسلم .
-الدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار أبا بكر وعمر رضي الله عنهما لما أَسَروا الأُسارى -يوم بدر- فقال: (( ما ترون في هؤلاء الأُسارى؟ )) فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العمِّ والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قُوَّة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( ما ترى؟ يا ابن الخطى! )) فقال: لا، والله! يا رسول الله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تُمكِّنَّا فنضرب أعناقهم … ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوي رسول الله
صلى الله عليه وسلم ما قاله أبو بكر، ولم يَهْو ما قال عمر، فأنزل الله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) إلى قوله: (فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الأنفال:67-69]، فأحلّ الله الغنيمة لهم. الحديث مختصرًا بنحوه([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
فعاتب الله سبحانه وتعالى نبيه صلى الله عليه وسلم يوم بدر على أخذه الفداء مقابل إطلاق سراح الأسرى، وأنزل الله عليه: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [الأنفال:67].
ولو لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عمل باجتهاده، لما عاقبه الله سبحانه وتعالى؛ لأنه لا عتاب على العمل بالوحي؛ لأنه لا خطأ فيه.
-الدليل الثالث: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( حرَّم الله مكة، فلم تحلَّ لأحدٍ قبلي، ولا لأحدٍ بعدي، أُحِلَّت لي ساعةً من نهار: لا يـُختلَـى خلاها، ولا يُعْضَدُ شجرها، ولا يُنَفَّر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلّا لمُعرِّف ))، فقال العباس رضي الله تعالى عنه: إلّا الإذْخِرُ لصاغَتِنَا وقبورنا. فقال: (( إلّا الإذْخِر )) ([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وفي هذا الحديث دليلٌ على أنه لما بين له الحاجة إلى الإذخر أباحه بالاجتهاد وللمصلحة.
-الدليل الرابع: أن الرسول صلى الله عليه وسلم خطب فقال: (( أيها الناس! قد فرض عليكم الحج فحُجُّوا )) فقال رجل: أكُلّ عامٍ؟ يا رسول الله! فَسَكَت، حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو قلت: نعم لوجبت وَلَمـَا استطعتم )) ([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
قال الإمام النووي([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) رحمه الله: « وأما قوله صلى الله عليه وسلم: (( لو قلت: نعم، لوجبت ))
ففيه دليل للمذهب الصحيح، أنه صلى الله عليه وسلم له يجتهد في الأحكام ولا يشترط في حكمه أن يكون بوحي » ([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)).
وظاهر فعل النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد، ولو لم يكن له الاختيار في الاجتهاد لما قال ما قال.
والأدلة الدالة على وقوع الاجتهاد الشرعي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابتة كثيرة جدًّا.
وكما قال الشوكاني رحمه الله تعالى: « والاستيفاء لمثل هذا يفضي إلى بسط طويل … ، ولم يأت المانعون بحجّة تستحق المنع، أو التوقف لأجلها » ([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
* الترجيــــــــح:
والراجح أن الاجتهاد وقع من الرسول صلى الله عليه وسلم في الأحكام الشرعية، من غير أن يُوحى إليه بوحي.
وهذا هو القول الصواب، وهو ما عليه جماهير علماء المذاهب.
وسبب الترجيح:
وجاهة ما استدل به الجمهور.
وضعف أدلة المخالفين، لما ورد عليها من المناقشة.
إضافة لما فيها من مغالطة للحقائق، ونَسْفٍ لمدلول الوقائع.

([1]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في: كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم، حديث رقم (4563)، (12/307، 308).

([2]) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه، في: كتاب الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر، حديث رقم (1349).
والإذخر، هو: الحشيش الأخضر، وهو حشيش طَيِّب الرِّيح. [ينظر: القاموس المحيط: (1/559)، باب الراء، فصل الذال، مادة "ذخر"].

([3]) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، في: كتاب الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر، حديث رقم (3244)، وهو في المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: (9/105، 106).

([4]) هو: يحيى بن شرف بن مرّي بن حسن الخزامي الحوراني، النّووي (النواوي) الشافعي، أبو زكريا، محي الدين، علّامة بالفقه والحديث، ولد سنة 631هـ في نوا (من قرى حوران بسورية) وإليها نسبته، تعلم في دمشق، وأقام بها زمنًا طويلًا، توفي سنة 676هـ.
كتبه كثيرة مشهورة، منها: "المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج-ط" و"منهاج الطالبين-ط". [ينظر: الأعلام للرزكلي: (8/149-150)].

([5]) ينظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج: (9/106).

([6]) ينظر: إرشاد الفحول: (3/847).

نصرالله محمد نصار
15-11-26 ||, 06:35 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بارك الله فيك على هذا البحث الثمين , والله أسأل أن يكون ذخرا لك في ميزان حسناتك .
أستميحك عذراً . فلقد أوقفتني جملة في البحث جاء فيها


أولاً: كون الاجتهاد فرضُ عين:


وذلك في حالين:
الحال الأولى([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)): اجتهاد المجتهد في حقِّ نفسه فيما نزل به من حادثة؛ لأن المجتهد لا يجوز له أن يُقَلِّد غيره في حقِّ نفسه، كما أنه لا يجوز له أن يُقَلِّد غيره في حق غيره.

_________________________ _________________________ __________
فهنا ذكرت أن المجتهد لا يجوز له أن يقلد غيره سؤاء كان الاجتهاد لمعرفة الحكم له أو لغيره ,وفيها مقال ..
أولاً : ذكر أنواع المجتهدين قبل حكم الاجتهاد عندهم , سؤاء مجتهد المسألة أو المذهب أو المطلق , ثم بيان حكم اجتهاد كل نوع .
ثانياً : المجتهد لا يجوز له أن يترك الحكم الذي توصل له إلا في أربع حالات منها وجوبا ومنها على الاستحباب وهي :
1) اذا ظهر الدليل المستند إليه بأنه أضعف من دليل المجتهد الآخر ففي هذه الحالة يحرم عليه البقاء على رأيه الذي توصل إليه بإجتهاده وهذا ما حصل مع الخلفاء الراشدين عندما يجتهدوا في مسألة ثم يتبين ضعفه , والمشهور أن الإمام على رضي الله عنه أنقد أبو بكر وعمر وعثمان من العديد من القضايا , وقد تركوا رأيهم لرأيه ... .
2)إذا ظهر أن هناك مجتهد أقوي في ربط الواقع بالليل هنا يجوزللمجتهد ترك رأيه له فقد صح عن الشعبي أن أبا موسى الأشعري كان يتركه قوله لقول على رضي الله عنه .
3) أن يتبني الإمام حكما شرعيا , حينئذ يجب على المجتهد ترك رأيه للإمام , فالقاعدة الشرعية تقول : " رأي الإمام يرفع الخلاف " وهو مشور عنذ الشافعي .
4) يجوز ترك الإجتهاد في حال إيرادة جمع كلمة المسلمين , وهذا طلب عبد الرحمن بن عوف عند مبايعة عثمان وعلى , بترك اجتهاد كل واحد وملازمة اجتهاد الشيخين .
وسامحني بارك الله فيك

خولة آل مزاحم
18-04-14 ||, 11:05 PM
السلام عليكم دكتور
عبدالحميد بن صالح الكراني (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد) ، اذا ممكن اريد من بحث الاجتهاد في عصر التشريع المبحث الاول: اجتهاد النبي عليه الصلاة والسلام ، المطلب الخامس والسادس والسابع، لم اجدهم
وجزاكم الله خيرا