المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مثال تطبيقي على مسالك التعليل - بحث محكم وموافق للمطبوع



د. أيمن علي صالح
10-07-07 ||, 03:04 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
كنت قد وعدت الإخوة في موضوع عن السبر والتقسيم بدراسة تطبيقية تخرج عن المألوف المعهود في تطبيق هذا المسلك على مثال الخمر وعلته. فكان إيرادي هذا البحث الأصولي-الفقهي حول علة ضمان العدوان وأثرها في تحديد موجباته في الفقه الإسلامي وفاءً بهذا الوعد، وقد كنت كتبته ونشرته في مجلة محكمة عام 2002م، وقد قمت بمراجعته مع تعديل أحرف يسيرة منه اليوم، وها أنا ذا أضعه لا بين يدي طلبة العلم فحسب بل أطمع في مناقشات مشايخنا الكرام وتوجيهاتهم وانتقاداتهم.
وبغض النظر عن النتائج التي توصل إليها البحث في موضوع الضمان، فهو يمثل طريقة سلسة لتقصيد الفقه الإسلامي وإخراجه من دائرة العرض الجزئي إلى دائرة العرض الكلي، ومن دائرة التفريع إلى دائرة التقعيد. وهو يوقفنا بحق على مدى أهمية تحقيق مقصد الحكم في ضبط فروعه ومتعلقاته.
والبحث في المرفقات بصيغ: وورد، وبي دي إف، وبوك للشاملة، وهو موافق للمطبوع (ترقيم الصفحات الحقيقي داخل متن البحث)
وهو كذلك على موقع ميديا فاير على الرابط التالي:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد


وفيما يلي ملخص البحث وخاتمته


حكمة ضمان الفعل الضار وأثرها في تحديد موجباته في الفقه الإسلامي
د.أيمن صالح
مجلة مؤتة للبحوث والدراسات
المجلد (17) العدد (4) 2002م
تصدر عن جامعة مؤتة/الكرك/الأردن

ملخص




هدف هذا البحث إلى تحديد الأفعال الموجبة لضمان الفعل الضار وضبطها ، وذلك عن طريق استثمار القاعدة الأصولية القاضية بشرطية كون سبب الحكم مظنة لحكمته . ومن هنا فقد قام الباحث
أولا : بإثبات عدم انضباط سبب الضمان في الممارسة الفقهية .
ثانيا : بالبحث عن حكمة الحكم بالضمان بالمسالك الأصولية .
ثالثا : بتطبيق قاعدة لزوم كون سبب الحكم مظنة لحكمته .
رابعا : بالوصول إلى رأي في عدد من الأفعال التي اختلف الفقهاء في كونها توجب الضمان على فاعلها أو لا .




خاتمة البحث

وبعد :
فالذي أردناه من هذا البحث أمران :
أحدهما : أن نضع معيارا عاما ، لضبط الأفعال الموجبة للضمان ، لا سيما أنه تعْسُر الإحاطة بهذه الأفعال بأفرادها ، إذ هي كثيرة ومتناثرة ومتشعبة ومدار خلاف في كتب الفقه الإسلامي. وقد كان ذلك عن طريق الوقوف على حكمة الحكم بالضمان بالمسالك الأصولية ثم استثمار هذه الحكمة بإعمالها في السبب الموجب للضمان ، عن طريق القول بأنه لا بد لكل فعل يوجب الضمان أن يكون مظنة لتحقق حكمة الضمان فيه .
والأمر الآخر : أن نعرض أمام الباحثين الجادين والمنفتحين والمؤمنين بضرورة تجديد الفقه الإسلامي نموذجا تطبيقيا يُبرز جانبا من معالم التجديد الذي ندعو إليه ، وهي :
1. العرض القواعدي للفقه أو تنظير المادة الفقهية .
2. التوسع في النظر إلى العلل أو قل : (( مقاصد الأحكام )) بالاستنباط أولا ، وبالتوظيف ثانيا. وأعني بالتوظيف : إعمال الحكمة في تحديد المدى الفروعي الذي يتناوله وينطبق عليه الحكم .
3. نبذ التقليد والتعصب والتقديس لآراء القدماء مع تقديرنا الكامل لهذه الآراء وأصحابها .
وأنا على ثقة من أن المتأمل في محاولتنا هذه أدرك أنا لم نأت فيها ببِدْعٍ من القول ، بل كل الذي عملناه هو أنا جددنا شيئا من (( التراث ))بشيء من (( التراث )) ، وشذَّبنا شيئا من (( الفقه )) بـشيء من (( الأصول )) ، وأعملنا (( المقاصد )) التي ذكرها الأقدمون في (( الأحكام )) التي استخرجوها. وهذا يعني ، وبلا ريب ، أنا ندين لهم بالفضل كله . وما أحسن ما قال ابن المقفع : (( لِيعْلَمِ الواصفون المخبرون أن أحدهم ـ وإن أحسن وأبلغ ـ ليس زائدا على أن يكون كصاحب فُصوص وجد ياقوتا وزبرجدا ومرجانا ، فنظمه قلائد وسُمُوطا وأكاليل ، ووضع كل فصٍّ موضعه ، وجمع إلى كل لون شِبهه ، وما يزيده بذلك حسنا . فسُمي بذلك صانعا رفيقا . وكصاغة الذهب والفضة : صنعوا منها ما يعجب الناس من الحِلي والآنية . وكالنَّحل وجدت ثمراتٍ أخرجها الله طيبةً ، وسلكت سُبُلاً جعلها الله ذُللاً ، فصار ذلك شِفاء وطعاما وشرابا منسوبا إليها ، مذكورا به أمرُها وصنعتها . فمن جرى على لسانه كلامٌ يَستحسِنه أو يُستحسن منه ، فلا يعجبَّن إعجابَ المخترع المبتدِع ؛ فإنه اجتناه كما وصفنا ))([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).


والله تعالى أعلم وأحكم، و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وكتبه د. أيمن صالح عام 2001م،
وراجعه وعدل أحرفا يسيرة منه 2010م



([1]) ابن المقفع : الأدب الصغير ، تحقيق أحمد زكي باشا ، دار ابن حزم ، بيروت ، ط1 ، 1414هـ=1994م ، ص30 .

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-07-07 ||, 05:23 PM
جزاكم الله خيرا شيخنا الكريم ، وأحسن إليكم وأثابكم على صنائعكم...

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-07-09 ||, 12:15 AM
بارك الله فيكم ونفع بكم

يحيى رضا جاد
10-07-09 ||, 01:18 AM
تم التحميل .. أما مناقشة ما فيه فحين أفرغُ قريباً لقراءته ثم أقيد بعض تعليقاتي وتفاعلاتي معه ثم أعرضها عليكم .. فلا تعجل .. أسأل الله أن يعينني على ذلك؛ لكثرة ما بيدي من أشغال

كما أسأله سبحانه أن يعينكم على مهمة الإشراف التي كُلفتُم بها من الموقع .. وأنت أهل لها .. وجدير بها .. أدبٌ وعلمٌ وذكاءٌ وفطنةٌ وسعةُ صدر .. "وقليل ما هم" .. بارك الله فيك .. وأعانك على مهمة الإشراف هذه.

طارق موسى محمد
10-07-10 ||, 04:32 PM
تم التحميل
وجزاكم الله خيرا

محمد بن علي بن مصطفى
10-07-11 ||, 12:29 PM
بارك الله تعالى بكم وأمدكم بمزيد من التوفيق والعلم النافع في الدنيا والرافع في الآخرة

د. أريج الجابري
10-07-11 ||, 05:56 PM
جزاكم الله خيراً.

أحمد محمد عروبي
10-07-12 ||, 03:05 AM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
بداية أهنؤك بثقة الملتقى فيك وأعانك الله على المهمة وأنت أهل لها إن شاء الله...
ثم شكرا لك على هذه المبادرة في عرض مثل هذه البحوث الجريئة للمناقشة والحوار حولها، وقد قرأت البحث ووجدت فيه اجتهادا ملحوظا ورغبة قوية في اقتحام المشكلات العلمية بنظر علمي متجدد...
وطبعا على تقدمت به ملاحظات ومناقشات أرجو أن يتسع صدرك لها كما هو الظن بك إن شاء الله

د. أيمن علي صالح
10-07-12 ||, 07:19 AM
أشكر الإخوة الكرام على تفاعلهم وتفضلهم بإبداء الاهتمام بالبحث ووتحميلهم إياه وقراءتهم له. وأرحب بالتعليقات على مادة البحث والمناقشات والانتقادات التي وعد بعض الإخوة بإيرادها لا سيما الأخوان الفاضلان يحيى جاد وأحمد عروبي كائنا ما كانت، فهي لا شك ستثري البحث وتحسن من مستواه

أحمد محمد عروبي
10-07-15 ||, 03:20 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد
إلى أخي الدكتور أيمن وفقه الله
يمكن إدخال موضوع البحث في إطارالنظر المقاصدي وخصوصا في دور المقاصد في الترجيح أو حصر الخلاف وتقليله، وهي دعوة الشيخ ابن عاشور رحمه الله من قبل في كتاب المقاصد، ولا شك أن هذا النظر يحتاج إلى بحوث عميقة ومتأنية حتى يعطي ثماره المرجوة.
وما قمت به في البحث هو من هذا السبيل عموما، ولكنه يعوزه بعض الدقة العلمية في رأيي، وما سأعرضه من ملاحظات يأتي في هذا الاتجاه أعني تمحيص المنهج العلمي بعد الاتفاق المبدئي على الهدف .

ونحدد عناصر المباحثة في ما يلي :
أولا : في التخريج الأصولي لحكم الضمان
ثانيا : في دعوى عدم انضباط سبب الضمان
ثالثا : في دعوى اعتبار مسالك العلة هي مسالك الحكمة
رابعا : في النظر في تحديد الحكمة أو المقصد
خامسا : في نتائج التحديد
ويأتي البحث في هذه العناصر تباعا إن شاء الله

أحمد محمد عروبي
10-07-15 ||, 09:14 PM
الكلام في هذا العنصر في النقط التالية :

1- بحثك في هذا العنصر لم يكن له أثر في الموضوع فلم تكن في حاجة إليه، وخصوصا بالطريقة التي سقته بها، إذ لم يعد أن يكون خلافا لفظيا ، فالقضية واحدة سواء نظر إليها من جهة الحكم كما عند الغزالي أو من جهة متعلقه كما في تعريف الفقهاء عموما أو من جهة أثر الحكم كما اخترته أنت.يؤكد هذا قولك بعد في خلاصة : "وعلى أية حال ، فضمان الفعل الضار أثرٌ لحكم شرعي نوعه الإيجاب ، ومتعلق هذا الحكم من فعل المكلف هو الأداء أو الإعطاء أو الرد للمثل أو القيمة "
2- على أن تلك الصياغة غير محررة أصوليا فقد جعلت الضمان أثرا للحكم ولكن الصحيح أنه أثر لسبب الحكم وهو التعدي أو التسبب في ذلك،و متعلق الحكم إنما هو الضمان نفسه أما ماجعلته متعلقا فما هو إلا تفسير للضمان الذي يعني رد المثل أو القيمة...
3- ثم عنايتك كان يجب أن تنصب على تصنيف حكم الضمان لانه هو الذي يفيدك في البحث، ولو أنك أشرت إليه إشارة خفيفة غير كافية، وبيان ذلك :
أن حكم الضمان يندرج في خطاب الوضع لا في خطاب التكليف ومعلوم أن خطاب الوضع لا يشترط فيه العلم والقدرة والقصد كما حرره القرافي رحمه الله في الفرق 26 من كتاب الفروق
ولا يخفى ما يترتب على هذا التصنيف كما سيأتي بيانه إن شاء الله
والله أعلم

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-07-15 ||, 11:59 PM
متابعٌ لهذه المقابسات باهتمام شديد!

د. أيمن علي صالح
10-07-17 ||, 07:05 AM
أشكرك أخي الفاضل أحمد عروبي على هذه الإيرادات والملاحظات التي تدل على عمق في النظر ومنهجية مستقيمة في البحث.
قولكم بارك الله فيكم:

بحثك في هذا العنصر لم يكن له أثر في الموضوع فلم تكن في حاجة إليه، وخصوصا بالطريقة التي سقته بها، إذ لم يعد أن يكون خلافا لفظيا ، فالقضية واحدة سواء نظر إليها من جهة الحكم كما عند الغزالي أو من جهة متعلقه كما في تعريف الفقهاء عموما أو من جهة أثر الحكم كما اخترته أنت.يؤكد هذا قولك بعد في خلاصة : "وعلى أية حال ، فضمان الفعل الضار أثرٌ لحكم شرعي نوعه الإيجاب ، ومتعلق هذا الحكم من فعل المكلف هو الأداء أو الإعطاء أو الرد للمثل أو القيمة "
أوافقك الرأي على أن بحث هذه القضية على وجه التحديد لا أثر له في البحث ونتائجه، وأن الخلاف في تعريف الضمان لا يعدو كونه خلافا لفظيا على هيئة ما يختلف فيه العلماء في الحدود قديما وحديثا.
أما كونه لا حاجة إليه، فهذا غريب لأنه لا يحسن الخوض في المسألة دون تمهيد للقارئ نعرف من خلاله بمفاهيم البحث التي سنتناولها فيما بعد. وبما أن البحث يبحث في الضمان وأحكامه، كان من المناسب أن أمهد في تعريف الضمان وبيان ما ينطوي عليه من حكم وضعي هو السبب وحكم تكليفي وهو رد المثل أو القيمة. إلا أن يكون قصدك ـ وهذا ما إخاله ـ أنه لا حاجة إلى التطويل في بيان حقيقة الضمان هل هو أثر(التزام)، أو حكم (واجب دفع العوض) أو فعل للمكلف (دفع العوض)، فهذا استطراد أوافقك على عده فضلة في البحث، وقد كان من الممكن إيراده في الحاشية.
ولكني لَمَّا وجدت تعريفات الفقهاء متباينة نوعا مالم أشأ أن أوردها ساكتا عليها لِما قد يسببه هذا من حيرة لدى القارئ فكان ما كان من تعليق وترجيح لأحد هذه التعريفات وهو تعريف الضمان بكونه التزاما.
قولكم بارك الله فيكم:

على أن تلك الصياغة غير محررة أصوليا فقد جعلت الضمان أثرا للحكم ولكن الصحيح أنه أثر لسبب الحكم وهو التعدي أو التسبب في ذلك،و متعلق الحكم إنما هو الضمان نفسه أما ماجعلته متعلقا فما هو إلا تفسير للضمان الذي يعني رد المثل أو القيمة.

قبل أن أناقش حقيقة الضمان هنا أود عرض الفكرتين التاليتين، حتى تتضح المسألة للقراء:
أولا: الحكم التكليفي هو أثر من آثار الحكم الوضعي (السبب) كما في الأمثلة التالية:

حكم وضعي (===يؤدي===) حكم تكليفي
دلوك الشمس (===يؤدي===) وجوب صلاة الظهر
شرب الخمر (===يؤدي===) وجوب الحد
التعدي المسبب للضرر (===يؤدي===) وجوب رد المثل أو القيمة.

ثانيا: الحكم الوضعي والتكليفيى كلاهما يتحلل إلى مفهومين: نوع الحكم ومتعلق الحكم كما في الأمثلة التالية:
سببية دلوك الشمس لوجوب صلاة الظهر
يشتمل على حكمين:
سببية دلوك الشمس، وهو حكم وضعي
وجوب صلاة الظهر، وهو حكم تكليفي
وهذان الحكمان يتحللان إلى مفهومين آخرين:
فسببية دلوك الشمس تتحلل إلى نوع الحكم وهو: سبب ، ومتعلق الحكم وهو دلوك الشمس.
ووجوب صلاة الظهر يتحلل إلى نوع الحكم وهو وجوب، ومتعلق الحكم وهو فعل صلاة الظهر.
وفيما يتعلق بالضمان الناجم عن التعدي يمكننا ملاحظة الحكمين التكليفي والوضعي وتحليلهما على النحو التالي:
أولا: الحكم الوضعي: سببية التعدي
وهي تتحلل إلى نوع الحكم: وهو سبب وإلى متعلق الحكم وهو التعدي
ثانيا: الحكم التكليفي: وجوب دفع العوض (=المثل أو القيمة)
وهو يتحلل إلى نوع الحكم وهو وجوب، وإلى متعلق الحكم، وهو دفع العوض (فعل المكلف).
إذا اتفقنا على ما سبق... فما هو الضمان بالضبط؟؟
هل هو الحكم التكليفي أي واجب دفع العوض كما قال الغزالي؟
أو هو متعلق الحكم التكليفي (فعل المكلف) وهو دفع العوض كما قال البركتي وغيره؟
أو لا هذا ولا ذاك، وإنما هو أثر يتوسط بين السبب والحكم التكليفي، فالتعدي يُسبِّب الضَّمان والضمان بعد ذلك يلزم عنه الحكم التكليفي بوجوب دفع العوض. وهذا يشبه كون البيع سببا في الملكية، ومن أثر الملكية جواز التصرف بالمبيع واستعماله واستغلاله. ويشبه أيضا كون الحيض سببا للحدث ومن أثر الحدث تحريم الصلاة ومس المصحف وغير ذلك؟
التخريج الأخير ينسجم مع ما مال إليه المحدثون كالخفيف والزرقا وغيرهم من تعريف الضمان بكونه "التزاما بدفع العوض"، والمعني بكون التزاما شغل الذمة بدفع العوض.
هذه ثلاثة مناحي في تصوير حقيقة الضمان، وقد كنت رجحت المنحى الأخير في البحث، وارتضيت تعريف الضمان بكونه التزاما.
أما الآن، وبعد إنعام النظر، فيبدو لي أن تعريف الضمان بفعل المكلف الذي هو دفع العوض هو أقرب إلى توصيف استعمال كلمة ضمان في تعريف الفقهاء لا سيما في باب الضمان الناجم عن الفعل الضار (التعدي).
وذلك أن الفقهاء عادة ما يقولون هذا يجب فيه الضمان، أو هذا لا ضمان فيه ونحو هذا من العبارات. وتقدير دفع العوض بدل كلمة الضمان في هذه الاستعمالات أفضل وأوفق من تقدير كلمة الالتزام.
أما فيما يتعلق بما أوردتُه في البحث من تحليل للضمان فقد كنت أتصوَّر أن التعدِّي سبب في وجوب دفع العوض. وعن هذا الوجوب نشأ الالتزام وشغل الذمة الذي هو الضمان على رأي المحدثين. وهذا التحليل ممكن أيضا ومثاله: دلوك الشمس الذي ينشأ عنه وجوب الصلاة، وعن هذا الوجوب ينشأ انشغال الذمة
فهذه التحليلات كلها ممكنة ولا وجه لتخطئة بعضها وتصويب بعضها الآخر إذا ارتضينا تعريف الضمان بكونه التزاما.
ولكني كما قلت وبحكم الاستعمال الفقهي أميل الآن إلى تعريف الفقهاء للضمان بكونه نفس فعل المكلف بدفع العوض. لأن غرضنا هنا أن نُوصِّف المصطلح في الاستعمال الفقهي لا أن نقترح اصطلاحا واستعمالا جديدين له والله أعلم.
قولك:

ثم عنايتك كان يجب أن تنصب على تصنيف حكم الضمان لانه هو الذي يفيدك في البحث، ولو أنك أشرت إليه إشارة خفيفة غير كافية، وبيان ذلك :
أن حكم الضمان يندرج في خطاب الوضع لا في خطاب التكليف ومعلوم أن خطاب الوضع لا يشترط فيه العلم والقدرة والقصد كما حرره القرافي رحمه الله في الفرق 26 من كتاب الفروق. ولا يخفى ما يترتب على هذا التصنيف كما سيأتي بيانه إن شاء الله

الضمان كما في تحليلي هنا وفي البحث ليس من خطاب الوضع المحض ولا من خطاب التكليف المحض، بل هو كغيره يشتمل على كلا الخطابين والحكمين.
فمن جهة التكليف يشتمل على حكم وجوب دفع العوض، ومن جهة الوضع هو قائم على سبب عام وهو "التعدي المسبب للضرر". أما شيوع القول بأن الضمان هو من خطاب الوضع لا من خطاب التكليف فهذا إنما يقصد به الفقهاء سبب الضمان الذي هو التعدي، ولا يقصدون به الحكم التكليفي بدفع العوض.
والضمان في هذا لا يختلف عن الزكاة مثلا، فسبب الزكاة هو من خطاب الوضع على رأي الجمهور لذلك فهي تجب في مال الصبي، أما نفس إخراج الزكاة فهو من خطاب التكليف. وكذلك الضمان سببه من خطاب الوضع، ولذلك فهو يجب على النائم والصبي وغيرهم مما لا تكليف عليهم، ولكن دفع العوض هو من خطاب التكليف لذلك هو يجب على النائم بعد استيقاظه وعلى الولي من مال الصبي.
وهاهنا أوافقك الرأي بأنه كان من الأفضل التفصيل أكثر في هذه الجزئية حتى يتبين للقراء المقصود بقولهم أن الضمان من خطاب الوضع.
أفدتم وأحسنتم بارك الله فيكم، ونحن بانتظار باقي ملاحظاتكم

أحمد محمد عروبي
10-07-18 ||, 06:28 PM
أشكرك على حسن فهمك وتواصلك، فقد فهمت المقصود وعقبت بالمفيد، فإلى العنصر الثاني بتوفيق الله المجيد:
ثانيا : في دعوى عدم انضباط سبب الضمان
ادعيت أن سبب الضمان غير منضبط بدليل كثرة الاختلاف، ثم ادعيت أن الضبط ممكن بشرطية تحقق الحكمة في السبب، فهما دعويان فيهما نقاش
أما الدعوى الأولى فلا تسلم بإطلاق لأمور :
أحدها : أن ما جئت به من الأمثلة لا يدل على كثرة الاختلاف لاننا عند التأمل وجدنا أن بعضها خلاف شاذ أو ضعيف كضمان المضطر وضمان غير المميز ، نعم تدل على وجود الاختلاف وهذا لا يلزم منه عدم انضباط سبب الضمان الذي بنيت عليه البحث
الثاني : أن كثرة الاختلاف إن سلمت لا تستلزم عدم انضباط السبب وإلا للزم ذلك في أكثر الأسباب التي الخلاف في أحكامها مشهور ومعروف كالزكاة والزنى والسرقة ...
الثالث : السر في ذلك أن الاختلاف في تلك المسائل كان في التنزيل وليس في التأصيل ، إذ بعد اتفاقهم في التأصيل - ككون سبب الضمان هو التعدي مثلا - يأتي الاختلاف الطبيعي بل والضروري في التنزيل لانه يتوقف على وجود شرطه وانعدام مانعه وأيضا عدم التعارض مع قاعدة أو قواعد أخرى حيث يقع التنازع على الفرع أي القواعد أخص به ، أما الخلاف في التأصيل فهو الذي في نظري يحتاج إلى الضبط بالنظر المقاصدي أو بطريق آخر، كاختلافهم مثلا في تعليل الأشياء الستة الربوية.
الرابع : أن سبب الضمان من أكثر الأسباب انضباطا عند الفقهاء فلا يصح دعوى عدم انضباطه ، يؤكد ذلك قول الإمام القرافي رحمه الله في الفروق فرق 211 : " اعلم أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة لا رابع لها أحدها العدوان كالقتل والإحراق وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات فمن تعدى في شيء من ذلك وجب عليه الضمان إما المثل إن كان مثليا ، أو القيمة إن كان مقوما ، أو غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق بين قاعدة الزواجر والجوابر ، وثانيها التسبب للإتلاف كحفر الآبار في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر ، أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض ...وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على أن التسبب موجب للضمان ...وثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة وقولي " ليست بمؤتمنة " خير من قولي اليد العادية فإن اليد العادية تختص بالسراق والغصاب ونحوهم ، وتبقى من الأيدي الموجبة للضمان قبض بغير عدوان بل بإذن المالك كقبض المبيع ، أو بقاء يد البائع فإنه من ضمان البائع قبل القبض ومن ضمان المشتري بعد القبض مع عدم العدوان وكقبض المبيع بيعا فاسدا فإنه من ضمان المشتري عندنا بالقيمة إذا تغير سوقه ..."أنوار البروق في أنواع الفروق - (ج 4 / ص 226)

وأخيرا كان ينبغي في نظري ، إذ اخترت هذا النموذج للبحث ، ان تحقق النظر في مسألة واحدة مما يحتاجه الواقع اليوم لتخرج فيها بنتائج نافعة كضمان الضرر المعنوي الذي عمت به البلوى اليوم
والله أعلم
هذا في الدعوى الأولى
نأتي إلى الدعوى الثانية
إن شاء الله

د. أيمن علي صالح
10-07-19 ||, 07:21 AM
أحسنت بارك الله فيك
قولكم أخي الكريم:

ثانيا : في دعوى عدم انضباط سبب الضمان
الانضباط أمر نسبي، فلا يوجد سبب غير منضبط مطلقا، إذ تسميتنا له بالسبب تسليم بأنه منضبط إلى درجة ما تخولنا إطلاق اسم السبب عليه، لأن السبب كما لا يخفاكم، هو "وصف ظاهر منضبط...الخ".
وأنا لم أدَّع عدم انضباط سبب الضمان بالمطلق، وإنما أشرت إلى أنه يقوم على أوصاف ثلاثة: "عامة وغير منضبطة بالقدْر المطلوب"، لاحظ لازم عبارة "بالقدر المطلوب". وقلت أيضا: "لوكان هذا السبب أكثر انضباطا مما هو عليه لما كان الخلاف بهذا الحجم"، فقولي: "أكثر انضباطا" يشير بوضوح إلى أني أفترض في سبب الضمان أنه منضبط إلى حد ما، والمراد هو مزيد ضبط فيه لتقليل الخلاف.
نعم قلتُ في العنوان الجانبي: " عدم انضباط أو سيولة سبب الضمان" وقلت في عنوان آخر: "السبيل إلى ضبط سبب الضمان"، ولعل هذا هو ما أوهم أني أزعم أن سبب الضمان غير منضبط بالمطلق. لكن الإنصاف يقتضى حمل مطلق كلامي على مقيده، لا سيما أن العناوين الجانبية تقوم على الاختصار.
والخلاصة هو أني أقول بانضباط سبب الضمان بالحد الذي يجعله صالحا لأن يكون سببا، ولكني ـ بإعمال المقصد ـ أنشد مزيد ضبط فيه لتقليل الخلاف.

قولكم أخي الكريم:


أحدها : أن ما جئت به من الأمثلة لا يدل على كثرة الاختلاف لاننا عند التأمل وجدنا أن بعضها خلاف شاذ أو ضعيف كضمان المضطر وضمان غير المميز ، نعم تدل على وجود الاختلاف وهذا لا يلزم منه عدم انضباط سبب الضمان الذي بنيت عليه البحث
ما أوردتُه ما هو إلا أمثلة أخي الكريم، فأنا لم استقص. وبعض هذه المسائل أفرد بالتصنيف وسُوِّد في الخلاف فيها الكثير من الصفحات، ومنها أمات في مسائل الضمان: كالتعسف، وضمان العجماء وصور تعارض السببية مع المباشرة، وتكفيك نظرة إلى كتب تعرض مسائل الضمان عرضا مقارنا لتقف على عشرات المسائل الجزئية الأخرى التي اختلفت فيها أقوال الفقهاء. فالخلاف موجود لا ينكر، وحجمه كبير نسبيا مقارنة بغيره من الأبواب. وضعفه في بعض المسائل لا يلغيه، هذا إذا سُلِّم بأن الخلاف فيها ضعيف كما تفضلت، إذ بنيت الضعف على قلة الذاهبين إلى القول المخالف، والحقيقة أن الضعف ينظر فيه إلى الدليل بغض النظر عن عدد وهوية من ذهب إلى الرأي المخالف.

قولكم أخي الكريم:

الثاني : أن كثرة الاختلاف إن سلمت لا تستلزم عدم انضباط السبب وإلا للزم ذلك في أكثر الأسباب التي الخلاف في أحكامها مشهور ومعروف كالزكاة والزنى والسرقة
هذا مبني على افتراض أني أقول بعدم انضباط سبب الضمان مطلقا، وقد بينت أن هذا ليس مقصودي وإن أوهمت بعض عبارتي ذلك، فهذا مما أعتذر منه وسأعمل على تعديله إن شاء الله تعالى.

قولكم أخي الكريم:

الثالث : السر في ذلك أن الاختلاف في تلك المسائل كان في التنزيل وليس في التأصيل ، إذ بعد اتفاقهم في التأصيل - ككون سبب الضمان هو التعدي مثلا - يأتي الاختلاف الطبيعي بل والضروري في التنزيل لانه يتوقف على وجود شرطه وانعدام مانعه وأيضا عدم التعارض مع قاعدة أو قواعد أخرى حيث يقع التنازع على الفرع أي القواعد أخص به ، أما الخلاف في التأصيل فهو الذي في نظري يحتاج إلى الضبط بالنظر المقاصدي أو بطريق آخر، كاختلافهم مثلا في تعليل الأشياء الستة الربوية
الخلاف في التنزيل غالبا ما ينجم عن نقص أو عدم وضوح في التأصيل، فكلما كان التأصيل أوضح كان التنزيل أسهل وأضبط. وهذا أظهر من أن يستدل عليه. وما قمنا به هو سعي في التأصيل بزيادة وصف في سبب الضمان وهو كونه مظنة لحكمته التي استخرجناها بالسبر، وهذا من شأنه أن يقلل الخلاف كما ذكرت أنت عن ابن عاشور وسلمته في بداية ملاحظاتك.
أما قولك بارك الله فيك أن الخلاف في التنزيل إنما سببه الخلاف في التحقق من وجود الشرط وانتفاء المانع، وتنازع القواعد فهذا حق لكنه لا ينفي أيضا أن الخلاف قد يكون سببه ما ذكرنا من قلة الضبط وعدم الوضوح. وبرهانه أنه مع الضبط بالحكمة ـ إذا سُلِّم ـ ظهر لنا أن لا وجه للخلاف في كثير من المسائل. ثم لا تنس أن الخلاف في الشرط والمانع، وهما من أوصاف السبب، قد يكون في الاعتبار لا التحقق، أي في التأصيل لا التنزيل.

قولكم بارك الله فيكم:

الرابع : أن سبب الضمان من أكثر الأسباب انضباطا عند الفقهاء فلا يصح دعوى عدم انضباطه، يؤكد ذلك قول الإمام القرافي رحمه الله في الفروق فرق 211 : " اعلم أن أسباب الضمان في الشريعة ثلاثة لا رابع لها أحدها العدوان كالقتل والإحراق وهدم الدور وأكل الأطعمة وغير ذلك من أسباب إتلاف المتمولات فمن تعدى في شيء من ذلك وجب عليه الضمان إما المثل إن كان مثليا ، أو القيمة إن كان مقوما ، أو غير ذلك من الجوابر على ما تقدم في الفرق بين قاعدة الزواجر والجوابر ، وثانيها التسبب للإتلاف كحفر الآبار في طرق الحيوان في غير الأرض المملوكة للحافر ، أو في أرضه لكن حفرها لهذا الغرض ...وللسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة منها متفق عليه ومنها مختلف فيه لكن حصل الاتفاق من حيث الجملة على أن التسبب موجب للضمان ...وثالثها وضع اليد التي ليست بمؤتمنة
أولا: أود التنبيه هنا إلى أن القرافي مزج في كلامه بين ضمان الفعل الضار وضمان العقد. وبحثنا هنا إنما هو في ضمان الفعل الضار خاصة. ثم هو قسَّم أسباب ضمان الفعل الضار إلى نوعين: أحدهما ما سماه: العدوان، ويقصد به التعدي بالمباشرة، والثاني: ما سماه التسبيب للإتلاف وهو يقصد بذلك التعدي بالتسبب. والحاصل هو سبب واحد وهو التعدي الذي قد يكون مباشرة أو تسببا كما أوضحه المعاصرون ممن كتبوا في الضمان.
ثانيا: ليس في كلام القرافي ما يشير إلى أن سبب الضمان من أكثر الأسباب انضباطا كما أردتَّ إثباته: أما تعداده للأسباب وقوله بأنه "لا رابع لها" فلأن انحصار الأسباب ليس دليلا على شدة الضبط وكثرته، لأنا حصرناها في سبب واحد ومع ذلك قلنا بأنه غير منضبط بالقدر المطلوب. واعتبِر ذلك بحصر أسباب رخصة الفطر من السفر والمرض والحمل والكبر فهذا لا ينفي عدم الانضباط في سبب المرض مثلا ولذلك اضطر الفقهاء إلى ضبطه بأوصاف ذكروها. أما دعواه الاتفاق على وجوب الضمان بالتسبب من حيث الجملة فهذا ضد المدعى لا معه، لأنه نص أن "للسبب الموجب للضمان نظائر كثيرة" فأثبت كثرة المسائل في هذا الباب، ثم قال: "منها متفق عليه ومنها مختلف فيه" فأثبت الخلاف في جانب منها، والجانب من الكثير كثير، وهو يوحي بقلة الضبط والله أعلم.

قولكم أخي الكريم

وأخيرا كان ينبغي في نظري ، إذ اخترت هذا النموذج للبحث ، ان تحقق النظر في مسألة واحدة مما يحتاجه الواقع اليوم لتخرج فيها بنتائج نافعة كضمان الضرر المعنوي الذي عمت به البلوى اليوم
مسألة الضرر المعنوي كتب فيها الكثير وأفردت فيها التصانيف، وما احتجنا إلى بيانه منها أشرنا إليه في ثنايا البحث وبيَّنا ما ينسجم منه مع حكمة الضمان. والبحث غير مسوق لتحقيق المسائل الجزئية، وإنما لبيان أثر المقصد في ترجيح أحد القولين في هذه المسائل، وهذا ما وفينا به ولو بالاختصار والله أعلم.
استمتعت واستفدت من ملاحظاتكم بارك الله فيكم، وبانتظار المزيد.

أحمد محمد عروبي
10-08-15 ||, 05:24 PM
للرفع والمتابعة إن شاء الله

راية المجد
12-04-08 ||, 09:07 PM
وفقكم الله لما يحبه ويرضاهـ
ونفع الله بكم الأمة