المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاجتهاد والواقع المعاصر- لشيخنا الدكتور عبدالرحمن الخميسي



محمد بن فائد السعيدي
08-03-31 ||, 09:45 AM
كيف تقيمون واقع حركة الاجتهاد في عصرنا؟


لشيخنا الدكتور عبدالرحمن بن إبراهيم الخميسي
أستاذ الحديث وعلومه في جامعة صنعاء وجامعة الإيمان

حركة الاجتهاد لم تتوقف منذ عصر النبوة إلى الآن ولا تزال مستمرة -حتى وإن حاول البعض إيقافها في بعض العصور- فإنها ستستمر ما بقي في الأمة علماء شرعيون ربانيون وما بقيت مستجدات ليس فيها نص بعينه، وحتى في ظل غياب العلماء الربانيين فإن هذه الحركة لا تتوقف غير إنها تسير في غير اتجاهها الصحيح كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك في قوله: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا» متفق عليه.

بنظرة فاحصة دقيقة في قضايا الأمة المعاصرة والاجتهادات المصاحبة لها ومصادر هذه الاجتهادات، نجد أنها قضايا كثيرة متنوعة تكاد أن تشمل جوانب الحياة كلها، إذ ما من قضية من هذه القضايا إلا وتجد فيها التأصيل العلمي الشرعي القائم على الأدلة من الكتاب والسنة بما لا يدع أي مجال للشك فيها.

ومن جانب آخر نجد أن مصادر هذه الاجتهادات لم يعد مقصوراً على جهة معينة كما هو الحال في السابق (أي من الدولة)، بل صار الاجتهاد يمارس من جهات متعددة حكومية وغير حكومية وهيئات وأفراد، فمن ذلك على سبيل المثال المجامع الفقهية المنتشرة في مصر والشام والجزيرة العربية ولجنة الفتوى بالأزهر الشريف، والمجلس الأوروبي، ومواقع الإنترنت الكثيرة التي يشرف عليها علماء مجتهدون وفقهاء شرعيون كموقع (إسلام أون لاين) الذي يشرف عليه الشيخ الدكتور/ يوسف القرضاوي، وموقع (الإسلام اليوم) الذي يشرف عليه الشيخ الدكتور/ سلمان العودة، وموقع الشبكة السلفية الذي يشرف عليه الشيخ/ عبدالرحمن عبد الخالق وغيرها من المواقع، ويمارس الاجتهاد كذلك من قبل الأفراد بوسائل شتى تارة عبر الفتاوى الشخصية التي يوجه فيها السائل سؤاله للمفتي شخصياً إما في محاضرة أو ندوة أو مسجد، أو برنامج إذاعي أو تلفزيوني، أو غيرها. ويتلقى الجواب على سؤاله حالاً، وتارة عبر التصنيف والتأليف والكتابة في الصحف والمجلات وغير ذلك من الوسائل المختلفة.

وما أولويات الاجتهاد الضرورية في هذه المرحلة؟

يمكن أن نجمل هذه الأولويات فيما يلي:

أولاً: القضايا الكبرى المتعلقة بالأمة الإسلامية جميعها والتي تهم المسلمون جميعاً فرداً فرداً وذلك مثل:

أ) قضية المسجد الأقصى، وهي قضية المسلمين الأولى في هذا العصر، ويتناول نظر المجتهدين فيها السبيل إلى تحرير المسجد وسائر الأراضي الفلسطينية من براثن اليهود وما يستوجب هذا الأمر من إعداد القوة المعنوية والمادية، والحكم في حال عدم القدرة وما يترتب على ذلك من الهدنة أو الصلح مع اليهود والاعتراف بهم وتطبيع العلاقات معهم.

ب) قضية التحالف مع الصليبية العالمية ضد أي دولة أخرى إسلامية كانت أو غير إسلامية، وتقديم تسهيلات عسكرية ولوجستية لها، وهذه من أعقد القضايا وأشدها حساسية؛ لأنها تمس المصالح السياسية عند كلا الطرفين ولعدم قدرة أي دولة من هذه الدول المتحالفة عن الخروج من الهيمنة الصليبية عليها حيث أنها تعتبرهن إماء في قصر السيدة الأولى، وينظر في هذه القضية من حيث الجواز وعدمه، وقضية الولاء والبراء فيها والمفاسد العظيمة المترتبة عليها، وحدود الاستعانة بغير المسلمين وشروط ذلك.

ج) قضية الإرهاب ومعناه وتحديد مفهومه والفرق بينه وبين المقاومة المشروعة للمحتل، والتي تعتبر في كل الأديان وفي نظر جميع الناس حقاً مقدساً لكل فرد منهم يدافع بها عن مبدئه وحريته ووطنه، وينظر كذلك فيما يقوم به بعض المتهورين والجهلة من عمليات القتل والتدمير في بعض البلدان الإسلامية بدعوى الجهاد وإلحاقها بهذه القضية أو ما يسمى بالحرابة من حيث أن الجهاد إنما يكون بين المسلمين وغيرهم من الكفار -لا بين المسلمين والمسلمين- إلا أن يعتبر هؤلاء الجهلة ما يقومون به من عمليات ضد المسلمين هي ضد الكفار، فهذه مسألة أخرى تخرجنا إلى قضية الخوارج الأولى والتي حكم الإسلام بمروقهم من الدين وقتلهم أينما وجدوا.

د) قضايا المرأة المسلمة المختلفة التي لا نص فيها أو ورد فيها نص ولكنه غير صريح، فهذه مما يجب الاهتمام بها والبت فيها والخروج منها برأي فقهي موحد أو على الأقل برأي أغلبي ليقطع فيها الطريق على النفوس الطامعة ويخفف نوعاً ما من الهجمة الغربية الشرسة التي تستهدف شرف المرأة وكرامتها وطبيعتها التكوينية.

ثانياً: ثم تأتي بعد ذلك القضايا الأخرى المتعلقة بالإخلاق والاقتصاد والإعلام والأسرة وغير ذلك،

وقد يكون من ضمن هذه القضايا ما له أحقية السبق على غيره لظروف تستدعي ذلك فيقدم.

الاجتهاد في الفروع لا في الأصول هذه المقولة أو القاعدة هل ما تزال قادرة على الصمود... إلخ؟

الاجتهاد عند العلماء قاطبة إنما يكون فيما لا نص فيه، وهذا النص لا بد أن يكون صحيحاً وصريحاً ومحكماً وغير منسوخ باتفاق في ذلك كله سواء كان هذا النص في الفروع أو في الأصول، وهي التي يقصد بها العقائد، أو التي يراد بها الثوابت والقطعيات المعلومة من الدين بالضرورة، فهذه بلا خلاف بين العلماء أنه لا اجتهاد فيها أبدا؛ لأن فيه مصادمة للنصوص القطعية، والمتجرئ على ذلك خارج عن دائرة الإسلام قولاً واحداً، ولهذا المعنى الخطير الذي لا يكاد أحد يجهله من أبناء الأمة الإسلامية ويملأ القلب رعباً وخوفاً من عاقبة ذلك، فنجد أن أكثر الشعوب الإسلامية لا ترضى بديلاً عن الشريعة الإسلامية في مسائل كثرة هامة، كمسألة المواريث وتعدد الزوجات وغيرهما من قطعيات الدين، وما حصل في بعض الشعوب من تغيير في هذه الثوابت لم يكن باجتهاد من العلماء وإنما بتعسف وتمرد من الساسة على الشريعة الغراء، على أنه مهما كثرت الدعوات واشتدت الضغوطات الداخلية والخارجية للقبول بالتغيير في هذه الأحكام القطعية فلن تجد لها آذاناً صاغية عند العلماء الربانيين ولن يتجرأ أحد منهم على الاجتهاد فيها.

إنني أعلم يقيناً أن هناك مطالبات في بعض الدول العربية والإسلامية بالمساواة بين الرجل والمرأة في الإرث وبمنع تعدد الزوجات، بل إن بعض هذه الدول قد منعت بالفعل تعدد الزوجات وجرّمت فاعله، وأعلم أن الحدود ملغية ولا تطبق، وأن الربا منتشر والخمر مرخص له، ولكن هذا كله بغير رضاً من غالبية المسلمين وعلمائهم، وبسبب آخر أكبر هو علمانية هذه الدول التي نص بعضها على استبعاد الإسلام من دستورها وإحلال العلمانية محله والبعض الآخر على اعتبار الإسلام مصدراً رئيساً مما يعني وجود مصادر أخرى ثانوية ودول أخر عدل فيها الدستور وفي ظل الاحتلال الصليبي كانت الطرق حيث اعتبر الإسلام فيه مصدراً من المصادر التشريعية، فهذه الدساتير كلها وبصيغها المعلنة تخول لدولها تغيير أي حكم أو أي أصل من أصول الشريعة الإسلامية دون حاجة إلى الرجوع إلى أحد.

الاجتهاد الفردي والاجتهاد الجماعي متى يكون كل منهما ضرورياً؟ ومتى يلغي أحدهما الآخر؟ وهل يتكاملان؟

الاجتهاد الفردي يكون ضرورياً في حالات:

الأولى: إذا توفرت في العالم شروط الاجتهاد المعتبرة من العلم بنصوص القرآن والسنة والمعرفة بمسائل الإجماع ولسان العرب، وعلم أصول الفقه والناسخ والمنسوخ بحيث لا يخفى عليه شيء من ذلك حتى لا يقع في الحكم بالمنسوخ وهو لا يعلم.

الثانية: إذا تعين الاجتهاد في حقه كأن يكون مفتياً للدولة المسلمة، أو لأقلية مسلمة، أو متولياً للحسبة، أو احتيج إليه في بيان حكم من الأحكام لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة مع أهليته لذلك وعدم وجود من يقوم بالبيان سواه، ويؤيد هذا قوله تعالى: [إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ] {البقرة:159}، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار».

وأما الاجتهاد الجماعي فيكون ضرورياً أيضاً في حالات:

الأولى: إذا نزل بالأمة الإسلامية كلها خطر محدق يحيط بها كقضية الإساءة مثلاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى أحد من الأنبياء أو الإساءة إلى الإسلام، أو إلى القرآن أو إلى الصحابة الكرام أو إلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ونحو ذلك مما يمس مشاعر المسلمين جميعاً ولا يختص بأحد منهم دون الآخر، أو كان الخطر يستهدف جزءاً من الأمة كمهاجمة العدو لبلد مسلم واحتلاله لها، وقتل بعض مسلمي تلك البلد وأسرهم وسجنهم وتعذيبهم، واغتصاب النساء فيها ونهب ثرواته وخيراته ونحو ذلك.

الثانية: إذا طلبت دولة إسلامية من علماء الأمة بيان حادثة ما أو بيان قضية تخصها ووفرت لهم الوسائل المعينة على ذلك دون أن تمارس أي ضغوط عليهم، وفي معنى الدولة الأحزاب والجماعات الإسلامية.

والاجتهاد عند العلماء لا ينقض الاجتهاد ولا يلغيه؛ لأن ذلك كما قال الشوكاني وغيره:

يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام الشرعية، وسيتثنى من ذلك ما إذا كان الاجتهاد الأول مخالفاً لدليل قطعي فإنه ينقض اتفاقاً بالاجتهاد المتأخر غير المخالف، وكذلك فيما إذا كان الاجتهاد الفردي يحقق مصلحة خاصة والاجتهاد الجماعي يحقق مصلحة عامة فيقدم هذا على ذلك، كمسألة انتخاب المرأة وتصويتها، وترشيح شخصاً ما في الانتخابات من قبل الجماعة ثم عارض ترشيحه شخص ما فإنه يقدم اجتهاد الجماعة على اجتهاده لأن يد الله مع الجماعة.

ويمكن أن يتكامل الاجتهادان ويعمل بهما معاً إذا لم يحصل بينهما تناقض فإن كانا متناقضين قدم ما فيه مصلحة العامة.

كيف نوفق بين الاجتهادات التي تتبنهاها الدولة الشرعية بين الخصوصيات المذهبية أو الاجتهادات الفردية؟

الاجتهادات التي تأخذ بها الدولة المسلمة لها الأولوية عند العلماء على سائر الاجتهادات الأخرى مذهبية كانت أو فردية، بل أنها في نظري ملزمة إذا صدرت من أهل الاختصاص وليست مخالفة لنص وتحقق مصلحة عامة، كما ألزم عمر والصحابة رضي الله عنهم الناس بالطلاق الثلاث، وحد شارب الخمر ثمانين جلدة وغير ذلك، ويمكن أن يستدل لتقديم اجتهادات الدولة المسلمة على غيرها من الاجتهادات بالحديث الصحيح الذي رواه الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد». ويقول عمر رضي الله عنه في كتاب له إلى شريح القاضي: "إن جاءك شيء في كتاب الله فاقض به ولا يلتفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن لم يكن فاختر أي الأمرين إن شئت إن تجتهد إن شئت أن تتأخر، ولا أرى التأخير إلا خيراً لك" رواه الدارمي.

ويقول ابن مسعود: "فإذا سئلتم عن شيء فانظروا في كتاب الله، فإن لم تجدوه في كتاب الله ففي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم تجدوه في سنة رسول الله فما أجمع عليه المسلمون، فإن لم يكن فيما اجتمع عليه المسلمون فاجتهد رأيك" رواه الدارمي أيضاً، وقد رجع عمر والصحابة إلى رأي أبي بكر الصديق رضي الله عنه المستند إلى الأدلة في مسألة قتال المرتدين وإنفاذ جيش أسامة بن زيد الذي عقد لواءه النبي صلى الله عليه وسلم كما هو مروي في الصحيحين وغيرهما.

فهذه الأدلة كلها ترجح تقديم اجتهاد الدولة المسلمة الشرعية بالشروط التي سبق ذكرها على غيرها من الاجتهادات مما قد يكون قولاً لأحد المذاهب الإسلامية أو رأي لأحد العلماء انفرد به وشذ به عن غيره، على أنه ليس كل الآراء المذهبية يلزم أن تكون صحيحة فقد تكون بعض الأقوال فيها ساقطة وبعضها مرجوحة وبعضها محتملة وكذلك الحال بالنسبة للاجتهادات الخاصة، ويحضرني في هذا المقام كذلك مسألة تحريم نكاح المتعة الذي كان يفتي فيها ابن عباس في أول الأمر بالجواز استناداً إلى بعض الأحاديث الدالة على ذلك ثم حرمها النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة تحريماً مؤبداً ولم يعلم ابن عباس بذلك، فظل يفتي بجوازها حتى تولى عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما الخلافة بمكة فقام خطيباً فقال: "إن ناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يفتون بالمتعة فناداه- يعني ابن عباس – فقال: إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له ابن الزبير: فجرب بنفسك فوالله لئن فعلتها لأرجمنك بأحجارك" رواه مسلم، فرجع عنها ابن عباس بعد ذلك.

1) من قبل بعض مدعي العلم والاجتهاد:

أما الطريقة السليمة للتعامل مع الاجتهادات العديدة للمجتمعات المسلمة خلال الـ 1400 عام الماضية، وكيف بين ما هو مرتبط بالزمان والمكان وما الذي لا يزال صالحاً للاستفادة منه الآن؟

الاجتهادات عموماً ليست ملزمة لأحد، فكيف الحال إذا كانت تعالج قضايا خاصة قد مضى عليها مئات السنين، فإن عدم الالتزام بها حينئذ هو من باب أولى، والفتوى كما يقول العلماء تتغير زماناً ومكاناً وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "سئل عن المشرّكة في العام الأول فلم يشرك ثم أتي من العام المقبل فسئل عنها فشرك فقال: تلك على ما قضيناه وهذه على ما قضينا" رواه الدارمي.

ويمكن أن تقسم الاجتهادات السابقة الصحيحة إلى عدة أقسام:

الأول: ما كان مرتبطاً بالمكان والزمان الماضي وليس له أي صلة بالحاضر، فهذا البحث فيه أو تناوله أو تنزيله على الواقع ليس من الحكمة ولا الفقه في الدين، وإنما هو من العبث والغفلة وسوء التصرف.

الثاني: ما كان مرتبطاً بالمكان والزمان الماضي وله صلة بالحاضر، بمعنى أن المسألة أو المسائل التي اجتهد في بيان حكمها تجدد وقوعها في هذا العصر، فهذا لا مانع من تنزيل الحكم السابق على الواقعة الحالية لتشابههما، وقد يكون التنزيل لا مفر منه إذا كان الحكم مدعماً بالأدلة من الكتاب والسنة، لأن المسألة في مثل هذا الحال تكون أقرب إلى النص منها إلى الاجتهاد، والمسائل الاجتهادية من هذا القسم تمتلئ بها كتب الفقه السابقة ومن الصعب حصرها لكثرتها إذ أنه ما من باب من أبواب الفقه إلا وتجد فيه اجتهادات منها الخاطئة ومنها الصائبة، والحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها والحق أحق أن يتبع وأجدر أن يعمل به.

ما الضوابط الضرورية لسلامة عملية الاجتهاد؟

هناك نوعان أساسيان من الضوابط في إنجاح عملية الاجتهاد:

نوع نص عليه العلماء السابقون وبينوه ووضحوه توضيحاً كاملاً.

ونوع آخر لم يتعرضوا لبيانه أعتبره أنا من الأساسيات التي لا بد منها في هذه القضية من ذلك:

أولاً: حرية قول كلمة الحق والصدع بها دون خوف ولا وجل من بطش الحاكم ولا من غيره، فإن المجتهد إذا وجد ضغوطاً عليه من هنا أو من هناك ولم تتح له الحرية الكاملة في التعبير عن ذلك داهن ولبس الحق بالباطل، ومن أمثلة ذلك فتاوى الاستعانة بالصليبيين، وإبطال مسمى الجهاد ضد الكفار في كل من العراق والشيشان وأفغانستان.

ثانياً: الشجاعة، وهي عامل أساسي في حق المجتهد، ومن لا يمتلك الشجاعة لا يجرؤ على قول الحق، وسيضطره خوفه وجبنه إلى المداهنة والتضليل قال تعالى: [فَلَا تُطِعِ المُكَذِّبِينَ(8) وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9) ] {القلم}.

ثالثاً: التحرر من الولاءات الضيقة القائمة على العصبية الجاهلية كالحزبية المذمومة، والقومية، والوطنية ونحو ذلك، وهذه الولاءات للأسف الشديد من أكبر الأسباب في تحييد الحق لصالحها أو طمسه وتنكبه، وقد وصل الأمر ببعضهم إلى أن يفتي بعدم جواز تعدد الجماعات الإسلامية، وأن من ليس في عنقه بيعة لأمير الجماعة مات ميتة جاهلية وينزل الأحاديث الواردة في البيعة العامة على البيعة الخاصة، وهذا سببه في ظني يرجع إلى ما ذكرته من عدم التحرر، كذلك سمعنا من بعض العلماء الوطنيين اجتهادات تقشعر منها الأبدان من ذلك: عدم جواز العمل لمن ليس له إقامة نظامية وحرمة أي كسب ناتج عن ذلك، وعدم جواز بقاء من انتهت تأشيرة زيارته في البلاد، وحرمة العمل عند غير الكفيل إلا بإذنه، وما أشبه ذلك.

وأما الضوابط التي ذكرها العلماء فمن ذلك:

أولاًَ: أن يكون عالماً بنصوص القرآن والسنة فإن قصر في أحدهما لم يكن مجتهداً ولا يجوز له الاجتهاد، لكن لا يشترط معرفته بجميع نصوص القرآن والسنة بل بما يتعلق منهما بالأحكام، واختلفوا في القدر الذي يجب أن يلم به منهما ما بين إفراط في ذلك وتفريط، ليس هذا موضع بحثه.

الثاني: أن يكون عارفاً بمسائل الإجماع حتى لا يفتي بخلاف ما وقع الإجماع عليه، ومظان هذه المسائل الكتب التي صنفت في ذلك أو المصنفات التي اهتم مؤلفوها بذكر الإجماعات فيها مثل مصنفات ابن المنذر وابن حزم وابن عبد البر، والنووي، وابن تيمية وغيرهم.

الثالث: أن يكون عالماً بلسان العرب بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه ولا يشترط أن يكون حافظاً لها عن ظهر قلب بل المعتبر أن يكون متمكناً من استخراجها من مؤلفات الأئمة المشتغلين بذلك، ويدخل في لسان العرب: اللغة والنحو والصرف والمعاني والبيان قال الإمام الشافعي: يجب على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما يبلغه جهده في أداء فرضه. وقال الماوردي: ومعرفة لسان العرب فرض على كل مسلم من مجتهد وغيره.

الرابع: أن يكون عالماً بعلم أصول الفقه إذ أنه عماد فسطاط الاجتهاد وأساسه الذي تقوم عليه أركان بنائه.

الخامس: أن يكون عارفاً بالناسخ والمنسوخ بحيث لا يخفى عليه شيء من ذلك مخافة أن يقع في الحكم بالنص المنسوخ وهو لا يعلم، نص على هذه الضوابط الشوكاني رحمه الله وغيره، وهناك ضوابط أخرى مختلف فيها جداً لا نطيل المقام بذكرها. والله أعلم.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-03-31 ||, 11:15 AM
نفع الله بك
دمت للملتقى مسددا

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
08-03-31 ||, 11:15 AM
نفع الله بك
دمت للملتقى مسددا

زناب
14-03-03 ||, 06:34 PM
وفقكم الله و نفع بكم .

ناصرة الاقصى
15-02-11 ||, 04:21 PM
شكرا