المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سأحصل على جائزة (( نوبل )) في أصول الفقه ، وستندمون !!



محمد بن محمود آل يعقوب النوبي
10-07-28 ||, 01:48 AM
الحمد لله الذي مهد أصول شريعته بكتابه العلي ، وأيد قواعدها بسنة نبيه العربي ، وشيد أركانها بالاجماع المعصوم من الشيطان الغوي ، وأعلى منارها بالاقتباس من القياس الجلي و الخفي، وأوضح طرائقها بالاجتهاد في الاعتماد على السبب القوي ، وشرع للقاصر عن مرتبتها استفتاء من هو بها قائم ملي
وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المبعوث إلى القريب والبعيد الشريف والدني
وعلى آله وصحبه أولي كل فضل سمي وقدر علي ( 1)

وبعد :
فقد عنونت هذا الموضوع بقولي : سأحصل على جائزة نوبل في أصول الفقه ، وستندمون !!
وقد تَعْجَب أخي القارئ من هذا العنوان كما أنه قد يحملك على الضحك ولكن كما يقال إذا عرف السبب بطل العجب
فقد قلت ذلك بعد حوار دار بيني وبين إخواني من طلبة العلم الذين نسأل الله أن يبارك فيهم وأن يرزقنا وإياهم حسن الفهم
وكان الحوار يدور حول دراسة أصول الفقه وما يرونه هم فيَّ أني منشغل بدراسة علوم لا تنفع أو تضيع الوقت وتفسد منهج الطالب وعقيدته !! وخرج من بعضهم كلام غاية في الحسن وآخر غاية في الفساد والقبح ! وبعضهم نصح وبعضهم سخر وتهكم يا أبا زياد حكم دارس هذه العلوم عند الشافعي الضرب بالنعال ! فما كان مني بعد أن رفضوا السماع والنقاش إلا أن قلت لهم تهكما بسخريتهم لا بهم !:
سأحصل على جائزة نوبل في أصول الفقه ، وستندمون !!
ثم أنهيت الحوار وقد كان أخونا الفاضل المفضال أبو مالك علي المنشاوي حفظه الله ونفع به ذا موقف متفاهم فأقول له من بعيد أو من قريب - على سواء - نصرك الله كما نصرتني - ظالما كنتُ أو مظلوما - !
إن المرء ليعجب من حال بعض الإخوة قد سُجن في أضيق السجون ! في فكرة قد انحبس فيها يظنوها صوابا ويظل ينافح عنها ويناضل ويضلل من خالفه ويتجاهل ! ولو أنه سمح لنفسه أن ينظر في قول مخالفه وأدلته فلعل وعسى أن يكون الحق معه !ولكن سبحان ربي لا أدري ما يمنعه ؟!
نشأ بعض الطلبة على الزهد في علم الأصول والتنفير منه ومن دارسيه والمشتغلين به وبعضهم اخذ يعيب على دارسه وكأنه يعيب على زنديق ملحد !!!
عجبت لهذا الزمان وأهله ليس فيه أحد من ألسنة الناس يسلمُ !
والحق ان علم أصول الفقه علم جليل القدر عظيم النفع يحتاج إليه الفقيه والمتفقه والمحدث والمفسر لا يستغني عنه ذوو النظر ولا ينكر فضله أهل الأثر يتمكن بواسطته من نصب الأدلة السمعية على مدلولاتها ومعرفة كيفية استنباط الأحكام الشرعية منها فهو من أعم العلوم نفعاً ومن أشرفها مكانة قدرا وهو من أهم الوسائل التي ثبتت قواعد الدين ودعمتها وردت على شبه الملحدين والمضللين وأبطلتها فكان للمخلصين نبراساً وهادياً وللمبتدعة على بدعهم راداً وقاضياً
هو أساس علم الفقه وركنه الذي عليه يرتكز وإليه يستند فلا فقيه بلا أصول إذ أصول الفقه : أُسُسه وما ينبني عليه كما أن أصل البناء أساسه
فمن درس الفقه بلا أصول فمثله كمن بنا بلا أساس ومن بنا بلا أساس فمثله كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون !
وقول خاتم المرسلين : " من يريد الله به خيرا يفقه في الدين " يدلك أخي على عظيم شرف علم الفقه وبالتالي على عظيم شرف علم أصول الفقه لأنه السبيل للتفقه في دين رب العالمين وكلما زادت معرفتك بالأصول كلما زاد إتقانك للفروع وكلما ثبتت أصولك كلما علت فروعك فلابد أن تكون أصولك ثابة ثبوت الجبل حتى تكون فروعك شامخة شموخ الجبل ! وما رأيت كلاما من ذا أجمل " من جهل الأصول حرم الوصول " فوالله إنه لأحلى من الرضاب المعسول !
حقا إن من جهل شيئا عاداه ! وما أُتي هذا إلا من جهله ؛ ومن لم يعرف قيمة شيء فكيف يُقدِّره حق قدره؟!
من أجل ذلك قال علماء الأصول قديماً : يجبُ على كلِّ طالب علمٍ أن يعلم ما الغرضُ منه ؟ وما هو ؟ ومن أين؟ وفيم؟ وكيف يستطيعُ تحصيله؟
فالأول: فائدته، والثاني: حقيقته ومبادئه، والثالث: مادته التي يُستمد منها، والرابع : موضوعه ومباحثه، والخامس: وسائل تعلّمه
وأنا مع ذلك لا أنكر ما دخل في علم أصول الفقه مما عكر صفوه وشاب نقاءه من المباحث الكلامية
ولكن في الوقت ذاته وفي الزمان عينه لا أهمل هذا الفن هاجرا له بل أرى أن الحق في تصحيحه وتنقيته مما دخل عليه لا فيه - والفرق ظاهر - وهذا هو الانصاف والعدل والوسط الذي هو نهج النبي الاسلمي من غير افراط ولا ميلان !
سَألَ شيخُنا أبو عمر النعماني العلامةَ ابن عثمين عمن يزهد في علم أصول الفقه بدعوى ما دخله من مباحث المتكلمين فقال العلامة : يا بني خذ الحق ودع الباطل فإن رب العالمين أقر حق المشركين وأنكر باطلهم ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ) فلم ينكر عليهم قولهم وجدنا عليها أباءنا وإنما أنكر عليهم قولهم والله أمرنا بها ( 2 )
وهذا استدلال رائع من العلامة ابن عثيمين رحمه الله وكلام غاية في الحسن
وفي ذلك المعني يقول العلامة الشوكاني رحمه الله : "فإن علم "أصول الفقه" لما كان هو العلم الذي يأوى إليه الأعلام، والملجأ الذي يُلجأ إليه عند تحرير المسائل، وتقرير الدلائل في غالب الأحكام، وكانت مسائله المقررة، وقواعده المحررة، تؤخذ مسلمة عند كثير من الناظرين، كما نراه في مباحث الباحثين وتصانيف المصنفين، فإن أحدهم إذا استشهد لما قاله بكلمة من كلام أهل الأصول، أذعن له المنازعون، وإن كانوا من الفحول، لاعتقادهم أن مسائل هذا الفن، قواعد مؤسسه على الحق، الحقيق بالقبول، مربوطة بأدلة علمية من المعقول والمنقول، تقصر عن القدح في شيء منها أيدي الفحول، وإن تبالغت في الطول، وبهذه الوسيلة صار كثير من أهل العلم واقعًا في الرأي، رافعًا له أعظم راية، وهو يظن أنه لم يعمل بغير علم الرواية، حملني ذلك بعد سؤال جماعة لي من أهل العلم على هذا التصنيف، في هذا العلم الشريف، قاصدًا به إيضاح راجحه، من مرجوحه، وبيان سقيمه من صحيحه، موضحًا لما يصلح منه للرد إليه، وما لا يصلح للتعويل عليه، ليكون العالم على بصيرة في علمه يتضح له بها الصواب، ولا يبقى بينه وبين درك الحق الحقيق بالقبول الحجاب . "أهـ ( 3 )
وبهذا يبين العلامة الشوكاني أهمية هذا العلم وأيضا يبين أهمية دراسته وتنقيته مما دخل عليه مما هو ليس منه
ويقول العلامة عبد الكريم الخضير : وجدت دعاوى تقلل من شأن أصول الفقه، وهو علم حادث ودخله ما دخله من علم الكلام، نعم، هو علم حادث أوجدته الحاجة، لكن أصوله حاضرة في أذهان الصحابة والتابعين
ويقول أيضا :
علم الأصول علم في غاية الأهمية، كيف يعرف الطالب الذي ينتسب لطلب العلم الشرعي، وكيف يفهم من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- ما يخاطب به من التكاليف -من الأوامر والنواهي- وهو لا يعرف العام والخاص، والمطلق والمقيد، والناسخ والمنسوخ، والمنطوق والمفهوم وغير ذلك من مباحث أهل العلم ؟ فهذا العلم لا غنى لطالب العلم عنه البتة " أهـ ( 4 )

وقبل الشروع في بيان شذرات من فوائد هذا العلم وثماره، فإنه من المناسب أن أذكر تعريف "علم أصول الفقه"؛ فالحكم على الأشياء فرعٌ عن تصوّرها.
ومن التعاريف المشهورةِ قولهم إن أصول الفقه هو: "معرفةُ دلائل الفقه إجمالاً، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد".
ومن تأمّل في التعريف ظهرَ له وبكلِّ وضوحٍ غرضُ هذا العلم وثمرته، ولكن ما بالك بِمَنْ لو سألتَهُ عن التعريفِ لم يعرفْ! فكيف بفهمهِ وسبرِ أغواره؟!
فموضوعاتُ هذا العلم الرئيسة: معرفة مصادر التشريع، ثم معرفة كيفية الاستفادة منها "قواعد الاستنباط"، ومعرفة حال المستفيد (وهو المُجتهِد؛ والمُجتَهد فيه ومتى يجوز الاجتهاد ومتى لا يجوز، وشروط المجتهد وضوابط الاجتهاد).


- فوائد علم أصول الفقه - ( 5 )

وفيما يلي تذكير لمن يعلم فائدته وبيان وتوضيح لمن لا يعرف عن هذا العلم إلا اسمهُ، ولم يقف إلا على رسمه
أقول ـ وبالله أستعين ـ:
الفائدة الأولى : يبين المنهاج والأُسس والطرق التي يستطيع الفقيه من خلالها استنباط الأحكام الفقهية للحوادث المتجددة فإن المجتهد إذا كان عالما بتلك الطرق - من أدلة إجمالية وقواعد أصولية - فإنه يستطيع إيجاد حكم لأي حادثة تحدث وهذا موضوع أصول الفقه
الفائدة الثانية : إن طالب العلم الذي لم يبلغ درجة الاجتهاد يستفيد من دراسة أصول الفقه حيث يجعله على بينة مما فعله إمامه عند اسنتباط الأحكام فمتى ما وقف ذلك الطالب على طرق الأئمة وأصولهم وما ذهب إليه كل منهم لإثبات تلك القاعدة أو نفيها فإنه تطمأن نفسه إلى مدرك ذاك الإمام الذي اتبعه في عين ذلك الحكم او ذاك ، فهذا يجعله يمتثل عن اقتناع وهذا يفضي إلى أن يكون عنده القدرة التي تمكنه من الدفاع عن وجهة نظر إمامه .
الفائدة الثالثة : أن العارف بأصل هذا الإمام في هذا الحكم أعظم أجرا من الشخص الذي بأتي بالعبادة لفتوى إمامه أنها واجبة أو أنها سنة ولا يعرف الأصل الذي اعتمد عليه في هذه الفتوى والله تعالى يقول : ( قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ) .
الفائدة الرابعة : أن العارف بالقواعد الأصولية يستطيع أن يخرج المسائل والفروع غير المنصوص عليها على قواعد إمامه .
الفائدة الخامسة : ان العارف بتلك القواعد والأصول يستطيع ان يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه بناء على أُسس ومناهج وطرق منضبطة يستطيع بها أن يقنع الخصم بما يريد أن يدعوه إليه .
الفائدة السادسة : أن العارف بتلك القواعد يستطيع أن يبين لأعداء الإسلام أن الإسلام مصلح لكل زمان ومكان ( 6 ) وأنه موجود لكل حادثة حكما شرعيا ، وأنه لا يمكن أن توجد حادثة إلا ولها حكم شرعي في الإسلام - عرفها من عرفها وجهلها من جهلها - بعكس ما كان يصوره أعداء الإسلام من أن الإسلام قاصر عن حل القضايا المتجدددة - قاتلهم الله - .
الفائدة السابعة : أن أهل اللغة يستفيدون من تعلم أصول الفقه ، حيث إن أهل اللغة يبحثون عن اشتقاقات الكلمة وهل هي نقلية أو قياسية ؟ ، أم أهل الأصول فإنهم يبحثون عن معاني تلك الألفاظ ولذلك تجد الأصولين قد توصلوا إلى نتائج لم يتوصل إلأيها اللغويون وذلك بسبب جمعهم بين معرفة اللغة ومعرفة الشريعة لذلك تجد أكثر أهل الغة لهم إلمام في علم أصول الفقه
الفائدة الثامنة : إن المتخصص في علم التفسير وعلم الحديث يحتاج إلى دراسة علم أصول الفقه حيث إنه يبين دلالات الألفاظ وهل تدل على حكم بالمنطوق أو بالمفهوم أو بعبارة النص أو بإشارته أو بدلالته أو باقتضائه ، ونحو ذلك ، لذلك تجد أكثر المفسرين والشارحين للأحاديث هم من الأصوليين
الفائدة التاسعة : أن كل شخص يريد كتابة أي بحث من البحوث العلمية محتاج إلى معرفة علم أصول الفقه وذلك لأن علم أصول الفقه قد جمع بين النقل والعقل ، ومن تعمق في عرف طريقة إيراد المسألة وتصويرها والاستدلال عليها والاعتراض على بعض الأدلة والجواب عن تلك الاعتراضات بإسلوب مبني على أسس ومناهج وطرق يندر أن تجدها في غير هذا العلم .


- شبهات حول علم أصول الفقه وأجوبتها - ( 7 )

ومع تلك الفوائد التي ذكرتها لأصول الفقه ، فإنه لم يسلم من بعض الاعتراضات التي وجهت إليه والشبه التي أثيرت حوله وهذا بيان أهمها والأجوبة عليها
الشبهة الأولى : " لا فائدة منه ! "
ورد عن بعض الناس أنهم ذموا علم أصول الفقه وحقروه في نفوس طلاب العلم وذكروا أنه لا فائدة منه لا في الدنيا ولا في الآخرة .
الجواب :
إن سبب ذمهم لهذا العلم وتحقيرهم له هو : جهلهم به وعدم قدرتهم على فهمه بالتفصيل ، وقديما قيل : " من جهل شيئا عاداه "
إذ كيف يذمون علما هو من أهم شروط الاجتهاد ؛ حيث إنه إذا لم يتعلمه الفقيه بالتفصيل ، فإنه لن يتوصل إلى درجة الاجتهاد ولا يمكنه بأي حال من الأحوال استنباط حكم شرعي من دليل !
بل لو لم يعرف القياس - فقط - لانتفت عنه صفة الفقه ، كما قال الإمام الشافعي : " من لا يعرف القياس فليس بفقيه " ، وكما قال أحمد : " لا يستغني أحد عن القياس " ؟!
وكيف يذمون علما هو من أهم علوم الشريعة ؟ لأنه لولا علم أصول الفقه لم يثبت من الشرعية لا قليل ولا كثير
إذ أن كل حكم شرعي لابد له من سبب موضوع ، ودليل يدل عليه وعلى سببه فإذا ألغينا أصول الفقه ألغينا الأدلة فلا بقى لنا حكم ولا سبب ، حيث إن إثبات الشرع بغير أدلته وقواعده وبمجرد الهوى خلاف الإجماع !

الشبهة الثانية : " هذا العلم بدعة "
وقال بعضهم : إن هذا العلم لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عهد الصحابة ولا عهد التابعين لهم فهو علم مُبْتَدَع وما كان كذلك فلا نفع فيه
الجواب :
أن الصحابة رضوان الله عليهم في عهده صلى الله عليه وسلم وبعد عهده وكذلك التابعين كانوا يتخاطبون بأن هذه الآية ناسخة لتلك الآية وأن تلك الحادثة مشابهة لتلك الحادثة المنصوص على حكمها وأن هذا خبر واحد يستدل به على إثبات حكم شرعي وأن هذا قول صحابي في مسألة ما وأن هذه مصلحة ينبغي أن تراعى ونحو ذلك وهذه موضوعات أصول الفقه فأصول الفقه موجودة عندهم وإن لم يسموا ذللك بالمصطلحات الموجودة الآن وعلى هذا لا يكون علما مبتدعا
وأقول لهم أيضا هل كان علم الجرح والتعديل على عهد النبي والصحابة ؟
وجوابهم هو جوابنا

الشبهة الثالثة : " اجتهاد الصحابة مع عدم وجود أصول الفقه "
قالوا : إنكم جعلتم علم أصول الفقه أهم شرط من شروط الاجتهاد فلا يمكن لأي شخص أن يبلغ درجة الاجتهاد إلا إذا كان عارفا مدققا في أصول الفقه ، كيف يستقيم ذلك وقد كان الصحابة وأتباعهم من كبار المجتهدين ، ولم يكن هذا العلم موجودا حتى جاء الشافعي وصنف فيه ، وسماه بهذا الاسم ؟
الجواب :
أقول : إن الصحابة وأتباعهم من كبار التباعين كانوا من أعلم الخلق بالعلوم التي يتهذب بها الذهن ويستقيم بها اللسان كأصول الفقه وعلم العربية ، فالله عزّ وجلّ قد اختارهم ليكونوا أصحاب نبيه فلم يقع عليهم الاختيار إلا لأنهم خير من غيرهم في كل الأمور فهم الذين بذلوا النفس والنفيس من أجل نصرة الله ورسوله وهم الذين حملوا الشريعة إلى من بعدهم حتى وصلت إلينا
ولذلك كانوا أفهم الخلق بدلالت الألفاظ ، والصحيح من الأدلة والفاسد ، وكانوا عالمين بالقواعد الشرعية ومقاصد الشريعة ، متتبعين لها ، محيطين بها ، وكانوا متمرسين على ذلك وهذه الممارسة أكسبتهم قوة يفهمون من خلالها مراد الشارع وما يصلح من الأدلة وما لا يصلح ، وعرفوا كل ذلك بسبب مشاهدتهم نزول الوحي وسماعهم الحديث من في النبي صلى الله عليه وسلم ومن كانت تلك صفاتهم فإنهم عارفون لكل ما يبحث في علم أصول الفقه وإن لم يسموه بهذا الاسم
ولكن بعد ذهابهم قد فسدت الألسن وتغيرت الفهوم وكثرت الحوادث التي تحتاج إلى مجتهد لاستنباط أحكام شرعية لتلك الحوادث فالشخص الذي يريد بلوغ مرتبة الاجتهاد لاستناط تلك الحوادث من الكتاب والسنة يحتاج إلى قواعد يستند إليها ؛ ليكون أخذه منهما صحيح ، فوضع الإمام الشافعي قواعد لذلك وجمعها في علم مستقل وسمها بأصول الفقه وهي تسمية صحيحة مطابقة لمسمها ، والمقصود : أدلة الفقه والقواعد التي يستند إليه الفقيه ، إذا أراد استنباط حكم شرعي من دليل تفصيلي .

الشبهة الرابعة " القصد من تلعمه الرياء والسمعة "
أن هذا العلم لا يتعلم لقصد صحيح ، بل يتعلم للرياء والسمعة
الجواب :
هذا غير صحيح جملة وتفصيلا ، حيث أن المقصد من تعلم أصول الفقه هو معرفة كيفية اسنتباط الأحكام الشرعية من الأدلة
وكل شخص سيحاسبه الله عن قصده في تعلم أي علم من العلوم حتى لو كان القرآن الكريم فهل تقولون بإهمال القرآن وترك تعلمه ؟!!

الشبهة الخامسة :
أن هذا العلم يتعلم للتغالب والجدال والمناظرة لا لقصد صحيح
الجواب :
إن الجدل الموجود في أصول الفقه وسيلة لحق وإذا كان الجدال بهذه الصفة لا يعاب به ولا تنقص قيمته من أجله حيث إن الجدال الحق من شأن الأنبياء والمرسلين
فقد أقام الله سبحانه وتعالى الحجج وعامل عباده بالمناظرة فقال : (( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ )) وقال : (( فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ )) وقال لملائكته : (( أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ )) وذلك لما قالت الملائكة : (( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ))
وتناظرت الملائكة ، قال تعالى : (( مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ )) ، وتجادلت الأنبياء فيما بينهم فقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه و سلم قال ( احتج آدم وموسى فقال له موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة قال له آدم يا موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة ؟ فحج آدم موسى فحج آدم موسى ) . ثلاثا ( البخاري ومسلم )
وجادلت الأنبياء أممها وحاجتها قال تعالى : (( قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا )) وقال : (( وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )) وقال : (( وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ))
فالجدال كالسيف والسيف ذو حدين : ممدوح ، ومذموم
فإن السيف يمدح ما استعمل في الجهاد في سبيل الله
ويذمّ ما استعمل في قطع الطريق وإخافة المسلمين
فالسيف في نفسه آلة لا تمدح ولا تذم وإنما المدح والذم حسب الاستعمال
فمن استعمل الجدال في صرف الحق إلى الباطل فهو مذموم
ومن استعمل الجدال للوصول إلى الحق الذي أمر الله به فهو ممدوح
والجدال الذي جاء به أصول الفقه استعمل للوصول به إلى الحق فيكون على هذا ممدوحا .

الشبهة السادسة : " مجمع من علوم شتى فلا حاجة لإفراده "
قالوا : إن أصول الفقه ما هو إلا نبذ قد جمعت من علوم شتى حيث إن بعضه مأخوذ من اللغة كالكلام عن الأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والمجمل والمبين والمنطوق والمفهوم والحقيقة والمجاز ونحو ذلك
وبعضه مأخوذ من النحو كالكلام عن حروف المعاني والكلام عن الاستثناء ونحو ذلك
وبعضه مأخوذ من القرآن وعلومه كالكلام عن مباحث النسخ ووجود المجاز في القرآن وهل فيه ألفاظ بغير العربية والقراءة الشاذة والمحكم والمتشابه ونحو ذلك
وبعضه مأخوذ من السنة كالكلام عن الآحاد والمتواتر والمشهور وحجية كل نوع وشروط الراوي المتفق عليها والمختلف فيها
وبعضه مأخوذ من أصول الدين وعلم الكلام كالكلام عن ا لحكم الشرعي وأقسامه وأفعال النبي صلى الله عليه وسلم والتأسي به وتكليف ما لا يطاق وتكليف المعدوم وشرط الإرادة في الأمر ومسألة التحسين والتقبيح العقليين ومسألة شكر المنعم ونحو ذلك
وبعضه مأخوذ من علم الفقه وعلم الجدل كالكلام عن القياس وقوادح العلة والتعارض والترجيح
وهكذا علمت أن علم أصول الفقه ما هو إلا نُبذ قد جمعت من تلك العلوم ، فمن أراد أن يتعلم تلك المباحث فليتعلمها من تلك العلوم دون الرجوع إلى علم أصول الفقه وبهذا لو جُرد الذي ينفرد به أصول الفقه ما كان إلا شيئا يسيرا فتصير فائدة أصول الفقه قليلة جدا بعكس ما تصوره من أن له فوائد كثيرة
الجواب :
لا ينكر أن علم أصول الفقه قد استمد من تلك العلوم التي ذكرتموها ولكن اهتم الأصولين بتلك المباحث ودرسوها دراسة تختلف عن دراستها لو أخذت من تلك العلوم مباشرة ، فقد دقق الأصوليون إلى فهم أشياء من كلام العرب لم يصل إليها النحاة واللغويون ، فالنظر في كلام العرب متشعب فكتب اللغة تضبط الألفاظ ومعانيها الظاهرة واشتقاقاتها دون المعاني الدقيقة التي تحتاج إلى النظر الأصولي المتعمق بالعلوم الشرعية وقواعده ، فلقد توصل الأصوليون إلى أحكام في الاستنثاء لم يتوصل إليها النحاة في كتبهم
كذلك صيغة ((افعل)) أو صيغة (( لا تفعل )) ودلالة الأولى على الوجوب ودلالة الثانية على التحريم وغير ذلك من الاستعمالات التي لو بحثت عنها في كتب اللغة لم تجد شيئا منها
فالأصوليون يبحثون فيما أخذوه من تلك العلوم - وهي علم اللغة والنجو وأصول الدين والقرآن والسنة والفقه والجدل - بحثا خاصا من جهة الأدلة الموصلة إلى الأحكام الشرعية الفقهية وأحوال تلك الأدلة
فنظر الأصولي إلى ما أخذه من تلك العلوم تختلف عن نظرة المتخصصين بتلك العلوم
وبهذا لا يمكن أن يتعلم طالب العلم مباحث الأصوليين بالرجوع إلى تلك العلوم دون الرجوع إلى ما وضع في علم أصول الفقه فثبت بذلك أن أصول الفقه فيه ما لا يوجد في غيره

الشبهة السابعة :
إن الفقه قد جمع من قبل العلماء السابقين، ودونت فيه الدواوين الكبيرة فلا حاجة إلى البدء من حيث بدأوا، فلم تبق حاجة لدراسة علم أصول الفقه
والجواب :
أن كثرة ما كتب في علم الفقه يدعو طالب العلم إلى تعلم أصول الفقه ؛ ليعرض هذه الثروة الفقهية الضخمة التي اختلفت فيها أقوال الفقهاء وتعددت أدلتهم على الميزان العادل، والمحك المظهر للخطأ من الصواب، وهو أصول الفقه، فمن عرف أصول الفقه نظرا وتطبيقا يمكنه أن يعرف من تلك الأقوال والمذاهب ما هو أقرب إلى الحق وأجرى على قواعد الشريعة. والخلاصة أن كثرة المؤلفات الفقهية تدعو إلى تعلم هذا العلم والتعمق فيه لنقد الأقوال وبيان الراجح من المرجوح


أخي طالبَ الفقه ودارسه، إذا لم تكن لديك ثقافة أصولية جيدة هي نتاج اجتهاد وجد ورغبة في التحصيل، فلن تفقهَ ولن تستوعبَ كثيراً من أقوال الفقهاء واجتهاداتهم وترجيحاتهم؛ لأنها قد بُنيت على قواعد علم أصول الفقه، سواء صرّحوا بها أم لا، عندها ستُفوِّتُ على نفسِك علم أحكام الفقه بأدلتها ومداركها، ويصعب عليك البناء والتخريج والتفريع والقياس أو يتعذر .
هذه نصحية محب وهداية للحيران
والله المستعان وعليه التكلان
وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم
وكتب :
أَبُو زِيَادٍ مُحَمَّدٌ بنُ مَحْمُودٍ آلُ يَعْقُوبَ النُّوبِيُّ
غفرَ اللهُ له
فجر الثامن والعشرين من رمضان لعام ثلاثين وأربع مئة وألف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم




ــــــــــــــــ
1- نهاية السول شرح منهاج الأصول للإسنوي
2- ذكر ذلك شيخنا مرار وتقرارا في عدة دروس
3- إرشاد الفحول للشوكاني ( 1 / 54 )
4-الشريط الأول في شرح الورقات للشيخ الخضير
5- المهذب في علم أصول الفقه ( 1 / 42 - 44 )
6-الصواب أن يقال : الإسلام ( مصلح ) ولا يقال : ( صالح ) وذاك أن كل مصلح صالح وليس العكس بينما دين الاسلام مصلح للزمان والمكان كما نبه على ذلك فضيلة الشيخ مشهور حسن - حفظه الله -
7- المهذب في علم أصول الفقه ( 1 / 45 - 52 ) وكتاب أصول الفقه الذي لا يسع الفقيه جهله ص 13

محمد بن محمود آل يعقوب النوبي
10-07-28 ||, 02:05 AM
إن فوائد أصول الفقه وآثاره أكثر و أظهر من أن تتوقف على مقال مختصر ودفاع عابر إلا أني كنت متواخيا الاختصار قدر المستطاع خشية أن يطول الموضوع على القارئ فيستثقله وتذهب ثمرته وإلا فمن عنده من فوائد هذا الفن وثمراته فليتحفنا بها في هذه الصفحة لتكن جمعا لفوائد هذا العلم وردا للشبه التي أُثيرت حوله يرجع إليها من شاء بعد من طلبة العلم
والله المستعان

بشرى عمر الغوراني
10-07-28 ||, 05:50 AM
ما شاء الله، مقال ثريّ، وردّ للشُّبَه قويّ!
تجربتي في الموضوع
أنني لم أفهم التفسير والحديث جيداً إلا بعد أن بدأت دراسة أصول الفقه، وما حزنت على فوت دروس كحزني على فوت دروس أصول الفقه، فأمر عجيب فيمن يحقّرون أمر هذا العلم الجليل!

راجى يوسف ابراهيم
10-07-28 ||, 03:52 PM
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

انبثاق
10-07-28 ||, 04:29 PM
جزاك الله خيرا_
موضوع مفيد

شادن عبدالله
10-07-28 ||, 08:18 PM
سئل الشيخ عبدالكريم الخضير عمن يزهد في تعلم أصول الفقه، فأجاب: لا يزهد فيه إلا جاهل.

عبد الحكيم بن الأمين بن عبد الرحمن
10-07-28 ||, 10:27 PM
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً}

محمد بن محمود آل يعقوب النوبي
10-07-29 ||, 12:32 AM
بارك الله فيكم وجزاكم خيرا
وشكر الله لأخينا راجي يوسف إبراهيم على هذا الرابط وقد استفدت منه من قبل في " ملتقى أهل الحديث "
ولأخينا عبد الحكيم بن الأمين
وللأخوات الفضليات

راجى يوسف ابراهيم
10-07-29 ||, 12:56 AM
شكر الله لك أخى الفاضل