المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التلفيق في التقليد فتوى بالجواز للشيخ مرعي الحنبلي والرد عليها



أحمد بن فخري الرفاعي
10-08-13 ||, 06:10 PM
نص الرسالة

سؤال وجواب الشيخ مرعي:



الحمد لله وحده.. صورة سؤال وجواب لحضرة الأستاذ الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي - قدس الله روحه ونوَّر ضريحه - متعلق بالتلفيق في التقليد، هل يجوز التلفيق أم لا؟.
فأجاب - رحمه الله تعالى - بما صورته:

اعلم أنه قد ذهب كثير من العلماء إلى منع جواز التقليد، حيث أدى إلى التلفيق من كل مذهب، لأنه حينئذ كل من المذهبين أو المذاهب يرى البطلان، كمن توضأ مثلاً، ومسح شعره من رأسه مقلداً للشافعي، ثم لمس ذكره بيده مقلداً لأبي حنيفة، فلا يصح التقليد حينئذ، وكذا لو مسح شعره، وترك القراءة خلف الإمام مقلداً للأئمة الثلاثة، أو اقتصد، مخالفاً للأئمة الثلاثة، ولم يقرأ مقلداً لهم، وهذا وإن كان ظاهراً من حيث العقل، والتعليل فيه واضح، لكنه فيه الحرج والمشقة على المسلمين، خصوصاً على العوام الذين نص العلماء على أنه ليس لهم مذهب معين، وقد قال غير واحدٍ: لا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب معين، كما لم يلزم في عصر أوائل الأمة.
والذي أذهب إليه وأختاره: القول بجواز التلفيقفي التقليد:
لا بقصد تتبع ذلك، لأن من تتبع الرخص فسق، بل من حيثوقع ذلك اتفاقاً ، خصوصاً من العوام الذين لا يسعهم غير ذلك !
فلو توضأ شخص مثلاً ومسح جزءاً من رأسه مقلداً للشافعي فوضوؤه صحيح بلا ريب، فلو لمس ذكره بعد ذلك وقلد أبا حنيفة جاز ذلك، لأن وضوء هذا المقلد صحيح بالاتفاق، ولمس الفرج غير ناقض عند أبي حنيفة، فإذا قلده في عدم نقض ما هو صحيح عند الشافعي، استمر الوضوء على حاله بتقليده لأبي حنيفة، وهذا هو فائدة التقليد، حينئذٍ.
فلا يقال: الشافعي يرى بطلان هذا الوضوء بسبب مس الفرج ! والحنفي يرى البطلان لعدم مسح ربع الرأس فأكثر لأنهما قضيتان منفصلتان، لأن الوضوء قد تم صحيحاً بتقليد الشافعي، ويستمر صحيحاً بعد اللمس بتقليد الحنفي، فالتقليد لأبي حنيفة إنما هو في استمرار الصحة، لا في ابتدائها، وأبو حنيفة ممن يقول بصحة وضوء هذا المقلد قطعاً، فقد قلد أبا حنيفة فيما هو حاكم بصحته، وكذا يظهر لو مسح جزءاً من رأسه، ثم قَبْلَ فراغ وضوئه لمس فرجه، لأنه بمسح الرأس قد ارتفع حدثه بتقليد الشافعي، فلا يعود له الحدث حيث قلد أبا حنيفة في عدم عود الحدث !
وكذا لو قلد العامي مثلاً مالكاً، وأحمد، في طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، وكان قد ترك في وضوئه التدليك الواجب عند مالك، أو مسح جميع الرأس مع الأذنين الواجب عند أحمد، لأن الوضوء صحيح عند أبي حنيفة والشافعي، والتقليد في ذلك صحيح، والروث المذكور طاهر عند مالك وأحمد، وذلك في الجواز، نظير ما لو حكم الحاكم في مختلف فيه، غاية ما هناك أن حكم الحاكم يرفع الخلاف من حيث أنه لا يسوغ للمخالف نقضه، سداً للنزاع، وقطعاً للخصومات.
وهناالتقليد نافع عند الله - تعالى - منجٍ لصاحبه، ولا يسع الناس غير هذا !

ويؤيده أن في عصر الصحابة والتابعين مع كثرة مذاهبهم وتباينهم أنه لم ينقلعن أحد منهم أنه قال لمن استفتاه: الواجب عليك أن تراعي أحكام مذهب من قلدته، لئلا تلفق في عبادتك بين مذهبين فأكثر، بل كل من سئل منهم: أفتاه فيها بما يراه مذهبه، مجيزاً له العمل بها، من غير فحص ولا تفصيل، ولو كان لازماً لما أهملوه، خصوصاً مع كثرة تباين أقوالهم.

واعلم أن التلفيق كما يتأتى في العبادات كذلك يتأتى في غيرها فلو طلق زوجته ثلاثاً، ثم تزوجت بابن تسع سنين بقصد التحليل، مقلداً زوجها فيصحة النكاح للشافعي، وأصابها ثم طلقها مقلداً في صحة الطلاق، وعدم العدة لأحمد، لجاز لزوجها الأول العقد عليها! هذا من حيث التقليد المنجي لصاحبه، وأما من حيث بقاء النزاع فالأمر بحاله.. بمعنى أن الأمر لو رفع إلى حاكم يرى بطلان النكاح، وعدم التحليل، وبطلان الطلاق، فإنه يعمل في ذلك بمذهبه، بخلاف ما إذا وجد الحكم.

وكذا لو استأجر مكاناً موقوفاً تسعين سنة فأكثر، من غير أن يراه مقلداً في المدة للشافعي وأحمد، وفي عدم الرؤية لأبي حنيفة، فتدبر ما قلته فإنه الحق إن شاء الله تعالى، ولا يسع الناس سواه ! خصوصاَ العوام، ولا دليل للمانع من ذلك إلا مجرد العقل الذي سلف ذكره. ولا دليل له، لا من كتاب ولا سنة، ولا قول صحابي ولا تابعي، ولا إمام مجتهد، والعقل يخطئ ويصيب ولا يرجع للأصل، وما هو موضوع الشريعة الغراء المطهرة والملة الحنيفية السمحاء، وهو قوله عز وجل: {ما جعل عليكم في الدين من حرج}، وقوله تعالى {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.
والله عز وجل أعلم.
تمت فتيا الشيخ مرعي الكرمي الحنبلي يرحمه الله تعالى .

أحمد بن فخري الرفاعي
10-08-13 ||, 06:13 PM
التحقيق في بطلان التلفيق " لمولانا البارع، الناقد، الشيخ محمد السفاريني روح الله تعالى روحه ونور ضريحه، ونفعنا به في الدارين، آمين.


الحمد له وكفى، وصلى الله على نبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه لا سيما الأئمة الخلفاء وبعد؛
فقد وقفت على فتيا - لمولانا الشيخ الإمام، العلامة، أوحد عصره، وفريد عصره، وفريد دهره وزمانه، صاحب التصانيف السنية، والتآليف البهية، حضرة أستاذنا الشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي، لا زال مرعياً بعناية مولاه، ما انتفع المسلمون بتصانيفه وفتياه.. تتعلق بجواز التلفيق، قال في فتياه:
"الذي أذهب إليه وأختاره: القول بجواز التلفيق في التقليد، لا بقصد تتبع ذلك، لأن من تتبع الرخص فسق، بل حيث وقع ذلك اتفاقاً، خصوصاً من العوام الذين لا يسعهم غير ذلك، قال: فلو توضأ شخص مثلاً ومسح جزءاً من رأسه مقلداً للشافعي فوضوؤه صحيح بلا ريب، فلو مس ذكره بعد ذلك وقلده في عدم نقض ما هو صحيح عند الشافعي استمر الوضوء على حاله، بتقليده لأبي حنيفة قال: وهذا هو فائدة التقليد، وحينئذ فلا يقال: الشافعي يرى بطلان هذا الوضوء، بسبب مس الفرج، والحنفي يرى البطلان بسبب عدم مسح ربع الرأس فأكثر، لأنهما قضيتان منفصلتان، لأن الوضوء قد تم صحيحاً بتقليد الشافعي ويستمر صحيحاً بعد اللمس بتقليد الحنفي، فالتقليد لأبي حنيفة إنما هو لاستمرار الصحة، لا في ابتدائها، قال: وكذا لو مسح جزءاً من رأسه ثم قبل فراغ وضوئه لمس فرجه، لأن بمسح الرأس قد ارتفع حدثه بتقليد الشافعي، فلا يعود له الحدث حيث قلد أبا حنيفة، وكذا لو قلد مالكاً وأحمد في طهارة بول وروث ما يؤكل لحمه، و كان قد ترك في وضوئه التدليك الواجب عند مالك، أومسح جميع الرأس الواجب عندهما، لأن الوضوء صحيح عند أبي حنيفة والشافعي، والتقليد في ذلك صحيح، والروث المذكور طاهر عند مالك وأحمد، وذكر من هذا شيئاً كثيراً ".
ثم قال:
"وأعلم أن التلفيق كما يتأتى في العبادات كذلك يتأتى في غيرها، فلو طلق زوجته مثلاً، ثم تزوجت بابن تسع سنين بقصد التحليل، مقلداً زوجها في صحة النكاح للشافعي وأصابها، ثم طلقها مقلداً في صحة الطلاق، وعدم العدة لأحمد، لجاز لزوجها الأول العقد عليها، وهذا من حيث التقليد المنجي لصاحبه عند الله - تعالى -، وأما لو رفع إلى حاكم يرى بطلان النكاح، وعدم التحليل، وبطلان الطلاق، فإنه يعمل في ذلك بمذهبه، وذكر من هذا أشياء أخرى كلها على هذا النسق بعينه."


والذي أراه وأقول به معتمداً على ما قرره الأشياخ، والعقل والنقل يساعده: ببطلان ذلك كله، لأن فيه مفاسد كثيرة، وموبقات غزيرة، وهذا باب لو فتح لأفسد الشريعة الغراء، ولأباح جل المحرمات، وأي باب أفسد من باب يبيح الزنا ؟ وشرب الخمر وغير ذلك.

فإن قلت: ما وجه إباحة الزنا ؟
قلنا: يمكن أن يصدق الرجل امرأة لا زوج لها ولا عدة، أو بنتاً بالغة عاقلة، فيراودها عن نفسها فتجيبه لذلك، فيقلد أبا حنيفة في صحة عقدها على نفسها ؟ فإنه لا يشترط الولي، فقد صحت ولاية هذه على رأي أبي حنيفة، ثم يقلد الإمام مالكاً في عدم اشتراط الشهود ، فإنه لا يشترط الشهود كما نُقلَ عنه، فهذا الرجل قد أمكنه أن يزني بحرمة، ولا جرم عليه، كما قرره الأستاذ - طيب الله ثراه - وهذا لا يمكن أن يقول به عاقل.
فإن قلت: هذا ليس كالذي قرره الشيخ، قلت: بل عينه من غير نزاع، وكل من نازع سفسطة .
ولقد كان بعض أشياخنا - أعزهم الله تعالى - توقف في القول ببطلان التلفيق ! فنازعته في ذلك، ثم إني أتيته بعد بهذه الصورة.. فرجع عن قوله، وقال: التلفيق باطل.
والقاعدة: أن كل ما أدى إلى محظور فهو محظور، وكل قول يلزم منه إباحة محرم فهو مردود، والشيخ - قدس الله سره - وإن كان عظيم الشأن، ثاقب الذهن، وله الفطنة التامة، لكنه قد يكبو الجواد، ومن خصائص هذه الأمة الشريفة أن يوقر الصغير الكبير في الحق، ولا يقدح في مرتبة الشيخ، أن يرد مثلنا على جنابه، فإن الهدهد قال لسليمان: {أحطت بما لم تحط به}، والسمكة ردت على بعض أكابر العلماء، كما نقل ! ولله در القائل حيث يقول:
ومن ذا الذي تُرضى سجاياه كلها
كفى بالمرء نبلاً أن تعدّ معايبه
ولقد أحسن سيدنا الإمام العلامة المتقن ابن القيم في كتابه " حادي الأرواح إلى منازل الأفراح "، حيث قال: ويأبى الله العصمة لغير كتابه، والسعيد من عدت هفواته في جنب صوائبه.
وممن نحا سبل التلفيق الشاعر الفاسق، أبو نواس حسن بن هاني حيث زعم أن الإمام أبا حنيفة أباح النبيذ ! والإمام الشافعي قال: الخمر والنبيذ شيء واحد، فلفق من القولين نتيجة إباحة الخمر.
قال: أقلد أبا حنيفة في إباحة النبيذ ، وأقلد الشافعي في: أن الخمر كالنبيذ ، فالشافعي لم يفرق بينهما، لكنه حرمها، وأبو حنيفة حرم الخمر دون النبيذ فقال: أنا أقول بقول الشافعي في عدم الفرق، ولا أقول بقوله في التحريم، بل أقول بقول أبي حنيفة في إباحة النبيذ، ولا أقول بقوله في الفرق، ومزج ذلك في شعره.

والحق الذي لا محيد عنه أن التلفيق غير جائز، وأما التقليد فجائز، مع مراعاة ما قلد فيه، في جميع شروطه وواجباته، هذاالذي أقول به، تبعاً للأساطين والأئمة المعتبرين. قال أحمد ابن الطيبي الشافعي في منظومته فيما يحتاجه الشافعي في تقليد أبي حنيفة.
وبعد فاعلم أن من قلدا...من الأنام عالماً مجتهداً
فجائز له بأن يُقلدا...آخر، إلا أن يكون اعتقدا
بأن من قلده في الأول...أعلم من ثانيه فالمنع جلي
فهذا دلنا على أن من قلد إماماً، جاز له أن يقلد آخر، إن لم يكن اعتقد الذي قلده أولاً اعلم من الذي قلده ثانياً، وهذا واضح.

فإن لم تكن قلدت بالكلية... مالكاً، افعل ما مضى في النية
ففيا لوضوء مسح جميع الرأس...لكي تتمه، بلا التباس

وقال فيها: " من يقلده " يعني: أبا حنيفة " به " أي: بما يراه من عدم اشتراط اقتران النية بلفظة التكبير، يعني: تكبيرة الإحرام، " يقبل " أي: يعمل بهذا التقليد، ولا يعمل بتطهير يديه إلابطهارة مقبولة عند المقلد، وأما من مسح بعض رأسه على رأي الشافعي، وإن كان يرى صحة الوضوء بمسح بعض الرأس، لكنه يرى لمس الحرمة مبطلاً للطهارة، والإمام أحمد وإن كان يرى أن لمس الحرمة الأجنبية لغير شهوة لا ينقض الوضوء، لكنه يرى أن هذه من أصلها فاسدة، فكيف يقلد من يرى أنه لا طهر له ويصلي على مذهبه، وهو معتقد أنه محدث على رأيه ؟ هذا محال، ومما ينبغي أن يعلم أن الحق عند الله واحد، كما هو مقرر عند الأصوليين.

هذا هو المعتمد، فإذا الإنسان قلد إماماً فقد اعتقد أن ما نحاه إمامه راجح، وما عداه مرجوح هذا بحسب اعتقاد المقلد، فإن حقيقة الاعتقاد: حكم الذهن الجازم، ولا يلزم منه المطابقة للواقع، فإن طابق الواقع فهو اعتقاد صحيح، وإلا ففاسد، فالمقلد يعتقد أن ما نحاه إمامه حق، لكن يجوز أن يتطرق إليه خلاف ذلك، وأن ما خالف رأي إمامه محتمل، وهذه عبارة في غاية الأدب، بخلاف ما في كتب السادة الحنفية، فإنهم قالوا: يلزم المقلد أن يعتقد أن ما قاله إمامه صواب محتمل الخطأ، وما خالف إمامه خطأ محتمل الصواب، والحاصل أن الحق واحد، وأن التقليد جائز بشرط أن ما انتقل إليه لم يعتقد أنه خطأ، على ما قرره الناظم.

والذي أراه أنه غيرمشترط، حيث اختلف اعتقاده، ورجع عن تلك الاعتقادات، نعم. إذا كان حال انتقاله يعتقد أن الذي انتقل عنه هو الصواب، وأن ما انتقل إليه على ضده، فهذا لا يصح انتقاله إليه، لأنه معتقد بطلانه من غير شبهة، وأن التلفيق غير جائز، لما قررنا، هذا الذي أقوله وأنحاه، وللناس فيما يعشقون مذاهب، والله أعلم.

تمت وبالخير عمت.

محمد ماضى شداد
10-08-14 ||, 06:00 AM
جزاك الله خيرا