المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تعقيب شيخنا الباحسين على منتقدي تعريف الاستحسان بما ينقدح في الذهن



د. عامر بن محمد بن بهجت
10-08-26 ||, 03:50 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
قال شيخنا يعقوب الباحسين –نفع الله به-: ( والذي يبدو –والله أعلم- أن هذا التعريف قد أسيء فهمه، وكيل له من النقد ما لا ينبغي. فالذي يتمرس في الفقه، ويحيط علما بنصوص الشارع، ومقاصده، تصبح عنده ملكة يستطيع بها معرفة ما هو موافق للشرع وما هو مخالف. ويطلق عليه علماء القانون اليوم مصطلح (روح القانون)، فيردون أمورا بدعوى مخالفة روح القانون، ويأخذون بأمور بدعوى اتفاقها مع روح القانون. ولم يقل لهم: إن هذا هوس.
وقد تنبه إلى ذلك الإمام الطوفي (ت 716هـ) فقال: (من المعلوم بالوجدان أن النفوس يصير لها فيما تعانيه من العلوم والحرف ملكات قارة فيها تدرك بها الأحكام العارضة في تلك العلوم والحرف ، ولو كلفت الإفصاح عن حقيقة تلك المعارف بالقول ، لتعذر عليها ، وقد أقر بذلك جماعة من العلماء ، منهم ابن الخشاب (ت 567هـ) في جواب المسائل الإسكندرانيات ، ويسمي ذلك أهل الصناعات وغيرهم : دربة ، وأهل التصوف : ذوقا ، وأهل الفلسفة ونحوهم : ملكة.)
ونجد هذا المعنى عند طائفة أخرى من العلماء. ومن هؤلاء أبو الحسن علي بن عروة الحنبلي (ت 837هـ) الذي قال: (القلب إذا كان تقيا نظيفا زاكيا كان له تمييز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والهدى والضلال، لا سيما إذا كان قد حصل له إضاءة وذوق من النور النبوي فإنه حينئذ تظهر له خبايا الأمور...)
وينقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728هـ) قوله: (القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي) ) انتهى كلام شيخنا كتاب الاستحسان ص18-20


قال عويمر –عفي عنه-:
وله نظير عند علماء الحديث، في الحكم بتعليل الحديث بعلة خفية، قال ابن كثير: (وهو فن خفي على كثير من علماء الحديث، حتى قال بعض حفاظهم: معرفتنا بهذا كهانة عند الجاهل.
وإنما يهتدي إلى تحقيق هذا الفن الجهابذة النقاد منهم، يميزون بين صحيح الحديث وسقيمه، ومُعوجه ومستقيمه، كما يميز الصيرفي البصير بصناعته بين الجياد والسيوف، والدنانير والفلوس،. فكما لا يتمارى هذا، كذلك يقطع ذاك بما ذكرناه، ومنهم من يظن، ومنهم من يقف، بحسب مراتب علومهم وحذقهم واطلاعهم على طرق الحديث، وذوقهم حلاوة عبارة الرسول صلى الله عليه وسلم التي لا يشبهها غيرها من ألفاظ الناس.)
قال عبد الرحمن بن مهدي : ( معرفة الحديث الهام ، لو قلت للعالم يُعَلِّل الحديث من أين قلت هذا ؟ لم يكن له حجة ).
قال ابن نمير : ( صدق لو قلت من أين ؟ لم يكن له جواب ) .
قال السخاوي بعد أن نقل عبارة ابن مهدي ( لم يكن له حجة ) : ( يعني يعبر بها غالباً ، وإلا ففي نفسه حجج للقبول والرفض ) .
ويقول عبد الرحمن بن مهدي ـ أيضاً ـ : ( إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة ) .
وقال أبو داود السجستاني : ( وربما أتوقف عن مثل هذه ـ أي عن بيان العلل ـ لأنه ضرر على العامة أن يكشف لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث ، لأن علم العامة يقصر عن مثل هذا ) .
ولهذا كانوا يشبهون معرفتهم بهذا العلم ـ لمن هو ليس من أهله ـ بمعرفة الصيرفي للذهب :
قال الخطيب البغدادي : ( المعرفة بالحديث ليست تلقيناً ، وإنما هو علم يحدثه الله في القلب . ثم قال : أشبه الأشياء بعلم الحديث معرفة الصرف ونقد الدنانير والدراهم ، فإنه لا يعرف جودة الدينار والدراهم بلون ولا مس ولا طراوة ولا دنس ولا نقش ولا صفةٍ تعود إلى صغر أو كبر ولا إلى ضيق أو سعة ، وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة ، فيعرف البَهرج والزائف والخالص والمغشوش ، وكذلك تمييز الحديث ، فإنه عِلم يخلقه الله تعالى في القلوب بعد طول الممارسة له والاعتناء به ) .
انتهى من: التعريف بعلم علل الحديث للحلاف "نسخة الشاملة"

د. عامر بن محمد بن بهجت
10-08-26 ||, 04:13 PM
قال ابن تيمية -رحمه الله-
(القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي .
قال : فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه إن هذا الأمر أو هذا الكلام أرضى لله ورسوله كان هذا ترجيحا بدليل شرعي (*) والذين أنكروا كون الإلهام ليس طريقا إلى الحقائق مطلقا أخطؤوا فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة فإلهام مثل هذا دليل في حقه وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف ؛ وأصول الفقه . وقد قال عمر بن الخطاب : اقربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون ؛ فإنهم تتجلى لهم أمور صادقة . وحديث مكحول المرفوع { ما أخلص عبد العبادة لله تعالى أربعين يوما إلا أجرى الله الحكمة على قلبه ؛ وأنطق بها لسانه وفي رواية إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه } . وقال أبو سليمان الداراني : إن القلوب إذا اجتمعت على التقوى جالت في الملكوت ؛ ورجعت إلى أصحابها بطرف الفوائد ؛ من غير أن يؤدي إليها عالم علما . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم { : الصلاة نور ؛ والصدقة برهان ؛ والصبر ضياء } ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها ؟ ولا سيما الأحاديث النبوية ؛ فإنه يعرف ذلك معرفة تامة ؛ لأنه قاصد العمل بها ؛ فتتساعد في حقه هذه الأشياء مع الامتثال ومحبة الله ورسوله حتى أن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده منه تلويحا لا تصريحا .
والعين تعرف من عيني محدثها * * * إن كان من حزبها أو من أعاديها
إنارة العقل مكسوف بطوع هوى * * * وعقل عاصي الهوى يزداد تنويرا
وفي الحديث الصحيح : { لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها } " ومن كان توفيق الله له كذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة ؟ وإذا كان الإثم والبر في صدور الخلق له تردد وجولان ؛ فكيف حال من الله سمعه وبصره وهو في قلبه . وقد قال ابن مسعود : الإثم حواز القلوب وقد قدمنا أن الكذب ريبة والصدق طمأنينة فالحديث الصدق تطمئن إليه النفس ويطمئن إليه القلب . وأيضا فإن الله فطر عباده على الحق ؛ فإذا لم تستحل الفطرة : شاهدت الأشياء على ما هي عليه ؛ فأنكرت منكرها وعرفت معروفها . قال عمر : الحق أبلج لا يخفى على فطن . فإذا كانت الفطرة مستقيمة على الحقيقة منورة بنور القرآن . تجلت لها الأشياء على ما هي عليه في تلك المزايا وانتفت عنها ظلمات الجهالات فرأت الأمور عيانا مع غيبها عن غيرها . وفي السنن والمسند وغيره عن النواس بن سمعان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ؛ وعلى جنبتي الصراط سوران ؛ وفي السورين أبواب مفتحة ؛ وعلى الأبواب ستور مرخاة ؛ وداع يدعو على رأس الصراط . وداع يدعو من فوق الصراط ؛ والصراط المستقيم هو الإسلام ؛ والستور المرخاة حدود الله ؛ والأبواب المفتحة محارم الله فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب ناداه المنادي : يا عبد الله لا تفتحه ؛ فإنك إن فتحته تلجه . والداعي على رأس الصراط كتاب الله ؛ والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مؤمن } فقد بين في هذا الحديث العظيم - الذي من عرفه انتفع به انتفاعا بالغا إن ساعده التوفيق ؛ واستغنى به عن علوم كثيرة - أن في قلب كل مؤمن واعظا والوعظ هو الأمر والنهي ؛ والترغيب والترهيب . وإذا كان القلب معمورا بالتقوى انجلت له الأمور وانكشفت ؛ بخلاف القلب الخراب المظلم ؛ قال حذيفة بن اليمان : إن في قلب المؤمن سراجا يزهر . وفي الحديث الصحيح : " { إن الدجال مكتوب بين عينيه كافر يقرؤه كل مؤمن قارئ وغير قارئ } فدل على أن المؤمن يتبين له ما لا يتبين لغيره ؛ ولا سيما في الفتن وينكشف له حال الكذاب الوضاع على الله ورسوله ؛ فإن الدجال أكذب خلق الله مع أن الله يجري على يديه أمورا هائلة ومخاريق مزلزلة حتى إن من رآه افتتن به فيكشفها الله للمؤمن حتى يعتقد كذبها وبطلانها . وكلما قوي الإيمان في القلب قوي انكشاف الأمور له ؛ وعرف حقائقها من بواطلها وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف وذلك مثل السراج القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم ؛ ولهذا قال بعض السلف في قوله : { نور على نور } قال : هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر فإذا سمع فيها بالأثر كان نورا على نور . فالإيمان الذي في قلب المؤمن يطابق نور القرآن ؛ فالإلهام القلبي تارة يكون من جنس القول والعلم ؛ والظن أن هذا القول كذب . وأن هذا العمل باطل ؛ وهذا أرجح من هذا ؛ أو هذا أصوب . وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر } . والمحدث : هو الملهم المخاطب في سره . وما قال عمر لشيء : إني لأظنه كذا وكذا إلا كان كما ظن وكانوا يرون أن السكينة تنطق على قلبه ولسانه . وأيضا فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقينا وظنا ؛ فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى ؛ فإنه إلى كشفها أحوج فالمؤمن تقع في قلبه أدلة على الأشياء لا يمكنه التعبير عنها في الغالب فإن كل أحد لا يمكنه إبانة المعاني القائمة بقلبه فإذا تكلم الكاذب بين يدي الصادق عرف كذبه من فحوى كلامه فتدخل عليه نخوة الحياء الإيماني فتمنعه البيان ولكن هو في نفسه قد أخذ حذره منه وربما لوح أو صرح به خوفا من الله وشفقة على خلق الله ليحذروا من روايته أو العمل به . وكثير من أهل الإيمان والكشف يلقي الله في قلبه أن هذا الطعام حرام ؛ وأن هذا الرجل كافر ؛ أو فاسق ؛ أو ديوث ؛ أو لوطي ؛ أو خمار ؛ أو مغن ؛ أو كاذب ؛ من غير دليل ظاهر بل بما يلقي الله في قلبه . وكذلك بالعكس يلقي في قلبه محبة لشخص وأنه من أولياء الله ؛ وأن هذا الرجل صالح ؛ وهذا الطعام حلال وهذا القول صدق ؛ فهذا وأمثاله لا يجوز أن يستبعد في حق أولياء الله المؤمنين المتقين . وقصة الخضر مع موسى هي من هذا الباب وأن الخضر علم هذه الأحوال المعينة بما أطلعه الله عليه . وهذا باب واسع يطول بسطه قد نبهنا فيه على نكت شريفة تطلعك على ما وراءها .)

مجموع الفتاوى 20/41 بواسطة الشاملة

ممدوح بن سالم الثبيتي
10-08-26 ||, 06:03 PM
أفادك الله ياشيخ عامر..

والأمثلة كثيرة في كثير من مجالات الحياة ...فكل أهل صنعة عندهم عجائب في ذلك.

ولكن السؤال :

هل يمكن أن يحيلنا الشرع لمثل هذا الإستحسان ؟

بمعنى لو سألتَ فقيه - متمرس في الفقه ومقاصد الشريعة من عشرات السنين , وشهد له أهل الفن بذلك - عن حكم مسألة فقهية , وأجاب عنها وذكر الحكم فيها , ولما سألناه عن الدليل؟
ذكر أنه (شيئ انقدح في نفسه لا يستطيع التعبير عنه ).

هل نقبل منه ذلك؟؟

د. عامر بن محمد بن بهجت
10-08-27 ||, 10:59 AM
شكرا لمشاركتك شيخ ممدوح
بالمناسبة لم أكتب الموضوع لتبني حجية ما ينقدح في الذهن وإنما أردت بيان أن ذاك التعريف الذي يتهكم به عادة في الدرس الأصولي قد ظلم

وأما
هل نقبل منه؟

يظهر أن إثبات حجيته لنفس المجتهد لا يلزم منه حجيته على غيره
ولو قيل بحجيته على غيره ففي المقلد دون المجتهد
نظيره لو كان عند المجتهد دليل من القرآن أو السنة لم نفهمه أو لم نفهم وجه دلالته

زايد بن عيدروس الخليفي
10-09-28 ||, 02:02 PM
لي نظرة في هذه القضية ،، وهي أن كل ما يقال عنه أنه من هذا القبيل فله مستند علمي صحيح ولكن ليست له قاعدة مطردة ،،
ونصوص الأئمة -وخاصة أئمة الحديث- إنما هي في عدم استطاعة شرح ذلك لغير المتخصص أو صعوبة التعبير عن تلك القرائن المجتمعة التي أدت إلى حكمه ،، هذه وجهة نظري ،، وهي قابلة للتصحيح ؟