المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارك الاستدلال والنظر ج2 لشيخنا أبي إسحاق الزواوي الجزائري



ابو البراء
08-04-02 ||, 11:05 PM
المبحث الثاني: حجية الاستدلال.



لم نقف عند دراستنا هذه على من ذكر الاستدلال وحجيته باستثناء صاحب "البرهان"، وتابعه في ذلك أبو المظفر السمعاني فأعاد رسم ما ذكره الجويني بأسلوبه الخاص, ولم يزد إلا أن تعقبه في مواضع محصورة، أما غيرهما من الأصوليين فلا تكاد تجد عبارة في حجية الاستدلال, ولعل ذلك راجع إلى اكتفائهم بالأدلة التي اعتادوا ذكرها عند إثبات حجية القياس على منكريه, إذ جلها يصلح أن يكون دليلا في هذا الباب, علما أن الأصوليين يرون بأن الاستدلال نفس القياس, إلا أن "القياس بلفظ موجز محرر, والاستدلال بلفظ مبسوط([1])".

واعتذار آخر يمكن سوقه في هذه المقدمة هو أنهم لما اختلفوا في صور من صور الاستدلال وفي جوار الأخذ بها فإنهم وفروا الجهد وأعملوا القريحة ونصبوا الأدلة في تلك المواضع التي نازعهم فيها المخالف، ولما لم تكن دراستنا هذه موضوعة لكل جزئيات الاستدلال, فإننا قد نكتفي هنا بذكر مذاهب العلماء في الاستدلال بعبارات موجزة ومهذبة مقتبسة من "القواطع" و"البرهان".

وقد اختلف الأصوليون في الاستدلال على ثلاثة مذاهب :



v [المذهب الأول]:

ذهب جماعة إلى رد الاستدلال, وقالوا لا يجوز أن يكون المعنى دليلا حتى يستند إلى أصل، وقد ذهب إليه القاضي أبو بكر الباقلاني([2]) وجماعة من المتكلمين ([3]).

v [المذهب الثاني]:

ذهب الشافعي وطائفة من أصحا ب أبي حنيفة إلى اعتبار الاستدلال حجة وإن لم يستند على أصل, ولكن من شرطه قربه من معاني الأصول المعهودة([4]).

v [المذهب الثالث]:

أنه يجوز اتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب, قربت من موارد النص أو بعدت, إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع([5]).

وحكاه أبو المظفر مذهبا لمالك, فقال"وأفرط مالك في جواز القول بالاستدلال, وجوز مصالح بعيدة عن المصالح المعهودة والأحكام المعروفة في الشرع([6])".

وكلام الجويني وأبي المظفر منصب على الاستصلاح, أو بالأحـرى على "المصالح المرسلة" التي أخذ بها مالك رحمه الله، فالخلاف بين أصحاب المذهبين الأخيرين ليس في حجية الاستدلال وإنما في وجوه الاستدلال, وفي حدوده التي لا يجوز الخروج عنها، ولذا نرى أنه قد يكتفى بذكر دليل الفريق الأول والثاني دون الثالث لاندراج أدلته مع ما قبله.

v [أدلة الفريق الأول] ([7]):

وحجة أبي بكر الباقلاني ومن وافقه ما يلي:

أولا: الدلائل محصورة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس على أحدها، والاستدلال الذي يذكرونه خارج عن هذه الأقسام.

ثانيا: المعاني التي حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشرع، وعدم اشتراط استنادها إلى الأصول يجعلها غير منضبطة، فيتسع الأمر، ويصير الشرع بذلك راجعا إلى وجوه الرأي من الناس، فيفعل كل إنسان ما يراه ويعتقده مما يؤدي إلى إبطال أبَّهةِ الشريعة ورونقها، ويُذهب طراوتها وبهاءها، وينسكب ماؤها، ثم تختلف بعض تلك المصالح باختلاف الناس والزمان والمكان وتختلف أحكام الله غاية الاختلاف، فيكون حكم الله اليوم خلاف ما كان عليه الأمس، وما أدى إلى هذا القول فهو باطل.

ثالثا: إن مُعاذًا([8]) tلم يذكر إلا الكتاب والسنة والقياس فدل ذلك على بطلان غيرهما من الأدلة.



v [أدلة الفريق الثاني] ([9]):

احتج أصحاب الفريق الثاني على صحة مذهبهم بما يلي:

أولا: نعلم قطعا أنه لا تخلو حادثة عن حكم الله تعالى منسوب إلى شريعة محمد r بدليل أنه لم يرد



عن السلف أنهم أعروا حادثة أو واقعة عن بيان حكم الله فيها، ونحن نعلم كثرة الوقائع والفتاوى وازدحام الأحكام وهم على تعبير أبي المظفر "قد استرسلوا في بث الأحكام استرسال واثق بانبساطها على جميع الوقائع، وقد تصدوا لإثباتها فيما وقع، وتشوفوا إلى إثباتها فيما سيقع" ومن هذا كله فإنه لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما وسع القياس لكل ذلك، فإن المنصوصات ومعانيها لا تنسحب على كل الوقائع، ولزادت الأحكام المتوقف فيها على الفتاوى الصادرة منهم.

ثانيا: أن الصحابة لم يكونوا يقيسون على ما يفعله القائسون اليوم، بل كانوا يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى أصولٍ، كانت أو لم تكن.

ثالثا: الأصول قاصرة عن كثير من المعاني والعلل الجزئية، ولما لم تكن الحجة في الأصول وإنما في معانيها كان التمسك بتلك المعاني جائزا.



الرد والترجيح:

وأما الرد على أصحاب الفريق الأول فيمكن إيجازه فيما يلي:

أولا: أما الاعتراض الأول فقد ظهر الجواب عليه فيما ذكر الآن من حجج.

ثانيا: وأما دعوى خروج الأمر إلى الفوضى وعدم الضبط وانحلال أمر الشرع فغير لازم لأننا نعتبر وجود معنى لا يدفعه أصل من أصول الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع.

ثالثا: وأما أن معاذا لم يذكر إلا الكتاب والسنة والقياس فمردود من حجة لفظه الذي تروونه، حيث ذكر الإجتهاد لا القياس، والإجتهاد باب واسع تدخل فيه جميع هذه المعاني التي ذكرناها.

فيترجح بهذا القول صحة الاستدلال وحجتيه، وذلك في الجملة، وإلا فإن الأصوليين ينازع بعضهم بعضا في أنواعه المختلفة، وهذه الدراسة لم تعقد لبيان ذلك، وهذا ما جعلنا نضرب عنها صفحا في هذه المقدّمات.



يتبع ......

لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد

--------------------------------------------------------------------------------

[1] / الاستدلال عند الأصوليين، علي بن عبد العزيز ص37.

[2] / الباقلاني: هو محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر القاسم البصري البغدادي المعروف بالباقلاني، ولد سنة 338هـ، كان متكلما على مذهب الأشعري واختلف في مذهبه في الفروع، فقيل كان مالكا وقيل شافعيا، من شيوخه: أبو بكر القطيعي والحسن النيسابوري، نشأ بالبصرة وسكن بغداد، له شرح الإبانة والتقريب والإرشاد، والتبصرة، ودقائق الحقائق، توفي سنة 403هـ.

[3] / البرهان (ج2ص161) والقواطع (ج4ص492).

[4] / نفس المرجع.

[5] / البرهان للجويني (ج2ص161).

[6] / قواطع الأدلة للسمعاني ج4ص492).

[7] / القواطع نفس المصدر بتصرف، وقد نقل نصا نفيسا لأبي بكر الباقلاني في موضوع الاستدلال هذا.

[8] / إشارة إلى حديث معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن وفيه قوله t "أجتهد رأيي ولا آلو" والحديث ضعيف من حيث الصناعة الحديثية وإن كان معناه صحيحا، وقد تلقته الأمة بالقبول، ولصاحب أضواء البيان تحقيق نفيس في المسألة ذكره في تفسير سورة بني إسرئيل.

[9] / جملة هذه الأدلة مأخوذة من "القواطع" بتصرف (ج4 ص493 وما بعدها).

أمنة محمد سعيد
11-06-28 ||, 01:58 PM
شكراااااااااااااااااااااا ااااااموضوع في قمة الروعة ولقد استفدت منه

محمد محسن راضي
13-09-16 ||, 03:50 PM
بارك لله فيك هل بقية البحث متوفرة
نرجو وضعها على المنتدى

د. ابن الخطيب الهاشمي
13-11-14 ||, 08:07 PM
هل توجد بقية لهذا البحث

فيصل ابن محمد ابن ادريس
13-11-15 ||, 10:47 PM
بارك الله فيك