المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : اغلاق باب الاجتهاد -حقيقة أم أكذوبة



طارق يوسف المحيميد
10-09-20 ||, 11:16 AM
إغلاق باب الاجتهاد – حقيقة أم أكذوبة

تتذاكر كتب تاريخ الفقه مسيرة حافلة بالإنتاج وتسرد مسيرة التشريع الإسلامي منذ عصر التنزيل وما رافقه من السيرة النبوية وحوادث الاجتهاد من الصحابة والتي لاقت تشجيعا من النبي الكريم , لتصل بنا المسيرة الى الأئمة الأربعة والمسمى " عصر الأئمة المجتهدين " وهذه التسمية بحد ذاتها - وهي تحمل تقديرا للائمة – تحمل في ثناياها إشارة إلى بدايات هجر الاجتهاد وضموره ( تماما مثل تسمية عصر الخلفاء الأربعة بالراشدين) وكأن ما بعد هذا الزمن هو غير راشد وما بعد الأئمة الأربعة المجتهدين غير اجتهادي .
وكتب تاريخ التشريع وهي تجمع على فرضية الاجتهاد الكفائية تقف عند باب "إغلاق باب الاجتهاد " فتذكر خجلة أن باب الاجتهاد مفتوح " لكن لمن يملك شروطه " وتعددها.
وعند البحث عن أسباب إغلاق هذا الباب وترك هذه الفريضة لا نجد بحثا جادا –على حد علمي – مع الاستعانة بغوغل يوضح أهم الإسباب العلمية وراء ذلك .سوى الاتكاء على فرضية لا أجد لها رصيدا حقيقيا وهي أن ذلك من باب السياسة الشرعية حتى لا يكون مدخلا للولاة للتملص من الأحكام الشرعية .
والحق أن الموضوع أكبر من ذلك وله جانب اجتماعي لا يستهان به وأعتقد ان طلاب العلم ذاتهم كانت جنايتهم كبيرة في هذا الباب .وان التحاسد كان من أهم الأسباب وراء ضعف حركة الاجتهاد وضموره .
ذلك أن "عداوة الكار " موجودة لدى طلاب العلم وبشكل كبير يفوق " الكارات الاخرى " حتى ان الشيخ محمد الغزالي قال " لو ان طلاب العلم وجهوا الأحقاد الموجودة بينهم إلى عدوهم لقضوا عليه " . وبتخميني أن ممارسات اجتهادية - وعلى مستوى ممارسات الأئمة الأربعة - قد حصلت من قبل طلاب الأئمة ومن تبعهم , لكنها – ظني – أنها قد لقيت معارضة عنيفة من زملاء الكار حسدا وحقدا وعداوة , وان هؤلاء الحساد وباسم الائمة والتمسك بإرثهم والمحافظة عليه وعدم الخروج على عظمة إرث الشافعي وابو حنيفة ومالك واحمد ضربوا التجارب والممارسات الاجتهادية الجديدة , وكان أقوى الأسلحة لدى هؤلاء هو السلطة الاجتماعية وهي تدين بمذاهب الأئمة , فهيجوا العامة وأوحوا لهم أم هؤلاء يريدون الخروج على فقه الأئمة الأربعة وصوروا لهم الموضوع على انه خروج على الكتاب والسنة , فرضخ هؤلاء المجتهدون الجدد وهربوا بأشكال مختلفة منها نسبة أقوالهم الاجتهادية الجديدة إلى احد الأئمة ليكون مقبولا , ومنها ترك الاجتهاد لما يسبب من متاعب كثيرة ليس آخرها إغراء السلطان أن هذا " المجتهد الجديد " يحرض الناس ويخرج على السلطان ......الخ .
أعلم أن البعض لا يقبل هذا الكلام حتى يكون له هوامش أذكر فيها أسماء مراجع ومصادر هذا الكلام وأرقام الصفحات , وهذا بحد ذاته ضرب لممارسة اجتهادية وعدم قبول رأي إلا إن قال به احد القدماء.
هذا الظن والتخمين الذي سقته تؤيده المشاهدات اليومية لطلاب العلم لاسيما الزملاء منهم فعندما يتقارب شخص ما زمانا ومكانا مع آخر تراه يعارضه في كل رأي جديد يأتي به لكن هذا الشخص لو نسب الرأي الجديد إلى "ابن أبي بلتعة " أو " ابن أبي الأصفر " " الخ ...." لسلم له في قوله وربما مجد هذا الرأي وأعجب به ونشره .
وعند مراجعة شروط الاجتهاد لا نجدها تجعل من الاجتهاد أمرا عسيرا وبظني أن من يتخرج من جامعة إسلامية ويجتاز الدراسات العليا يمتلك هذه الشروط . هذا لو سلمنا بهذه الشروط وكأنها نص قرآني قطعي الدلالة والثبوت .
وإليكم الشروط :
شروط المجتهد:

وهذه الشروط كما يلي [انظر: روضة الناظر، ص(190-191)]:

1 - إحاطة المجتهد بمدارك الأحكام المثمرة لها من كتاب وسنة وإجماع واستصحاب وقياس، ومعرفة الراجح منها عند ظهور التعارض، وتقديم ما يجب تقديمه منها، كتقديم النص على القياس.

2 - علمه بالناسخ والمنسوخ ومواضع الإجماع والاختلاف، ويكفيه أن يعلم أن ما يستدل به ليس منسوخًا، وأن المسألة لم ينعقد فيها إجماع من قبل.

3 - معرفته بالعام والخاص، والمطلق والمقيد، والنص والظاهر والمؤول، والمجمل والمبين، والمنطوق والمفهوم، والمحكم والمتشابه.

4 - معرفته بما يصلح للاحتجاج به من الأحاديث من أنواع الصحيح والحسن، والتمييز بين ذلك وبين الضعيف الذي لا يحتج به، وذلك بمعرفته بأسباب الضعف المعروفة في علم الحديث والأصول.

5 - أن يكون على علم بالنحو واللغة العربية يمكنه من فهم الكلام.

تلك أهم الشروط التي لابد من توافرها في المجتهد، والعدالة ليست شرطًا من أصل الاجتهاد، وإنما هي شرط في قبول فتوى المجتهد، ولا يشترط كذلك حفظه لآيات الأحكام وأحاديثها، بل يكفي علمه بمواضعها في المصحف وكتب الحديث، ليراجعها عند الحاجة.





وهذا قرار مجمع الفقه الإسلامي :
أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، في دورته الثامنة المنعقدة بمبنى رابطة العالم الإسلامي، بمكة المكرمة في الفترة ما بين 27 ربيع الآخر 1405هـ و 8 جمادى الأولى 1405هـ الموافق 18-29 يناير 1985م قد نظر في موضوع الاجتهاد، وهو بذل الجهد في طلب العلم، بشيء من الأحكام الشرعية، بطريق الاستنباط من أدلة الشريعة. فالهيكل الأساسي للاجتهاد، يتطلب تمام المعرفة، باستجماع الشروط، فلا مجال للاجتهاد إلا بها، تحصيلاً لهذا الفرض الكفائي، كما قال تعالى: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ) [التوبة:122]. فقد أفادت الآية، أن التفقه في الدين، يتطلب التفرغ له، فلابد في الاجتهاد من أخذ الحيطة الكاملة، للوصول إلى الفهم الفقهي الصحيح.
وأوضح السيوطي إيضاحًا كاملاً، فرضية الاجتهاد، وأنه لم ينقطع، وذلك في كتابه (الرد على من أخلد إلى الأرض، وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض) فبابه لم يغلق، ولا يملك أحد إغلاقه، ولاسيما أن علماء الأصول- حين بحثوا مسألة جواز خلو الزمن عن مجتهد، أو عدم خلوه- اتفقوا على أن باب الاجتهاد مفتوح أمام من تتوافر فيه شروطه، وإنما تقاصرت الهمم عن تحصيل درجة الاجتهاد، وهي التضلع في علوم القرآن، والسنة المطهرة، وأصول الفقه، وأحوال الزمن، ومقاصد الشريعة، وقواعد الترجيح، عند تعارض الأدلة، مع عدالة المجتهد، وتقواه، والثقة بدينه.
وينقسم الاجتهاد أربعة أقسام:
القسم الأول: المجتهد المطلق. كالأئمة المقتدى بهم.
القسم الثاني: المجتهد في المذهب، وله أربع أحوال ذكرها الأصوليون.
القسم الثالث: مجتهد الترجيح.
القسم الرابع: المجتهد في فن، أو في مسألة، أو مسائل، وهو جائز- بناء على أن الاجتهاد يتجزأ - وهو المختار.
لذلك كله قرر المجلس بالإجماع:
1- أن حاجة العصر إلى الاجتهاد حاجة أكيدة، لما يعرض من قضايا، لم تعرض لمن تقدم عصرنا. وكذلك ما سيحدث من قضايا جديدة في المستقبل فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل، على الاجتهاد، حين لا يجد نصًّا من كتاب الله تعالى، ولا سنة رسوله صلى الله عليه وسلم- وذلك حين قال معاذ (أجتهد رأيي، ولا آلو)- وحينئذ تحفظ للإسلام جدته وصلاحيته للعصور كلها، إذ تحل المشكلات في المعاملات، ونظم الاستثمارات الحديثة، وسواها من المشكلات الاجتماعية. وحبذا لو أقيم مركز يجمع ما يصدر عن المجامع، والمؤتمرات، والندوات، لينتفع بذلك، وتزود به كليات الشريعة، والدراسات العليا الإسلامية، وبذلك يشع الإسلام، وفي ذلك ضمان لحياة مستقيمة صالحة.
2- أن يكون الاجتهاد جماعيًّا، بصدوره عن مجمع فقهي، يمثَّل فيه علماء العالم الإسلامي، وأن الاجتهاد الجماعي هو ما كان عليه الأمر في عصور الخلفاء الراشدين كما أفاده الشاطبي في الموافقات، من أن عمر بن الخطاب، وعامة خيار الصحابة، قد كانت ترد عليهم المسائل، وهم خير قرن، وكانوا يجمعون أهل الحل والعقد من الصحابة، ويتباحثون ثم يفتون. وسار التابعون على غرار ذلك، وكان المرجع في الفتاوى إلى الفقهاء السبعة، كما أفاده الحافظ ابن حجر في التهذيب، ذكر أنهم إذا جاءتهم المسألة، دخلوا فيها جميعًا، ولا يقضي القاضي، حتى يرفع إليهم، وينظروا فيها.
3- توافر شروط الاجتهاد المطلوبة في المجتهدين، لأنه لا يتأتى اجتهاد بدون وسائله، حتى لا تتعثر الأفكار، وتحيد عن أمر الله تعالى، إذ لا يمكن فهم مقاصد الشرع، في الكتاب الكريم وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بها.
4- الاسترشاد بما للسلف، حتى يقع الاجتهاد على الوجه الصحيح، فلا يسلك إليه حديثًا إلا بعد معـرفـة مـا سبق للسـلف، فـي كل شأن، والاستعانة بمــا قدمه الأئمة المقتدى بهم، وإلا اختلطت السبل، فإن كتب الفقه الإسلامي المستنبط من الكتاب والسنة، أكبر عون على ما يعرض من المشكلات، إلحاقًا لها بنظائرها.
5- أن تراعى قاعدة أنه (لا اجتهاد في مورد النص)، وذلك حيث يكون النص قطعي الثبوت والدلالة، وإلا انهدمت أسس الشريعة.
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين.
والله أعلم.

ممارسة معاذ الاجتهادية :
وتحضرني هنا ممارسة اجتهادية من نوع فريد فكم نكتفي –طلاب العلم- ونحن نتحدث عن الاجتهاد أن نستحضر حديث معاذ المشهور " أجتهد رأيي ولا آلو " والذي قال فيه ابن القيم رحمه الله " شهرته تغني عن إسناده " دون أن نذكر مثالا لاجتهاداته ,و لقد مر بي وأنا اقرأ فتح الباري أن معاذ بن جبل رضي الله عنه أخذ من أهل اليمن زكاة الحنطة والشعير ولكنه أخذها ثيابا بدلا عن الحبوب وأرسلها للصحابة في المدينة مستخدما مبدأ المصلحة مع العلم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له فأعلمهم : " أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم " . والظاهر في هذا النص أن الزكاة يجب ان تصرف في المكان الذي تؤخذ فيه , وربما احتج بهذا بعض المذاهب في عدم جواز نقل الزكاة من موطنها الى موطن آخر كما اختلف الفقهاء في جواز دفع القيمة .
يعنيني أيضا في هذا السياق أن أذكر أن معاذا رضي الله عنه كان عمره صغيرا فقد توفي رضي الله عنه في الأردن في خلافة عمر وعمره إذ ذاك /34/او /36/ سنة .
ولنا الحق أن نتساءل لو كان معاذ موجودا في عصر ما بعد الأئمة المجتهدين هل ستلاحقه ألسنة معاصريه وهل سيحرم من حق الاجتهاد باسم المحافظة على القديم وباسم الخروج على المذاهب وهل كان عليه ان يأتي على اجتهاده بدليل - ليس شرطا من النصوص الدينية - بل من نصوص الفقه .

يبقى لي أن أذكر ان البعض يقول بأن مقولة إغلاق باب الاجتهاد ليس إلا أكذوبة روج لها آخرون تحت ضغائن طائفية ولكن الحقيقة أن الاجتهاد بقي مستمرا ومنتجا للأحكام الشرعية وأصيب بما أصيبت به الأمة عامة من الضعف والوهن لكن لم يتوقف .
إنني أسمح لعقلي وقد تخرجت من جامعة إسلامية عريقة وعرضته على الناس أيام الجمع كما خبرت أساليب العربية وأجزت بعلومها وآدابها ومكتبتي تحوي كتبا في الأصول والفقه والمقاصد والحديث –والشبكة العنكبوتية توفر الكثير من المعلومات -, أسمح لعقلي أن يتحرك في النص الديني –قرآنا وسنة- وانا مطمئن النفس منشرح الصدر أن لي أجرا واحدا على الأقل وأن الآخرون "المتشبثين" بالنص الفقهي لن ينالوا الأجر ذاته "اجر تحريك العقل وفهم النصوص " .

حبذا لو سرنا على نهج الصحابة فلقد كانوا يجتهدون فلا يعيب بعضهم على آخر فيصلي بعضهم في الطريق إلى بني قريضة ويصلي آخرون في بني قريضة وقد خرج الوقت الافتراضي للصلاة ولا احد يبطل صلاة الآخر . والأمثلة كثيرة .
وفي هذا القدر كفاية وفي الدعوة إلى ممارسة الاجتهاد تذكير وخير , دون تعريض أو تلغيز أو تلوين للكلمات , وصلى الله على نبينا ومعلمنا محمد وعلى آله وصحبه .

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-09-20 ||, 12:08 PM
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد.
شكر الله لكم، وبارك فيكم يا شيخ طارق.
وللإمام الكبير محمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة 840 هجريه كلام طويل مبثوث في سائر مصنفاته بخصوص الاجتهاد وإمكانيته وتجزؤه لو جمع واستخلص لأفاد في الموضوع كثيراً؛ لاسيما وقد ناهض الزيديه التي تفتح باب الاجتهاد وقد اغلقته دونه لما خالفها في كثيرٍ من مسائل الاصول والفروع؛ فنتج عنها غالب مصنفاته.
وقد أحدث بهذا مدرسة يمانية شهيرة كان فاتح بابها, ومؤسسها وإمامها.
وما الإمام ابن الإمير الصنعاني والعلامة الشوكاني إلا خريجا مدرسته, وتلميذا كتبه.
ونحن نرى اليوم أثر المدرسة اليمانية وتكوينها مساراً فقهياً مؤثراً في المسيرة العلمية لدى أفراد طلبة العلم في الأمة؛ فضلاً عن كبريات مؤسساتها التعليمية العريقة.