المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : التعليل بالحكمة بين ابن تيمية وابن القيم



د.محمود محمود النجيري
10-10-12 ||, 04:04 AM
التعليل بالحكمة
بين ابن تيمية وابن القيم




قال عبد العظيم شرف الدين:

"ابن القيم من الفقهاء الذين يرون أن الأحكام تُبنى على الأوصاف المناسبة, بخلاف ابن تيمية الذي يرى أنها تُبنى على الأغراض والمصالح المقصودة منها, كما وضَّح ذلك أستاذنا الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابيه: "ابن حنبل", و"ابن تيمية". وإليك ما كتبه ابن القيم, ومنه يظهر أنه يرى بناء الأحكام على العلل والأوصاف المؤثرة, كما هو رأي جمهور الفقهاء"[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).

وساق كلام ابن القيم, ثم قال:

"من هذا كله يتبين لنا أن ابن القيم ممن يرون بناء الأحكام على العلل والأوصاف المؤثرة. وبهذا تستقيم الأحكام, وتسير على سَنَن واحدة, إذ لو رُبطت الأحكام بالمصالح فإن الأمر يصبح عرضة للادعاءات. وكل صاحب هوىً في أمر, يدعي أن فيه مصلحة؛ ليتوصل إلى غرضه؛ ولذا لا تصلح المصلحة مناطا للأحكام"[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2).

وفي هذا النقل خطأن أساسيان:

الخطأ الأول: قول عبد العظيم شرف الدين بأن ابن القيم يخالف أستاذه ابن تيمية في القياس. فيرى ابن القيم يبنى الأحكام على المعاني والأوصاف المؤثرة. ويجعل في مقابله بناء ابن تيمية الأحكام على المصلحة.

والصواب أن ابن تيمية ومعه في هذا تلميذه ابن القيم, اعتبرا أن الوصف المؤثر في الحكم هو الحكمة, أي الوصف المناسب الذي يتفق مع أغراض الشارع العامة, وهي جلب المصالح ودفع المضار. وسنزيد ذلك بيانًا.

الخطأ الثاني: قول عبد العظيم شرف الدين بأن محمد أبو زهرة قال بهذا التخالف المزعوم بين الشيخين في كتابيه المذكورين.

والصحيح أن محمد أبو زهرة ما قال هذا مطلقًا في كتابيه المذكورين, وإنما قال بتوافق الشيخين في هذه المسألة, كما ذكرنا آنفًا, وكما سنوضح بعد سطور.

ولتوضيح هذه المسألة نقول: اختلف الفقهاء في ربط الحكم بعلته, أو بحكمته, فقال الجمهور بربط الحكم الشرعي بالعلة التي هي وصف ظاهر منضبط مناسب للحكم. وقال آخرون بربط الحكم الشرعي بالحكمة. ومن المتقرر أن ما شرعه الله من أحكام لم يشرعه إلا لمصلحة الناس من جلب منفعة لهم, أو دفع مضرة عنهم, ولذا كانت تلك المصلحة هي الغاية المقصودة من التشريع, وسميت لذلك بحكمته.

وقد يوحي هذا بأن يكون كل حُكم مرتبطًا بحكمته, ومبنيًا عليها, بحيث يرتبط وجوده بوجودها وعدمه بعدمها؛ لأنها الباعث على تشريعه, والغاية المقصودة منه. ولكن ظهر من استقراء الأحكام وحكمها أن لا ارتباط بينهما, وأن الحكم قد يوجد بدون حكمته في بعض الجزئيات حيث تكون الحكمة أمرًا غير ظاهر, ولا تُدرك بحاسة من الحواس, وليس من اليسير التحقق من وجودها أو عدمها بالنسبة إلى أصناف الناس وأحوالهم, وذلك كما في إباحة الفطر في رمضان للمسافر دفعًا لما يلحقه في سفره من مشقة بسبب الصيام, فكانت المشقة مختلفة, تبعًا لاختلاف حال السفر وحال المسافر, وكان انضباطها والتحقق من وجودها عسيرًا.

وفي مثل هذه الأحوال لا يجوز أن يرتبط حكم بحكمته, لما في ذلك من الحرج الناشئ عن خفاء الحكمة تارةً, وعن عدم انضباطها تارةً أخرى, لهذا لم يربط الشارع أحكامه بحكمها, وإنما ربطها بأوصاف أخرى ظاهرة منضبطة مناسبة للحكم. ومعنى مناسبتها له: أن يكون ارتباط الحكم بها وبناؤه عليها من شأنه أن يحقق الحكمة التي من أجلها شرع. وهذا الأمر الظاهر المنضبط الذي بُني عليه حُكْم لأنه مظنة لحكمته- هو المسمى في اصطلاح الأصوليين بعلة الحُكم[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).

ويقرر الحنفية أن القياس أساسه العلة المشتركة بين الأصل والفرع, وهي التي تؤثر في ثبوت الحكم في الأصل, فيثبت بمقتضاها الحكم في الفرع, ويفرقون بين العلة, والوصف المناسب أو الحكمة؛ إذ الحكمة أو الوصف الملائم غير المنضبط هي المصلحة التي تتحقق مع غرض الشارع في إثبات الطلب, أو المنع, وأما العلة فهي الوصف الملائم المنضبط الذي من شأنه أن يكون الحكم أثر الارتباط بينهما. والعلة في أكثر الأحوال تتلاقى مع الوصف في ثبوت الحكم, ولكن قد توجد العلة ولا تتحقق الحكمة فيها, ولا يمنع ذلك من كون العلة مؤثرة في وجود الحكم؛ ولذلك قالوا: إن العلة مناط الحكم وجودًا وعدمًا, فحيثما وُجدت وُجد الحُكم, وحيثما انتفت انتفى الحكم. أما الحكمة فليس لها هذه القوة[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).

أما ابن تيمية فهو يخالف هذه النظرة المقيدة التي ينظرها الحنفية والفقهاء القياسيون عامة. ولا يرى أن علل الأقيسة هي تلك الأوصاف المضبوطة التي يغلب تحقق الوصف المناسب فيها, ولا يطردها, بل يعتبر الأوصاف المناسبة التي تعد المصلحة المشتملة عليها التي أوجبت الحكم هي العلة في القياس؛ لأنها الباعث الحقيقي عليه, ويسند الأقيسة إلى الحِكَم والأغراض والمقاصد الشرعية العامة.

وهو ينظر إلى كون الأمر متفقًا مع القياس أو مختلفًا معه , بكونه موافقًا للمقاصد الشرعية أو لا, وهى ترجع في جملتها إلى جلب المصالح ودفع المضار, ويسير في الأمر مبيِّنًا اتفاق كل النصوص الشرعية مع المصلحة والعدالة من غير نظر إلى العلل المنضبطة المطردة, وما من حكم شرعي إلا وهو مشروع لحكمة واضحة بيِّنة عند أهل العقول المدركة المستقيمة الفاحصة, وإن خفيتْ على بعض ذوي الأفهام, لا تخفى على الجميع.[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)

يقرر الشيخ محمد أبو زهرة ما ذكرنا, ثم يبين أن ابن تيمية, وتبعه في هذا تلميذه ابن القيم, (وهو نظر كثير من الحنابلة, ولعله هو الذي يتفق مع نظر الإمام أحمد نفسه في أقيسته)- أنهم اعتبروا الوصف المؤثر في الحكم هو الحكمة[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6).

ويؤكد الشيخ محمد أبو زهرة هذا الأمر في موضع آخر, يقول:

"نظر ابن تيمية وتلميذه ابن القيم متابعًا له – إلى الوصف الملائم أو الحكمة, واعتبروها علة القياس أحيانًا, والأساس الذي قام عليه, ولا يمكن أن يوجد نص إسلامي ليست له حكمة معروفة, وليست فيه مصلحة مشروعة"[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7).

ومن هذا: نعلم خطأ عبد العظيم شرف الدين- الذي أشرنا إليه سابقًا- في قوله بتخالف ابن القيم وابن تيمية في هذه المسألة من القياس, ونعلم خطأه في قوله: إن الشيخ أبو زهرة قال بهذا التخالف[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).

و في بيان ابن القيم لمنهجه في ربط الأحكام بالحكمة, لا بالعلة يقول وهو يناقش مسألة الحسن والقبح, عقليان أم ذاتيان؟:

"كل من تكلم في علل الشرع ومحاسنه, وما تضمنه من المصالح ودرء المفاسد, فلا يمكنه ذلك إلا بتقرير الحسن والقبح العقليين؛ إذا لو كان حسنه وقبحه بمجرد الأمر والنهي, لم يتعرض في إثبات ذلك لغير الأمر والنهي فقط, وعلى تصحيح ذلك: فالكلام في القياس, وتعليق الأحكام بالأوصاف المناسبة المقتضية لها, دون الأوصاف الطردية التي لا مناسبة فيها, فيجعل الأول ضابطـًا للحكم دون الثاني, لا يمكن إلا على إثبات هذا الأصل, فلو تساوت الأوصاف في أنفسها لانسد باب القياس والمناسبات والتعليل والمصالح ومراعاة الأوصاف المؤثرة دون الأوصاف التي لا تأثير لها"[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9).

وابن القيم ممن يقول بأن الحسن والقبح عقليان, لا ذاتيان, وذكر أن فحول الفقهاء والنظار من الطوائف على ذلك, وأنكر على أبي الحسن الأشعري في نفيه للحسن والتقبيح, وذكر أن هذا القول لم يسبقه إليه أحد[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).

ومنهج ابن القيم وشيخه في ربط الأحكام بالحكمة دون مظنتها- له اعتباره؛ وذلك لما يلي:

أولا: يعلق ابن القيم على القول بأن التعليل يكون بالمظنة لانضباطها, ولا يكون التعليل بالحكمة لعدم انضباطها, قائلا (بعد أن اختار صحة شهادة الأب لابنه, والابن لأبيه):

"هذا صحيح في الأوصاف التي شهد لها الشرع بالاعتبار, وعلق بها الأحكام, دون مظانها, فأين علق الشارع عدم قبول الشهادة بوصف الأبوة, أو البنوة, أو الأخوة؟ والمانعون إنما نظروا إلى التهمة, فهي الوصف المؤثر في الحكم, فوجب تعليق الحكم به وجودًا وعدمًا, ولا تأثير لخصوص القرابة ولا عمومها, بل قد توجد القرابة حيث لا تُهمة, وتوجد التهمة حيث لا قرابة, والشارع إنما علق قبول الشهادة بالعدالة وكون الشاهد مرضيًا, وعلق عدم قبولها بالفسق. ولم يعلق القبول والرد بأجنبية, ولا قرابة"[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11).

وهذا يعني أن التعليل بالعلة ليس على إطلاق, فالعلة ليست منضبطة في تفصيلاتها حين لا يكون منصوصًا عليها. وإنما فيها خلاف أيضا, وذلك من وجهين:

الوجه الأول: أن مسالك العلة ليست طريقًا واحدًا ثابتا لإدراك العلة, بل هناك مسالك عدة. وهذه المسالك المختلفة تؤدي إلى الاختلاف في تقدير العلة, ومن ذلك:

1. قد يكون النص مسلكًا للعلة, ولكنه ظني الدلالة عليها, أو يومئ إليها, ويشير إشارة.

2. من مسالك العلة: السبر, والتقسيم. وهو مسلك يختلف المجتهدون فيه في العلة.

3. ومن مسالك العلة أيضًا: تنقيح المناط[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12), وفيه يختلف الأصوليون والمجتهدون فيما يصلح للتعليل, وما لا يصلح.

الوجه الثاني: حين لا تكون العلة منصوصة- يختلف الفقهاء في إدراكها, فإدراك الصفات المؤثرة في الأحكام على وجهها, ومعرفة الحكم والمعاني التي تضمنتها الشريعة- من أشرف العلوم, فمنه الجلي الذي يعرفه كثير من الناس, ومنه الخفي الذي لا يعرفه إلا خواصهم, فلهذا صار قياس كثير من العلماء مخالفًا للنصوص[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).

والطرق التي يسلكها الفقهاء في درك العلة هي طرق ظنية, تقوم على البحث والنظر, وهم في ذلك مختلفون, وينتهي بهم هذا الخلاف إلى خلاف في تعيين العلة, فتختلف بسبب ذلك الأحكام. ومثاله الاختلاف في مناط الإجبار في نكاح الأب لابنته الصغيرة, أهو الصغر, أم البكارة, أم هما معا؟ فذهب الحنفية إلى أنها الصغر. وذهب الشافعية إلى أنها البكارة. وذهب المالكية, والحنابلة إلى أنها أحد أمرين: البكارة, أو الصغر. فإذا وُجِد أحدهما كان للأب الإجبار على التزويج. وذهب ابن حزم إلى أنه يُجبر بهما معًا. وذهب الحسن, والنخعي إلى أن العلة الأنوثة, وأن للأب أن يجبر ابنته على الزواج كبيرةً كانت أم صغيرة, بكرًا كانت أم ثيبًا[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14).

وثمرة هذا الخلاف: أن من جعل العلة الصغر (الحنفية)، منع زواج البكر البالغة إلا بإذنها ورضاها, وأجاز تزويج الثيب الصغيرة بغير رضاها قياسًا على البكر الصغيرة. ومن جعل العلة البكارة (الشافعية) عدى الحكم إلى البكر الكبيرة البالغة الرشيدة, فكان للأب حق إجبارها على الزواج, ولم يكن له حق إجبار الثيب الصغيرة عليه لعدم تحقق الحكمة فيها. ومن ذهب إلى أنه يُجبر بهما معًا, الصغر والبكارة (ابن حزم), أجاز للأب تزويج ابنته البكر الصغيرة. فإذا كانت ثيبًا من زوج مات عنها, أو طلقها, لم يجز للأب ولا لغيره أن يزوجها حتى تبلغ. ولا إذن لهما قبل أن تبلغ.

ثانيا: تتميز الحكمة على العلة, فالحكمة قائمة بذاتها, واضحة كثيرًا. أما العلة فقائمة بالأصل, معرَّضة للخفاء والتظنن. ومن المتقرر أن العلة في القياس وصف يقوم بالأصل, ويقوم شبهه في الفرع, وقد تكون العلة منصوصة, وقلما يحدث هذا, وربما تكون واضحة أو خفية, والأكثر أن تكون ظنية مختلفـًا فيها.

أما الحكمة فهي قائمة بذاتها, غير محتاجة إلى تشبيه فرع بأصل, وواضحة وضوحًا متفاوتًا, وأدلة اعتبارها حاصلة من استقراء نصوص الشريعة, فقد تكون قطعية, أو ظنية قريبة من القطع, لا تحتاج إلى مسالك لاستنباطها.

وبهذه الامتيازات نرى المصالح أجدر بأن تُقاس على نظائر أجناسها الثابتة في الشريعة, والمستقرأة من تصاريفها.

ثالثـًا: من ثمرات منهج ابن القيم في ربط الحكم بحكمته الشرعية, لا بعلته, أمران:

الأمر الأول: أن الأقيسة الشرعية- كما يجريها ابن القيم - تُبين مرامي الشارع, وتوضح الأهداف العامة للشريعة في كل حكم من الأحكام, وتعيِّن المقاصد الشرعية في الجزئيات والكليات معًا؛ وبذلك يكون الفقه قريب من متعارف الناس ومصالحهم, ويمكن وصفه بأنه فقه سلفي نصي مقاصدي حي.

الأمر الثاني: من الثابت أن علل الأقيسة لا تكون عامة مضبوطة دائمًا؛ لأن الحكم ربما لا يتحقق في بعض الجزئيات, فكان الحنفية يعالجون ذلك بالاستحسان, وذلك بقياس آخر فيه وصف ملائم, أو حكمة أخرى تتحقق فيها المصلحة. أما ابن تيمية وتلميذه ابن القيم, فكلاهما جعل القاعدة غير شاملة إذا لم تتحقق الحكمة في موضع, وأدخلها في عموم حكمة أخرى غير الأولى. وبهذا نجد النظرين- كما يبين الشيخ محمد أبو زهرة- متقاربين غير متباعدين في هذا الموضع, بيد أن ابن تيمية وابن القيم يُقرِّبان الفقه من المصالح ودفع المضار حتى لو كانت القواعد غير مضبوطة ضبطًا تامًا.. وبهذا يجعل ابن القيم ما خرج على القاعدة الشرعية- داخلا في قاعدة عامة أخرى تحقق المصلحة.

رابعًا: ذهب بعض الفقهاء والأصوليين إلى جواز التعليل بالحكمة.

فالمذاهب في التعليل بالحكمة ثلاثة, هي:

1. جواز التعليل بها مطلقا.

وهو اختيار الفخر الرازي الذي انتهى إلى أن الأولى إسناد الحكم إلى الحكمة بعد أن ناقش أدلة الخصوم. فقال:

"الحكمة علة لعلية العلة, فأولى أن تكون علة للحكم. بيانه: أن الوصف لا يكون مؤثرًا في الحكم إلا لاشتماله على جلب نفع, أو دفع مضرة, فكونه علة معلل بهذه الحكمة. فإن لم يمكن العلم بتلك الحكمة المخصوصة, استحال التوصل به إلى جعل الوصف علة. وإن أمكن ذلك وهو مؤثر في الحكم, والوصف ليس بمؤثر: كان إسناد الحكم إلى الحكمة المعلومة التي هي المؤثرة- أولى من إسناده إلى الوصف الذي هو في الحقيقة ليس بمؤثر"[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15).

2. لا يجوز التعليل بها مطلقًا.

3. يجوز التعليل بالحكمة إن كانت ظاهرة منضبطة.

وهو اختيار الآمدي, وابن الحاجب, والصفي الهندي[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16).

وقد بين د.طه العلواني أن القائلين بالتعليل بالحكمة أرادوا: أنه إذا وجد بين صورتين قدر مشترك من المصلحة الداعية إلى الحكم, بحيث يمكن إضافة الحكم إلى جملة المصالح النوعية- جاز ذلك, فإذا وجدنا صورتين مثلا يمكن أن نجمع بينهما بهذه الحكمة, فإنه يمكن اعتبارها مسمى المصلحة.

وأرى أن الدكتور طه العلواني ذهب إلى صيغة توفيقية تكشف عمق الترابط بين العلة والحكمة, مبينًا أن العلة في حقيقتها هي الحكمة نفسها في صورة منضبطة, وأن العلة علامة للحكمة ودليل عليها, وأن الحكمة هي العلة الغائية الباعثة للفاعل[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17).

وحكمة النص أولى أن يُربط الحكم بها, وأن يستهدي بحكمة النص التشريعي لبيان الحكم, على قاعدة أن المشرع لا يشرع إلا لغاية وحكمة, وأن الباعث الحقيقي على الحكم هو تحقيق حكمته, لذلك كان الأساس في تنزيل الحكم في الحوادث هو معرفة هذه الغاية وتلك الحكمة, وتحققها. ففي تحريم الخمر, الحكمة حفظ العقل, وليس الإسكار الذي ذكره أصحاب القياس علة للحكم, وقاسوا عليه. وقولهم بالإسكار يحد من تعدية الحكم إلى كل ما أضر بالعقل, وقليل الخمر الذي لا يسكر, والأنبذة التي لم ينص عليها, أو لا يتحقق إسكارها على الرغم من مخامرتها للعقل. أما أن تكون الحكمة هي حفظ العقل, فإن كل ما يهدد العقل يُمنع, وما يتوقع منه خطر يُحظر, ويدخل في ذلك المخدرات, وليس المسكرات وحدها. كالهيروين, والكوكايين, والأفيون.. وكل ما يستجد من أسماء.

وابن القيم تكلم كثيرًا عن أن العبرة بالمعاني والحِكَم, لا بالأسماء والصور- في التحليل والتحريم. واختار ابن القيم في مسألة التحليل أنه يستوي إن تزوجها مواطأة واتفاقًا؛ ليحلها لزوجها الأول, أو أنه أكنَّ في نفسه إحلالها له دون مواطأة, فيكون حرامًا فعله, لا يُحلها لزوجها الأول. وإنما يحلها له النكاح عن رغبة[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18).

وقد وجدنا من المحْدَثين من أشاد بهذا المنهج في القياس الفقهي, كالشيخ محمد أبي زهرة, الذي وصفه بأنه قياس متسع الأفق, لا يقتصر على باب واحد من أبواب المشاكلة والمشابهة, بل يوسع طرائق التشبيه, وتعدد الأوصاف, و إذا كان العراقيون كأبي حنيفة وغيره, ومن قاربه في الاجتهاد بالرأي من غير العراقيين قد أحسنوا, وأجادوا وفرعوا, وشعَّبوا مسالك الاجتهاد, فتلاميذ أحمد بن حنبل ومن خلفهم من الحنابلة, قد استفادوا هذه الفائدة من القياس, وكان قياسهم أحكم؛ لأنهم كانوا يوائمون بين الأقيسة وما أتوه من علم واسع شامل بالسنة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وطرائق استنباطهم, فهو قياس يستقي من ينابيع الأثر, ويشاكل تمام المشاكلة اجتهاد السلف, إذ كان اجتهاد السلف هو المشكاة لهم.

ويبين محمد أبو زهرة تميز أصحاب هذا القياس الفقهي في أنهم نظروا في الأوصاف المشتركة بين الفرع والأصل في أقيستهم نظرة جامعة كلية, فاتجهوا إلى المقاصد الشرعية السامية التي تتجه إلى إيجاد جماعة فاضلة تقوم على رعاية المصالح ودفع الأضرار في حياة دينية وخلقية قويمة. وترى من هذا أن هؤلاء الأثريين قد أفاد عملهم في القياس الفقهي اتساعًا في أبوابه, وسموًا في غاياته, ونموًا في طرائقه, كما استفادت الآثار منهم مدافعين يُبيِّنون غاياتها ومقاصدها, واتفاقها مع ما تنتجه المقاييس العقلية السليمة. وأفاد الاستنباط الفقهي عمومًا, فاستبان الشرع الإسلامي متجانسًا غير متنافر, فالأشباه والنظائر لها أحكام متشابهة, والأشياء المختلفة الأوصاف لها أحكام كاختلافها[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19).

ومن المهتمين بالدعوة لتجديد أصول الفقه, مَن نقدَ القياس التقليدي المحدود, الذي ربما يصلح استكمالا للأصول التفسيرية في تبيين بعض الأحكام, كأحكام النكاح, والآداب, والشعائر. ولكن المجالات الواسعة من الدين لا يجدي فيها إلا القياس الفطري الحر من تلك الشرائط المعقدة التي وضعها مناطقة الإغريق, واقتبسها الفقهاء الذين عاشوا مرحلة ولع الفقه بالتقعيد الفني, وولع الفقهاء بالضبط في الأحكام الذي اقتضاه حرصهم على الاستقرار والأمن؛ خشية الاضطراب والاختلاف في عهود كثرت فيها الفتن, وانعدمت ضوابط التشريع الجماعي الذي ينظمه ولي الأمر.

وهذه الدعوة صريحة في أن العلة في القياس هي المصلحة, وليست كما قرر الأصوليون: الأمر الجامع المنضبط بين المقيس والمقيس عليه, كالسكر مثلا بين الخمر وسائر المخدرات. فأساس القياس هو التحقق: أن الحكم الذي يُراد تشريعه- في الواقعة المسكوت عنها- فيه جلب نفع للناس, أو دفع ضرر, أو رفع حرج عنهم. فمتى تحقق أن الحكم في الواقعة يحقق هذه المصلحة؛ فهو حكم شرعي, وتشريعه هو قياس صحيح على ما شرعه الله؛ لأن الله ما شرع الأحكام إلا لنفع الناس, أو دفع ضرر, أو رفع الحرج عنهم. ومِن عدل الله وحكمته أن تستوي أحكام الوقائع التي استوت في عللها وأسبابها, وأن لا تبيح تصرفًا لأن في إباحته رفع الحرج, وتُحرِّم تصرفًا مثله. وقد قرر علماء الأصول: أن المناسبة مسلك من المسالك التي يُتوصل بها إلى معرفة علة الحكم. ومعنى المناسبة: أن تكون الواقعة المسكوت عنها فيها وصف أو خاصية, لو شُرع الحكم معها يكون في تشريعه جلب نفع, أو رفع حرج. ومعنى هذا أن مناط التعليل وأساسه بناء الحكم على المصلحة, وبهذا يمكن أن يكون القياس ميدانـًا واسعًا للاستنباط والاجتهاد, ومجالا فسيحًا للعقل الإنساني لتحقيق مصالح الناس, وتنمية الفقه, وعدم الجمود على الموروث من علماء الأصول في القياس[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20).

ونخلص مما تقدم إلى أن القياس عند ابن القيم له سمات مُعيَّنة, فهو قياس أثري, مرن, فطري, متحرر من شرائط المناطقة, يوسع طرائق الاستنباط, ويُنمي الفقه, ويسمو بغاياته؛ وذلك لقيامه على القواعد التالية:

1. لا يوجد حكم شرعي بدون حكمة.

2. الحكمة هي سبب الحكم وعلته.

3. كل نص له حكمة شرعية معروفة, وفيه مصلحة مشروعة.

4. العلة في لفظ ابن القيم هي الحكمة والمصلحة.

5. يوافق ابن القيم في التعليل بالمظنة, وعدم التعليل بالحكمة في الأوصاف التي شهد لها الشرع بالاعتبار فقط, دون ما لم يشهد له الشرع بالاعتبار. أي العلة المنصوصة, دون العلة غير المنصوصة.

6. يصدر التعليل بالحكمة عن نظرة كلية للمقاصد الشرعية, ويثمر عن بيان المقاصد العامة للشريعة, وحكمة كل حكم فيها, واتساق هذه المقاصد في كلياتها وجزئياتها. وتوافقها مع النصوص والقياس العقلي, وبيان التجانس في الأحكام الشرعية.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) ابن قيم الجوزية: عبد العظيم شرف الدين, ص295.
[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) ابن قيم الجوزية, السابق, ص296.
[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) أسباب اختلاف الفقهاء: علي الخفيف, ص210. أدلة التشريع المتعارضة ووجوه الترجيح بينها: د.بدران أبو العينين بدران، مؤسسة شباب الجامعة، الإسكندرية، 1985م, ص243-244. الوجيز في أصول الفقه: د.عبد الكريم زيدان, ص202-203. المسودة مج2, ص789-790.
[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) ابن حنبل: أبو زهرة, ص216.
[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) ابن حنبل: أبو زهرة, ص214. ابن تيمية، حياته وعصره- آراؤه وفقهه: محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة، 1420هـ/2000م, ص379-380.
[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) ابن حنبل: أبو زهرة, ص216.
[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) والعجيب أن الشيخ أبو زهرة كان من المناقشين لرسالة عبد العظيم شرف الدين التي وقع فيها في هذين الخطأين, ولم نره يصلحهما. فهل نبهه الشيخ أبو زهرة إلى خطأه فلم يصلحه؟ أو مرَّ هذا الخطأ عليهما؟
[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) وفي موضع ثالث يكرر أبو زهرة: أن الحنابلة- كابن تيمية وابن القيم- كانوا يقيسون بالحكم والأوصاف المناسبة, لا بمجرد العلة المضبوطة (تاريخ المذاهب الإسلامية, ص518).
[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) مفتاح دار السعادة, ص372.
[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) مفتاح دار السعادة, ص372.
[/URL] [11]إعلام الموقعين 1/116.
[URL="لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12"][12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) تنقيح المناط: هو أن ينص الشارع على الحكم عقيب أوصاف جرت, فيها ما يصلح للتعليل, وما لا يصلح, فينقـح المجتهد الصالح, ويلغي ما سواه. وهذا قياس عند الحنابلة (المسودة, مج2, ص737).
[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) مجموعة الفتاوى 20/308-309.
[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) انظر: أسباب اختلاف الفقهاء: علي الخفيف, ص211, 216-220. حيث عرض المذاهب في المسألة على وجه, صوابه ما ذكرناه في الاختيار رقم (42).
[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref15) المحصول: الفخر الرازي 5/287-293.
[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref16) إرشاد الفحول: الشوكاني, ص207.
[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref17) المحصول: الفخر الرازي, بتحقيق: د.طه العلواني 5/293-294.
[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref18) زاد المعاد 5/100-101.
[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref19) ابن حنبل: أبو زهرة, ص224-225.
[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref20) التجديد في الفقه الإسلامي: د.محمد الدسوقي 1/100-102.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-10-12 ||, 07:47 AM
بارك الله فيكم أستاذنا الكريم على هذه الإفادات والنخب.
اقتنعتُ بغرض الموضوع من عدم صحة التفريق بين ابن تيمية وابن القيم في التعليل بالحكمة.
ويبقى أن التفريق بين ابن تيمية وابن القيم وبين والفقهاء في اعتبار الحكمة أمرٌ ذو شأن، وبحاجة إلى مزيد من التنقيب.
وكأني باختيار الآمدي وابن الحاجب والصفي الهندي بالتعليل بالحكمة إن كانت ظاهرة منضبطة هو الذي يسير عليه الفقهاء في تفريعاتهم.
لكن يبقى الكلام في ترتيب المسألة:
هل يقال: لا يعلل بالحكمة إلا إذا كانت ظاهرة منضبطة.
وبالتالي: يكون التعليل بالحكمة استثناء!
أو يقال:
إن الشارع يعلل الأحكام بعللها، وهي غير الحكمة، حيث إن الحكمة، هي الغاية المتوخاة.
لكن قد تكون العلل منتشرة فينتقل الشارع إلى التعليل بالأوصاف المناسبة.
---
أفكار انقدحت فسطرت، ويعجبها أن تنقد وتحرر!

أبو عبد الله المصلحي
10-10-12 ||, 08:54 AM
عن طريق قراءتي لبعض مظان المسالة خلصت الى الامر الاتي:
ان الركيزة الاساس والمحور في هذه القضية وأسها هو الانضباط.
فمتى توافر الانضباط صح التعليل، والا فلا.
سواء كان ذلك التعليل مستندا على الاوصاف الظاهرة
ام المعاني والمصالح والمقاصد والغايات من تشريع الحكم
فعند الانضباط يستوي القسمان
لافرق بين الاوصاف الظاهرة ولا المعاني الباطنة
وعند عدم الانضباط يستوي القسمان ايضا
***
والذي حدا بي الى ذلك ان استعمال العلماء لمصطلح الحكمة ليس على نسق واحد بل يوجد اختلاف فيما يقصده كل واحد منهم فادراج ذلك تحت قاعدة محددة فيه عسر.
والله اعلم
ينظر: مقاصد الشريعة عند ابن تيمية، ص 55، تاليف الدكتور يوسف البدوي.

طارق يوسف المحيميد
10-10-12 ||, 03:11 PM
ما الذي صرف العلماء عن القول بالتعليل بالحكمة وهو أسلوب قرآني , كم بنى القرآن على الحكمة في تشريع الأحكام الشرعية ؟