المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القياس المصلحي عند ابن القيم



د.محمود محمود النجيري
10-10-13 ||, 12:07 AM
القياس المصلحي عند ابن القيم




المصالح المرسلة هي المصالح التي لم ينص عليها الشارع بدليل خاص بالاعتبار أو الإلغاء.
وقد ذكر عبد العظيم شرف الدين أن ابن القيم نهج على طريق الحنابلة في العمل بالمصلحة المرسلة فيما لم يُنص عليه, وضرب أمثلة لذلك: قوله بوجوب التسعير عند الحاجة إلى ذلك, وإلزام الصنَّاع بما يحتاج الناس إليه من صناعتهم بأجرة المثل, وإلزام أصحاب المساكن بإسكان المحتاجين نظير أجرة المثل[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1).
ولم يهتم عبد العظيم شرف الدين بدراسة جوانب تميز ابن القيم في منهجه في باب المصالح المرسلة.
وهناك كثير من التساؤلات في هذا الجانب تحتاج إجابة عليها؛ فابن القيم لم يذكر مصطلح "المصالح المرسلة". ولا مرة واحدة في كتبه, ولكنه كثيرًا ما يصرح بأن ما اختاره موافق للمصلحة. فهل جعل المصالح المرسلة دليلا تابعًا؟ وهل هي عنده ضمن القياس؟
وبداية نقرر: أن الإجماع منعقد على أن الشرائع مصالح, وأن الأحكام ما شُرعت إلا لمصلحة[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2). وما جاءت الشريعة إلا لتحقيق مصالح الناس بجلب النفع لهم, ورفع الضرر عنهم, وتيسير شئونهم, وعلى هذا الأساس قام القياس. فما القياس إلا إلحاق حادثة بأخرى في حكمها المنصوص عليه, بقصد تحقيق المصلحة التي لأجلها شرع ذلكم الحكم. وهذا يكشف عمق الارتباط بين المصالح والقياس.
ومن هنا، وجدنا أحمد بن حنبل يُفتي بالمصلحة إن أعوزه النص أو الأثر المتبع؛ وذلك لأن المصالح قامت الدلائل الشرعية على اعتبارها, وتضافرت المصادر الإسلامية على ملاحظتها, فأخذ بها وسار فيها مسار مالك, وإن لم يعطها من القوة ما أعطاها مالك, ولم يجعلها تقف أمام النصوص كما فعل المالكيون. كما أنه لم يُحجم عنها كما فعل الشافعيون وغيرهم. إلا أنه لم يعد الاستصلاح أصلا خاصًا, بل كان يعتبره معنى من معاني القياس[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3).
والحق أن الشافعي- كالإمام أحمد, لم يعد الاستصلاح دليلا مستقلا في أصوله كالإجماع, والقياس. إلا أنه لا يلزم من كونه لم يعد الاستصلاح أصلا مستقلا برأسه, عدم اعتباره له, واعتماده عليه, مدرجًا تحت باب القياس مثلا, بل الحق أن الشافعي كان يذهب في اعتماد المصالح المرسلة إلى مدى بعيد, ولكنه كان يسمي كل ذلك قياسًا؛ إذ القياس في مفهومه هو مطلق الاجتهاد وفق أدلة الشريعة ومقاصدها[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4).
وعلى هذا النهج سار ابن تيمية, يرد المصالح المعتبرة إلى القياس, فهو قد وسَّع أفق القياس, وربطه بمصالح الناس, وجعل كل مصلحة داخلة في أقيسته, وعزز ذلك بالنصوص التي يحيط بها إحاطة واسعة عميقة الغور, تكشف عن استقلاله في استخراج الأصول المصلحية.
وجاء ابن القيم، فأدمج المصالح في القياس باعتبار أن ذلك من الرأي, فلم يذكرها في أصول أحمد, وهذا يرجع إلى أنه وشيخه ومعهما كثير من الحنابلة- على ما ذكرنا من قبل- ينظرون إلى الأقيسة نظرة أوسع مما ينظر غيرهم من الفقهاء الذين ضبطوا قواعد القياس, ومسالك العلة فيه؛ لأنهم يجعلون الأوصاف المشتركة التي تبنى على أساسها الأقيسة الصحيحة, وتسير معها طردًا وعكسًا تكون مستمدة من أهداف الشريعة العامة ومقاصدها السامية, ولذلك يعتبرون الحِكم والأوصاف المناسبة هي أساس الأحكام واطراد الأقيسة, وليست هذه الحكم والأوصاف المناسبة إلا المصالح ودفع المضار ومنع الحرج[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).
وابن القيم، في قياسه خصوصًا، وعمله الفقهي عمومًا- لم يقف عند مناطات الأحكام التي قال بها وجرى عليها فقهاء الأحناف مثلا, بل هو يجري وراء الحِكَم, ومقاصد الشريعة وأسرارها, ويتتبع المصالح التي تترتب عليها الأحكام, وتسعى لتحقيقها, وتعرّف المفاسد التي تسعى لدرئها. لذلك هو لا يجعل عمله دائمًا قياس فرع على أصل يجامع العلة كما يفهمها غيره من فقهاء عصره, ولا قياس نص على نص يجمعهما علة لإثبات حكم يتعدى من أحد النصين إلى الآخر, ولكن يقيس قياس المصلحة التي شهدت لها مجموعة من النصوص لتحقيق مقصد شرعي, فكلما وقعت واقعة تندرج تحت هذه النصوص أخذت الحكم نفسه بجامع المقصد الشرعي والمصلحة المتوخاة, فالمقصد والمصلحة يقوم كل منهما مقام العلة في القياس الأصولي, ومجموعة النصوص تقوم مقام الأصل, والواقعة المراد الحكم عليها هي الفرع. وهذا أعلى من البحث عن علة الحكم التي هي الوصف الظاهر المنضبط التي ألفها الفقهاء, فابن القيم في قياسه المصلحي يأخذ من جملة النصوص المقصد الشرعي أو المصلحة المعيَّنة, ثم يتوخاها في الوقائع وتنزيل الأحكام. وهو إن نظر في نصوص تفصيلية, فلكي يثبت أن هذه النصوص تسير مع هذا المقصد العام, وتلكم المصلحة الكلية؛ وبذا تأتلف كليات الشريعة وجزئياتها في نسق واحد مترابط.
ومن هنا، نرى أن الشيخ محمد أبو زهرة- ومن تابعه[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)- أبعد حين قال بأن ابن تيمية تردد وتشكك في قبول المصالح المرسلة أصلا من أصول الاستدلال[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7), فابن تيمية يرى أن الصحيح منها هو المصلحة الحقيقية, وهي داخلة شرعًا في القياس الذي راعى الشارع جنسه البعيد, حيث إن الشرع يشهد لجميع المصالح ويدل عليها, وإن النصوص تشمل جميع أفعال العباد وتستغرقها.
والثابت، أن ابن تيمية وابن القيم, كانا خبيرين بالمصالح المعتبرة, فأجليا وجوه المصالح في الأحكام, وكشفا توافق النصوص والمصالح, وابن القيم كان صاحب نظر سديد في المصالح, لم يخرج عن الحدِّ, وإنما أظهر أسرار الشريعة وحكمها, وأن مبناها على تحصيل المصالح بحسب الإمكان وتكميلها, وتعطيل المفاسد بحسب الإمكان وتقليلها[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8).
ويقرر ابن القيم عموم الشريعة لكل الوقائع, وكمالها فلا تحتاج إلى سواها, وأن السياسة العادلة جزء من الشريعة الكاملة, فكل ما كان الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد, فهو من الشريعة, وإن لم يشرعه الرسول- صلى الله عليه وسلم- نصًا, ولا نزل به وحي؛ لأنه لا يخالف ما نطق به الشرع. وانتقد ابن القيم الفقهاء الذين جعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد, وسدوا على أنفسهم طرقـًا صحيحة هي أدلة حق وأمارات صدق, وأن هذا المسلك أخرج الناس عن الحكم بالشريعة إلى الحكم بالأهواء[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9), يقول:
"فإن الله أرسل رسله, وأنزل كتبه؛ ليقوم الناس بالقسط, وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض. فإذا ظهرت أمارات الحق, وقامت أدلة العقل, وأسفر صبحه بأي طريق كان, فثَمَّ شرع الله ودينه ورضاه وأمره. والله تعالى لم يحصر طرق العدل وأدلته وأماراته في نوع واحد, وأبطل غيره من الطرق التي هي أقوى منه وأدل وأظهر, بل بيَّن- بما شرعه من الطرق: أن مقصوده إقامة الحق والعدل, وقيام الناس بالقسط. فأي طريق استُخرج بها الحق, ومعرفة العدل- وجب الحكم بموجبها ومقتضاها, ولكنه نبَّه بما شرعه من الطرق على أسبابها وأمثالها, ولن تجد طريقـًا من الطرق المثبتة للحق إلا وهي شرعته وسبيل للدلالة عليها. وهل يُظن بالشريعة الكاملة خلاف ذلك؟"[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10).
وهكذا نجد ابن القيم يعتمد العقل الصحيح, ويجعله مندرجًا في الشرع, ويقيد العقل في تقديره للمصلحة بما قصده الشرع من مقاصد ومصالح عامة وجزئية, وقاعدته في كشف العلة منضبطة بضابط النص وما يبنى على النص, وليس كشفـًا منطلقًا من ذلك, فقد تكون لعلة منصوصة, أو حكمة عامة, و مقصد كلي منتزع من مجموعة نصوص.
ومن الواضح، أن ابن القيم اهتم كثيرًا بالمصالح والذرائع. وهذا أثر من اهتمامه بالمقاصد الشرعية, ويجعل المصالح أصلا من الأصول لعلاج النوازل. ودوافعه في ذلك هي:
1. رغبته في تخطي النظر الجزئي إلى النظر الكلي, والحكم بما تمليه روح الشريعة ومقاصدها العامة وكلياتها, وأن يبرز اتساق الشريعة في أهدافها العامة مع أحكامها الجزئية.
2. الرغبة في علاج مشكلات مجتمعه المتطورة في القرن الثامن الهجري التي لم تعرفها القرون الماضية, ولا كانت في صدر الأمة ولا في زمن فحول الفقهاء, حيث إن الأصول الفقهية التقليدية غير كافية للحكم فيها واستيعابها في تطوراتها, مثل: مسألة التحليل, ومسائل الطلاق, وجعلهم الحلف بالطلاق من باب الأيمان المعقدة التي لا كفارة فيها, مع أنهم جعلوا الكفارة في جميع الأيمان...إلخ.
3. الرغبة في الكشف عن شمول الشريعة لأفعال العباد, واستغراق نصوصها للوقائع والمستحدثات, وأنه لا شيء يخرج عنها, ولا يُحتاج معها إلى تشريع آخر, وأن كل ما قضت به الشريعة فهو المصلحة والعدل والرحمة.
4. إدراك ابن القيم العميق لحِكَم الشريعة ومقاصدها وأسرارها, وإحاطته بنصوصها وكلياتها, ووقوفه على قواعدها وأصولها, جعل نظرته كلية شاملة في النظر إلى الوقائع الجزئية, وجعله يسلك هذه الجزئيات في إطار من كليات الإسلام الجامعة.
ويلتقي مع هذا النظر، إجماع الأصوليين المعاصرين على تأييد حجية المصالح المرسلة, وتأكيد أهميتها للفقه الإسلامي, وأنها ليست مرسلة بالمعنى المطلق للإرسال, وإنما هي في الحقيقة مصالح معتبرة شرعًا, وكل ما في الأمر أنها لم يرد فيها نصوص خاصة. ومن هنا يجب أن يكون الاجتهاد الفقهي قائمًا على أساس الاستصلاح. وأن يكون القياس عليها مراعيًا لهذا الأساس أيضًا. فالمصالح المرسلة هي استحضار للمصلحة عند فهم النص, وعند إجراء القياس, فضلا عن حالات إعمال المصلحة المرسلة[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11).
ويؤكد الشيخ الطاهر بن عاشور على أنه يجب ألا يختلف العلماء في الأخذ بالمصالح المرسلة؛ معللا ذلك بقوله:
"لا أحسب أن عالمًا يتردد بعد التأمل في أن قياس هذه الأجناس المحدَثة على أجناس نظائرها الثابتة في زمن الشارع, أو زمان المعتبَرين من قدوة الأمة المجمعين على نظائرها, أولى وأجدر بالاعتبار من قياس جزئيات المصالح- عامها وخاصها- بعضها على بعض, لأن جزئيات المصالح قد يتطرق الاحتمال إلى أدلة أقيستها, والى تعيين الأوصاف التي جعلت مشابهتها فيها بسبب الإلحاق والقياس وهي الأوصاف المسماة بالعلل, والى صحة المشابهة فيها"[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12).
ويأخذ الطاهر بن عاشور مع الفقهاء استسهالهم القياس الجزئي, المبني على العلة الظاهرة المنضبطة, دون القياس المصلحي المبني على الحِكَم والمقاصد العالية[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13).
ويدعو د.أحمد الريسوني إلى القياس الكلي, أو لنقل القياس المصلحي الذي يعتمد المصالح الحقيقية المحترمة شرعًا, ويقدمّه على القياس الجزئي إذا تعارضا ولم يستقم الجمع بينهما؛ لأن مثل هذه المصلحة أصل بنفسه, ومقصود لذاته. فكيف يخضع للأقيسة الجزئية الظنية, وهي وسيلة لا مقصود[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)؟
وأرى أنه لا داعي للخوف من إقرار المصالح المرسلة في أصول الفقه؛ وذلك لأمرين:


أن هذا الدليل سيكون بين يدي الفقهاء المسلمين أنفسهم, بل إن الذين سيعملون في الاستنباط هم المجتهدون الذين بلغوا مرتبة الإحاطة والنبوغ في الفقه وأصوله, وفي العقل والحكمة, وفي التفسير والحديث واللغة... وكل هذا يجنبهم الزلل في هذا الجانب.
أن الفقه الإسلامي على امتداد تاريخه لم يحدث هناك أن قدم الفقهاء- أو بعضهم- المصلحة على النص, بخلاف ما نُقل عن الطوفي, ورُدَّ عليه. فالمصلحة التي سعى الفقهاء إلى تلمسها والعمل بها, ما بين موسع ومضيق, لم تخرج بالفقهاء عن الجادة, وإنما كانت عملا مطلوبًا لإثبات تجدد الفقه الإسلامي ومسايرته لكل التطورات, ومراعاة الأعراف المتغيرة والمصالح المتجددة.


[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) ابن قيم الجوزية: عبد العظيم شرف الدين, ص317-318.

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) المحصول: الفخر الرازي 5/175, 288.

[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3) ابن حنبل: أبو زهرة, ص161.

[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref4) أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء: د.مصطفى سعيد الخن، ط7، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1418هـ/1998م, ص555.

[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref5) ابن حنبل: أبو زهرة, ص231.

[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref6) ممن تابع الشيخ أبا زهرة على القول بتردد ابن تيمية في المصالح المرسلة: د.يوسف البدوي في كتابه: مقاصد الشريعة عند ابن تيمية, دار النفائس، الأردن، 1421هـ/2000م, ص355, 356.

[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref7) ابن تيمية: محمد أبو زهرة, ص395, 397-398.

[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref8) انظر مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: ابن القيم, حققه وخرج أحاديثه وعلق عليه: بشير محمد عيون، مكتبة دار البيان، دمشق، 1420هــ/1999م, 1/382-384. مفتاح دار السعادة: ابن القيم, ص341.

[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref9) إعلام الموقعين 2/692-695.

[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref10) إعلام الموقعين 2/693.

[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref11) نظرية المقاصد عند الشاطبي: د.أحمد الريسوني, ص56، 232, 298.

[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref12) مقاصد الشريعة الإسلامية: الطاهر بن عاشور, ص226.

[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref13) مقاصد الشريعة الإسلامية: الطاهر بن عاشور, ص256-257.

[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref14) نظرية المقاصد عند الشاطبي: د.أحمد الريسوني, ص299. وانظر ما كتبه الشوكاني في إرشاد الفحول عن الأخذ في القياس بالمناسبة في مسالك العلة, وهي المصلحة ورعاية المقاصد, ص214 -218.