المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : من مقاصد القرآن الكريم"1"



طارق يوسف المحيميد
10-10-19 ||, 10:42 PM
أنزل الله القرآن الكريم خاتما للشرائع ووثيقة ربانية محفوظة من التغيير , فيه الهدى والنور " هدى للمتقين " البقرة2 و " يهدي للتي هي أقوم "
ولما كان القرآن خاتما للكتب التشريعية السماوية فإن الله عز وجل ضمنه المبادئ العامة والمقاصد الأساسية للتشريع الإسلامي ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان.
وبغض النظر عن الخلاف الكلامي حول الصلاح والأصلح فإن جميع الفقهاء والأصوليين متفقين أن الله أنزل القرآن لمصلحة المكلفين .
وإذا كان الكلام لا يستطيع التعبير ولا الدلالة عن مراد المتكلم دلالة لا تحتمل غيرها , وإذا كان السامع تتفاوت قدرته عن غيره في فهم المراد من عبارة لأخرى, كل حسب إلمامه ومعرفته بأساليب الخطاب ودلالاته , فإن أفهام النظار والأصوليين تتفاوت في استخراج المقاصد العامة والخاصة من القرآن الكريم .
إلا أن هناك مقاصد أًصل لها القرآن وأوضح عنها وتضافرت الآيات في بيانها , ومن هذه المقاصد رفع الحرج فقد صرح القرآن برفعه ونفيه ’ قال الله تعالى :"وما جعل عليكم في الدين من حرج " الحج78 و قال :" ليس على الأعمى حرج وليس على الأعرج حرج وليس على المريض حرج " , وقال تعالى :" يريد الله أن يخفف عنكم " النساء 28 .
وأصّل القرآن للتيسير فكان التيسير من أهم المقاصد القرآنية ومن خصائص الشريعة الإسلامية فشاع في الأحكام التكليفية مقصد اليسر وتلك هي إرادة الله عز وجل ,قال تعالى :" يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " البقرة 185.
ومن القرآن الكريم اشتق المقاصديون الضرورات الخمس , حيث تكفلت آيات القرآن بالحديث عن الدين و النفس والعقل والنسل والمال , ودعت للحفاظ عليها من جانب الوجود والعدم .
ومن القرآن استخرج العلماء مبادئ الدعوة إلى إعمار الأرض والعدل وإعمال المصلحة وتعليل الأحكام , ومن القرآن الكريم استنبط المقاصديون الحكم والأسرار المرتبطة بالأحكام العملية , حيث بث القرآن في نصوصه غير قليل من الحكم التي تدعو المسلم وترغبه في تطبيق الأحكام العملية بحب وشغف مقترن بالإيمان .
ويمكن الوقوف عند بعض المقاصد التي بدت في القرآن الكريم :
1- الدعوة إلى الإيمان بالله عز وجل :
وهو ما عبر عنه المقاصديون بـ " حفظ الدين " , حيث جاءت الآيات القرآنية تتحدث باستفاضة عن الإيمان بالله وتدعو إليه , ومع أن المجتمع الذي نزل فيه القرآن كان مجتمعا لا ينكر وجود الله إلا أن القرآن برهن ودلل على وجود الله ودفع الشبهات وأثبت الحقيقة الكبرى وهي وجود الله ووحدانيته , وعالج هذه القضية على أنها القضية الأخطر في الوجود وأن الله " لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " .
وأرسل الله الرسل ليدعوا أقوامهم إلى الإيمان بالله وترك ما هم عليه من عبادة غير الله , ووقف نبي الله ابراهيم عليه السلام يحاجج قومه ويهدم عقائدهم الفاسدة بطريقة ذكية تعتمد تبني عقائدهم ثم بيان زيفها وبطلانها , قال الله تعالى : " فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء ما تشركون , إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين " الأنعام 78-79.
قدم القرآن البراهين على الدعوة للإيمان بالله في نقاش طويل , قال تعالى :"أم خلقوا من غير شيء ؟؟ أم هم الخالقون ؟؟" أم خلقوا السموات والأرض ؟؟ بل لا يوقنون "الطور
وبين القرآن بجلاء ووضوح ما تميز به الإسلام عن غيره من بيان صفات الله , قال الله :" وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم " البقرة 163, وقال :" قل هو الله أحد ,الله الصمد , لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " سورة الإخلاص .
وأورد القرآن آيات بينات جلّت قضية الوجود والتوحيد بطريقة تملأ النفس خشوعا ورهبة , وتدعو القلب والعقل معا إلى الإيمان بالله وتوحيده , قال الله عز وجل :" إن في خلق السموات والأرض ...... واختلاف الليل والنهار ..... والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ........ وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ........ وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض .... لآيات لقوم يعقلون "البقرة 164
وقال :" ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس ........." الحج 18
وغير ذلك من عشرات الآيات التي تعالج قضية الإيمان معتمدة على الفطرة البشرية وعلى شحن العقل والقلب معا , بعيدا عن أساليب المنطق والفلسفة والمقدمات والنتائج التي انتهجتها فيما بعد طرائق الأدلة وكتب العقائد المتأثرة بالفلسفات الوافدة .

2- الدعوة إلى العمل الصالح :
ومن مقاصد القرآن الجلية الدعوة للعمل الصالح , وقد اقترنت دعوة القرآن إليه بالدعوة للإيمان بالله فكم كرر القرآن الكريم " آمنوا وعملوا الصالحات "
ويجعل القرآن العمل الصالح جزءا من صفات المؤمن وشرطا لدخول الجنة , قال تعالى :
" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا "
وثمة ارتباط في منهج أهل السنة والجماعة بين الإيمان والعمل الصالح ,فالإيمان شرطه العمل الصالح وإلا كان قولا لا دليل عليه , والعمل الصالح شرطه الإيمان لكي يكون مقبولا عند الله , قال تعالى :"ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو انثى – وهو مؤمن – فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا "النساء124
وقال :" فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " الكهف 110, وقال في شأن الذين يقدّمون أعمالا خيّرة ولكنهم كفار " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " الفرقان 23.
ويوسع القرآن دائرة العمل الصالح التي تبدأ من عبادة الله بالفرائض " أركان الدين الخمسة " لتشمل الإصلاح الاجتماعي كالحفاظ على الأمانة وغض البصر وبر الوالدين , والإصلاح الاقتصادي كالدعوة إلى الصدقة والقرض الحسن – بالإضافة للزكاة المفروضة - وكذا تحرم الربا وتحليل البيع . مما له أثر في تماسك المجتمع وتنميته و جعل الفرد المسلم الصالح إيجابيا ونافعا ويعيش حياة آمنة مطمئنة وصفها القرآن بالحياة الطيبة وجعلها لمن عمل صالحا , قال تعالى :" من عمل صالحا من ذكر أو أنثى – وهو مؤمن- فلنحيينه حياة طيبة " النحل 97
هؤلاء الصالحون هم ورثة الأرض " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون " , وهم الأمناء على تطبيق أحكام الدين وشريعة العدل ومنهج الخلافة على سنن النبي صلى الله عليه وسلم وسيرة الراشدين ,قال تعالى :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون " النور 55
وهؤلاء أفضل الخلق عند الله " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية " البينة 7
وفي مقابل الإصلاح يحارب القرآن الفساد والمفسدين , قال تعالى :" وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " ويرفض المساواة بين المصلحين والمفسدين , قال تعالى :" أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار " .
وبهذا الترابط الوثيق - في بناء الشخصية الإسلامية – بين الإيمان والعمل الصالح وتوسيع دائرته يقدم الإسلام نموذجا رائعا وفريدا بالتطابق بين النظرية والتطبيق , فليس الإيمان مجرد شعارات وأقوال , بل هو تصديق قلبي ينعكس على عمل المؤمن وارتباطه بمن حوله مما يؤمّن استقرارا نفسيا يدفع المؤمن للقيام بواجب عمارة الأرض والإصلاح فيها وهذا هو النافع الذي يريده الله و" يمكث في الأرض " الرعد17 بعد ذهاب الجفاء .
وليس العمل لمجرد النفع الدنيوي الميكافيلي البعيد عن الأخلاق بل هو مرتبط بحياة أخروية هي بالتأكيد الأفضل والأعلى " وللآخرة خير لك من الأولى " الضحى 4.