المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ما هو تحرير رأي الغزالي في مسألة هل يفيد خبر الواحد العلم ؟



سارة العليان
10-10-30 ||, 12:04 AM
قال الغزالي :
( فإن قيل فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد قلنا حكي عن الكعبي جوازه ولا يظن بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة فهذا مما لا يعرف استحالته ولا يقطع بوقوعه فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة ونحن لم نجربه ولكن قد جربنا كثيرا مما اعتقدناه جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله ثم انكشف أنه كان تلبيسا وعن هذا أحال القاضي ذلك وهذا كلام في الوقائع مع بقاء العادات على المعهود من استمرارها فأما لو قدرنا خرق هذه العادة فالله تعالى قادر على أن يحصل لنا العلم بقول واحد من غير قرينة فضلا على أن تنضم إليه القرائن ) .
المستصفى ج 1 ص 109

وقال أيضا :
( فإنه إذا أخبر خمسة أو ستة عن موت إنسان لا يحصل العلم بصدقهم لكن إذا انضم إليه خروج والد الميت من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثياب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد وهذا مما يقطع بجوازه والتجرية تدل عليه ) .
المستصفى ج 1 ص 109

ثم قال :
( مسألة : هل خبر الواحد يفيد العلم

اعلم أنا نريد بخبر الواحد في هذا المقام ما لا ينتهي من الأخبار إلى حد التواتر المفيد للعلم فما نقله جماعة من خمسة أو ستة مثلا فهو خبر الواحد وأما قول الرسول عليه السلام مما علم صحته فلا يسمى خبر الواحد وإذا عرفت هذا فنقول خبر الواحد لا يفيد العلم وهو معلوم بالضرورة إنا لا نصدق بكل ما نسمع ولو صدقنا وقدرنا تعارض خبرين فكيف نصدق بالضدين وما حكي عن المحدثين من أن ذلك يوجب العلم فلعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل إذ يسمى الظن علما ولهذا قال بعضهم يورث العلم الظاهر والعلم ليس له ظاهر وباطن وإنما هو الظن .. )
المستصفى ج 1 ص 116

فما هو تحرير رأي الغزالي في هذه المسألة نفعنا الله بعلمكم

وائل سميح العوضي
10-10-30 ||, 04:39 PM
النقول المذكورة هنا متوائمة متوافقة لا إشكال فيها، وكلها تصب في معنى واحد.

والسؤال عن تحرير رأي عالم من العلماء إنما يكون عند وجود اختلاف في الظاهر بين عباراته في كتبه المختلفة أو في مواضع مختلفة من كتاب واحد مثلا.

فالغزالي هنا مثله مثل جمهرة الأصوليين يقول إن خبر الواحد بمجرده لا يفيد العلم وهذا لا نزاع فيه بين العقلاء أو لا ينبغي أن يكون فيه نزاع، وأما ما نقل عن بعض المحدثين في ذلك فقد فسره الغزالي بتفسير محتمل، وقد يكون له احتمال آخر من التفسير، لكن المراد أن الغزالي بهذا التفسير يبين أن خبر الواحد لا يفيد العلم.

لكن هل يفيد العلم إذا احتف بقرائن؟
يتوقف الغزالي عن التجويز ويتوقف عن المنع أيضا؛ لأنه لا يعلم امتناع حصول ذلك كما لا يعلم عكسه. فهذا مراده.

والله أعلم.

أمجد درويش أبو موسى
10-10-30 ||, 07:06 PM
بارك الله فيكم يا شيخنا الكريم
لعل التعارض المقصود _بعد إذن السائل الكريم_ هو أنه في النقل الأول نفى القطع بوقوعه لأنه لم يجربه
وفي النقل الثاني ناقض ذلك فقال:
"وهذا مما يقطع بجوازه والتجرية تدل عليه".

وكذا هل هناك تناقض بين قوله في النقل الأول:"ونحن لم نجربه ولكن قد جربنا كثيرا مما...".
لأن ظاهر ما نفاه وأثبته واحد

وهل ما ذكروه من وقوع التلبيس في الخبر الواحد مع قرائنه ذريعة للتوقف عن القطع في جنس هذه الأخبار أم يقال هو نادر لا يؤثر أو خلاف العادة وهل النادر هنا يؤثر؟

سارة العليان
10-10-30 ||, 07:21 PM
بارك الله فيكم يا شيخنا الكريم
لعل التعارض المقصود _بعد إذن السائل الكريم_ هو أنه في النقل الأول نفى القطع بوقوعه لأنه لم يجربه
وفي النقل الثاني ناقض ذلك فقال:
"وهذا مما يقطع بجوازه والتجرية تدل عليه".

وكذا هل هناك تناقض بين قوله في النقل الأول:"ونحن لم نجربه ولكن قد جربنا كثيرا مما...".
لأن ظاهر ما نفاه وأثبته واحد

وهل ما ذكروه من وقوع التلبيس في الخبر الواحد مع قرائنه ذريعة للتوقف عن القطع في جنس هذه الأخبار أم يقال هو نادر لا يؤثر أو خلاف العادة وهل النادر هنا يؤثر؟
نعم بارك الله فيكم هذا ما أردته من وقوع التناقض في هذه النقول ..
كلام الغزالي في خبر الواحد المجرد عن القرينة واضح ولا غبار عليه ، وأما كلامه في خبر الواحد المحفوف في القرائن هو ما أشكل علي ويحتاج إلى تحرير ..
وفقكم الله

وائل سميح العوضي
10-10-30 ||, 09:38 PM
بارك الله فيكم يا شيخنا الكريم
لعل التعارض المقصود _بعد إذن السائل الكريم_ هو أنه في النقل الأول نفى القطع بوقوعه لأنه لم يجربه
وفي النقل الثاني ناقض ذلك فقال:
"وهذا مما يقطع بجوازه والتجرية تدل عليه".
وفيكم بارك الله يا شيخنا الفاضل، وأحمد فيكم تواضعكم.

وأقول: إن كان الإشكال في أنه قال مرة (مما يقطع بجوازه) وقال مرة (أنفي القطع بوقوعه) فهذا لا تناقض فيه البتة؛ لأن (نفي القطع بالوقوع) لا يعارض (القطع بالجواز) لأن الأشياء ثلاثة (مقطوع بوقوعه) و(مقطوع بعدم وقوعه) و(مقطوع بجوازه) فإذا نفينا الأول بقي الثاني والثالث على الإثبات.

أما إن كان الإشكال في أنه هل جرب ذلك أو لم يجربه فهذا يظهر ببيان الاختلاف بين الصورة الأولى والصورة الثانية فالصورة الأولى وجود قرائن كثيرة جدا يتبقى معها قرينة واحدة فقط ليحصل العلم فيقوم إخبار الواحد مقام هذه القرينة، والصورة الثانية وجود مجموعة من القرائن ومجموعة من أخبار الآحاد تقوم مقام القرائن المتممة.
ومن الواضح أن الصورتين مختلفتان، فلا مانع من أن يكون قد جرب إحداهما ولم يجرب الأخرى.

وحتى لو فرضنا أن الصورة واحدة فيهما فهو قال (التجربة تدل عليه) ولم يقل إن تجربته هو تدل عليه فلا تناقض.

وحتى لو فرضنا أنه يقصد نفسه بالتجربة فهذا أيضا لا يعد تناقضا إن سلمناه؛ لأنه قد يكون جربه مرة بعد أن لم يكن جربه، فلا تناقض في هذا ولا إشكال.


وكذا هل هناك تناقض بين قوله في النقل الأول:"ونحن لم نجربه ولكن قد جربنا كثيرا مما...".
لأن ظاهر ما نفاه وأثبته واحد
لا تناقض هنا يا شيخنا الفاضل؛ لأن الذي لم يجربه يختلف عن الذي جربه.
وهو بهذا يحاول أن يثبت قول القاضي الباقلاني أن خبر الواحد المحتف بالقرائن لا يفيد القطع أيضا.


وهل ما ذكروه من وقوع التلبيس في الخبر الواحد مع قرائنه ذريعة للتوقف عن القطع في جنس هذه الأخبار أم يقال هو نادر لا يؤثر أو خلاف العادة وهل النادر هنا يؤثر؟
هذه مسألة كبيرة، ولعلنا نناقشها في وقت لاحق.

د. أيمن علي صالح
10-10-31 ||, 06:45 AM
مع أني لست من أنصار منهجية تكلف دفع التناقض والإشكال في أقوال العلماء ومذاهبهم لقوله تعالى: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا"، فالأمر هنا محتلف.
والسبب هو أن النقلين المتعارضين ظاهرا عن الإمام الغزالي وردا في مسألة واحدة ولا يفصل بينهما إلا بضع أسطر، وهذا يقوي الظن بأن ثمة خطأ في الفهم لا تناقضا واختلافا حقيقيا في أقوال الإمام. نعم لو كانت النقول من كتابين، أو حتى من كتاب واحد في مواضع متفرقة لكان احتمال التناقض معقولا.
والإشكال في الفهم نجم عن التسوية بين تعبير الإمام بـ"قول واحد" مع اصطلاحه الذي بينه في تعبيره بـ "خبر الواحد". فخبر الواحد هو ما نقص عن التواتر فيحتمل الواحد والأربعة والخمسة وغيرها. أما "قول واحد" الوارد هنا فيقصد به الواحد الفرد الذي لا يحتمل الإثنين والثلاثة. وعليه لا تناقض في أقوال الإمام، وبيان ذلك كما يلي: قال الإمام:
"إذا أخبر خمسة أو ستة عن موت إنسان لا يحصل العلم بصدقهم لكن إذا انضم إليه خروج والد الميت من الدار حاسر الرأس حافي الرجل ممزق الثياب مضطرب الحال يصفق وجهه ورأسه وهو رجل كبير ذو منصب ومروءة لا يخالف عادته ومروءته إلا عن ضرورة فيجوز أن يكون هذا قرينة تنضم إلى قول أولئك فتقوم في التأثير مقام بقية العدد وهذا مما يقطع بجوازه والتجرية تدل عليه"
فلاحظ هنا أن المقطوع بجوازه ودلت عليه التجربة عند الإمام هو إفادة خبر الخمسة أو الستة العلم بمصاحبة القرائن
ثم قال الإمام بعد استطراد يسير
"فإن قيل: فهل يجوز أن يحصل العلم بقول واحد ؟
قلنا: حكي عن الكعبي جوازه ولا يظن بمعتوه تجويزه مع انتفاء القرائن أما إذا اجتمعت قرائن فلا يبعد أن تبلغ القرائن مبلغا لا يبقى بينها وبين إثارة العلم إلا قرينة واحدة ويقوم إخبار الواحد مقام تلك القرينة فهذا مما لا يعرف استحالته ولا يقطع بوقوعه فإن وقوعه إنما يعلم بالتجربة ونحن لم نجربه ولكن قد جربنا كثيرا مما اعتقدناه جزما بقول الواحد مع قرائن أحواله ثم انكشف أنه كان تلبيسا"
وفي هذا النقل هو يتكلم عن خبر الواحد الفرد المصاحب للقرائن، وهوالذي لم يعرف استحالته ولا قطع بوقوعه ولم يجربه. وهذا ظاهر لمن تأمل الكلام وعرف أن الكلام سياق واحد لا سياقين وأنهما تفصيل في مسألة جواز إفادة خبر الواحد للعلم مع القرائن.
وعليه يمكن تلخيص مذهب الغزالي في المسألة على النحو التالي:


أولا: جواز أن يفيد خبر الواحد العلم بالقرائن (وهذا مجمل أما التفصيل فكالتالي):
ثانيا: القطع بجواز ووقوع أن يفيد خبر الخمسة والستة العلم بالقرائن (التجربة تدل عليه).
ثالثا: جواز أن يفيد قول الواحد (الفرد) العلم بالقرائن، مع عدم القطع بوقوعه (لم نجربه)، ولكن مال الإمام إلى التشكيك بحصول العلم في هذا القسم والسبب أن التجربة وقعت كثيرا بخلافه.

سارة العليان
10-10-31 ||, 10:16 PM
ثالثا: جواز أن يفيد قول الواحد (الفرد) العلم بالقرائن، مع عدم القطع بوقوعه (لم نجربه)، ولكن مال الإمام إلى التشكيك بحصول العلم في هذا القسم والسبب أن التجربة وقعت كثيرا بخلافه.


جزاك الله خيرا يا دكتور على هذا التوضيح ..
بقي لدي إشكال في رأي الغزالي في خبر الواحد (الفرد) المحفوف بالقرائن هل يفيد العلم لأن كلام الغزالي في هذه المسألة بالذات مشكل لأنه في آخر المسألة أخبر بأن التجربة وقعت كثيرا بخلافه وفي أوله أفاد بالجواز ... فهل كلامه الأخير من أن التجربة وقعت كثيرا بخلافه ينفي أوله من جواز أن يفيد خبر الواحد الفرد المحفوف بالقرائن العلم؟أم أنه متوقف في المسألة ؟
نفعنا الله بعلمكم

د. أيمن علي صالح
10-11-01 ||, 05:26 AM
أختي الكريمة، أولا أثني على نباهتك لأن الاستشكال علم بحد ذاته وثانيا: الجواز شيء والوقوع شيء آخر. فالجواز المقصود هنا ليس الجواز الفقهي وإنما العقلي، والمقصود أن إفادة خبر الفرد العلم بالقرائن يمكن تصورها عقلا، وليس ثمة ما يدل على استحالتها. أما الوقوع فهو الحدوث والتحقق في أرض الواقع فليس كل جائز واقع فنقول مثلا: يجوز ويمكن عقلا أن يدخل كل أعضاء هذا الملتقى إليه في وقت واحد، لكن هذا لم يقع أبدا منذ أسس الملتقى. والحاصل أن الغزالي يسلم بالجواز والإمكان ولكنه يستبعد الوقوع لسببين: عدم تجربته، وتجربة نقيضه. وهذا الاستبعاد لا يعني استحالة الوقوع بل مجرد ضعف احتماليته البالغ.