المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : كلمات جديرة بالحياة



فاتن حداد
10-10-30 ||, 02:54 PM
سلسلة مراجعات فكرية
بقلم د. نبيل الكوفحي
(1)
تمر الأمة بمنعطفات حرجة, وتواجه حالة غير مسبوقة من ضعف التماسك وانشغالها بنفسها بشكل كبير, ولا شك أن هذا الأمر يتراكم منذ سنوات طويلة, لكنه وصل لمستويات خطيرة نتيجة ضعف قياداتها وتخلف واقعها, واقتتالها فيما بينها، وانتشار الظلم والاستبداد بدولها, وابتعادها عن شريعة الله في حياتها، ودوسها على كثير من القيم الإنسانية والأخلاقية.

والحركة الإسلامية - وان كانت طليعة مجددة تحاول النهوض بأمتها- لكنها جزء من الأمة يصيبها ما يصيب الأمة من حالات ضعف، لا بد لها - وهي تملك زمام نفسها- أن تعيد النظر والقراءة والقرار في كثير مما الفته ودرجت عليه من الأفكار والمناهج والوسائل والأطر، ولا شك أن هذا ليس بهين لكنها الضرورة التي لا بد من سلوكها، وكم قال الشاعر:

بصرت بالراحة الكبرى فلم أرها تنال إلا على جسر من التعب

الحياة الإنسانية متصلة مستمرة غير منقطعة، فلا نتائج دون مقدمات، والتحولات فيها نتاج تراكمات لعوامل كثيرة داخلية وخارجية. ولا يمكن أن ينفصل المستقبل عن الحاضر والماضي، فالترابط موجود غالباً إما بشكل فيزيائي أو غير فيزيائي، والذاكرة الإنسانية تختزن وتجمع بين كل الأزمنة، وان انقطع الترابط في الواقع المشاهد كان في التصورات، قال الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس: أيها الإخوان المسلمون: لا تيئسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين ، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد. ولا زال في الوقت متسع.

والحضارات التي سادت لقرون عديدة كان من أهم خصائصها القدرة على تجديد ذاتها، والمحافظة على" شبابها" ولا يمكن تحقيق هذا التجديد الا بوقفات للمراجعات، تقيم فيها الاعمال وينظر لجوانب الفشل فيها قبل جوانب النجاح، يكون النظر للداخل قبل البحث في المحيط الخارجي ، وكما قال الراشد: لا بد من التحول إلى التفتيش عن الأسباب الخفية ومعرفة الثغرة التي ولج منها الألم فأقعد، أو تسللت منها اللذة فأذهلت.

إن المراجعات الذاتية للافراد كما هي للجماعات والشعوب تعتبر مستلزماً ضرورياً للحياة، اذ ان كل شيء على هذه الحياة قابل للتغير، وان طول الامد يغير في المظاهر والعناصر كما يغير في النفوس والقلوب قال تعالى: (فطال عليهم الامد فقست قلوبهم، فهي كالحجارة أو أشد قسوة)،لذلك كان المنهج الاسلامي بضرورة التفكير، وضرورة المراجعة الذاتية الدورية للفرد كما هو للأمم والشعوب. والمراجعات ليست مطلوبة فقط لتقييم الماضي وتقليل الخسائر وتحديد الثغرات، بل لتعديل مسارات الخطط المستقبلية واجتراح المسارات الإبداعية.

تشكل المصائب محطات اجبارية للمراجعة والتقييم، قال تعالى ( أو لما أصابتكم مصيبة قلتم أنا هذا، قل هو من عند انفسكم). وكما جاء في سورة القلم عن اصحاب الجنة (فلما رأوها قالوا انا لضالون، بل نحن محرومون، قال اوسطهم الم اقل لكم لولا تسبحون، قالوا سبحان ربنا انا كنا ظالمين). إن التوبة حتى تقبل لا بد ان يكون فيها تحسر على ما فات وندم وعزم على الا يعود للمعصية والمبادرة بالخيرات وهذ نتاج عملية مراجعة لحياة الفرد.

والحركة الإسلامية إذا غابت عنها المراجعات الممنهجة، فإنها تحكم على نفسها بالموت البطيء، الذي يظهر جلياً في انحسار التاثير وتراجع التاييد وانفضاض الكفاءآت والرواحل وانشغالها عن غاياتها وأهدافها، لذا فان فقه المراجعات يجب أن يكون خطاً اصيلاً في منهجيتها، ضمن برامج محددة في خطتها، وحتى لا تصاب بالعجز والشلل، ولا بد أن يغذى هذا الفقه للفرد ذاته كعضو في الحركة ومسؤولاً فيها، اذ ان غياب المراجعات أو تأخيرها، والقيام بها حينما تقع المصائب ، هو بمثابة فشل كبير وخروج عن منهج الله الذي أمرنا به.

إن المقصود من هذه المراجعة هو الوصول إلى الحق واتباعه، وهذا ليس بأمر هين، خاصة حينما يتعلق الأمر بالمجتمع والأمة، لان المعضلة لا تتعلق فقط بمعرفة الحق، بل في كيفية الوصول إليه، لذا قال الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله: إن أمرنا يفهم من خلال قضيتين: رؤية الحق، وأن يرزقنا الله اتباع الحق، وذلك دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم أرنا الحق حقاً، وارزقنا إتباعه).

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-10-30 ||, 03:59 PM
بارك الله فيكم، مقال في غاية الروعة، والإخلاص والصدق ينطف من عباراته، والألم والحرقة تتوهج من حروفه.

فاتن حداد
10-10-31 ||, 01:17 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(2)

التوازن بين حياة الفرد ومتطلبات الجماعة

أكدت عملية المراجعة الفكرية - في المقال السابق- على كونها ضرورة للحياة وركن للتقدم، وتبدأ المراجعة في اعادة موضعة الفرد والجماعة وعلاقة كل منهما بالآخر، إذ أن العلاقة البنائية بين الفرد والجماعة علاقة تحكمها أسس شرعية وقانونية اتفق عليها تحت مسمى: الحقوق والواجبات، كما هو الحال في أي تجمع انساني، ونحن لا نضع الفرد في موقع الندية للجماعة بل في موقع التابع، لكن لخصوصية التبعية الطوعية هذه، تقتضي أن تراجع باستمرار، لان السكون مظهر من مظاهر الموت.
يقول الامام البنا في مقدمة رسالة المؤتمر الخامس، أيها الإخوان: كنت أود أن نظل دائمًا نعمل ولا نتكلم، وأن نكل الأعمال وحدها الحديث عن الإخوان وخطوات الإخوان، وكنت أحب أن تتصل خطواتكم اللاحقة بخطواتكم السابقة في هدوء وسكون ... ولا بأس أن ننتهز هذه الفرصة الكريمة فنستعرض نتائجنا، ونراجع فهرس أعمالنا, ونستوثق من مراحل طريقنا ونحدد الغاية والوسيلة فتتضح الفكرة المبهمة، وتصحح النظرة الخاطئة، وتعلم الخطوة المجهولة، وتتم الحلقة المفقودة.
هذه الجماعة التي يعرفها الإمام البنا في رسالة دعوتنا: ونحب مع هذا أن يعلم قومنا – و كل المسلمين قومنا – أن دعوة الإخوان المسلمين دعوة بريئة نزيهة ، قد تسامت في نزاهتها حتى جاوزت المطامع الشخصية ، واحتقرت المنافع المادية ، وخلفت وراءها الأهواء والأغراض ، ومضت قدما في الطريق التي رسمها الحق تبارك وتعالى للداعين إليه : (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108) . فلسنا نسأل الناس شيئا، و لا نقتضيهم مالا ولا نطالبهم بأجر، ولا نستزيد بهم وجاهة، ولا نريد منهم جزاء ولا شكورا، إن أجرنا في ذلك إلا على الذي فطرنا.
ما كان للحركة الإسلامية و من حولها من أن يستمروا بالسير دونما محطات توقف متجددة، فمن صحت بدايته حسنت نهايته، و لقد وعى أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر هذا المعنى أروع الوعي فقال: ما ضل أحد في هذا الطريق إلا بـفساد الابتداء , فإن فساد الابتداء يؤثر في الانتهاء. فأحسن البداية و أتـقنها يا داعية الإسلام.
ولان كان التقليد من أهم الموارد لبناء العقل، فالطفل الصغير يقلد تصرفات أبيه وأمه وإخوانه، ويغلب على ظنه صوابها ، إلا انه يعتبر معيبا ومعيقاً في مراحل الحياة المتقدمة، وقد عاب الله على الكافرين في سورة البقرة بقوله (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله، قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه أبائنا، أولو كانوا آباؤهم لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون).
ولإعادة تموضع العلاقة بينهما ، ينبغي أن يكون التوازن قائماً متحققاً دونما افراط او تفريط، فالتوازن سنة كونية عبر عنها رب العزة بقوله (وكل شيء خلقناه بقدر)، وهي لازمة للاستمرار، والتوازن يعني النمو الطبيعي لكل المكونات ومساهمة كل المخلوقات بشكل متكامل في رسم خريطة الكون، وينسحب هذا على حياة الفرد كما هو على الجماعة ، يقول تعالى في سورة القصص (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا) ، ويقول في سورة الإسراء (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا) ولعل الحديث الشريف الذي رواه أنس – رضي الله عنه - يعبر عن هذا بشكل دقيق (جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي – صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي – صلى الله عليه وسلم - فلما اخبروا كأنهم تقالوها، وقالوا: أين نحن من النبي وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟. قال أحدهم: أما أنا فاصلي الليل أبدا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الآخر: وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله – صلى الله عليه وسلم - إليهم، فقال: أما والله إني لأخشاكم لله واتقاكم له، لكني أصوم وافطر وأصلي وارقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني). يقول الامام البنا في رسالة المؤتمر الخامس، أيها الإخوان: ... ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها علي بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد.
وبالرغم من فضل الجماعة، فعلى الفرد ألا يركن باموره إلى الجماعة في كل شيء،لأن الأصل أن التكليف والمحاسبة فردية (وكل آتيه يوم القيامة فردا)، والانتماء للجماعة مع التقصير في الواجبات الشرعية، لا يعفي الفرد من المسائلة يوم القيامة، فحينما يعجز الإنسان عن التخطيط لحياته فإنما يكون قد خطط للفشل، ومن ذلك التوازن بين الحاجات الشخصية وبين مصلحة الجماعة ونشاطاتها.
من أبرز البديهيات في العمل الجماعي ان يتنازل الفرد عن رأيه لصالح قرار الجماعة، بل تعتبر هذه أحد اركان البيعة العشرة المتمثلة في " ركن الطاعة"، فالحكمة والصواب هما في جانب الجماعة أكثر منهما في جانب الفرد، حيث يميل التفكير الفردي – في الغالب- الى التغير ، بينما يميل التفكير الجماعي للثبات، ويبنى الكثير من التفكير الفردي على " التفكير الرغبوي"، فالهامش دقيق بين المشاعر والأفكار لدى الفرد، بينما يؤسس التفكير الجماعي على الاهداف، ويجنح التفكير الفردي للمغامرة بينما يتسم التفكير الجماعي بالحذر.
إلا أن الركون التفكيري للجماعة على حساب التفكير الفردي يقتل الابداع، ويقف عائقاً أمام المبادرة الذاتية، فعلى القيادة ان تحسن توجية الأفراد وتفتح لهم آفاقاً من المرونة حتى لا تقتل ابداعاتهم، وهي ممكنة من خلال تعظيم القيمة المضافة لكينونة الفرد الذاتية بالتربية الواقعية والتدريب العملي وصقل تجاربهم واتاحة الفرصة للعمل والخطأ.
ان حرية الداعية ، والأمل الذي يستيقنه والرجاء بما عند الله من ثواب: يدفعونه إلى البذل السخي، يقول الراشد: إن التربية الريادية تتطلب تعويد ذوي القابليات والذكاء من المؤمنين على التفكير الحر، والقياس، و الاستقراء، والتحليل، والتعليل، وتمرينهم على استعمال القواعد المنهجية والمنطقية، وهذا يتطلب تنمية قابلية الوصف الدقيق لديهم، واكتشاف العلاقات وفهم الواقع، وكل ذلك من أسس الاجتهاد وطرائقه.
وينبغي التحذير من المبالغة في إبراز دور الجماعة (المجتمع او الدولة) على حساب دور الفرد، لان ذلك سيؤدي إلى انتاج نماذج سيئة من أنظمة الحكم الاستبدادية كما الحال في الانظمة الاشتراكية وكثير من دول العالم الإسلامي، والتي حولت شعوبها إلى متلقية للقرارات لا مشاركة فيها، حتى ينحدر الأمر إلى حالة الاستخفاف بها، تلك الحالة التي أطلقت على وصف العلاقة بين فرعون وقومه (فاستخف قومه فأطاعوه، انهم كانوا قوم سوء فاسقين)
إن الاستخفاف هو تحقير لدور العقل في التفكير وتعطيله، حيث تحول أقوال وأراء أصحاب السلطة إلى مسلمات لا يجوز التفكير فيها، ويصل الأمر إلى " دكتاتورية فكرية" عبر عنها فرعون بقوله (ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد)، فهل نعقل تلك القصص والمشاهد الواقعة؟! يقول الله تعالى في سورة العنكبوت: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)
إن الزمان ليس متوقفاً والآخرون من أعداء الأمة ليسوا نياماً، لذلك ينبغي المسارعة في تصحيح كثير من الاختلالات، يقول الإمام البنا: أن من عرف حق الوقت فقد أدرك قيمة الحياة، فالوقت هو الحياة .
ولأن الوقت لا ينتظر، فهذه دعوة لكل الأخوة خاصة ممن امتن الله عليه بالخبرة والنضج والحكمة أن يبادروا إلى إيجاد وتطوير مقاربات عملية ناجعة في إيجاد التوازن بين حياة الفرد ومتطلبات الجماعة، حتى يمكن البناء على ما تم، لا هدمه، حيث حذرنا الله بقوله (ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا)، وقد وصف حالكم الامام البنا في رسالة المؤتمر الخامس بقوله: ليس يعلم أحد إلا الله كم من الليالي كنا نقضيها نستعرض حال الأمة، وما وصلت إليه في مختلف مظاهر حياتها، ونحلل العلل والأدواء، ونفكر في العلاج وحسم الداء، ويفيض بنا التأثر لما وصلنا إليه إلى حد البكاء. يقول الدكتور عبد الكريم البكار: لم نكن في يوم من الأيام أحوج منا اليوم الى العقلية الناضجة التي تمتلك رؤية تركيبية معقدة، تمكنها من استخلاص أفضل ما في النماذج القديمة من اجل سكبه في نماذج جديدة ملائمة لروح العصر ومتطلباته،
فهل من مجيب؟!

فاتن حداد
10-10-31 ||, 01:28 PM
بارك الله فيكم، مقال في غاية الروعة، والإخلاص والصدق ينطف من عباراته، والألم والحرقة تتوهج من حروفه.


جزاكم الله خيرا على تعقيبكم.
ما دفعني لنشر هذه المقالات أمران:
1. ما فيها من الحكم والعقلانية في الطرح مع التزام عميق.
2. خشيتُ عليها أن تنسى مع كل هذا الضخ اليومي في الشبكة لكل ما هو غث أو سمين.
للعلم أنا ناقلة عن موقع آخر، لكني أحببت جمع كل المقالات في مكان واحد.
وللعلم أيضا: أنا لست فردا في جماعة الإخوان المسلمين، وإن كانت هذه النسبة لا تعيب.

سامي سعيد دراغمة
10-10-31 ||, 02:58 PM
كلمات ونسمات لها وقع كالندى على الروح
تلامسها وتزرع فيها كل جميل

أشكرك أختنا الكريمة على ما نقلته لنا وأفدتنا به
جعلنا الله وإياكم من أهله الذين يستخدمهم لدينه وإقامة شرعه

فاتن حداد
10-11-01 ||, 01:46 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(3)

فقه الاستيعاب

الاختلاف بين بني البشر أمر طبيعي، لا يمكن الانتهاء منه، وقد عبر رب العزة عن ذلك بقوله ( ولو شاء ربك لهدى الناس جميعاً، و لا يزالون مختلفين )، وجاء الإسلام ينظم هذا الاختلاف ويضع له الضوابط والآداب، وقد يكون الاختلاف لأسباب كثيرة منها اختلاف الأفهام والتفاوت في القدرات واختلاف البيئات وغيرها، ونحن لا ننظر للخلاف على أنه أمر مطلوب، بقدر ما هو واقع لا محالة نتيجة احتكاك الناس وتفاعلهم مع بعضهم بعضا، وهذا حاصل في الجماعات البشرية كلها بغض النظر عن دينها وفكرها.

ولطبيعة البشر الناقصة عن الكمال، كان الخطأ ملازماً لهم (كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون)، لذلك جعل الله سبحانه وتعالى باب التوبة مفتوحاً، وخاطبنا جميعاً بقوله في سورة النور ( وتوبوا إلى الله جميعاً أيها المؤمنون لعلكم تفلحون)، لكن وضعت للتوبة شروطاً حتى تقبل منها: الندم على المعصية، والعزم ألا يعود إليها، والمبادرة بالخيرات، وإذا كانت بحق آدمي فيضاف إرجاع الحقوق إلى أصحابها أو المسامحة.

في غياب فهم تلك الحقائق الثلاث، تبرز ظواهر سلبية تتمثل بابتعاد الفرد ذاتياً عن الجماعة أو بإبعاده رغماً عنه، وقد يترتب على ذلك مفاسد كثيرة وفقدان لعناصر متميزة ومفيدة، من هنا جاءت أهمية فقه الاستيعاب في عمل الجماعات، والذي يعتبر احد أركان المحافظة على وحدة الجماعات واستمرارها. ولما كان الاستيعاب مطلوباً شرعاً لغير المسلمين في الدولة الإسلامية وذلك ببقائهم على دينهم دون إجبارهم بالدخول بالإسلام أو الخروج من الدولة، ومثال ذلك وثيقة المدينة بين المسلمين واليهود، كان لأبناء الدعوة أولى.

إن الاستيعاب مطلوب للإفراد، فالاستيعاب عملية حركية تُنتج إطاراً للحفاظ على نتاج التفاعلات الايجابية وجهود الأفراد داخل الجماعة، وحفظاً للطاقة المتولدة لئلا تتسرب خارجياً، والاستيعاب علاقة متبادلة أفقيا ورأسياً، لذا كانت الطاعة للقيادة في المنشط والمكره وكان الحلم والرفق بالرعية والشورى، وتمثل الشورى احد أهم التطبيقات العملية للاستيعاب (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله).

ويتسع الاستيعاب ويضيق تبعاً لحالة الفرد التنظيمية ومستواه ودرجة الخطورة التي تكمن في الحدث أو الخطأ، وتبعاً للظروف التي تمر بها الجماعة، فكلما كان العضو فرداً عادياً وليس قيادياً كان الاستيعاب بحقه أسهل، وكلما شكل الحدث فتنة للآخرين كان الاستيعاب لصاحبه ابعد وأصعب، حيث إن استيعابهم – حسب القراءات التاريخية- يؤدي إلى اتساع الشرخ وازدياد الخطورة وتهديد تماسك الجماعة. وفي فيزياء المواد فانه كلما كانت المادة ثابتة كان جهد الاستيعاب لها أسهل، فترى الماد الصلبة يمكن احتوائها (استيعابها) بإناء مسطح لا حواف له، وفي الحالة السائلة احتجنا لإناء له حواف، أما في الحالة الغازية فلا بد أن يكون مغلقاً قادراً على المحافظة على ضغط الغاز ، ويلاحظ في حالة التفاعلات التي تستلزم عمليات خلط وتحريك وتسخين لا بد من زيادة القدرة على الاستيعاب لها.

وفي سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم- شواهد كثيرة على ما أسلفنا من وجهة نظر، ففي الحديث أن امرأة من جهينة أتت رسول الله وهي حبلى من الزنا (.... ثم أمر بها فرجمت ثم صلى عليها، فقال عمر: تصلي عليها يا رسول الله وقد زنت ؟ قال: لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت أفضل من أن جادت بنفسها لله عز وجل؟) ، وتبدوا قصة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك واضحة في الاستيعاب بعد أن صدقوا الله ورسوله، يقول الله تبارك وتعالى في سورة التوبة (وعلى الثلاثة الذين خلفوا، حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم، وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه، ثم تاب عليهم ليتوبوا، إن الله هو التواب الرحيم). وفي المقابل نجده يزجر أسامه بن زيد - رضي الله عنه - حينما شفع في المرأة في حد السرقة فقال – صلى الله عليه وسلم- غاضباً :أتشفع في حد من حدود الله، والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.

لكن هناك خلط غير مبرر بين الاستيعاب والتهاون، والتجاوز عن أخطاء كبيرة مهددة لمصلحة الجماعة، إذ أن بعض الأشخاص لا يتكيفون مع حقيقة العمل الجماعي، أو ربما لا يؤمنون بمنهجية هذه الدعوة في التدرج والإصلاح، أو من الصعب عليهم التنازل عن آرائهم لصالح قرارات الجماعة الشرعية الصحيحة، بل ربما من الصعب تأطيرهم ضمن قوالب العمل الجماعي، وربما كان من الخير لهم وللجماعة والأمة أن يقوموا بواجب الدعوة إلى الله وما يلائم طبيعتهم, يقول الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان مصارحة: أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم: اسمعوها مني كلمةً عاليةً داويةً من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع: إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقاً طويلةً ولكن ليس هناك غيرها ...، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرةً قبل نضجها أو يقتطف زهرةً قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة .... ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة.

وبعض اؤلئك يتطلع للرئاسة وهم لا يصلحون لجندية الجماعة، ومن الخطأ الاستمرار في العمل على استيعابهم ، يقول الراشد: ويفكر مشفق على وحدة الصف وعدم خسارة الجماعة للنفر الذين عشقوا الرياسة بأن يمنحهم ما يبغون، و يسترضيهم، جمعاً للجهود، وحرصاً على كل الطاقات أن تظل في خدمة القضية، ... إن مثل هذا الاقتراح هو مذهب في سياسة الجماعات خطأ، واجتهاد في التربية غريب، فإن إتاحة الفرصة لغير ذوي الأهلية والكفاية مهلكة لهم، والاستشراف للمسؤولية علامة خلل في التركيب النفسي للداعية، وإنما تنبثق العناصر الريادية من خلال السير انبثاقاً تلقائيا.ً والله تعالى أعلم.

فاتن حداد
10-11-02 ||, 01:36 PM
كلمات ونسمات لها وقع كالندى على الروح
تلامسها وتزرع فيها كل جميل

أشكرك أختنا الكريمة على ما نقلته لنا وأفدتنا به
جعلنا الله وإياكم من أهله الذين يستخدمهم لدينه وإقامة شرعه


شكرا لمروركم الكريم

فاتن حداد
10-11-02 ||, 01:41 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(4)

النجاح: بين الصواب والإخلاص

تفرض المواقع المتقدمة الجديدة التي انتقلت إليها الدعوة الإسلامية العالمية وحازتها بفضل الله تعالى وقفة تأملية على أبنائها، يتدارسون خلالها أساليب تطوير العمل، وتجويد التخطيط، ومضاعفة الآثار الحسنة لبذلهم، ....، وشرط نجاح هذه الوقفة الفاحصة إنما يكمن فى استعداد نفسي في الدعاة للخروج من المألوف الموروث من الأساليب إذا أرشدت التجارب إلى ضرورة ذلك، وأدى النظر العقلي إلى اكتشاف خطأ. (الراشد في مقدمة كتابه "صناعة الحياة")
تتشابك وتختلط الأمور في أسبابها ومظاهرها على كثير من الناس، وتستهلك الكثير من الأوقات والجهود في المعالجات الخاطئة والمتكررة، ولعل هذا ناتج عن خلط - قلة دراية- بين أسباب النجاح والرغبة في تحقيقه، وغلبة " التخطيط الرغبوي" على التخطيط المنهجي، والاستعجال في الحصول على الثمار قبل نضجها.
هناك اختلاف جوهري بين أمور الدنيا وأمور الدين، ويكمن ذلك في استحضار النية والإخلاص في العمل حتى يكون عند الله مقبولا، يقول تعالى في سورة البينة (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) ، وفي الحديث المشهور الذي رواه الفاروق – رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم - يقول: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل أمرىء ما نوى...).
لكن هناك اتفاق بينهما: إن العمل حتى يكون ناجحا ومقبولاً فلا بد أن يكون صائباً، فالنوايا الطيبة وحدها لا تكفي لنجاح العمل، والأهداف النبيلة لا تتحقق لكونها كذلك، بل لا بد من تحري الوسائل الصحيحة، وإتباع المناهج السليمة، وفي كثير من أمور الناس استقرت البشرية على خبرات ومسالك توصلها للنتائج المرجوة، وفي أمور التعبد جعل الله لها شروطاً واركاناً لقبول العمل، ومنها أمور تتعلق بأوقات كالصلوات الخمس، ومنها ما تعلق بالزمان كصوم رمضان، ومنها ما تعلق بالزمان والمكان كالحج، وغيرها كثير، وفي الحديث الشريف ( قاربوا وسددوا واعلموا انه لن ينجو احد منك بعمله...)، والعلم شرط أساس في العبادة.
وقد وعى الصحابة والسلف الصالح والعلماء الأوائل هذه الحقائق جيدا، وطبقوها عملياً في حياتهم ، فأدركوا أن العلم شرط لبلوغ الصواب، والعلم شرط في صحة القول والعمل مصداقاً لقوله تعالى في سورة محمد - صلى الله عليه وسلم - (فاعلم أنه لا اله الا الله، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)، وعلى لسان سيدنا يوسف عليه السلام قال تعالى في سورة يوسف (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم)، وفي الحديث الشريف (من يرد الله به خيراً، يفقهه في الدين)، وكيف نفهم أمره تعالى في سورة هود (واستقم كما أمرت) بغير إتباع المنهج الصحيح.
وفهم ذلك ببصيرة ثاقبة الإمام البخاري، فقد وضع باباً في كتاب العلم في جامعه الصحيح تحت عنوان: باب العلم قبل القول والعمل، ونقل عن عمر بن عبد العزيز – رضي الله عنه - قوله: من عمل في غير علم، كان يفسد أكثر مما يصلح، قال الحسن البصري: العامل على غير علم، كالسالك على غير طريق.
سئل احد السلف، هو الفضيل بن عياض عن " أحسن العمل" في قوله تعالى (أيكم أحسن عملا)، فقال: أحسن العمل : أخلصه وأصوبه، قيل له: ما أخلصه وما أصوبه؟ فقال: ان الله لا يقبل العمل ما لم يكن خاصاً صوابا، فإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، وإذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وليس غريباً أن وضع الإمام البنا ركن الفهم أول أركان البيعة العشرة، لان الفهم في لغة العرب معناه: العلم بالشيء ومعرفته.
ويقع الخلط بين عامة الناس وأهل الاختصاص في إشراكهم بالحل والعقد في كثير من الأمور، إذ أن عملية معرفة الخطأ (مظهر المرض) لا تعني بالضرورة القدرة على إدراك السبب وتشخيص الحل (العلاج)، فذاك أمر يحتاج إلى اختصاص وخبرة، وهذه أحد المزالق التي تقع فيها الجماعات والأحزاب، ولئن تم تطوير هذا الفهم من خلال تكوين مجالس للشورى ولجان مختصة، إلا أن تطبيق ذلك لا يعكس هذه الحقيقة جيداً، يقول العلامة الدكتور القرضاوي في كتابه القيم (فقه الأولويات): وأما الإحسان في أمر الدنيا فهو الوصول به إلى درجة الجودة التي ينافس فيها غيره، بل يتفوق عليه، فلا مجال في الحياة إلا للمتقنين.
ولعل احد أهم أسباب التأخر وضعف نجاح الخطط، بل والفشل أحيانا كثيرة يعود الى ضعف العلم وضعف الأشخاص القائمين على العمل، أي انها عائدة للقائمين على العمل، وقد أوضح الله تعالى هذه الحقيقة بقوله في سورة الشورى ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفُ عن كثير) وفي سورة آل عمران ( أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم)، ولقد تشعب العمل الدعوي واتسع وأصبح به من التعقيد ما يحتاج لاختصاص وخبرات، ولم يعد الإخلاص ولا الولاء للدعوة كافياًن لتولي المسؤوليات، قال تعالى عن طالوت في سورة البقرة (إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم)، وهناك قاعدة في السياسة الشرعية تفيد: بتقديم أهل الكفاية على أهل الولاء.
ينبغي ان تكون هذه الحقائق حاضرة في المراجعات لخطط الدعوة ونتاجات العمل، ولا نعلق الفشل على الظروف الخارجية ومكر الأعداء ومؤامراتهم فحسب، اذ أن معياري أخلاص النوايا والولاء للدعوة ليسا كافيين لبلوغ الصواب، ناهيك عن وجود مظهر الصلاح على بعض الأفراد، وقد حذر الرسول – صلى الله عليه وسلم - من ظهور طائفة بقوله (... تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وعملكم مع عملهم، يقرؤون القرآن لا يتجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية)، فآفة هؤلاء ليست في ضمائرهم ولا بنياتهم بل في عقولهم وأفهامهم.
وصواب العمل يرتبط أحيانا بطبيعة الظرف الزماني أو المكاني الذي تمر به الجماعة، ففي أوقات معينة تتأخر العبادات الفردية الى مرتبة ثانية أمام أولوية مصلحة الأمة والجماعة، ولقد عبر ابن المبارك عن هذا لمن انصرف إلى العبادة والمجاورة في الحرم المكي ( وكان الفضيل يلقب بعابد الحرمين، وله شهرة بكثرة الدموع ) بهذه الأبيات التي تحدد العمل الصائب وأولويته في مرحلة معينة :
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أو كان يتعب خيله في باطل فخيولنا يوم الكريهة تتعب
ريح العبير لكم، ونحن عبيرنا رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا عن مقال نبينا قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوي غبار خيل الله في أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيد بميت لا يكذب
ينسحب هذا الفهم بين الولاء (الإخلاص) والصواب كذلك على معايير الفرز والاختيار، إذ أن عمليات الانتخاب يشوبها – أحياناً- خروج على هذه الأسس الشرعية والمنطقية، لذلك نجد إفرازات لقيادات لا تُراعى شروط الكفاءة في اختيارها، بل تعتمد على عوامل أخرى ليست موضوعية منها : العلاقة الفردية، و"التحشيد الأعمى" الذي يتجاوز مصلحة الدعوية والوطن والأمة، وكان نتيجة ذلك إفراز بعض القيادات "غير المؤهلة" للمواقع التي قدمت لها، وانعكس ذلك على جودة قرارات الجماعة وصوابها، وعلى تراكم انجازاتها للوصول للأهداف الكلية المرسومة، وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين.

فاتن حداد
10-11-03 ||, 11:18 AM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(5)

هندسة الدعوة إلى الله

ربما يكون العنوان مصطلحاً جديداً في العمل الإسلامي، يجمع بين علوم خواص المواد وتشكيلها وتوظيفها في خدمة الإنسان من جهة، وعلوم توجيه النفس البشرية وربطها بالخالق من جهة أخرى، ولا يمنح الله شمولية المعرفة والحكمة إلا لقلة قليلة من خلقه بعد الأنبياء، ولكن ربما يجري الله الحكمة في أمر ما من على ألسنة ضعاف خلقه، وربما يوفق هذا الاجتهاد وربما لا يصيب، وعل كل حسبنا ما قاله الحبيب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - : (إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ ثُمَّ اجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ) ومعلوم أن قيمة أي اختراع جديد تكمن بفكرته ابتداءً ومدى الحاجة له وليس بحجمه ونوعه.
إن استمرار الحياة ونموها يستلزم البحث عن الجديد من الأفكار والوسائل والأدوات، وربما يكون من المهم أن نذكر بالقاعدة الذهبية التي تشكل أحد روافع التجديد في حياة الأفراد والجماعات التي تقول : ما الشيء الذي افعله إذا أديته بطريقة أخرى كانت النتيجة أفضل.
يقول الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس: أيها الإخوان المسلمون: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف، وألزموا الخيال صدق الحقيقة والواقع، واكتشفوا الحقائق في أضواء الخيال الزاهية البراقة. ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحولوا تيارها واستعينوا ببعضها على بعض.
تبدأ المعارف الإنسانية بأفكار بسيطة، ثم تتسع وتتحول الى علوم مستقلة، وتتشعب هذه العلوم الى تخصصات بمرور الوقت، وتتمازج التخصصات المتباعدة في تخصصات جديدة، فعلى سبيل المثال: كان الطب علماً واحداً، ثم ما لبث أن تفرع الى تخصصات، وجاء منها الطب الباطني، الذي ما لبث أن تحول الى جراحة وأعصاب ومسالك وغيرها، وكذلك علوم الهندسة، فتفرعت الهندسة المدنية على سبيل المثال إلى: تخصصات الإنشاءات والطرق والمرور والمساحة والمياه والبيئة والمواد وغيرها، وتمازجت علوم الأحياء ببعض العلوم الهندسية ـ فأنتجت الهندسة الطبية والهندسة الوراثية (أُطلقت على عملية نسخ و تعديل و زرع الجينات، أي المادة الوراثية)،
وجاءت الهندسة النفسية التي تتناول تصميم السلوك والتفكير والشعور، وكذلك تصميم الأهداف للفرد أو الأسرة أو المؤسسة ، وتصميم الطريق الموصل إلى هذه الأهداف (الهندسة النفسية هي المصطلح العربي المقترح لما يطلق عليه باللغة الإنكليزية Neuro Linguistic Programming أو NLP ، والترجمة الحرفية لها: البرمجة اللغوية للجهاز العصبي).
عرف علم الهندسة عند العلماء المسلمين بأنه: العلم بقوانين تُعرف منه الأصول العارضة للكم من حيث هو كم، وجاء تعريفه في (مدينة العلوم) بأنه: علم يعرف منه أحوال المقادير ولواحقها، وأوضاع بعضها عند بعض، ونسبتها وخواص أشكالها، والطريق إلى عمل ما سبيله أن يعمل بها، واستخراج ما يحتاج إلى
استخراجه بالبراهين اليقينية.
تتميز العلوم الهندسية (التطبيقية)، عن العلوم النظرية (المجردة) بمجموعة من الخصائص، اذ تبنى العلوم الهندسية على حدة التصور (التخيل والتنبؤ) والتصميم والتخطيط والتنفيذ والتحكم والصيانة، وتركز على تحويل الأفكار المجردة (الرغبات والحاجات) الى حقائق مادية ملموسة، وتعنى بالكم وتحدد المعايير والمواصفات، وتبحث دائماً عن التجديد في الجوهر والشكل، بحيث تؤدي الى زيادة في الكم وتحسين النوع، وتقليل التكاليف، وجاذبية وسهولة الاستخدام، ويشكل البحث العلمي أهميه في تطوير العلوم الهندسية.
إن هذه الحقيقة تستدعي منا التركيز على الجوانب العملية المجربة وتجربة الجديد أيضا، وعدم التسليم لما ورثناه من وسائل وطرق بل لا بد لنا من تشجيع التفكير – وان خرج عن المألوف- وان تتصل عملية الإحياء والتجديد، يقول الإمام البنا في رسالة هل نحن قوم عمليون: وها أنا ذا أصارح كل الغيورين من أبناء الإسلام بأن كل جماعة إسلامية في هذا العصر محتاجة أشد الحاجة إلى الفرد العامل المفكر .. إلى العنصر الجريء المنتج . فحرام على كل من آنس من نفسه شيئا من هذا أن يتأخر عن النفير دقيقة واحدة ....ولئن كانت الغاية التي نعمل لها جميعاً واضحة معروفة للكثيرين فأنا واثق من أمرين يلازمان هذه المعرفة : الأمر الأول : أن الوسائل غير معروفة ولا محدودة ، وقد تكون متعاكسة يخبط بعضها بعضاً ونحن لا نشعر، والأمر الثاني : أن الصلة منقطعة تماماً بين السابق اللاحق .. يصل السابق إلى نصف الطريق فإذا جاء اللاحق لم يتبعه لإنقطاع الصلة بينهم ، فيبدأ طريقاً جيداً قد يصل فيه إلى مقدار ما وصل سابقه وقد يقصر عنه.
ان الهدف من إطلاق هذا المشروع (هندسة الدعوة الى الله) تحديد الرؤى وتركيزها وتحويل الأفكار الى واقع مجسد وبناء النماذج الاختبارية من خلال المحاكاة (Simulation: علم يقوم على افتراض نماذج مصغرة سواء المادية الخبرية او المحوسبة، وإجراء التجارب عليها وبيان عيوب التصميم وتعديله)، وتحديد التصاميم العملية للمسارات واختيار وسائل العمل والتنفيذ، والاستفادة من التجارب السابقة، وتطوير نظم صيانة وإدامة للمسارات أثناء العمل
تبرز أهمية علم الهندسة أو منفعته - كما يذكر القونجي - في الاطلاع على الأحوال المذكورة من الموجودات، وأن يكسب الذهن حدة ونفاذا، ويُروض بها الفكر رياضة قوية؛ لما اتفقوا على أن أقوى العلوم برهانا هي العلوم الهندسية. ومن جملة منافعها: العلاج عن الجهل المركب؛ لما أنها علوم يقينية لا مدخل فيها للوهم؛ فيعتاد الذهن على تسخير الوهم، والجهل المركب ليس إلا من غلبة الوهم على العقل.
وفي ذلك أيضا يقول ابن خلدون: واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله، واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بَيِّنَة الانتظام، جليّة الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها؛ لترتيبها وانتظامها؛ فيبعد الفكر بممارستها على الخطأ، وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهْيَع (أي: الطريق أو النسق)، ولتعليم الهندسة أهداف عديدة منها: تنمية الفهم العملي، وتنمية التفكير المنطقي، و تنمية الخيال.
إن الدارس في كتاب الله يجد الكثير من الآيات التي اشتملت على منظومة متكاملة يجب أن تؤدى مجتمعة حتى يتحقق المراد، يقول تعالى في سورة يوسف -108 (قل هذه سبيلي أدعوا الى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين)، تضمنت الآية تحديد الغاية وهي : الدعوة الى الله، وتضمنت الكيفية وهي: على بصيرة، وتضمنت الإطار وهو: أنا ومن اتبعن.
إن أساس التميز الذي قامت عليه فكرة دعوة الإخوان المسلمين عن غيرها من الدعوات الإصلاحية السابقة – وان كانت كلها إسلامية- أنها حولت الفكرة الإصلاحية من عمل فردي لا يحكمه منهج، الى عمل جماعي منظم في إطار حركي ينطلق من غايات وأهداف لها وسائل واليات عمل تحكمه قوانين وأنظمة تسعى لبناء واستعادة دور الأمة الحضاري.
يقول الإمام البنا في رسالة المؤتمر الخامس: ولقد أخذت أفاتح كثيرًا من كبار القوم في وجوب النهوض والعمل وسلوك طريق الجد والتكوين، فكنت أجد التثبيط أحيانًا والتشجيع أحيانًا والتريث أحيانًا, ولكني لم أجد ما أريد من الاهتمام بتنظيم الجهود العملية... وفي الإسماعيلية أيها الإخوان وضعت أول نواة تكوينية للفكرة، وظهرت أول هيئة متواضعة نعمل ونحمل لواءها نعاهد الله على الجندية التامة في سبيلها تحت اسم (الإخوان المسلمون) وكان ذلك في ذي القعدة سنة 1347 هـ.
ويقول محددا الإطار العام لهذا النموذج الجديد في العمل:... إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول.
ويقول سيد قطب في معالم في الطريق: حول عملية البعث الإسلامي: إنه لابد من طليعة تعزم هذه العزمة، وتمضي في الطريق .... لان وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا. لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم، لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون، له وجود ذاتي مستقل، يعمل أعضاؤه عملاً عضوياً- كأعضاء الكائن الحي- على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه.
لقد وعى الإمام المؤسس لوازم هذا الأمر- دون شمولية تطبيق فلسفة العلم الهندسي- فحدد الأهداف والغايات والمراحل والوسائل وتوقع المخاطر والعقبات التي يمكن أن تعترض المسارات الدعوية. فقال في رسالة المؤتمر الخامس تحت عنوان فكرة الإخوان المسلمين تضم كل المعاني الاصلاحية: ... إن الإخوان المسلمين: دعوة سلفية، وطريقة سنية، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية.
ويقول في التدرج في الخطوات: ... فذلك أنهم اعتقدوا أن كل دعوة لابد لها من مراحل ثلاث: مرحلة الدعاية والتعريف والتبشير بالفكرة ...، ثم مرحلة التكوين وتخير الأنصار ..، ثم بعد ذلك كله مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج، وكثيراً ما تسير هذه المراحل الثلاث جنباً إلى جنب.
ويحدد مراحل التوسع والتأثير في رسالة الى الشباب: إن منهاج الإخوان المسلمين محدود المراحل واضح الخطوات، فنحن نعلم تماما ماذا نريد ونعرف الوسيلة الى تحقيق هذه الإرادة: نريد أولا الرجل المسلم... ونريد بعد ذلك البيت المسلم ... ونريد بعد ذلك الشعب المسلم ...ونريد بعد ذلك الحكومة المسلمة...ونريد بعد ذلك ان نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي ... ونريد بعد ذلك ان تعود راية الله خافقة عالية على تلك البقاع التي سعدت بالإسلام حينأ من الدهر ...نريد بعد ذلك ومعه أن نعلن دعوتنا على العالم وان نبلغ الناس جميعأ، ...ولكل مرحلة من هذه المراحل خطواتها وفروعها ووسائلها.
وحدد العقبات في الطريق فقال : … و ستجدون أمامكم كثيراً من المشقات وسيعترضكم كثير من العقبات ، ... سيقف جهل الشعب بحقيقة الإسلام عقبة في طريقكم ، وستجدون من أهل التدين ومن العلماء الرسميين من يستغرب فهمكم للإسلام وينكر عليكم جهادكم في سبيله ، وسيحقد عليكم الرؤساء والزعماء وذوو الجاه والسلطان ، وستقف في وجهكم كل الحكومات علي السواء.
بالرغم من عبقرية الإمام المؤسس في تجسيد الفكرة الإصلاحية بنموذج عملي قابل – من حيث المبدأ- للتطبيق، إلا انه لم يتم تطويره بما يكفي لمواجهة التحديات والعقبات التي تعترضه، ولم يتطور ليستوعب حجم الانتشار الكمي والتنوع الجغرافي له. وبرغم إبداع البدايات فلم ننجح -نحن الوارثون- في استكمال المسار الإبداعي الذي بدأه الإمام، فجَمُدنا على " فكرة المبدأ" وهي الغاية والهدف - أي المراد من أي فكرة هندسية- ولم نتوسع ونُجدد في" فكرة المنهج" وهي الكيفية المتعلقة بالأدوات والوسائل – أي طريقة التنفيذ والتصنيع الهندسية المتغيرة المتجددة - ولم نقم بهندسة الكثير من المشاريع الجزئية والتفصيلية في العمل الدعوي، وليس سليماً أن نعزوا الفشل والقصور والضعف الى العوامل الخارجية بل (قل هو من عند أنفسكم).
إننا اليوم أحوج ما نكون لتطوير هذا المفهوم، لأننا كما وصفنا الإمام بقوله: أيها الإخوان : أنتم لستم جمعية خيرية ولا حزباً سياسياً ولا هيئة موضعية لأغراض محدودة المقاصد . ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيسدد ظلام المادة بمعرفة الله ، وصوت داو يعلو مردداً دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
إننا ندعوا إلى إسقاط فلسفة التفكير الهندسي المتمثل في حدة التصور والتركيز والتصميم والتخطيط والتنفيذ والتحكم والصيانة والتجديد المستمر، فنحن بحاجة لجهود حثيثة تعيد تركيب العمل الدعوي على أسس كمية تراعي سنن الله في الخلق ونواميسه في الكون والحقائق الإنسانية والاجتماعية وكيفية التعامل معها، ويدرك وكتشف علاقات الارتباط والتفاعل بين المكونات الإنسانية والاجتماعية والمادية والمعرفية المختلفة، والخروج بمعادلات تصلح لبناء نماذج لاستثمار مكنونات الأمة باتجاه تحقيق الأهداف، ويمكن للتفكير الهندسي أن ينمي الفرد والجماعة في مجالات كثيرة، فالهندسة يمكن أن تلعب خمسة أدوار أساسية هي: الهندسة كعلم للشمولية والارتباط، و كنموذج للدقة، و كمنشط للقدرة على الاستدلال، وكلغة للكشف والاستنباط، وكفن لعمليات التحويل.
إن الدمج ما بين المحسوس المادي وغير المحسوس النفسي عملية معقدة في البداية، لكنها تُحل وتُكتشف بالتعمق في التفكير وشموله، ذلك أن مستوى التفكير بمسألة رياضية او هندسية يعتمد على درجة تعقيدها، فالمعقدة منها تحتاج لجهود زمنية وعقلية كبيرة، وأول خطوة في ذلك هي عملية "تنهيج العقل" أي ترتيب طريقة تفكيره قبل حشوه بالمعلومات، بحيث بكون قادراً على فهمها وتحويلها الى مادة معرفية قابلة للتطبيق والاستخدام، إن الحديث الشريف الذي صححه الألباني وجاء فيه (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه) يقتضي تحسين وتجويد العمل وصولاً به إلى مبتغاه، ويشمل العمل الكمي والنوعي، وضرورة أن يهتم بهذا الجانب في الأعمال الدعوية حتى تبتعد الأحكام والقرارات عن الانطباعات وتبنى على الحقائق.

فاتن حداد
10-11-04 ||, 10:55 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(6)

فقه الأولويات: بين النظرية والتطبيق

في مراجعة سريعة لانجازات الحركات الإسلامية نجدها لا زالت دون مستوى الطموح، ودون حجم التضحيات، ودون المرسوم من الخطط، ذلك إن محدودية الموارد: البشرية والمالية (المادية) والزمنية، تجعل العمل – أي عمل - ليس سهلاً، خاصة إذا كان المحيط سلبياً، إذ أن التحدي الأكبر هو: كيف يمكن تعظيم النتائج الكمية والنوعية في ظل محدودية الموارد ؟
إن الحل الأمثل لذلك هو في استثمار تلك الموارد المحدودة ضمن موازنات حصيفة ومجالات خصبة وأدوات فاعلة، ولعل ابرز تلك الموازنات هو: منهج فقه الأولويات، هذا الموضوع يتم الإجماع حوله نظرياً ويُختلف حول الأخذ به عملياً، إذ أن ميدان القول غير ميدان العمل ، كما يقول الإمام البنا رحمه الله.
خير من كتب بهذا الموضوع هو العلامة الشيخ الدكتور القرضاوي في كتابه القيم ( في فقه الأولويات) الذي صدر في العقد التاسع من القرن الماضي، وجاء في مقدمته: فهذه الدراسة التي أقدمها اليوم تتحدث عن موضوع اعتبره غاية في الأهمية، لأنه يعالج اختلال النسب واضطراب الموازين، في تقدير الأمور والأفكار والأعمال، وتقديم بعضها على بعض، وأيها يجب ان يقدم وأيها ينبغي أن يؤخر.
ويستطرد فيقول:... وينسحب هذا على "المتدينين" ، اذ يشتغلون بمرجوح العمل، ويدعون راجحه، وينهمكون في المفضول، ويغفلون الفاضل، وقد يكون العمل الواحد فاضلأ في وقت مفضولا في وقت آخر، راجحاً في حال، مرجوحاً في آخر، ولكنهم - لقلة علمهم وفقههم- لا يفرقون بين الوقتين، ولا يميزون بين الحاليين.
إن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف نوفق بين شمولية هذا الدين الذي قامت عليه هذه الدعوة، وبين ما نبدأ به من الأعمال ؟
والأمر كما أسلفنا ليس في الاتفاق على مفهومه وأهميته، بل في كيفية تطبيقه وإتقانه، حيث إن الكثير من الإعمال والجهود لا طائل مباشر منها نتيجة غياب هذا المنهج عنها، ولا شك ان التحدي يكمن في جوانب رئيسة منه: في الموائمة بين مسار حركة ذات فكر ومنهج إصلاحي شمولي ، وبين القدرة على ترتيب الأهداف والبرامج ضمن قواعد هذا الفقه والمتركزة حول: الأهمية والاستطاعة والتدرج ودائرة الأثر وعموم المصلحة والأطول نفعاً والمتعدي نفعه والمفسدة المتوقعة وغيرها من الأصول الشرعية والعقلية.
لا بد في هذا السياق من التذكير بالحقيقة القائلة: إن توسيع دائرة الاهتمام، تقلل التركيز وبالتالي تقلل النواتج النافعة من أي عمل، وهذا مخالفة لمبدأ شرعي جاء به حديث شريف (ان الله يحب اذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، وهذا يستلزم صياغة الخطط وفق منهجية واقعية وعلى أسس عملية توازن بين المطلوب والمستطاع.
إن رغبتنا في رؤية الثمار سريعاً تؤدي إلى التساهل في عمليات الإعداد والبناء، وهذه الثمار تكون قليلة الدوام غير ناضجة، لذلك لزم التأني والصبر والعمل طويل المدى، وبذل الجهد في التفكير للخروج بمقاربات عملية في هذا السياق، حيث أن درجة التفكير بحل المشاكل تتناسب طردياً كماً ونوعاً مع درجة التعقيد والتأثير، ويلخص هذه الحقيقة البرت انشتاين بقوله : المشكلات الهامة التي نواجهها، لا يمكن ان تحل بنفس مستوى التفكير الذي كان سبباً في وجودها.
يحب أن نتقبل الحقيقة القائلة بأننا لا نستطيع أن نفعل كل شيء، ويجب علينا أن نتعلم ان نركز طاقتنا على الأشياء التي نستطيع تغييرها، وألا نقلق بشأن الأشياء التي لا نستطيع تغييرها، فربما لم يحن وقتها بعد, فلم تكن الأولوية لرسول الله – صلى الله عليه وسلم - في المدينة بفتح جبهة عسكرية مع اليهود – وهم قتلة الأنبياء- فقام بتحييدهم حتى يركز على التخلص من خطر قريش، وكان لذلك أثر كبير في تحقيق النصر والتمكين للدولة الإسلامية الوليدة.
إن احد أوجه التعامل مع هذا المنهج هو: التخصص وتوزيع الواجبات والأنشطة على الأفراد، وإيجاد أقسام أو إدارات أو مؤسسات، وكلما حرصت تلك المؤسسات على القيام بدورها بشكل مركز، كلما كان ذلك أكثر نفعاً للجماعة ولمشروع الأمة بالنهوض الحضاري، أما تشعب عملها واهتمامها فسيؤدي إلى ضعف نتاجها، بل ربما يؤدي الى فشلها وفنائها.
وهذا ما طوره الراشد في كتابه (صناعة الحياة)، الذي يقول فيه: و(نظرية صناعة الحياة) دعوة لمراجعة الرصيد، والجري مع الفهم الجديد الذي بدأنا نفهم به العلاقات الحيوية وعوامل التأثير فيها وكيفية تقلبها فى مجاريها ومساربها، وهى استثمار لحقائق علمية تعلمناها من بعد جهل، واستعمال لمفاد أسرار اكتشفناها عبر انفتاح اجتماعي عالمي طرأ على سلوكنا من بعد عزلة حجبتنا، ....ولذلك، فالمظنون أن هذه النظرية البسيطة ستؤدى إلى تجديد فى التخطيط الدعوى، وإلى إعادة توزيع الواجبات وتقاسم الأدوار، وإلى أساليب مستحدثة، وتفنن وابتكار، فى محاولة لاختصار بقية الوقت، وتقليل الجهد، مع الدخول إلى ساحات التأثير من المداخل الطبيعية الفطرية البريئة من التكلف والتمحل... (انتهى الاقتباس).
ومن المهم إدراك حقيقة الهدف وطبيعة المعركة مع الفاسدين، إذ يتم استدراج الحركة الإسلامية إلى معارك جانبية مفتعلة هدفها إشغال الحركة عن أهدافها الرئيسة وخطتها، والمستقرئ لتاريخ الحركات الإسلامية يجد أمثلة كثيرة ذهبت فيها جهود وتضحيات وانجازات نتيجة الانجرار وراء معارك ليست رئيسة، والاصطفاف على خطوط مواجهة خاسرة سلفاً، ولعل أحد الأمثلة على ذلك هو حشر " بعض الأنظمة" بعض الحركات في خانة دفاعها عن " الإرهاب" في ظل أجواء عالمية سياسية وإعلامية وعسكرية مشحونة بالهجوم والمبررات الجاهزة للبطش!، بل ربما تفسر الاعتقالات المستمرة للدعاة والشباب في بعض البلدان بالإشغال المتعمد للجماعة عن أهدافها، ألم يكن التوجيه الرباني واضحاً جلياً في العهد المكي في منع قتال المشركين، قال تعالى في سورة النساء (ألم ترى إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ...)
من الوسائل المعينة على ذلك هي ترتيب الاهتمام بعلاقة العاجل بالمهم من الأمور، والتي تدور حول أربعة أمور: غير عاجل وغير مهم، عاجل وغير مهم، ومهم وعاجل، وغير عاجل ومهم. ولئن سار العلماء والإداريون لفترة ليست وجيزة بالاهتمام بالنط الثالث: عاجل ومهم، الى أن تطور الأمر إلى ما يسميه ستيفن كوفي في كتابه: الأمور الأهم... أولاً! بالجيل الرابع في منهج إدارة الوقت، اذ يوجه إلى الموازنة بين الكفاءة - وهي استغلال الزمن – والفاعلية – أي البوصلة الداخلية- والتي تركز على انجاز الأشياء الصحيحة والمفروض القيام بها، أو كما يسميها الموازنة بين الساعة (الكفاءة) والبوصلة (الفاعلية). ولتحقيق ذلك يكون بتحديد المهام ومن ثم تحويلها لادوار ، وتحويل الأدوار إلى أهداف قصيرة، والأخيرة إلى جدول أنشطة محدد زمنياً
واجد من المناسب الاقتباس من كتاب القرضاوي بعض هذه الموازنات: ... والموازنة بين المصالح بعضها وبعض: فتقدم المصلحة المتيقنة على المصلحة المظنونة أو الموهومة، والمصلحة الكبيرة على المصلحة الصغيرة، ومصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، ومصلحة الكثرة على مصلحة القلة، والمصلحة الدائمة على العارضة والمنقطعة، والمستقبلية القوية على الآنية الضعيفة، والجوهرية الاساسية على الشكلية والهامشية، وفي صلح الحديبة خير مثال.
وتتم الموازنة أيضا بين المفاسد بعضها ببعض: فالمفسدة التي تعطل ضرورياً غير التي تعطل حاجياً غير التي تعطل كمالياً، والضرر لا يزال بضرر اكبر منه او مثله
وتتم الموازنة بين المصالح والمفاسد ايضا: فلا تعتبر المنفعة القليلة في الأمر على المفسدة الكبيرة، فدرء المفاسد أولى جلب المنافع، ... وان المفسدة الصغيرة تغتفر لاجل المصلحة الكبيرة، وان المفسدة الانية تغتفر لاجل المصلحة المستقبلة الدائمة.
ومن هذه الأولويات : أولوية العمل الدائم على المنقطع، وقد جاء في الحديث الصحيح (أحب الأعمال إلى الله أدومها وان قل)، ذلك أن الإعمال ليست متساوية في الأهمية والأجر... ومنها: أولوية العمل الأطول نفعاً والأبقى أثرا، لذلك كان فضل الصدقة الجارية (الوقف الدائم) .
يقول العز بن عبد السلام في كتابه " قواعد الاحكام في مصالح الانام : وكذلك الاطباء يدفعون اعظم المرضين بالتزام بقاء ادناهما، ويجلبون أعلى السلامتين والصحتين ولا يبالون بفوات أدناهما، ويتوقفون عند الحير في التساوي والتفاوت، فان الطب كالشرع وضع لجلب مصالح السلامة والعافية، ولدرء مفاسد المعاطب والأسقام,.... (انتهى الاقتباس).
يقول تعالى (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69)

فاتن حداد
10-11-05 ||, 07:01 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(7)

القيادة بين التميز والتكامل

مَدنيةُ الإنسان تقوم على التجمع البشري والتعاون فيما بينهم، ولا يكون هناك تجمع دون قيادة تقوم عليه، ولا تصلح ولا تنتظم من غير قيادة مؤهلة تسعى لتحقيق النفع والخير والتقدم لمجتمعاتها، وما يسري على المجتمعات يسري على الجماعات والأحزاب والتجمعات المحدودة، قال عليه الصلاة والسلام: " إذا خرج ثلاثة في سفر فليأمروا أحدهم "، ولذا فان مستقبل البشرية يعتمد على نوعية الإنسان القائد.
جاء في لسان العرب: المَيْزُ: التمييز بين الأَشياء، تقول: مِزْتُ بعضه من بعض فأَنا أَمِيزُه مَيْزاً، ومِزْتُ الشيءَ أَمِيزُه مَيْزاً: عزلته وفَرَزْتُه، وكذلك مَيَّزْتُه تمييزاً. أما: الكَمَال: التَّمام، وقيل: التَّمام الذي تَجَزَّأَ منه أَجزاؤه. وأما: القَوْدُ: نقيض السَّوْق، يَقُودُ الدابَّة من أَمامِها ويَسُوقُها من خَلْفِها، فالقَوْدُ من أَمام والسَّوْقُ من خَلْف، قُدْتُ الفرس وغيره أَقُودهُ قَوْداً ، وقاد البعيرَ واقْتادَه: معناه جَرَّه خلفه
فالقيادة هي: عملية توجيه وتحريك الناس نحو تحقيق الأهداف
قال احمد عبد المحسن العساف في كتابه ( مهارات القائد وصفات القيادة)، القيادة: هي القدرة على التأثير على الآخرين وتوجيه سلوكهم لتحقيق أهداف مشتركة, فهي إذن مسؤولية تجاه المجموعة المَقودَة للوصول إلى الأهداف المرسومة. أما القائد فيعرفه: هو الشخص الذي يستخدم نفوذه وقوته ليؤثر على سلوك وتوجهات الأفراد من حوله لإنجاز أهداف محددة .
هل القيادة موروثة أم مكتسبة؟ والإجابة هي: كلاهما، فهناك أناس ألهموا القيادة، وآخرين ليسوا كذلك ، والقيادة تكتسب ولا تكتسب، والقائد يُصنع بالتعليم والتدريب وصقل المهارات والتوجيه، لكن التميز فيها لا يكون إلا موروثاً بالأصل يتم تطويره بالتعلم والتدرب والتجربة.
إن احد مشكلات الأمة بكل مكوناتها هي وجود القادة المميزين، ولا بد أن يدرك هذا الأمر حق الإدراك، يقول الإمام البنا في رسالة ( هل نحن قوم عمليون) : ... إن الرجل سر حياة الأمم ومصدر نهضاتها وإن تاريخ الأمم جميعاً إنما هو تاريخ من ظهر بها من الرجال النابغين الأقوياء النفوس والإرادات، وإن قوة الأمم أو ضعفها إنما تقاس بخصوبتها في إنتاج الرجال الذين تتوفر فيهم شرائط الرجولة الصحيحة.
ولأهمية القيادة قال نابليون : "جيش من الأرانب يقوده أسد ، أفضل من جيش من أسود يقوده أرنب "
ان محصلة نتاج الجهود المبذولة والتضحيات المقدمة من الموظفين في الشركات والأفراد المنتمين للجماعات والمواطنين في الدول إنما تعتمد على حسن إدارة القيادة لها، وقدرتها على استثمارها أفضل استثمار، في المكان والزمان المناسبين. وتركز القيادة على: تحديد الاتجاه والرؤية، ثم حشد القوى تحت هذه الرؤية ، ويُفَعِل ذلك التحفيز وشحذ الهمم
يقول الراشد في صناعة الحياة: قد وضح الطريق، وتأكد لدينا أن برج السيطرة هو الذي يهيمن على حركة الحياة، وليس اعتلاؤه بالهين، ويحتاج رجالاً هم الرجال حقاً، ... ولكن مع ذلك يتميز من هؤلاء الرجال نفر قليل هم الحلقة الأهم فى السلسلة، الأول: هو الرجل الفذ الذي يقود، ... وجود هذا الرأس الذي يمتاز بالشمول وعمق الإيمان بالله وبالقدر وبالقضية، وهو مقدام قوى الشخصية، يقول فيفعل، ويصمم فيثبت، ويدق صدره فيقتحم، متنوع الثقافة، مرهف الإحساس،... ومطرق يفكر، وُهب له ذكاء وحياء !

لكن التميز قليل دائماً في البشر، بل وحتى في القيادات، لذلك قال عليه السلام ( الناس كابل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة). يقول الراشد في رسالته ( معاً نتطور): أن الاجتماع المثالي للصفات الجيدة وبالمقادير المتناسبة أمر نادر، والمثاليون الكُمَل قليل عددهم، مع أن الفطرة هيأت ويسرت نيل مكونات الخير. فلا بد من إضافة شرط آخر هو التكامل، وذلك من خلال معرفة تميز كل شخص، وتوظيف التميز الفردي الضيق في إطار تكاملي مع تميز صفات الآخرين من القياديين، وكما قال الشاعر الأفوه الأودي:
لا يصلح الناس فوضى لا سُراة لهم ولا سُراة إذا جُهالهم سادوا
والبيت لا يُبنى إلا على عمد ولا عِماد إذا لم تُرس أوتادُ
فان تجمع أوتاد وأعمدة وساكن أبلغوا الأمر الذي كادوا
وفي قصة سيدنا موسى وشد أزره بهارون - عليهما السلام - خير دليل على هذا، قال تعالى في سورة القصص ( وأخي هارون هو أفصح مني لساناً، فأرسله معي ردءاً يصدقني اني أخاف أن يكذبون، قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعك الغالبون)
جاء في لسان العرب: الفَصاحةُ: البَيان؛ فَصُحَ الرجلُ فَصاحة، فهو فَصِيح من قوم ... تقول: رجل فَصِيح، وكلام فَصِيح: أَي بَلِيغ، ولسانه فَصِيح أَي طَلْقٌ. فالفصح: خلوص الشيء مما يشوبه، قال ابن سنان الخفاحي: الفصاحة الظهور والبيان، ومنها أفصح اللبن إذا انجلت رغوته .. ويقال أفصح الصبح إذا بدأ ضوءه. والردء: الذي يتبع غيره معينا له.
وكان الرسول - صلى الله عليه وسلم - شديد الحرص على طلب المشورة من الناس بقوله ( أشيروا علي أيها الناس)
ولعل من أهم شروط القيادة هما الأمانة والقوة، والقوة تكون للفرد كما تكون للجماعة القيادية من خلال تكامل صفاتها وأدوارها، قال تعالى: (يا أبت استأجره، إن خير من استأجرت القوي الأمين)
يقول الدكتور طارق سويدان: والقوة تعني الكفاءة والذكاء والقدرة على أداء المهمة، وتختلف القوة من مهمة لأخرى. قال ابن تيمية : والقوة في كل عمل بحبها، فالقوة في إمارة الحرب ترجع إلى شجاعة القلب والى الخبرة بالحروب والمخادعة فيها ...والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دل عليه الكتاب والسنة والى القدرة على تنفيذ الإحكام.
ومن واجبات القيادة التكاملية، توريث وديمومة الإمداد القيادي، ويكون ذلك باكتشاف العناصر القيادية وتأهيلها وتمكينها وتحفيزها. يذكر احمد عبد المحسن العساف في كتابه ( مهارات القائد وصفات القيادة ) حول اكتشاف العناصر القيادية، ست مراحل أساسية هي: التنقيب (تحديد مجموعة من الأشخاص ودراسة واقعهم من كافة النواحي)، والتجريب ( اختبار وتمحيص المجموعة المختارة في المرحلة السابقة)، والتقييم ( تقيم فيها المجموعة بناء على معايير محددة سابقاً, حيث يكتشف فيها جوانب القصور والتميز والتفاوت في القدرات)، والتأهيل ( تحدد الاحتياجات التدريبية وتنفذ )، والتكليف (وضع القادة على محك التجربة)، وأخيرا التمكين (تتضح المعالم الأساسية للشخصية القيادية لكل واحد منهم ثم تفوض لهم المهام حسب قابليتهم لها ومناسبتها لهم).

فاتن حداد
10-11-06 ||, 07:17 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(8)

الحركة الإسلامية والحوار مع الغرب


يختلف الناس في موضوع الحوار مع الغرب من حيث ضرورته وفائدته، و الحركة الاسلامية ليس بعيدة عن هذا الاختلاف، وان كان التوجه العام هو عدم الرغبة به خاصة في السنوات الاخيرة، وربما يكون تناول هذا الموضوع شائكاً، لكنه موضوع ينبغي أن يطرح ويتم التفكير فيه من جديد، فخسائرنا كأمة وشعوب وحركات اسلامية كثيرة، والحوار لن يزيد تلك الخسارة، بل ربما يعمل على تقليلها، خاصة بعد محاولة القس المعتوه تيري جونز حرق المصحف الشريف، وبروز أصوات غربية رسمية وشعبية وفكرية منددة بذلك التوجه العنصري البغيض.
أصبح الاهتمام الغربي بالحوار مع الحركات الإسلامية واضحاً وطلب الاتصال بها والحوار معها معلناً, ونذكِر أنه قد صدر عن الاتحاد الأوروبي في نيسان 2005 وثيقة تتبنى الحوار مع الحركات الإسلامية, وجاء خطاب الرئيس الامريكي اوباما في القاهرة في اواسط عام 2009 يحمل بعض الرسائل الايجابية تجاه المسلمين.
يعد الحوار من وسائل الدعوةالى الله ومنهج في التعامل مع الآخرين, قال تعالى (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)، فالإسلام لم يكتف بالأمر بالحوار، ولكن أراده أن يكون حواراً بالطريقة التي هي أحسن، ففي حال الموعظة اكتفى بأن تكون حسنة، أما في حال الجدال لم يرض إلا بأن يكون بالتي هي أحسن، لأن الموعظة تكون مع الموافق، والحوار يكون مع المخالف، وهذا ما قاله القرآن في حوار أهل الكتاب في سورة العنكبوت: ( ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون).
يستند الحوار الى مجموعة مفاهيم ينبغي أن يتضمنها فكر المسلم، فهو يعتقد بأن اختلاف البشر في أديانهم واقع بمشيئة الله تعالى "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" (هود: 118 - 119)، وهو يؤمن أن الحساب على الكفر والضلال ليس في هذه الدنيا، ولكنه في الآخرة كما قال تعالى " فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير (الشورى:15).
والمسلم يؤمن بكرامة الإنسان من حيث هو إنسان, وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم مروا عليه بجنازة، فقام لها واقفا، فقالوا: يا رسول الله، إنها جنازة يهودي! فقال: "أليست نفسا؟" ويؤمن أيضاً بأن عدل الله لجميع عباد الله، مسلمين وغير مسلمين، كما قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى" (المائدة: 8).
لتوجه الغرب والإدارة الأمريكية للحوار مع الحركات الإسلامية "المعتدلة" أهدافاً معلنة وخفية، منها شعورها بأهمية الشعوب ودورها في صياغة مستقبلها, وادراكها بأن الحركات الإسلامية تشكل شريحة هامة ومكون رئيس في بنية هذه الشعوب. وتزداد القناعة لدى بعضهم بان الاستبداد الذي تمارسه أنظمة حكم فردية أو شمولية في العالم العربي هي التي تنهب الثروات وتصادر الحريات وتنشر الفساد ويساعد على نشوء "حركات العنف والتطرف". تقول رايس وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ( لقد أخطأنا بسياستنا سابقا بدعم الأنظمة الديكتاتورية لتحقيق الاستقرار على حساب الحريات). وقد أدرك البعض في الولايات المتحدة أنه لا يمكن تهميش هذا التيار، وأن الحوار هو السبيل الوحيد للوصول لنوع من التوافق بما يحقق في النهاية المصالح المشتركة للشعوب. ولا يخفى انها محاولة لاحتواء للحركات الإسلامية من خلال دمجها بالعملية السياسية, وصولاً لتخفيف الاحتقان ومستوى الكراهية عند الشعوب للغرب ولأمريكا خاصة.
تضمن القران الكريم أسساً منهجية للحوار، قال الله تعالى ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير) الحجرات 13. فحكمة الله بالغة في تنوع البشر بين ذكر وأنثى لاستمرار النوع البشري، والتنوع المعرفي: فتعدد الشعوب والقبائل ليتعارفوا ويتعاونوا فيما بينهم . وقال تعالى أيضاً: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون" (الممتحنة 8 – 9. والقاعدة الأساسية أن لكل إنسان حرية الاختيار، قال تعالى ( وقل الحق من ربكم، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر) الكهف: 29 ويؤكد (لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي) البقرة: 256.
يعبرالقرآن الكريم عن الطريقة التي ينبغي أن ندير بها الحوار مع الآخرين (وإنا أو إيّاكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) (سبأ24)، أي قد أكون أنا على هدى وقد أكون على ضلال، وقد تكون أنت على هدى وقد تكون على ضلال، فتعال نتحاور من أجل اكتشاف هذه الحقيقة.
هناك موجبات وايجابيات الحوار، فهو يزيل كثيرا من الشكوك التي زرعها بعض الحكام المستبدين وأجهزتهم القمعية عن الحركات الإسلامية وخاصة المعتدلة منها, وبالتالي التقليل من حملات الاستهداف وتحييد بعض الخصوم والأعداء.
وربما يقلل من الصورة المفزعة التي تستخدمها الأنظمة المستبدة عن الحركة الإسلامية فيما لو نجحت هذه الحركات الإسلامية في أي انتخابات ديمقراطية في بلادها. وبلا شك يقدم صورة صحيحة عن المشروع الحضاري الإسلامي وتصحيح الصورة السلبية عن الإسلام والحركات الإسلامية التي اوجدها الاعلام الغربي والتأثير الصهيوني.
وربما يدرك الغرب أننا مع مبدأ التداول السلمي للسلطة وفتح الحريات السياسية والعقائدية وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان وبناء مؤسسات المجتمع المدني والاهتمام بقضايا المرأة ومحاربة الفساد والاستبداد، وتحقيق العدالة الاجتماعية وبناء الاستقرار في بلدنا وفي المنطقة.
لا شك ان هناك شروطاً وضوابط للحوار، منها احترام سيادة أوطاننا وحرية شعوبنا وعدم التدخل بخصوصياتنا الدينية والثقافية والاجتماعية، فالحوار هو حوار المصالح المشتركة, وبالرغم من هيمنة الغرب فإن الحوار معه لا يعني الاستسلام له، فالحوار في هذه الحالة مواجهة ومقاومة مطلوبة. وينبغي التذكير بألا يكون الحوار محصوراً في قضايا عقدية أو دعوة الطرف الأخر لديانته بل يكون الحوار لقضايا مصلحيه للطرفين وقضايا مشتركة للإنسانية، مع التأكيد على الاحتفاظ بحقنا بالمقاومة لكافة أنواع الاحتلال في بلادنا وبالطرق التي نراها نحن مناسبة.
هناك صعوبات في وجه الحوار، وأسباب ذلك مختلفة، فمنها ما هو متعلق في المسلمين، وبعدهم العملي عن الإسلام وخلافاتهم الشديدة، ومنها ما هو متعلق بالغرب، في قيادته التقدم العلمي والتقني، وهيمنته السياسية والاقتصادية على معظم دول العالم، ووهم أستاذيتة الفكرية والعقائدية، رغم إفلاسه الحضاري، وانحداره القيمي والأخلاقي ، وتغليب مصالحه الخاصة على مصالح كل المجتمعات الإنسانية الأخرى القائمة من حوله.
وهناك إشكالية أخرى وهي تلك المتعلقة بالموقف من الاحتلال الإسرائيلي، أو تبني الأجندة الإسرائيلية لمستقبل المنطقة,وما يمكن أن يصل إليه الحوار في موضوع الاحتلال الإسرائيلي، سواءً ما متعلق بنمط التسوية مع الفلسطينيين، او في الحل النهائي أو عودة اللاجئين أو القدس.
ومن الصعوبات أيضاً الشبهات التي تثار في أوساط الجماهير حول الجهات التي تشارك في الحوار مع الأميركان أو تتقرب منهم بأي شكل من الأشكال، بالاضافة ما يثيره من شكوك في أوساط الأنظمة، وخوفاً من توافق أميركي مع المعارضة في سياق الخوف من الاستبدال.
مضمون هذا الحوار متنوع، فهو حوار حضاري بين ثقافة إسلامية وبين ثقافات غربية يسعى أصحابها إلى تكريس هيمنتها على العالم. وهو حوار سياسي بين قوى عربية وإسلامية ترغب في تحقيق طموحاتها وبين قوى غربية تخشى من صعودها. وهو حوار مصلحي بين طرفين يرى كل منهما أن من مصلحته أن يتفاهم مع الآخر ويتعايش معه. وهو حوار حول حقوق الإنسان وهي لا تبعد عن مقاصد الشريعة، فالضروريات الخمس التي من أجلها وضعت الشريعة ابتداء: الحفاظ على النفس ، والعقل، والدين، والعرض، والمال. وبشكل عام فانه يمكن التحاور في كثيرمن الامور، مع التذكير ان عدم الحوار مع الغرب لا يلغي أثرهم ودورهم وتدخلهم في بلاد العرب والمسلمين، فالاشتباك حاصل معهم، فاما أن نحاول أن يكون بعضه لصالحنا، أو أن نتركه فيكون وبالاً علينا.

فاتن حداد
10-11-08 ||, 07:17 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(9)

الاختلاف في الرأي بين الهدم والبناء

لكل إنسان عقله وفكره، وطبيعته التي نشأ عليها، إلا أن بعضنا لا يقبل لبعض الأشخاص طرح الأفكار الخاصة بهم، وكأنه يقاتل من اجل فرض رأيه وطريقة تفكيره على الآخر، فالاختلاف سنه كونية، ونعمة منه أن جعل لنا عقولا وفكرا وحرية اختيار، فاختلاف الآراء وتباين الأفكار أمر طبيعي في واقع البشرية مسلمين وغير مسلمين، فلا تخلو ساحة من ساحات المعرفة من تعدد الآراء والنظريات، يقول تعالى في سورة هود - 118 ( ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة، و لا يزالون مختلفين).
وللخلاف أسباب كثيرة: منها الظروف التي يعيشها البشر وبيئاتهم الثقافية والاجتماعية ومستوى وعيهم وثقافتهم وتجاربهم في الحياة، بالإضافة إلى اختلافهم في العمر والخبرة في الحياة، وتنوع زوايا النظر ومنطلقات البحث، والتكوين الذهني والنفسي لكل شخص، ومنها الاختلاف الناتج عن الظروف المحيطة، فقد يكون هناك أكثر من رأي وكل رأي منها صحيح ومنطقي، مع إنها قد تكون متضاربة في الوقت نفسه، وسببه أن هذا الرأي قد يصح لظرف وموقف محدد ولا يصح لموقف وظرف آخر.
ليس صحيحاً أن يفسر وجود اختلاف حول الموضوع الواحد على أنه حالة سلبية، بل ربما تكون حالة إيجابية، ففي ذلك فوائد كثيرة وكبيرة، فأحكم الناس من جمع إلى عقله عقول غيره، فيستفيد من آرائهم التي تدعم رأيه، أو قد تكون مختلفة مع رأيه فيستفيد في تصحيح بعض آرائه وأفكاره الخاطئة، وهذا يتم ان أحسنا إدارة الخلاف في الرأي واستخلصنا عين الصواب من الآراء في أي نقاش يجري بين الأفراد.
القراءة المتأنية للقرآن والسيرة النبوية تكشف عن منظومة من الحقائق والمفاهيم الراقية، فالله تعالى لم يفرض الإيمان به على خلقه بالإجبار، بل أودعهم عقولاً تقودهم نحوه وفطرة ترشدهم إليه، وبعث لهم أنبياء يدعونهم إليه، ثم ترك للناس حرية الاختيار في هذه الحياة، يقول تعالى في سورة الكهف-29﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ﴾. وفي سورة الإنسان-3: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾، وهذا يقودنا إلى تربية فكرية عملية تدعم هذا الحق وهذه الميزة الإنسانية في الإسلام .
عانى الإنسان ولا زال يعاني من نوعين من محاولات الاستعباد والتسلط (العبودية والاحتلال): استعباد لجسمه يقيّد حركته ونشاطه، وتسلط على فكره يصادر حرية رأيه، وحقه في التعبير عنه، وإذا كانت مظاهر الاستعباد المادي الفردي قد تقلصت، فإن ممارسات الوصاية الفكرية لا تزال واسعة النطاق، خاصة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، تمارسها الأنظمة الحاكمة، كما تبتلى فيها المجموعات أحياناً.
بالرغم أن الله تعالى قد منح الإنسان عقلاً ليفكر به، وإرادة ليقرر ويختار، فلا زال البعض يحاول حرمان الآخرين من استعمال هذه المنحة الإلهية واستثمارها، فيمارسون الوصاية على عقول الآخرين وإراداتهم، ومن تجرأ على المخالفة، ومارس حرية التفكير وحق الاختيار لما اقتنع به من رأي، فله منهم الويل والأذى، وهذا يرتبط بمسلكيات شخصية كما يرتبط بمنهجية إدارة الحوار الاختلاف والتجمعات داخل التكوينات البشرية.
ولعلاج هذا الأمر وتحويله من عامل هدم الى عامل بناء، فمن أهم المبادئ التي يجب أن نتذكرها: أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وهناك قواعد وأسس للحوار الهادف ينبغي أن تعلم وتقنن ويتم التدرب عليها: كمراعاة حرية الرأي وعدم الاستبداد به أو فرضه على الآخرين، و مراعاة استمرار وبقاء الود والتواصل بين الأفراد المتحاورين، و يلزم مراعاة عدم الاستخفاف بآراء الآخرين وأفكارهم مهما كانت خاطئة، والالتزام بالموضوعية في النقاش خاصة عندما تكون أطراف النقاش من طبقات أو أعمار أو فئات مختلفة، ناهيك عن مراعاة الآداب الخاصة بالحوار، كالاستماع والإصغاء أولاً للأكبر سناً أو أكثر خبرةً وعلماً، إلى غير ذلك من الاعتبارات، وأخيراً لابد من الثبات على الرأي إذا كان صحيحاً وعدم التنازل عنه إرضاءً للآخرين أو خوفاً منهم أو تملقاً أو مجاملةً لهم، مع الالتزام بالقرار المجمع عليه بمنهجية صحيحة بعيداً عن الاختزال والمعلومات المضللة والترهيب والوصاية الفكرية.
يقول الإمام البنا في رسالة دعوتنا: هؤلاء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخالف بعضهم بعضا في الإفتاء فهل أوقع ذلك اختلافا بينهم في القلوب؟ وهل فرق وحدتهم أو فرق رابطتهم؟ اللهم لا وما حديث صلاة العصر في قريظة ببعيد. ... وإذا كان هؤلاء قد اختلفوا وهم أقرب الناس عهدا بالنبوة وأعرفهم بقرائن الأحكام، ... فلم لا يسعنا ما وسعهم؟
ويؤكد البنا السلوك السوي مع المخالفين فيقول: يعلم الإخوان المسلمون كل هذه الحيثيات، فهم لهذا أوسع الناس صدرا مع مخالفيهم، ويرون أن مع كل قوم علما، وفي كل دعوة حقا وباطلا، فهم يتحرون الحق ويأخذون به، ويحاولون في هوادة ورفق إقناع المخالفين بوجهة نظرهم. فإن اقتنعوا فذاك، وإن لم يقتنعوا فإخوان في الدين،. .. ويكرهون التعصب للرأي، ويحاولون الوصول إلى الحق، ويحملون الناس على ذلك بألطف وسائل اللين والحب.
ولتجنب كثير من الخلاف ينبغي أن تكون هناك قواعد وأسس للقيادة واتخاذ القرارات، يقول الراشد في فضائح الفتن: ويلاحظ في أمر الخلاف أنه كلما كان فكرنا واضحاً وقواعدنا الإدارية واضحة: قل الخلاف جداً، وكلما كان التعميم: كثر التأويل، ويدعي كل واحد أن شرحه وتفسيره هو الصحيح، فالوضوح وتخصيص الدلالات هو ضمانة ضد الفتن أكيدة... ما أحلى النصوص المرنة الفضفاضة في أيام التحابب، لكن الخلاف إذا اشتد فإنها تكون مصدر متاعب.
ويستطرد حول بعض أشكال المعالجات المتبعة فيقول: فإن الحلول التوفيقية لقضايا الفتن لن تفعل شيئاً سوى أنها تؤخر انفجار الموقف... إنها كمثل قربة مخرمة كثيرة الثقوب، لا تدري بعد ترقيعها متى تفتق عليك وترش ماءهَا؟...
ويوجه القيادة لحقيقة الحزم في إدارة الجماعات فيقول: إن لغة الشعر لا تصلح لدار القضاء. ... فإذا خالفت مجموعة بقية الجماعة فإن صيغة الموازنات والإرضاء قد تكون فاشلة أحياناً، ومن الخطأ أن يُحل الإشكال بتأمير رجال من هؤلاء يزاحمون البقية، ففي ذلك تكريس للخلاف، وفيه إغراء لا للمخالف فقط في أن يسخّر كل طاقاته الإبداعية لمعاندة الآخرين وإظهار خطأ مذهب الأكثرية، ... إنها معادلة صعبة، والفصل مع قسوته قد يكون أفضل وأكثر تحقيقاً لمصالح الجماعة.
وينبغي تحمل أذى الآخرين في حالة وقوع الخلاف، يقول الراشد في الرقائق: وعى الإمام حسن البنا – رحمه الله – فن زراعة أشجار الإيمان ، فغرس لك الشجرة العاشرة ، وهي شجرة الحِلم ، و صفها مخاطباً الدعاة فقال : كونوا كالشجر، يرميه الناس بالحجر ، و يرميهم بالثمر. .. إن قصص الخلاف و (الظلم الأخوي) تكشف الحاجة القصوى إلى عملية إعادة التربية وتزكية النفوس، فان الأهواء وجدت لها مسرحا.
والنفس إن صَلحتْ: زكتْ، وإذا خَلتْ من فطنةٍ لعِبتْ بها الأهواءً
لولا النميمةُ لم يقع بين أمرىء وأخيه من بعد الـــــــوِدادِ عِداءُ

إن من أشد الأمراض التي فتكت بالمجتمعات الإسلامية هي أمراض القلوب المتمثلة: بالحسد والحقد والغيبة واغتيال الآخرين...، يقول الراشد في فضائح الفتن: يريد البعض أحياناً تحطيم أحد يضيقون به ذرعاً، لحسد أو غيره، فتثار حوله التهم،... إن أشنع الظلم أن تتخذ من أخ لك هدفاً وتجمع الناس والجموع ليرجموه معك.... نحن دعاة، لم نجتمع ليَكره بعضنا بعضا، وإنما اجتمعنا لنتعاون على مشقة الطريق، قال تعالى (والعصر إن الإنسان لفي خسر، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

فاتن حداد
10-11-08 ||, 07:29 PM
ويستطرد حول بعض أشكال المعالجات المتبعة فيقول: فإن الحلول التوفيقية لقضايا الفتن لن تفعل شيئاً سوى أنها تؤخر انفجار الموقف... إنها كمثل قربة مخرمة كثيرة الثقوب، لا تدري بعد ترقيعها متى تفتق عليك وترش ماءهَا؟...




لله دره ذلك الراشد!

فاتن حداد
10-11-10 ||, 05:48 PM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(10)

منظومة القيم: البنية التحتية للجماعة المسلمة

تفسخ وضمور القيم من أخطر الامراض التي يمكن أن تصيب الامم والمجتمعات والجماعات، وتؤثر عليها وتأتي على بنيانها من القواعد فيخر السقف عليها لا قدر الله، القيم قام عليها هذا الدين وقامت عليها هذه الجماعة المباركة، لا بد ان نعمل جميعاً - الصحيح منا والسقيم- على علاجها، واعتبارها عارضاً أصابنا وهو الى زوال ان شاء الله، ان أخلصنا القصد وأحسنا العمل.
يقول سيد قطب في معالم في الطريق: تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية، لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها، فهذا عَرَضٌ للمرض وليس هو المرض، ولكن بسبب إفلاسها في عالم " القيم " التي يمكن أن تنمو الحياة الإنسانية في ظلالها نموًا سليمًا وتترقى ترقيًا صحيحًا . وهذا واضح كل الوضوح في العالم الغربي ، الذي لم يعد لديه ما يعطيه للبشرية من " القيم" ، فكم مِن القتلى! كم منَ الجرحى! كم من التدميرِ يمارَس اليوم باسمِ الحريّة والحفاظ على حقوق الإنسان!
القِيَم هي المبادئ الخلُقِيّة التي تُمتَدَح وتُستَحسَن، وتُذَمّ مخالفتها وتُستَهجَن، والشيء القيِّم الذي له قيمةٌ عظيمة وأعظم القِيَم وأساسُها الإيمان بالله تعالى، والتربية ينبغي ان تقوم على هذه الاسس، الم يكن أعظم مدح الله لنبيه (وانك لعلى خلق عظيم)! ووصفته أمُّ المؤمنين عائشةُ – رضي الله عنها - فقالت : " كان خُلُقُ رسول الله صلى الله عليه وسلم القرءان "، وقالت : كان أحسن الناس خلقاً ، لم يكن فاحشاً ،ولا متفحشاً ، ولا سخاباً بالأسواق ، ولا يجزئ بالسيئة مثلها ، ولكن يعفو ويصفح" .فأين نحن من ذلك؟
انها النفس الانسانية التي ينبغي تربيتها وانقيادها للحق، وهي تستمع لقوله تعالى في سورة الشّمس ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها * وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها﴾، وهي تفهم قوله صلى الله عليه وسلم ( إن من أحبكم إليّ، وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً، وإن أبغضكم إليّ ، وأبعدكم مني مجلساً يوم القيامة الثرثارون ، والمتشدقون ، والمتفيهقون) بأنه توجيهاً وتحذيراً لنا، وهي تتذكر قول الشّاعر:
وإنما الاُمم الأخلاق ما بَقيتْ فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذَهبوا
وضع الامام البنا في اركان البيعة بعض الاسس للبنية التحتية للجماعة، وجعلها معياراً لمدى الالتزام والصدق حيث قال في رسالة التعاليم: ايها الاخوان الصادقون: أركان بيعتنا عشر فاحفظوها: الفهم و الإخلاص و العمل و الجـهــاد و التضحية و الطاعة و الثبات و التجرد و الأخـوَّة و الثقة.
رسَّخت الدعوةُ الإسلامية القيَم، وانتشرت بها، وتغلغلت في النفوس بما تحمِل منها، في كل مناحي الحياة. فكيف انتشر الإسلام في جنوب شرق آسيا؟ أليس بقيم التجار المسلمين! فالقيم مهمة للفرد والجماعة والمجتمع، وهي كثيرة كالصدق والأمانة والوفاء بالعهد والإخلاص والعدل والعفة والشجاعة والاستقامة والفضيلة والحلم والتواضع والحكمة وغيرها التي تنظم العلاقة بين الأفراد، والمجتمع وغيره من المجتمعات ، ومنها التعاون والتكافل، قال عليه الصلاة والسلام : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى)،
يأمرنا ويعلمنا الله جل علاه بقوله (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، ولنا بعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم - قدوة حسنة في الإمام البنا حيث يقول: ( إن الناس يعيشون في أكواخ من العقائد البالية ، فلا تهدموا عليهم أكواخهم ، ولكن ابنوا لهم قصورا من العقيدة السمحة ، وعليه فسوف يهجرون هذه الأكواخ إلي هذه القصور ). فالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي لم يبدأ بهدم الأصنام إلا بعد أن حطمها في نفوس عابديها ، وظل يصلي عند الكعبة وحولها الأصنام ، إلى أن جاء النصر المبين فهدمها أصحابها بأنفسهم .
لهذا الدين منهج للتعامل مع الاخوة (أذلة على المؤمنين)، وطريقه الصدق ونقيضه الكذب، قوله - صلى الله عليه وسلم -‏ ‏"‏ إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا‏"‏ ، الم يحذرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال‏:‏ ‏"‏أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من نفاق حتى يدعها‏:‏ إذا أؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر‏"‏.
والغدر والخيانة محرمان في ديننا، قال الله تعالى في سورة النساء ( إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً)، وقد أمرنا الوفاء بالعهد، بقوله في سورة الإسراء: (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً)، جاء في الحديث ((ذمة المسلمين واحدة، فمن أخفر مسلما فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه صرفٌ ولا عدل). بل يتعدى ذلك الى الاخرين من الاعداء ان اعطيناهم العهد، قال ابن قدامة رحمه الله في المغني: من دخل إلى أرض العدو بأمان , لم يخنهم في مالهم , ولم يعاملهم بالربا.
عمليّة بناء القيَم وصيانتها عملية دائِمة مستمرَّة، شأنها فردي كما هو جماعي، يقول الراشد في فضائح الفتن: إن دارنا أيها الإخوان دار عمل وعبادة، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتهذيب وتعليم، وإن تربيتنا تقوم على تعميق أساسيات الإيمان، من ترسيخ العلاقات الأخوية، وتعمير القلوب، وصون اللسان. نطرح الحسد ونقيم التكافل، ... لا نعرف الضغينة ولا نسمح بالغيبة.
واحسان الظن مطلوب، فيا ترى: كم ساعة عمل ضائعة هدرها الوقت المستهلك في استنباط الظنون؟ ونسينا قوله تعالى (ان بعض الظن اثم)، واذكر اخواننا ببعض محاسن جماعة التبليغ: أن أحداً منهم إذا وقف ليعظ الناس: رفع أصحابُه أكفهم يدعون له أن يصيب القول وأن يهبه الله البلاغة. وليت كل دعاة الإسلام يفعلون ذلك إذا تكلم إخوانهم، لكن إغراء الشيطان في ظروف الفتن ربما يجعل اللجوج المماري يتمنى إذ تكلم أخوه المخالف له في اجتهاده أن يتلعثم ويطيش، وينسى النحو والفصاحة، الا يقرؤن للامام الشافعي اذ يقول: ما ناظرت أحداً إلا وددت أن يظهر الحق على لسانه.
ومن القيم ان نشكر ونتغافر ونقول: جزى الله خيراً كل من انتقد و صوب وذكَر، وغفر الله لمن نسي الحق ونزغ به الشيطان قليلاً، ونحسن الظن ببعض من أخطأ الطريق ومال عن الوجهة بغية قصد الحق، يأمرنا بذلك رب العزة بقوله ( ادفع بالتي هي أحسن)، ونجده في سيرة الامام علي - رضي الله عنه - حينما سئل عن الخوارج، أكفار هم؟ قال : من الكفر فروا، أوَ منافقون هم؟ قال: المنافقون لا يذكرون الله الا قليلا، وهولاء يذكرون الله كثيرا، ثم ذكَرَ بالقاعدة الذهبية فقال: ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فأدركه.
إن التقوى تدعونا إلى أن نتحكم بألسنتنا، ( وهل يكب الناس في النار على وجوههم الا حصائد السنتهم)، ولا ننسى إن حزن القلب إزاء الإساءة فطرة، وفي تعزية الله تعالى لرسوله - صلى الله عليه وسلم - عبرة، (قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون، فإنهم لا يكذبونك، ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون)، فكيف بمن هو أقل: مثلنا؟ وكيف إذا كانت الإساءة من مسلم، بل من أخ لك في الصف؟، وعلى كل تلميذ (أن يستعين بطبيب ماهر، فانه ليس كل أحد يستطيع أن يرى الأشواك التي تصيب القلوب، وليس كل من يراها يستطيع أن يقتلعها)، فنحن مدعوون أن نصعد ربوة الإنصاف ( فان من رَقِيَ الى هذه الربوة بعين لا قذى بها: أبصرَ الحق عِياناً بلا مِرية، وأخبرَ عنه بلا فرية)، قال تعالى (ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى).
أليست الأخلاق معياراً لقبول العبادات؟ ( ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له، وكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، سئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن امرأة أنها كثيرة الصلاة والصيام لكنها تؤذي جيرانها قال : هي في النار)، وعنه قال ( لقد رأيت رجلاً يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق كانت تؤذي المسلمين)،
ان الحفاظ على هذه المنظومة القيمية ودوام التذكير بها، والزام العاملين للاسلام بها، وتطوير آليات تطبيقها، هي مهمة رئيسة للقيادة على كل مستوياتها، ورسالة جليلة للدعاة المؤثرين، لا بد من الحرص عليها بالقلوب والعقول، فهي الاساس من البناء الذي يبنى عليه ما فوقه، فان صلحت استقام ما عليها، وان ضعفت، انهار وتهدم، وهي من عدة النصر والتمكين ( فانما تنصرون بطاعتكم لله، وعصيان عدوكم له)، ومن ضعفت فيه من المسؤولين لزمته العناية المركزة، والا فالتنحي عن الامامة، فان أثره على غيره بالغ وخطير. يقول البنا رحمه الله: اني والله لا أخشى عليكم الدنيا مجتمعة، ولكن أخشى عليكم أمرين اثنين: أن تنسوا الله فيكلكم الى انفسكم، وأن تنسوا أخوتكم بينكم فيصير بأسكم بينكم شديد، اللهم ان هذه تذكرة للمؤمنين نكتب لهم امتثالاً لقولك تعاليت (وذكر فان الذكرى تنفع المؤمنين)، اللهم فأشهد.

فاتن حداد
10-12-27 ||, 10:47 AM
سلسلة مراجعات فكرية
د. نبيل الكوفحي
(11)

استعادة الثقافة العملية

هناك انحسار في الثقافة العملية عند كثير من ابناء الحركة الاسلامية مع نسيانهم لما قامت عليه اصل فكرة هذة الدعوة، اذ هي نموذج تنظيمي عملي لاحياء الامة واستعادة دورها الحضاري. فالناظر في انتشار الحركة الاسلامية الكمي والنوعي وحضورها السياسي، لا يجد نمواً متوازناً في جوانب اخرى، ومنها حجم ونوع الافكار والمبادرات العملية المؤسسية التي تقدمها أو يقدمها افرادها للمجتمع، تلك الجوانب التي تعكس حقيقة الدعوة الى الله على انها لاصلاح واسعاد البشرية في الدنيا قبل الاخرة.
الحاجة العملية لهذه الثقافة أنها تؤكد ان الاسلام صالح لكل زمان ومكان، وتتمثل في ابراز مزاياه بشكل عملي لحل مشاكل الواقع، اننا نعيش في عالم يقوم على الصراع والكفاح والتنافس على امتلاك اسباب القوة، والخطابة والوعظ لن يفلحا في تغيير مساره واقامة التوازن المطلوب، ان سلوك هذا المنحى يفضي لامتلاك اسباب القوة، استجابة لقوله تعالى (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم).
كانت بدايات الجماعة في مصر تزخر بمشاهد كثيرة ومتميزة في هذا الجانب، ويذكر الامام البنا في رسائله ومذكراته الكثير: فانتشرت فكرة الإخوان المسلمين وأقامت في كل بلد بمشروع نافع أو مؤسسة مفيدة فقد أسست المساجد والنوادي ومعاهد التعليم ودور الصناعة والجمعيات ولجان الصدقات ولجان تطوعت للإشراف علي المرافق العامة في القرى والجريدة والمطبعة .. حتى يقول: وقد قلنا حتى مللنا القول وتكلمنا حتى سئمنا الكلام ولم يبق إلا أن نعمل.
قامت الجماعة في الاردن بانشاء العديد من المشاريع العملية التي تعود بالخير على الوطن والمواطنين، وكان ذلك ادراكاً منها للواجب الشرعي ودورها الوطني وترجمة لثقافتها العملية، حيث بادرت وقادت مشاريع كثيرة وتفاعل معها رجالات الاردن وشعبه، واحياناً حكوماته فانجزت الكثير الكثير، واذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، انشاء جمعية المركز الاسلامي الخيرية في الستينيات من القرن المنصرم والتي شملت اعمال التعليم والرعاية الصحية وكفالة الايتام ومساعدة الفقراء، والتي استفاد منها الملايين من ابناء الاردن على مدار عدة عقود، ومنها جمعية العفاف الخيرية والتي اهتمت بالاسرة والزواج فساعدت الوف الشباب على الزواج وقدمت دراسات قيمة للمجتمع، ومن ابرزمبادراتها العملية: دورها وعلمائها وابنائها في انشاء وديمومة جمعية المحافظة على القرآن الكريم والتي امتدت في كل ارجاء الوطن ولها قرابة الف فرع ومركز، والتي تسجل كانجاز رائع لكل الاردنيين في المدن والريف والبادية، ومنها جهود بعض قياداتها كالدكتور عبدالحميد القضاة في وقاية الشباب من الامراض المنقولة جنسياً والتثقيف في هذا الاطار من وجهة نظر علمية شرعية، وغيرها من المؤسسات الناجحة، بالاضافة للمبادرات الاعلامية التي أثرت الحياة الاردنية بنوع جديد من الاعلام والفن الاسلامي.
وعلى الصعيد العالمي قام كثير من الدعاة ببرامج عملية كالداعية عمرو خالد في برنامجه " صناع الحياة" الذي استقطب شرائح جديدة للعمل التنموي الوطني والعمل الاسلامي العام، ولعل ابرز نجاح سياسي في الثقافة العملية هي تجربة حزب العدالة والتنمية في تركيا وكيف استطاع ترجمة سلوكه العملي المميز في البلديات في التسعينيات الى نجاح سياسي واقتصادي وحضاري في القرن الجديد.
إن الحسرة والتألم وتصعيد الزفرات على واقع الحال- دون الاقدام على العمل- ليست الا وسيلة سلبية، ربما تـنقلب إلى أمر بالغ الخطورة إذا لم يعقبها عمل إيجابي مثمر، إذ قد تـكون وسيلة لامتصاص النقمة على الأوضاع الفاسدة، ومن ثم الركون إليها. ان ترك المجال العملي للفاسدين يؤدي الى نتائج خطيرة، والحال اوجزه الفاروق- رضي الله عنه - بجملة واحدة جامعة حين سئل: أتوشك القرى أن تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها على أبرارها.
ان العمل ليس هيناً لكنه طريق لا بد من السير عليه، تحقيقاً لقوله تعالى في سورة البقرة-143: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)، اننا ندرك ان العقبات كثيرة وان قوى الباطل وأعداء الدين والفاسدين لن يجعلوا القطار يمشي على سكته، لكننا لا نيأس وقد علمنا رب العزة بقوله في سورة يوسف ( حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا، جاءهم نصرنا) وقولَه تعالى على لسان يعقوب عليه السلام ( ولا تيْأَسوا مِن رَوْحِ الله إنّه لا ييْأَسُ مِن رَوْح الله إلا القومُ الكافرون ) يوسف 87 .
وحذار ايها الداعية من الغفلة عن هذا الامر فانشغالك بحضور بعض الانشطة التربوية والتنظيمية لا يعني انك تقوم بواجب الدعوة الى الله، ولا تحقق المعنى المقصود: ان تكون في جماعة المسلمين، واصدق ما قاله الأستاذ مصطفى مشهور في هذا الباب: تمييزه بين اثنين، فقال: هناك داعية عامل، وهناك عامل نفسه داعية !! ، فإنما اللذة لذة البذل والعطاء والفداء.
بقدر ما ننجح في تحويل افكارنا وبرامجنا الى افعل ملموسة على شكل مؤسسات حية تقوم بذاتها وتتخص في عملها، يشاركنا الاخرون في ادارتها ودعمها وادامتها، بقدر ما ننجح في ايصال الدعوة للعالمين، وبقدر ما تقوم تلك المؤسسات على قواعد علمية ومنهجية ادارية سليمة وحاكمية رشيدة وشفافية نقية بقدر ما تؤدي رسالتها، وتستمر وتطيش عنها سهام اعدائها. ولا بد من تطوير معايير راقية ودقيقة للسيطرة على تلك الاعمال والمؤسسات، بحيث لا تبقى خاضعة لاجتهادات الافراد، ولا تبقى الاخطاء تتكرر، ولا بد أيضاً من الاستفادة من التجارب الانسانية المختلفة في الشرق والغرب، فالحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو احق الناس بها.
والاصل في هذه الأعمال الفكرة، وما اكثر الحاجات التي تؤدي لاختراعات، ثم تكون الارادة وبعدها التخطيط والتنظيم والمبادرة والصبر والاستمرار، وقليل دائم خير من كثير منقطع، ويمكن عمل مسوحات لواقع الحاجات وما يوجد من افكار ومشاريع لتلبيتها، ولماذا فشلت بعض المبادرات والمؤسسات، فمعرفة أسباب الفشل ضرورية حتى لا نكرر اخطاءنا.
من الامور الواجب الانتباه لها في نمو تلك المؤسسات العملية هو التاني والصبر على انضاج المراحل وتثبيت الاركان وشيوع السمعة الطيبة، فمن المواقف التي لها مغزى ما رواه المؤرخون عن عمر بن عبد العزيز، ان ابنه عبدالملك – وكان شاباً تقياً متحمساً- قال له يوماً: يا أبت مالك لا تنفذ الامور؟ فوالله ما أبالي لو ان القدور غلت بي وبك في الحق!! اي يريد ان يقضي على المظالم والمفاسد دفعة واحدة، دون تريث وأناة، وليكن بعد ذلك ما يكون!. ولكن الاب قال لابنه : لا تعجل يا بني، فان الله ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة، واني اخاف أن أحمل الحق على الناس جملة، فيدعوه جملة، ويكون من ذا فتنة! وهذا هو الفقه الصحيح.
اننا بحاجة لقراءة متأنية في كتاب الله، وفي سيرة الرسول – صلى الله عليه وسلم - لاستكشاف هذا الجانب بشكل اكثر وضوحاً، واعادة اسقاط تلك الثقافة على حياتنا، بشكل عملي ميسر، فكم من اوقات تهدر وكم من اموال تنفق في غير أولوياتها، وكم من تضحيات تبذل قبل أوانها، وكم وكم وكم..! السنا نقرأ قوله سبحانه في سورة آل عمران- 79(ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون).
هذه دعوة لكل العاملين في الحقل الاسلامي، والشباب منهم خاصة الى بلورة مشاريع عملية، وتطوير برامج فردية أو جماعية لخدمة الوطن والامة، سواء كانت على الصعيد التربوي او الدعوي او الاقتصادي او الاجتماعي او السياسي. كلنا اسرى في حياتنا العملية والعلمية لبرامج الحاسوب التي اخترعا بيل جيتس عبر مايكروسوفت، فهل ننتطر مبادرات من الشباب والعلماء تدخل الفكر الاسلامي والسلوك الاسلامي لكل بيت مسلم - كان شديد أو ضعيف الالتزام بدينه- وتعينه على عبادة ربه والعمل لدينه، وتضع قدماه على الصراط المستقيم في كل شؤون حياته؟ قال تعالى (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون) الا هل من مجيب!.