المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مسألة // حكم إجبار الجار الملاصق للمسجد على بيع ما يوسع به المسجد



صلاح بن خميس الغامدي
10-11-14 ||, 01:37 AM
الحمد لله وحده وبعد ..
فقد سبق الكلام عن الفرق بين الإكراه والإجبار على البيع ، وأن الأول يكون بغير حق في الغالب والثاني هو ما كان بحق.
ومما يندرج تحت ذلك من المسائل
مسألة // إجبار الجار الملاصق للمسجد على بيع ما يوسع به المسجد.
وصور ة هذه المسألة
أن يكون هناك جار ملاصق للمسجد ، وقد ضاق هذا المسجد على المصلين ، واحتاجوا إلى توسعته ، وليس لذلك سبيل إلا عن طريق ملك هذا الجار ، وقد رفض الجار بيع هذا المنزل لتوسعة المسجد ، ففي هذه الحالة ما حكم إجبار صاحب المنزل على بيع منزله ، وإذا رفض ذلك فهل للحاكم الشرعي أن يصدر حكماً بإجباره على بيع ذلك ؟
اتفق الفقهاء ـ رحمهم الله تعالى ـ على أن العقار إذا احتيج له للمصلحة العامة ـ أياً كانت سواء لتوسعة مسجد و طريق أو غيره ـ فإن صاحبه يجبر على بيعه ، وهو من باب تقديم المصلحة العامة على المصلحة الفردية .
فقد نص الحنفية على :" أنه إذا كان الطريق ضيقاً ، والمسجد متسع لا يحتاجون إلى بعضه ، فتجوز الزيادة في الطريق من المسجد ؛ قالوا : لأن كلا منهما مصلحة عامة(1).
جاء في حاشية ابن عابدين : " ولو ضاق المسجد وبجنبه أرض وقف عليه ، أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه ..." أ.هـ
كما نص الفقهاء من المالكية على جواز بيع الوقف أو استبداله ، فقالوا : لا بأس ببيع الدار المحبّسة وغيرها ، ويكره السلطان الناس على بيعها إذا احتاج الناس إليها لجامعهم الذي فيه الخطبة ، وكذلك إذا احتاج الطريق إليها ، وإذا كان النهر بجانب طريق عظيمة من طرق المسلمين التي يسلك عليها العامة فحفرها حتى قطعها ، فإن أهل تلك الدار التي حولها يجبرون على بيع ما يوسع به الطريق (2) .
وقالوا أيضاً : وإذا كان الموقوف عقاراً كالأرض والدار ، فإن كانت له غلة فلا يجوز بيعه ولا استبداله بغيره إلا للضرورة كتوسيع مسجد أو طريق عام ؛ لأن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم لما وجدت الحاجة إلى توسيعه أدخلت فيه الدور الموقوفة التي كانت بجواره ، ولم يعارض ذلك أحد من أهل الاجتهاد الموجودين في ذلك الوقت ، فكان هذا العمل بمنزلة الإجماع على جواز استبدال العقار وبيعه للحاجة(3) .
وفي نفس المعنى قالوا : إذا ضاق المسجد بأهله ، واحتاج إلى توسعةٍ ، وبجانبهِ عقارٌ حبسٌ أو ملكٌ ، فإنه يجوز بيع الحبس لأجل توسعة المسجد ، وإن أبى صاحبه أو أصحاب الملك عن بيع ذلك فالمشهور أنهم يجبرون على هذا(4) .
قال إسماعيل بن سعيد الشالنجي :" سألت احمد بن حنبل عن طريق واسع ، وللمسلمين عنه غنى ، وبهم على أن يكون مسجداً حاجة ، هل يجوز أن يبنى هناك مسجد ؟ فقال الإمام أحمد : لا بأس ، إذا لم يضر الطريق(5) .
دليل هذه المسألة :
أولاً : ما جاء في قصة بروك ناقة النبي صلى الله عليه وسلم وقوله : " هذا المنزل إن شاء الله ، ثم دعا صلى الله عليه وسلم الغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً ، وقال : يابني النجار ثامنوني بحائطكم " الحديث (6) .
ثانياً : الإجماع على جواز ذلك ، وقد سبق أنه لما وجدت الحاجة إلى توسيع مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أدخلت فيه الدور الموقوفة التي كانت بجواره ، ولم يعارض ذلك أحد من أهل الاجتهاد ، فكان هذا بمنزلة الإجماع على جواز استبدال العقار وبيعه عند الحاجة(7).
ثالثاً: أنه يحقق مصلحةً عامة ويقدمها على المصلحة الفردية ، وهذا مطلوب في الشريعة ، كما أن القاعدة الشريعة تنص على أن تصرف الإمام على رعيته منوط بالمصلحة .
وقد ذكر بعض أهل العلم من المعاصرين(8) أن من وسائل نزع ملكية الأرض المجاورة للمسجد مايأتي :
1= صدور قرار من ولي الأمر يقضي بنزع ملكية هذه الأرض المطلوبة ، ويتمثل ذلك في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بروك البعير وقوله : " هذا المنزل إن شاء الله " ، ثم قال : " ثامنوني بحائطكم " الحديث .
2= المساومة على الثمن الذي سيدفع عوضاً عن هذه الأرض ، وهو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق .
3= صدور حكم بإجبار المالك على البيع في حالة رفضه لذلك ، فينظر في ذلك القاضي بعد اقتضاء المصلحة نزعه .
وتجدر الإشارة ـ قبل الختام ـ إلى أن لهذا الأمر ضوابط لا بد من مراعاتها قبل نزع الملكية ، وهي كون هذه الملكية الخاصة ـ في حال نزعها ـ محققة للمصلحة العامة ، والذي يقدّر ذلك هو الإمام أو نوابه .
كما أنه لا بد أن يكون التعويض عادلاً ومرضياً لأصحاب الشأن ، مع الأخذ في الاعتبار ألا يكون هناك طمعٌ أو جشعٌ من أصحاب الملكيات الخاصة .
وقد صدر نظامٌ خاص في ذلك وهو ما يسمى بـ [ نظام نزع ملكية العقارات للمنفعة العامة ] وقد نصت المادة السابعة فيه على تشكيل لجنة لتقدير ذلك كما نصت المواد الثامنة والتاسعة والعاشرة على طريقة عملها.
وبالله التوفيق ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .
حرر في يوم التروية لعام ألف وأربعمائة وواحد وثلاثون للهجرة النبوية .
======================
(1) ينظر حاشية ابن عابدين 6 / 581
(2) ينظر مواهب الجليل 7/663 ، وحاشية الدسوقي 5/480
(3) ينظر التاج والإكليل 6/426
(4) ينظر حاشية الخرشي على مختصر خليل 7/393
(5) ينظر المحرر في الفقه 1/578 ، وفتاوى ابن تيمية 30/403
(6) الحديث أخرجه البخاري في الجامع الصحيح في كتاب فضائل المدينة باب حرم المدينة 2/269 برقم 1868 ، وفي كتاب البيوع باب صاحب السلعة أحق بالسوم 3/23 برقم 2106 ، وفي كتاب الوصايا باب وقف الأرض للمسجد 3/259 برقم 2779 ، وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب المساجد باب ابتناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم 1/373 برقم 524
(7) ينظر التاج والإكليل 6/426
(8) انظر في ذلك رسالة أحكام نزع الملكية للمصلحة العامة للباحث محمد الديقان .

محمد بن عبدالله بن محمد
11-04-09 ||, 12:09 PM
ألا تلاحظ أخي أن عبارات الفقهاء التي صغتها خاصة بانتزاع الوقف، لا انتزاع الملك الحر
كما خلت النصوص التي ذكرتها عن نصوص الشافعية
وأما الأدلة التي ذكرت فليس فيها دليل على مسألة الملك الحر
فالدليل الأول: وهو حديث بروك الناقة، فليس فيه دليل على الإجبار، بل هو اختيار محض، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (ثامنوني حائطكم) بصيغة (فاعل) التي تدل على المفاعلة، أما الإجبار فإن السلطان عادة هو الذي يقرر قيمة المنزل شاء البائع أم أبى، وهنا في الحديث أن رسول الله سيرضيهم بالثمن مهما بالغوا فيه، فتنبه فليس في الحديث إجبار يستدل به عليه.
والدليل الثاني: قيد فيه الموقوفة، وهي التي ذكرت نصوصها من كلام الفقهاء: (الطريق، المسجد، عقار موقوف)
والنص الوحيد الذي يدعم مسألتك هو قول الخرشي من المالكية فقط: وإن أبى صاحبه أو أصحاب الملك عن بيع ذلك فالمشهور أنهم يجبرون على هذا
وبعدُ فالمسألة تحتاج إلى زيادة تحرير من جانب الإجبار على بيع الوقف عند الشافعية
وبيع الحر عند المذاهب عدا المالكية، مع بيان أدلتهم

صلاح بن خميس الغامدي
11-05-12 ||, 05:17 AM
أخي الكريم الأدلة كثيرة وقد ذكرنا في هذه المسألة المقتضبة ما نص فيه الفقهاء على الأعلى ، والأدنى من باب أولى ، وهو مفهوم وواضح ، فإن كان بعض الفقهاء قد نص على أنه يؤخذ من الأرض المحبسة لأجل توسعة الطريق فلأن يؤخذ من الملك المجاور الحر لتوسعة المسجد من باب أولى .
ولعلكم تراجعون الحاشية رقم (4) من البحث المقتضب أعلاه.
بل نص بعض الفقهاء كالحنفية على الأرض التي لجار المسجد قالوا : فإن أرضه تؤخذ كرها ، قالوا حتى ولو كان وقفاً ... راجع في ذلك كنز الدقائق
وكتب الأئمة تزخر بالنصوص في ذلك وليس فقط ما ذكرتَه .
ثم إن لدينا من الوقائع والقواعد الشرعية ما يكفينا .
وهذه المسألة تدخل تحت قواعد الشريعة العامة في نفي الضرر ، ومعلوم أن الشريعة جاءت بتحصيل المقاصد وتكميلها , وتعطيل المفاسد وتقليلها ، وذلك من باب ترجيح المصالح العامة على الخاصة ، والقاعدة الشريعة المشهورة أن تصرف الإمام على رعيته منوط بالمصلحة.
وفي حديث أنس الذي ذكرته جاء في الحديث : " قال : أمرني النبي صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد فقال : يا بني النجار ثامنوني بحائطكم ....الحديث . فهو واضح وصريح في الأمر بالبناء ولم يلتفت لرضاهم بل حكم عليه السلام وأمر ، وهذا الدليل هو ما استدل به عامة الفقهاء ، وكذا شراء بئر رومة لسقيا المسلمين عامة ، والتوسعات الحاصلة للحرمين على مر العصور في عهد الراشدين ومن بعدهم ، وشمل ذلك ما ذكرتَه ( بيع الحر ) وما كان موقوفا وغير ذلك من الأحداث والوقائع .


وفقه الله الجميع

محمد بن عبدالله بن محمد
11-05-31 ||, 10:25 PM
بل نص بعض الفقهاء كالحنفية على الأرض التي لجار المسجد قالوا : فإن أرضه تؤخذ كرها ، قالوا حتى ولو كان وقفاً ... راجع في ذلك كنز الدقائق
قال في حاشية ابن عابدين: (قال في نور العين: ولعل الأخذ كرها ليس في كل مسجد ضاق، بل الظاهر أن يختص بما لم يكن في البلد مسجد آخر إذ لو كان فيه مسجد آخر يمكن دفع الضرورة بالذهاب إليه نعم فيه حرج لكن الأخذ كرها أشد حرجا منه ويؤيد ما ذكرنا فعل الصحابة إذ لا مسجد في مكة سوى الحرام اهـ)

وضاح أحمد الحمادي
11-06-03 ||, 01:25 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

في الحقيقة هذا الموضوع مخيف قليلاً ، إذ ليس فيه بيان لمقدار الحاجة فيما يتعلق بتوسعة المسجد ولا تقدير للمصلحة العامة ، فيخشى في المنع من البيع تعطيل المصالح وفي السماح بالإجبار عليه من السطو على أملاك الناس بأدنى دعوى للحاجة والمصلحة.
وفي هذا الزمان بفضل الله جل وعلا كثرت المساجد كثرة بحيث ترى في طرفي شارع واحد مسجدين في كثير من الأحيان فلو فرضنا أن أحدهما ضاق ولم يمكن توسيعه إلا ببيع عقار مملوك بجانبه ، فهل يجوز إجبار مالكه على البيع إن كان المسجد الآخر يسع الناس ولا يمتلئ بالمصلين؟
وفي كثير من الأحيان لا يحصل هذا الضيق إلا في يوم الجمعة ، ويمكن تجاوز هذا الإشكال بالإنتقال إلى مسجد واسع يوم الجمعة لا بإجبار صاحب العقار على البيع، وكثير ما يترك الناس المسجد القريب يوم الجمعة إما لعدم محبتهم للخطيب أو لمحبتهم لآخر بعيد ، فتركه حفاظاً على أملاك الغير أولى.
ثم لا بُدَّ أن يكون لصاحب الملك حق الشكوى ومقاضاة مريد التوسعة ثم يفصل بينهم القاضي بتقدير تلك المصلحة لا أن تكون الجهة المريدة للبيع هي الخصم والحكم.
ولهذا يظهر أن كلام ابن عابدين الذي نقله الأخ محمد عبدالله في غاية الحسن.
والله جل وعلا أعلم.

صلاح بن خميس الغامدي
15-08-01 ||, 06:01 AM
ح


قال في حاشية ابن عابدين: (قال في نور العين: ولعل الأخذ كرها ليس في كل مسجد ضاق، بل الظاهر أن يختص بما لم يكن في البلد مسجد آخر إذ لو كان فيه مسجد آخر يمكن دفع الضرورة بالذهاب إليه نعم فيه حرج لكن الأخذ كرها أشد حرجا منه ويؤيد ما ذكرنا فعل الصحابة إذ لا مسجد في مكة سوى الحرام اهـ)


اعتذر عن تأخر الرد لقلة دخولي للملتقى

ماذكرته اخي الفاضل هو ما نقول به وهو المتعين ، ولا خلاف بين ماقلت به وماجاء في صدر الكلام لان المعتبر هو الحاجة ، فلا ينزع اي عقار او وقف دون التحقق من الحاجة الماسة لذلك النزع ويكون ذلك عن طريق الحاكم الشرعي كما هو العمل عندنا في بلادنا والحمدلله

واما الاستاذ. وضاح

فتخوفك في محله ، ولكن لو كان ذلك لاحاد الناس او ان الدولة تنفرد بذلك
اما والحال لدينا في المملكة قد لاتكون مثل غيرنا - ولا اعلم عن غير بلادنا - فإنه عندنا لايكون ذلك الا عن طريق القضاء الشرعي فاعتقد ان التخوف يزول لاسيما وان القضاء لدينا يمر بثلاث درجات
وانظر اخي وضاح الفقره( ثلاثة ) من المسألة

وكما هو معلوم بدهيا من قواعد الشريعه - وان كنا بعدنا عن مسألة الوقف -تقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة

فلابد من التأمل في المسألة ، وبه يتضح المعنى

صلاح بن خميس الغامدي
15-08-01 ||, 06:10 AM
ا

،،،،،
كما نص الفقهاء من المالكية على جواز بيع الوقف أو استبداله ، فقالوا : لا بأس ببيع الدار المحبّسة وغيرها ، ويكره السلطان الناس على بيعها إذا احتاج الناس إليها لجامعهم الذي فيه الخطبة ، ............الخ (2) .
،،،


ثالثاً: أنه يحقق مصلحةً عامة ويقدمها على المصلحة الفردية ، وهذا مطلوب في الشريعة ، كما أن القاعدة الشريعة تنص على أن تصرف الإمام على رعيته منوط بالمصلحة .
وقد ذكر بعض أهل العلم من المعاصرين(8) أن من وسائل نزع ملكية الأرض المجاورة للمسجد مايأتي :

.......
،،،،،،
3= صدور حكم بإجبار المالك على البيع في حالة رفضه لذلك ، فينظر في ذلك القاضي بعد اقتضاء المصلحة نزعه .

وتجدر الإشارة ـ قبل الختام ـ إلى أن لهذا الأمر ضوابط لا بد من مراعاتها قبل نزع الملكية ، وهي كون هذه الملكية الخاصة ـ في حال نزعها ـ محققة للمصلحة العامة ، والذي يقدّر ذلك هو الإمام أو نوابه .

كما أنه لا بد أن يكون التعويض عادلاً ومرضياً لأصحاب الشأن ، مع الأخذ في الاعتبار ألا يكون هناك طمعٌ أو جشعٌ من أصحاب الملكيات الخاصة .

ن .

انظر الاقتباس

أنس بن أحمد المقدامي
15-09-28 ||, 06:22 PM
أحسن الله إليكم جميعا.
شيخنا الفاضل لو ذكرت تطبيقات قضائية لهذه المسألة لينظر في مجال وكيفية إعمال هذه المسألة؛ فإنه وببيان الواقع قد يحل كثير من الإشكال.
وبارك الله فيكم.

عبد النور محمد أحمد
15-10-01 ||, 01:52 PM
" ثامنوني بحائطكم "
المثامنة مرحلة ما بعد الموافقة على البيع، فلما أمرهم بالمثامنة دل أنه لا خيارهم في القبول أو الرفض.

محمد بن عبدالله بن محمد
15-10-02 ||, 02:40 PM
إذ لو كان فيه مسجد آخر يمكن دفع الضرورة بالذهاب إليه نعم فيه حرج لكن الأخذ كرها أشد حرجا منه
تكلم ابن عابدين عن الحاجة، وعن وجود مسجد آخر، فإن وجد مسجد آخر في البلد يغني، ولو كان فيه حرج، فلا يجوز كما تفهم من عبارة ابن عابدين؛ لأن الأخذ كرها أشد حرجا منه
ولذا قال أخي الفاضل:

وفي هذا الزمان بفضل الله جل وعلا كثرت المساجد كثرة بحيث ترى في طرفي شارع واحد مسجدين في كثير من الأحيان
فأفهم ذلك حرمة الأخذ كرها ولو عن طريق القضاء، إذ لا يحله أحد من العلماء

وعلى هذا لا تحال المسألة للقضاء إلا إن لم يكن ثم، مسجد آخر، أو كان، لكنه لا يدفع الضرورة.




فالدليل الأول: وهو حديث بروك الناقة، فليس فيه دليل على الإجبار، بل هو اختيار محض، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (ثامنوني بحائطكم) بصيغة (فاعل) التي تدل على المفاعلة، أما الإجبار فإن السلطان عادة هو الذي يقرر قيمة المنزل شاء البائع أم أبى، وهنا في الحديث أن رسول الله سيرضيهم بالثمن مهما بالغوا فيه، فتنبه فليس في الحديث إجبار يستدل به عليه.
رواية الحديث لا تدل لما ذكره الأخ:

المثامنة مرحلة ما بعد الموافقة على البيع، فلما أمرهم بالمثامنة دل أنه لا خيارهم في القبول أو الرفض.
فروايته في التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (5/ 232): عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ مَوْضِعُ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَائِطًا لِبَنِي النَّجَّارِ فِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَامِنُونِي فِيهِ فَقَالُوا لَا نَلْتَمِسُ بِهِ ثَمَنًا إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ.

فليس في الحديث سبق اتفاق على البيع، وإلا ما صح قولهم بعده: (لَا نَلْتَمِسُ بِهِ ثَمَنًا إِلَّا عِنْدَ اللَّهِ).
وقد فسر علماء اللغة والحديث معنى (ثامنوني):
ففي كشف المشكل من حديث الصحيحين (3/ 260)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (5/ 471): (قدروا ثمنه لأشتريه منكم).
شرح النووي على مسلم (5/ 7)، التوضيح لشرح الجامع الصحيح (5/ 471): (بايعوني) أو (بايعوني فيه).
وفي شرح صحيح البخارى لابن بطال (8/ 205): قال المؤلف: إنما قال لهم: (ثامنونى) أى: اطلبوا ثمن حائطكم منى، ليبتاعه لمكان المسجد. فقالوا له: لا نبتغى الثمن فيه إلا من الله.
وفي فتح الباري لابن رجب (3/ 206): يعني: بيعوني إياه بثمنه.
وفي فتح الباري لابن حجر (1/ 95): قَوْله ثامنوني أَي بايعوني فِيهِ واذْكُرُوا لي ثمنه.
وفي فتح الباري لابن حجر (1/ 526): قَوْلُهُ ثَامِنُونِي بِالْمُثَلَّثَةِ اذْكُرُوا لِي ثَمَنُهُ لِأَذْكُرَ لَكُمُ الثَّمَنَ الَّذِي أَخْتَارَهُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُسَاوَمَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ سَاوِمُونِي فِي الثَّمَنِ



وفي فتح الباري لابن حجر (4/ 326): (قَوْلُهُ بَابٌ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ ذِكْرُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ للثّمن وَقَالَ بن بَطَّالٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ مُتَوَلِّيَ السِّلْعَةِ مِنْ مَالِكٍ أَوْ وَكَيْلٍ أَوْلَى بِالسَّوْمِ مِنْ طَالِبِ شِرَائِهَا قُلْتُ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَسَيَأْتِي فِي قِصَّةِ جَمَلِ جَابِرٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَهُ بِقَوْلِهِ بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ الْحَدِيثَ ... قَوْلُهُ ثَامِنُونِي بِمُثَلَّثَةٍ عَلَى وَزْنِ فَاعِلُونِي وَهُوَ أَمْرٌ لَهُمْ بِذِكْرِ الثَّمَنِ مُعَيَّنًا بِاخْتِيَارِهِمْ عَلَى سَبِيلِ السَّوْمِ لِيَذْكُرَ هُوَ لَهُمْ ثَمَنًا مُعَيَّنًا يَخْتَارُهُ ثُمَّ يَقَعُ التَّرَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ وَبِهَذَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ مَعْنَى قَوْلِهِ ثَامِنُونِي أَيْ بَايِعُونِي بِالثَّمَنِ أَيْ وَلَا آخُذُهُ هِبَةً قَالَ فَلَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِي يَبْدَأُ بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَتَعَقَّبَهُ عِيَاضٌ بِأَنَّ التَّرْجَمَةَ إِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ الثَّمَنِ مُعَيَّنًا وَأَمَّا مُطْلَقُ ذِكْرِ الثَّمَنِ فَلَا فَرْقَ فِيهِ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي
وفي فتح الباري لابن حجر (7/ 266): قَوْلُهُ ثَامِنُونِي أَيْ قَرِّرُوا مَعِي ثَمَنَهُ أَوْ سَاوِمُونِي بِثَمَنِهِ تَقُولُ ثَامَنْتُ الرَّجُلَ فِي كَذَا إِذَا سَاوَمْتَهُ.
أما في كتب اللغة:
ففي النهاية في غريب الحديث والأثر (1/ 223) ولسان العرب ط دار المعارف (1/ 510): في حديث بناء المسجد ثامِنُوني بحائِطِكُم أَي قَرِّرُوا مَعي ثَمَنَه وبِيعُونِيهِ بالثَّمَنِ يقال ثامَنْتُ الرجلَ في المَبيع أُثامِنُه إذا قاوَلْتَه في ثَمَنِه وساوَمْتَه على بَيْعِه واْشتِرائِه


فكل ما وقفت عليه من معنى لغوي أو معنى لهذا الحديث، أو تبويب له: يدل على أن البيع لم يتم بعد

فإن كان في بعض الروايات أو المعنى اللغوي: ما يدل على أنه لا خيار لهم في القبول أو الرفض فدلني عليه جزيت الجنة

عبد النور محمد أحمد
15-10-03 ||, 11:21 PM
فكل ما وقفت عليه من معنى لغوي أو معنى لهذا الحديث، أو تبويب له: يدل على أن البيع لم يتم بعد
بارك الله فيك أخي على تلك النقول، ولكن ليس فيها ما ينفي ما قلته، فقوله عليه الصلاة والسلام:"ثامنوني" هو أمر بالمثامنة، ومطلق الأمر للوجوب، فهل يعقل بعد هذا "الأمر" أن يقال: لهم خيار في القبول والرفض! بل عليهم الرضا والقبول.

محمد بن عبدالله بن محمد
15-10-04 ||, 10:56 PM
أخي الفاضل بارك الله فيك، قلت:

عبد النور محمد أحمد;146258]ومطلق الأمر للوجوب، فهل يعقل بعد هذا "الأمر" أن يقال: لهم خيار في القبول والرفض! بل عليهم الرضا والقبول[/B].

أنا لا أريد أن أدخل في سياق المبحث الأصولي ههنا، لكن أريد أن أعرف:
هل إذا تبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أحد ما، فقال له: بعني كذا مثلا، فهل يجب عليه البيع، أي كون لازما لزوما تاما لا خيار للبائع فيه، أم أن مطلق الأمر المقصود منه في الأحكام العامة؟

مثالٌ على ما أعنيه:
ما في الحديث المذكور: قال لهم: (ثامنوني)، فهل يجوز لهم أن يخالفوه فيهبوه له، والهبة تخالف البيع؟، أم أن الأمر هنا ليس على الوجوب كما هو ظاهر في هذا المثال ونحوه.

ومثله مخالفة جابر للحبيب صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم (3/ 1222): عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَلَّ جَمَلِي، وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ لِي: «بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا»، قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ، قَالَ: «لَا، بَلْ بِعْنِيهِ» قَالَ: قُلْتُ: لَا، بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «لَا، بَلْ بِعْنِيهِ»، قَالَ: قُلْتُ: فَإِنَّ لِرَجُلٍ عَلَيَّ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ، فَهُوَ لَكَ بِهَا، قَالَ: «قَدْ أَخَذْتُهُ، فَتَبَلَّغْ عَلَيْهِ إِلَى الْمَدِينَةِ»، ....
وفي مسند أحمد ط الرسالة (22/ 107): عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ أَسِيرُ عَلَى جَمَلٍ لِي فَأَعْيَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أُسَيِّبَهُ، قَالَ: فَلَحِقَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ، وَدَعَا لَهُ، فَسَارَ سَيْرًا لَمْ يَسِرْ مِثْلَهُ، وَقَالَ: " بِعْنِيهِ بِوُقِيَّةٍ "، فَكَرِهْتُ أَنْ أَبِيعَهُ، قَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَبِعْتُهُ مِنْهُ، وَاشْتَرَطْتُ حُمْلَانَهُ إِلَى أَهْلِي، ...
فأنت ترى جابرا خالف الحبيب صلى الله عليه وسلم فأراد هبته له، وكره بيعه إياه، وكرر ذلك.
فإن كان الأمر للوجوب فهل يجوز له تغيير الأمر من البيع إلى الهبة؟.

علما بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خيَّر غيرهم، ففي المعجم الكبير للطبراني (22/ 271) عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ: «هَبْ لِي هَذَا الْبَعِيرَ أَوْ بِعْنِيهِ» ، قَالَ: هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، «فَوَسَمَهُ سِمَةَ الصَّدَقَةِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهِ»
فليس هنا مخالفة للأمر، بل تخيير، أما تلك فإجبار على البيع أو الهبة

ومثال آخر: ما في سنن أبي داود ت الأرنؤوط (4/ 334): ... حدثني أبي، قال خرجْنا مع أبي بكرٍ -وأمَّرَهُ علينا رسولُ اللهِ -صلَّى الله عليه وسلم-- فغَزَونا فَزارةَ، فشَننَّا الغارةَ ثم نظرتُ إلى عُنُقٍ من الناسِ فيه الذريةُ والنساء، فرمَيتُ بسهْمٍ، فوقع بينهم وبين الجبل، فقاموا، فجئتُ بهم إلى أبي بكرٍ فيهم امرأة من فَزارةَ، عليها قِشْعٌ من أدَمٍ، معها بنتُ لها من أحسن العرب، فنفَّلني أبو بكر ابنتَها، فقدمتُ المدينةَ، فلقيَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- فقال لي: "يا سلمةُ، هَبْ لي المرأةَ" فقلت: والله لقد أعجبتْني، وما كشفتُ لها ثوباً، فسكتَ، حتى إذا كان من الغَدِ لقيَني رسولُ الله -صلَّى الله عليه وسلم- في السُّوق فقال: "يا سلمةُ، هبْ لي المرأةَ، لله أبوكَ" فقلت: يا رسول الله، والله ما كشفتُ لها ثوباً، وهي لكَ، فبعثَ بها إلى أهل مكةَ وفي أيديهم أسرى فَفَداهمُ بتلك المرأةِ (2).
فقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أولاً بالهبة، وتأخر سلمة رضي الله عنه عن ذلك، فهل يجوز له هذا التأخر لو كان ذلك الأمر للوجوب؟

ومثال آخر: ما في مصنف عبد الرزاق الصنعاني (5/ 406) وغيره: قال كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ: أَوَّلُ أَمْرٍ عُتِبَ عَلَى أَبِي لُبَابَةَ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَتِيمٍ عِذْقٌ، فَاخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَضَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي لُبَابَةَ فَبَكَى الْيَتِيمُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «دَعْهُ لَهُ» فَأَبَى قَالَ: فَأَعْطِهِ إِيَّاهُ وَلَكَ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ، فَأَبَى فَانْطَلَقَ ابْنُ الدَّحْدَاحَةِ فَقَالَ لِأَبِي لُبَابَةَ: بِعْنِي هَذَا الْعِذْقَ بِحَدِيقَتَيْنِ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ أَعْطَيْتُ هَذَا الْيَتِيمَ هَذَا الْعِذْقَ أَلِي مِثْلُهُ فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ قَالَ: فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُدْلِكٍ لِابْنِ الدَّحْدَاحَةِ فِي الْجَنَّةِ» ....
فهل قوله: (دعه له)، (فأعطه) على الوجوب، وهنا رفض أبو لبابة إعطاءَه، وتَرْكَه، فإن قلنا: الأمر على جهة الوجوب فلم لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بنزعه منه وهو الحاكم؟!، وإن قلنا: ليست على وجه الوجوب فما الفرق بينه وبين: (ثامنوني) من حيث اللفظ الدال على الوجوب؟.

ونحوه ما في مسند أحمد ط الرسالة (22/ 393): عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّ لِفُلَانٍ فِي حَائِطِي عَذْقًا، وَإِنَّهُ قَدْ آذَانِي، وَشَقَّ عَلَيَّ مَكَانُ عَذْقِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: " بِعْنِي عَذْقَكَ الَّذِي فِي حَائِطِ فُلَانٍ " قَالَ: لَا، قَالَ: " فَهَبْهُ لِي "، قَالَ: لَا، قَالَ: " فَبِعْنِيهِ بِعَذْقٍ فِي الْجَنَّةِ "، قَالَ: لَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا رَأَيْتُ الَّذِي هُوَ أَبْخَلُ مِنْكَ، إِلَّا الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلَامِ".

ومنها ما في فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (1/ 483): ثُمَّ كَانَ مِنْ شَأْنِ عُثْمَانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: «يَا فُلَانُ، أَلَا تَبِيعَنِي دَارَكَ أَزِيدَهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ أَضْمَنُهُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ؟» فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا لِي بَيْتٌ غَيْرَهُ، فَإِنْ أَنَا بِعْتُكَ دَارِي لَا يُؤْوِينِي وَوَلَدِي بِمَكَّةَ شَيْءٌ، قَالَ: «أَلَا بَلْ بِعْنِي دَارَكَ أَزِيدُهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ أَضْمَنُهُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ» ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللَّهِ مَا لِي فِي ذَلِكَ حَاجَةٌ وَلَا أُرِيدُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُثْمَانَ، وَكَانَ الرَّجُلُ نُدْمَانًا لِعُثْمَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدِيقًا، فَأَتَاهُ فَقَالَ: يَا فُلَانُ، بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ مِنْكَ دَارَكَ لِيَزِيدَهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ يَضْمَنُهُ لَكَ فِي الْجَنَّةِ فَأَبَيْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَدْ أَبَيْتُ، فَلَمْ يَزَلْ عُثْمَانُ يُرَاوِدُهُ حَتَّى اشْتَرَى مِنْهُ دَارَهُ بِعَشَرَةِ آلَافِ دِينَارٍ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أَنَّكَ أَرَدْتَ مِنْ فُلَانٍ دَارَهُ لِتَزِيدَهَا فِي مَسْجِدِ الْكَعْبَةِ بِبَيْتٍ تَضْمَنُهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ، وَإِنَّمَا هِيَ دَارِي فَهَلْ أَنْتَ آخِذُهَا مِنِّي بِبَيْتٍ تَضْمَنُهُ لِي فِي الْجَنَّةِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَضَمَنَ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَأَشْهَدُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْمُؤْمِنِينَ.


فهل من توجيه لهذه الشواهد وغيرها التي تشير إلى أن الأمر في مبايعاته صلى الله عليه وسلم ليست للوجوب، وإلا فلا يسوغ لهم أن يترددوا كسلمة رضي الله عنه، أو يعدلوا إلى غير أمره كجابر وغيره رضي الله عنهم، أو يرفضوا كأبي لبابة رضي الله عنه؟
وهل هناك فرق بينها وبين حديث: (ثامنوني)؟

وهل من تعليق على تبويب البخاري له، وتعليق ابن حجر عليه

وفي فتح الباري لابن حجر (4/ 326): (قَوْلُهُ بَابٌ صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ ذِكْرُ قَدْرٍ مُعَيَّنٍ للثّمن وَقَالَ بن بَطَّالٍ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ مُتَوَلِّيَ السِّلْعَةِ مِنْ مَالِكٍ أَوْ وَكَيْلٍ أَوْلَى بِالسَّوْمِ مِنْ طَالِبِ شِرَائِهَا قُلْتُ لَكِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَسَيَأْتِي فِي قِصَّةِ جَمَلِ جَابِرٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَهُ بِقَوْلِهِ بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ الْحَدِيثَ ... قَوْلُهُ ثَامِنُونِي بِمُثَلَّثَةٍ عَلَى وَزْنِ فَاعِلُونِي وَهُوَ أَمْرٌ لَهُمْ بِذِكْرِ الثَّمَنِ مُعَيَّنًا بِاخْتِيَارِهِمْ عَلَى سَبِيلِ السَّوْمِ لِيَذْكُرَ هُوَ لَهُمْ ثَمَنًا مُعَيَّنًا يَخْتَارُهُ ثُمَّ يَقَعُ التَّرَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ وَبِهَذَا يُطَابِقُ التَّرْجَمَةَ

د. محمد سعيد البغدادي
15-10-26 ||, 11:40 PM
لو أن مسجدًا ضاق ولم يكفِ لاستيعاب المصلين، وكان لأحد الناس أرض متصلة بذلك المسجد، فلوليِّ الأمر- تقديرًا للمصلحة العامة- نزع ملكية هذه الأرض وإلحاقها بالمسجد من أجل توسعته، سواء رضي صاحبها أم لم يرضَ؛ ذلك لأن لولي الأمر إقامة المساجد ولو اقتضى ذلك نزع ملكية مالكها دون رضاه، وقد حدث هذا في الصدر الأول حيث وسع عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- المسجد الحرام، فاشترى دُورًا هدمها وزادها فيه، وهدم على قوم من جيران المسجد أَبَوْا أن يبيعوا، ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد ذلك، وكذلك فعل عثمان بن عفان- رضي الله عنه.
وهذا ما يُعرف في الاصطلاح الفقهي بـ«نزع الملكية الخاصة من أجل المنفعة العامة».
ويقصد بـ«نزع الملكية الخاصة من أجل المنفعة العامة» أخذ العقار من مالكه قهرًا دون رضا صاحبه بقوة السلطان مقابل عوض؛ لتحقيق منفعة عامة معتبرة شرعًا.
موقف الفقهاء من نزع الملكية من أجل المصلحة العامة:
مذهب الحنفية:
قال الزيلعي: «إذا ضاق المسجد على الناس وبجنبه أرض لرجل تؤخذ أرضه بالقيمة كُرْهًا؛ لما رُوي عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم لما ضاق المسجد الحرام أخذوا أرضين بكره من أصحابها بالقيمة وزادوا في المسجد الحرام»([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)).
وجاء في (شرح فتح القدير): «لو ضاق المسجد وبجنبه أرض وقف عليه أو حانوت جاز أن يؤخذ ويدخل فيه، ولو كان ملك رجل أُخِذَ بالقيمة كُرْهًا»([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)).
وجاء في (مجمع الأنهر): «ولو ضاق المسجد على المصلين وبجنبه طريق العامة يُوَسَّعُ المسجد منه- أي: من الطريق- إذا لم يضر بأصحاب الطريق، وكذا لو ضاق وبجنبه أرض لرجل يؤخذ أرضه بالقيمة ولو كُرْهًا»([3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)).
مذهب المالكية:
جاء في (التاج والإكليل) ما نصه: «يُجبر ذو رَبْعٍ([4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)) على بيعه لتوسيع مسجد الجمعة. أفتى به ابن رشد([5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5)). وكذلك قال سحنون: يُجبر ذو أرض تلاصق طريقًا هدَّها نهرٌ لا ممر للناس إلا فيها على بيع طريق منها لهم بثمن يدفعه الإمام من بيت المال»([6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6)).
وجاء في (حاشية الدسوقي): «لو أجبر على البيع جبرًا حلالًا كان البيع لازمًا؛ كجبره على بيع الدار لتوسعة المسجد أو الطريق أو المقبرة»([7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)).
وقال الشاطبي: «المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة، بدليل النهي عن تلقي السلع وعن بيع الحاضر للبادي، واتفاق السلف على تضمين الصناع مع أن الأصل فيهم الأمانة، وقد زادوا في مسجد رسول الله ï·؛ من غيره مما رضي أهله وما لا، وذلك يقضي بتقديم مصلحة العموم على مصلحة الخصوص، لكن بحيث لا يلحق الخصوص مضرة»([8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)).
مذهب الشافعية:
قال الإمام الشافعي: «ولا يزول ملك المالك إلا أن يشاء، ولا يملك رجل شيئًا إلا أن يشاء إلا في الميراث»([9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)).
وقد ذكر الماوردي ما قام به الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عندما ضاق المسجد الحرام على الناس، حيث اشترى دُورًا هدمها وزادها فيه وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد ذلك.
وذكر- أيضًا- ما قام به عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث أخذ منازل أقوام ووضع لهم أثمانها فضجوا منه عند البيت، فقال: إنما جرأكم عليَّ حلمي عنكم؛ فقد فعل بكم عمر رضي الله عنه هذا فأقررتم ورضيتم، ثم أمر بهم إلى الحبس، حتى كلمه فيهم عبدالله بن خالد بن أسد، فخلى سبيلهم وبنى للمسجد الأروقة حين وسعه([10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)).
وذكر- أيضًا- أن الوليد بن عبدالملك([11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11))، والمنصور العباسي، والمهدي وسعوا المسجد الحرام وزادوا فيه([12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)).
ولم يُعَقِّب الماوردي على ذلك، بل إن إيراده لذلك يدل على أنه يرتضيه، فدل ذلك على جواز نزع الملكية من أجل المنفعة العامة عند الشافعية.
وقد ذكر الشافعية صورًا يُجْبَر فيها المالك على بيع ملكه لمصلحة خاصة؛ منها([13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)):
1- أن الكافر يُجْبَر على بيع عبده المسلم.
2- أن المدين يجبر على بيع ماله لوفاء دينه.
3- مالك الرقيق أو البهيمة إذا لم ينفق عليه ولا مال له غيره، يجبر على بيعه.
وإذا كان فقهاء الشافعية يرون جواز نزع الملكية من أجل المصلحة الخاصة؛ فنزع العقار من أجل المصلحة العامة من باب أولى([14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)).
مذهب الحنابلة:
لقد ذهب الإمام أحمد إلى جواز نزع العقار للمصلحة العامة ويبدو ذلك واضحًا حينما سئل عن حكم بيع دور مكة، حيث أجاب- في رواية جعفر بن محمد([15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15))- بقوله: «شراء دورها وبيعها مكروه، ويحتجون بأن عمر اشترى دارًا للسَّجن، وفيه مرفق للمسلمين»([16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)).
وكذلك ما ورد عنه أنه سئل عن حكم إجارتها، فأجاب- في رواية أبي طالب([17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17))- بقوله: «لا تُكرَى بيوت مكة إلا أن يعطَى لحفظ متاعه» فقيل: أليس اشترى عمر دارًا للسَّجن؟ قال: «اشتراها للمسلمين يحبس فيه الفساق»([18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18)).
وكذلك ذكر ابن مفلح أنه رُوِي عن الإمام أحمد أنه يجوز شراء دور مكة لمصلحة عامة([19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19)).
فهذه الروايات عن الإمام أحمد تُبَيِّن أنه كان يرى جواز نزع ملكية العقار في دور مكة للمصلحة العامة، مع أن بيعها وإجارتها على تَجَوُّز على المنصوص من مذهب الحنابلة([20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20))؛ ومن ثَمَّ فجواز نزع غير دور مكة من باب أولى.
وقد ذهب ابن تيمية إلى جواز نزع الملكية الخاصة من أجل المنفعة العامة فقال: «الناس مسلطون على أموالهم، ليس لأحد أن يأخذها أو شيئًا منها بغير طيب أنفسهم، إلا في المواضع التي تلزمهم»([21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21)).
وقال ابن القيم: «إذا احتاج الناس إلى سلاح للجهاد وآلات، فعلى أربابه أن يبيعوه بعِوض المِثْل، ولا يُمَكَّنُوا من حَبْسه إلا بما يريدونه من الثمن، والله تعالى قد أوجب الجهاد بالنفس والمال، فكيف لا يجب على أرباب السلاح بذله بقيمته؟!»([22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22)).
وقد قَعَّد ابن القيم لنزع الملكية بقاعدة تَنُصُّ على «جواز إخراج الشيء من ملك صاحبه قهرًا بثمنه للمصلحة الراجحة»([23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23)).

([1]) «تبيين الحقائق» (3/ 331- 332)، «البحر الرائق» (5/ 276)، وانظر: «الفتاوى الهندية» (2/ 456)، «حاشية ابن عابدين» (4/ 379).

([2]) «فتح القدير» (6/ 235).

([3]) «مجمع الأنهر» (1/ 748).

([4]) الرَبْع: يُطلق على المنزل والدار والوطن متى كان وبأي مكان كان، وربع القوم محلتهم. انظر: «النهاية» (2/ 189)، «لسان العرب» (8/ 102) مادة: (ربع).

([5]) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي المالكي (520- 595هـ)، زعيم فقهاء وقته بأقطار الأندلس والمغرب، ومقدمهم المعترف له بصحة النظر وجودة التأليف ودقة الفقه، وكان إليه المفزع في المشكلات، بصير بالأصول والفروع والفرائض والتفنن في العلوم، وتميز في علم الطب، له مصنفات كثيرة، منها: المقدمات في الفقه، وبداية المجتهد، وكتاب الكليات. انظر ترجمته في: «الديباج المذهب» ص278- 279، «سير أعلام النبلاء» (19/ 501- 502)، «شذرات الذهب» (2/ 320).

([6]) «التاج والإكليل» (6/ 47)، وانظر: «مواهب الجليل» (4/ 252، 253، 255).

([7]) «حاشية الدسوقي» (3/ 6)، «حاشية الصاوي» (3/ 18).

([8]) «الموافقات» (2/ 350)، وانظر: «فتاوى البرزلي» (5/ 394- 396).

([9]) «الأم» (3/ 251).

([10]) انظر: «الأحكام السلطانية» للماوردي ص205- 206.

([11]) هو الخليفة الأموي أبو العباس الوليد بن عبدالملك بن مروان ولي الخلافة بعد أبيه سنة ست وثمانين، وقد استعمل عمر بن عبدالعزيز على المدينة، وتوفي الوليد بدمشق سنة ست وتسعين وكان عمره ثمانية وأربعين، وكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر. انظر ترجمته في: «المعارف» لابن قتيبة ص359.

([12]) انظر: «الأحكام السلطانية» للماوردي ص206.

([13]) انظر: «الأشباه والنظائر» للسيوطي ص453.

([14]) انظر: «نزع الملكية الخاصة وأحكامها في الفقه الإسلامي» لفهد بن عبدالله بن محمد العمري ص321.

([15]) هو أبو القاسم جعفر بن محمد بن علي البلخي الوراق المُؤَدِّب (ت 283هـ)، سكن بغداد وحدث بها عن سهل بن عثمان العسكري ومحمد بن حميد الرازي، وحضر مجلس الإمام أحمد، وسمع منه أشياء. انظر ترجمته في: «المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد» لمجير الدين العُلَيمي (1/ 194)، تحقيق: الشيخ محمد محيي الدين عبدالحميد.

([16]) «الأحكام السلطانية» للقاضي أبي يعلى ص198.

([17]) هو أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني (ت 244هـ)، صاحب الإمام أحمد روى عنه مسائل كثيرة، وكان أحمد يكرمه ويعظمه. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» (4/ 122) ترجمة (1792)، «المقصد الأرشد» (1/ 95- 96)، «المنهج الأحمد» (1/ 176).

([18]) «الأحكام السلطانية» للقاضي أبي يعلى ص197.

([19]) انظر: «الفروع» (4/ 622)، «الإنصاف» (7/ 102).

([20]) انظر: «الإنصاف» (4/ 288).

([21]) «مجموع فتاوى ابن تيمية» (28/ 91- 92)، «الطرق الحكمية» ص215.

([22]) «الطرق الحكمية» ص213. وانظر: «مجموع فتاوى ابن تيمية» (28/ 87).

([23]) «الطرق الحكمية» ص217.