المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاجتهاد عند الشاطبي - رحمه الله -



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-21 ||, 11:40 AM
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين ، أما بعدُ :
فإن الغاية من تعلم المعارف الشرعية الخادمة ، والغرض من امتلاك ناصيتها : القدرة على استنباط الأحكام الشرعية فيما تردد بين طرفي النفي والإثبات مما لا يمكن الجزم معه بشئ إلا بعد استفراغ الجهد ، وبذل الوسع ، وترديد النظر فإذا استدَّ حصل المطلوب ، وإلا فإن الوزر موضوع عمن كان من أهل الشأن كما هو مقرر.
وإنه لمن المعلوم أن مبحث الاجتهاد النظري غايته الوصول إلى اجتهاد واقعي ، ولو قضى المرء دهره في مطالعة المتون ومراجعة الشروح محررا لشروط الاجتهاد ومحاله وأنواعه لما صار مجتهدا ، وإذ ذاك يكون قد أضاع عمره في علم لم ينفع ، وبدد وقته في مبحث لم يفد...
على أننا إن وجهنا أنظارنا إلى جميع الأنحاء لعلمنا أن "النظري" لا ينافي "التطبيقي" ، وقوائم هذا تقوم على سواعد ذاك ، وأن بعض ما نستشنعه من الخلل الواقع اليوم إنما أساسه غبش نظري ، وخلط منهجي ، وجمود معرفي .
والواقع أن أحسن من تُلتمس عنده الهداية في أمر الاجتهاد، وأفضل من يستشار في حكمه : الإمام أبو إسحاق الشاطبي .
فإن الرجل قد أضاف فأحسن ، وحرر فأجاد ، وناقش فأمتع ...

ومصداق هذه الإنشائيات تراه مسطرا فيما يأتي من العلميات.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-21 ||, 11:45 AM
قلتُ فيما مضى إن أبا إسحاق أفضل من حرر مباحث الاجتهاد ، وهو الحقُّ..
-فإنك لو رجعتَ إلى مظان هذا العلم من كتب الأصول لن تجدَ ما يُشفي غليلك أيها الطالب للنور إلا قبسات علمية لا تشكل بناء علميا ، بل غايتها : قضايا لها ارتباط بمبحث الاجتهاد لا أقل ولا أكثر :
ينطبق هذا على أبي محمد بن حزم ، وأبي الوليد الباجي ، وأبي المعالي الجويني ، وأبي الوفاء الحنبلي ، وأبي المظفر السمعاني ...في اختلاف طفيف ، وإنما القدر الذي يجمعهم:
بحث لمسألة التصويب والتخطئة ، والزراية على الجاحظ والعنبري والمريسي فيما ادعوه ، والكلام على اجتهاد النبي عليه السلام ، وأسطر قليلة في شروط الاجتهاد ، وآداب الافتاء ، وحكم تقليد عامي لعامي ، أو عالم لعالم ...
أما الغزالي : فإن له وجهة أخرى ، والرجل قد أبدى قدرا من العظمة في كل "المستصفى" واتخذ من دون الأصوليين ملجأ ، ولم تكن براعته في القطب الرابع (الاجتهاد) بأقل من براعته في القطب الأول (الحكم) إلا أنني لن أتكلم عنه الآن ، لأن كلامي عن تصور الشاطبي هو كلام عن تصور الغزالي ، لا فرق بين التصورين ، والشاطبي متبع للغزالي في أكثر ما يذهب إليه. ولعلي أفتح موضوعا آخر للموازنة بين الإمامين.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-21 ||, 11:59 AM
المهم أنه لما جاء الإمام الشاطبي أحدثَ ثورة علمية خلَّدها في كتاب "الموافقات" دون أن يخرج عن إرث الغزالي ، الذي لا يكاد يذكره في الموافقات إلا مقدرا لرأيه ومناصرا لقوله([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)) .
ولا بأس من إيراد كلام الشيخ محمد الفاضل بن عاشور في حق هذا السفر ، وإن كان الكتاب شاهدا لنفسه بتلك العظمة!: "لقد بنى الشاطبي ـحقا ـبهذا التأليف هرما شامخا للثقافة الإسلامية ، استطاع أن يشرف منه على مسالك وطرق لتحقيق خلود الدين وعصمته ، قل من اهتدى إليها قبله.
...وظهرت مزيةُ كتابه ظهورا عجيبا في قرننا الحاضر والقرن قبله ، لما أشكلت على العالم الإسلامي ـ عند نهضته من كبوته ـ أوجه الجمع بين أحكام الدين ومستجدات الحياة العصرية"([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)) .




[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref1) - ذكر الأستاذ الريسوني أن الشاطبي ذكر الغزالي نحوا من أربعين مرة ، وفي أكثرها يذكره بالتأييد والموافقة ، بخلاف بقية الأصوليين خاصة الرازي فإنه كثير النقد له ( "نظرية المقاصد" : 321).

[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref2) - نقلا عن :"نظرية المقاصد عند الشاطبي" لأحمد الريسوني" : 352 – 353.


(لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftnref3)