المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : أهمية معرفة المادة والمصدر



د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-11-25 ||, 07:49 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :
فإننا كثيرا ما نقرأ في كتب التحقيق عند دراسة الكتاب المحقَّق قول المحقِّق : ( مصادر الكتاب ) أو ( المصادر التي اعتمد عليها المؤلف ) .
كما نقرأ في المباديء التي تذكر في بداية دراسة الفنون ( الاستمداد ) .
ونقرأ كذلك في كلام أهل العلم قولهم : ( وفلان مادته في الأصول أو الحديث أو علم الكلام من فلان ) .
هذا الأمر لم يتكلم فيها العلماء وينشغلوا به عبثا وإنما كان ذلك لفوائد كثيرة منها :
1 – أن ذكر الاستمداد يعين في الرجوع لدراسة الجزئيات في محلها الأصل بتوسع أكثر فإذا قلنا استمداد أصول الفقه من اللغة العربية ورأينا مباحث لغوية في أصول الفقه نعلم أن بسطها والكلام عليها وما يتعلق بها من مباحث يوجد في كتب اللغة وقل مثل ذلك في استمداد أصول الفقه من علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه ونحو ذلك .
2 – بمعرفة المصدر والاستمداد يمكننا إزالة الإشكال والغموض في بعض المسائل فقد يورد المصنف المسالة مختصرة فتشكل في فهمها أو تنزيلها على أصول العالم أو منهجه أو عقيدته أو مذهبه لكن بمعرفة المصدر يزول ذلك إما بان يكون بسط الكلام هناك أو عرفنا مذهب صاحب المصدر أو عقيدته أو نحو ذلك .
3 – التحقق من صحة المعلومة من نسبة قول أو ترجيح أو اعتراض أو جواب عن اعتراض أو استدلال ونحو ذلك .
4 – بمعرفة المصدر يمكن الاطلاع على النص كاملا دون حذف أو اختصار قد يصنعه الناقل وهذا قد يفيد في فهم كلام صاحب المصدر ، فلربما تغير الفهم عند نقل النص كاملا والناس يختلفون في أفهامهم ، ولربما كان هناك بعض القيود حذفها الناقل وهي مؤثرة في النص .
5 – يستفاد في معرفة المصدر في تحقيق بعض المخطوطات حينما يوجد سقط أو تحريف أو يكون الخط غير واضح فبالرجوع للمصدر ومادة الكتاب تحل هذه الإشكالات .
6 – بمعرفة المصدر يمكننا معرفة المبهمين من أهل العلم أو الطوائف فقد يقول المؤلف : ( قال بعض أصحابنا ) أو ( قال بعض المتأخرين ) ثم ينقل نصا من أحد الكتب دون أن يذكر اسم الكتاب ، وبمعرفة المصدر نتمكن من معرفة المبهم في قوله: ( بعض أصحابنا ) .
7 – بمعرفة المصدر يمكن التحقق من مذهب وعقيدة المصنف عند الالتباس فيكون ذلك من القرائن التي يعتمد عليها .
8 – بمعرفة المصدر والمادة نعرف مدى تأثر المصنف بالمصدر الأصل .

كيف يمكن معرفة المصدر أو المادة التي اعتمد عليها العالم ؟ أو ما هي الطرق التي ترشدنا غلى معرفة المادة او المصدر ؟
هناك عدة طرق لمعرفة ذلك :
1 – بعض العلماء ينصون على مصادرهم في صدر الكتاب فيقول اعتمدت على كذا ثم يسرد الكتب .
2 – بعض العلماء ينص على اسم الكتاب عند النقل أو على اسم المؤلف .
3 – التحقيق : حيث إن من أعمال المحقق لأي كتاب أن يذكر عند دراسة الكتاب مصادر المؤلف في كتابه .
4 – النظر في كتب العلماء الكبار المحققين فمثلا نجد شيخ الإسلام ابن تيمية ينص على أن مادة فلان من فلان ومادة فلان من فلان وينظر على سبيل المثال ما ذكره عن الجويني والغزالي والرازي وغيرهم في كتابه بغية المرتاد ، وكما ذكر ابن حجر أن ابن سعد غالب مادته من الواقدي .
5 – كثرة القراءة والاطلاع تعين على معرفة مصدر المسألة واستمدادها سواء كان من جهة المعلومة نفسها أو جهة نَفَس المؤلف المنقول عنه وأسلوبه أو مذهبه الفقهي أو العقدي أو الوقوع على من نص على القائل في كتاب آخر .

أمثلة لاستفادة العلماء في هذا الباب مع تفاوت قدر الاستفادة بينهم ( للتقريب وفهم المقصود ) :
1 – ابن رشد يستمد مادته من كتاب الاستذكار لابن عبد البر .
2 – الشوكاني يستمد مادته في نيل الأوطار من الفتح وشرح النووي على مسلم .
3 – الشوكاني يستمد مادته في إرشاد الفحول من البحر المحيط للزركشي .
4 – ابن قدامة يستمد مادته في روضة الناظر من المستصفى للغزالي .
5 – الرازي في المحصول والآمدي في الإحكام يستمدان مادة كتابيهما من أربعة كتاب ( العهد للقاضي عبد الجبار والمعتمد لأبي الحسين البصري والبرهان للجويني والمستصفى للغزالي ) .
6 – الباجي يستمد مادته ويتأثر بكتاب التبصرة وشرح اللمع لشيخه الشيرازي .
7 – ابن برهان يستمد مادته ويتأثر بكتاب المنخول لشيخه الغزالي .
8 – القاضي أبو يعلى استفاد كثيرا من أصول الجصاص بل ربما نقل عنه دون أن يشير فقد نقل قرابة ثلاثين صفحة من أصول الجصاص ولم يشر لذلك : العدة ( 1 / 100 – 130 ) ونقل عن ابن قتيبة في تأويل مشكل القرآن : العدة ( 1 / 208 – 212 ) ولم يشر أيضاً .
9 – الغزالي في شفاء الغليل استفاد كثيرا من أبي زيد الدبوسي .
10 – الغزالي استمد مادته في الإحياء من كتاب قوت القلوب لأبي طالب المكي ومن الحارث المحاسبي في الرعية والقشيري كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية .
11 – مادة الغزالي في الفلسفة من ابن سينا ورسائل إخوان الصفاء وأبي حيان التوحيدي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية .
12 - قال ابن حجر في مقدمة الفتح في ترجمة عبد الرحمن بن شريح بن عبد الله : " قلت لم يلتفت أحد إلى ابن سعد في هذا فإن مادته من الواقدي في الغالب والواقدي ليس بمعتمد "
والأمثلة كثيرة جدا في مختلف الفنون ويصعب حصرها وإنما ذكرت ذلك من باب التمثيل ولبيان أهمية هذا الموضوع بالنسبة لطالب العلم .

د. أريج الجابري
10-11-25 ||, 08:07 PM
موضوع رائع جداً مفيد وجديد.
بارك الله فيكم شيخنا الفاضل وأثابكم.

بشرى عمر الغوراني
10-11-25 ||, 08:34 PM
بارك الله فيكم أستاذي الفاضل
ألاحظ في بعض الكتب أن المؤلف لا يحيل إلى المصدر مباشرة بل إلى مصدر آخر يتضمن الكلام المقتبس أو المنقول، مثال ذلك:
في كتاب إعلام الأنام شرح بلوغ المرام:" قال ابن قطان وعندي أن الذي أسنده خير ممن وقفه.اه ( وذلك في التعليق على إسناد حديث ابن عمر عن تحريم بيع أمهات الأولاد)
وفي الحاشية أحال الشارح على نصب الراية، بدل أن يُحيل على كتاب "بيان الوهم والإيهام" لابن القطان.
ومثل ذلك أراه كثيراً، بل قد يحيل المؤلف أو الشارح على مصدر للتفسير في مسألة تتعلّق باللغة، أو على مصدر للتفسير في توثيق مذهب فقهي، وهذا مما يُريبني، لأنني أجدُ عكس ما تعلّمت!

بشرى عمر الغوراني
10-11-25 ||, 08:43 PM
أما بالنسبة للإحالة في الملتقيات العلمية، فإني أقترح اقتراحاً كي يسهل على الطالب الباحث الرجوع إلى المصدر:
أن يتبع الكاتب اسم الكتاب والصفحة والجزء باسم الدار الطابعة ورقم الطبعة.
فالفارق واضح بين الكتابة الورقية والكتابة الإلكترونية، إذ باستطاعة الباحث أن يطّلع على فهرس المصادر ويتعرّف على الدار والطبعة، أما في الحالة الثانية، فإن رقم الصفحة والجزء لن يفيداه شيئاً، وهذا مما أعانيه من البحوث الإلكترونية.

سيدي محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد
10-11-26 ||, 12:09 PM
أما بالنسبة للإحالة في الملتقيات العلمية، فإني أقترح اقتراحاً كي يسهل على الطالب الباحث الرجوع إلى المصدر:
أن يتبع الكاتب اسم الكتاب والصفحة والجزء باسم الدار الطابعة ورقم الطبعة.
فالفارق واضح بين الكتابة الورقية والكتابة الإلكترونية، إذ باستطاعة الباحث أن يطّلع على فهرس المصادر ويتعرّف على الدار والطبعة، أما في الحالة الثانية، فإن رقم الصفحة والجزء لن يفيداه شيئاً، وهذا مما أعانيه من البحوث الإلكترونية.
جزاكم الله خيرا
ومما ينبغي الاهمتام به ذكر رقم الحديث لأن كثيرا من كتب الحديث مرقمة الأحاديث ولا تختلف إلا في النزر القليل
بينما الإحالة على الصفحات فقد أصبح لكثرة الطباعات أمر قليل الفائدة للباحث
على سبيل المثال عندي كتاب الزهد للإمام أحمد طبعة دار الكتب العلمية
وهو غير مفهرس الأحاديث في هذه الطبعة
وظفرت بكتاب فهرس صاحبه لجميع كتب الزهد ففرحت به ليعينني في البحث عن الأحاديث في النسخة التي عندي
ومع أنه ذكر في المقدمة الطبعات التي اعتمد عليها وذكر أنه اعتمد في الزهد للإمام أحمد طبعة الكتب العلمية إلا أنني رأيت أن ترقيمه يختلف بشكل كبير عن صفحات الطبعة التي عندي فلعل الطبعة عنده أيضا تختلف عن طبعتي إن لم يكن هناك خطأ في هذا الفهرس كبير في الترقيم
نعم قد تختلف نسخ الكتاب في عدد الأحاديث كما في سنن أبي داود فالنسخة التي شرح عليها العظيم آبادي تختلف عن التي شرح عليها الخطابي بل تختلف عن كثير من طبعات السنن المجردة عن الشرح فالعدد فيهما يختلف قليلا ولكن يقودك الترقيم دائما إلى قريب من الحديث المطلوب
والله أعلم

أحلام
10-11-28 ||, 06:19 AM
وإنما كان ذلك لفوائد كثيرة منها :
1 – أن ذكر الاستمداد يعين في الرجوع لدراسة الجزئيات في محلها الأصل بتوسع أكثر فإذا قلنا استمداد أصول الفقه من اللغة العربية ورأينا مباحث لغوية في أصول الفقه نعلم أن بسطها والكلام عليها وما يتعلق بها من مباحث يوجد في كتب اللغة وقل مثل ذلك في استمداد أصول الفقه من علوم القرآن وعلوم الحديث والفقه ونحو ذلك .
2 – بمعرفة المصدر والاستمداد يمكننا إزالة الإشكال والغموض في بعض المسائل فقد يورد المصنف المسالة مختصرة فتشكل في فهمها أو تنزيلها على أصول العالم أو منهجه أو عقيدته أو مذهبه لكن بمعرفة المصدر يزول ذلك إما بان يكون بسط الكلام هناك أو عرفنا مذهب صاحب المصدر أو عقيدته أو نحو ذلك .
3 – التحقق من صحة المعلومة من نسبة قول أو ترجيح أو اعتراض أو جواب عن اعتراض أو استدلال ونحو ذلك .
4 – بمعرفة المصدر يمكن الاطلاع على النص كاملا دون حذف أو اختصار قد يصنعه الناقل وهذا قد يفيد في فهم كلام صاحب المصدر ، فلربما تغير الفهم عند نقل النص كاملا والناس يختلفون في أفهامهم ، ولربما كان هناك بعض القيود حذفها الناقل وهي مؤثرة في النص .
5 – يستفاد في معرفة المصدر في تحقيق بعض المخطوطات حينما يوجد سقط أو تحريف أو يكون الخط غير واضح فبالرجوع للمصدر ومادة الكتاب تحل هذه الإشكالات .
6 – بمعرفة المصدر يمكننا معرفة المبهمين من أهل العلم أو الطوائف فقد يقول المؤلف : ( قال بعض أصحابنا ) أو ( قال بعض المتأخرين ) ثم ينقل نصا من أحد الكتب دون أن يذكر اسم الكتاب ، وبمعرفة المصدر نتمكن من معرفة المبهم في قوله: ( بعض أصحابنا ) .
7 – بمعرفة المصدر يمكن التحقق من مذهب وعقيدة المصنف عند الالتباس فيكون ذلك من القرائن التي يعتمد عليها .
8 – بمعرفة المصدر والمادة نعرف مدى تأثر المصنف بالمصدر الأصل .


ويمكن أن يضاف إليها :
9// بمعرفة المصادر المذكورة في الكتاب المراد تحقيقه , فإنه من الممكن من خلالها التأكد من صحة نسبة الكتاب لصاحبه , خاصة لو نقل بالنص من الكتب الأخرى , وقد قال عند نقله : (قال فلان...) وهو متقدم عليه , وثبت بأنه لم يعاصره.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-11-28 ||, 06:53 PM
الأستاذة فدوى
الأستاذ سيدي محمد
بارك الله فيكما

ويمكن أن يضاف إليها :
9// بمعرفة المصادر المذكورة في الكتاب المراد تحقيقه , فإنه من الممكن من خلالها التأكد من صحة نسبة الكتاب لصاحبه , خاصة لو نقل بالنص من الكتب الأخرى , وقد قال عند نقله : (قال فلان...) وهو متقدم عليه , وثبت بأنه لم يعاصره.

الأستاذة فدوى بارك الله فيك
هذه فائدة نفيسة تضاف لما تقدم
أضيف فأقول :
المادة التي يستمدها العالم من غيره أقسام :
1 - نص منقول مباشرة ، وهذا يمكن إدراكه بسهولة بأحد الطرق السابقة .
2 - فكرة أو رأي صاغه العالم بعبارة اخرى غير نص العالم السابق او تصرف بالعبارة وهذا القسم اصعب من القسم الأول ويحتاج إلى دقة في الفهم وسعة اطلاع .
3 - فكرة أو رأي مركب من عدد من الأفكار أو الآراء المستمدة من أكثر من عالم دمجها العالم معاً فركب منها رأيه وهذا أصعب الأقسام ولا يكاد يدركه إلا شخص متمكن وعنده قدرة جيدة على التحليل والتفكيك ثم التركيب وعنده سعة إطلاع ودقة ملاحظة .
وهذا الأمر كما أنه يحصل في الأفراد يحصل في الطوائف والفرق والمذاهب ، فقد تستمد هذه الفرقة بعض الأصول من فرقة أخرى وتتأثر بها ، وثمة مؤلفات ورسائل علمية كتبت حول تأثر الطوائف بعضها ببعض واستمدادها بعض الأصول والمسائل منها .

صلاح الدين
10-11-29 ||, 12:53 AM
نعم شيخنا بارك الله فيكم موضوع عزيز .
لكني لدي سؤالان: 1-هل ذكر مادة الكتاب يمكن جمعها من خلال تأثر الكاتب بمصنف معين أو كتاب معين أو إن الحكم على مصدر بعينه أن مادتة من فلان يكفي لإثباتها كونه نقل منه عبارة أو إقتبس منه رأي أو فكرة
باختصار ما الحد الجامع للحكم على مصدر بعينه أنه مقتبس من غيره
-ألا يلاحظ قلة إهتمام المحققين لهذه اللقضية؟؟

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-11-29 ||, 02:54 PM
شكر الله لكم، وجزاكم خيراً

د. بدر بن إبراهيم المهوس
10-11-29 ||, 08:54 PM
بارك الله فيكم يا شيخ صلاح



1-هل ذكر مادة الكتاب يمكن جمعها من خلال تأثر الكاتب بمصنف معين أو كتاب معين أو إن الحكم على مصدر بعينه أن مادتة من فلان يكفي لإثباتها كونه نقل منه عبارة أو إقتبس منه رأي أو فكرة
باختصار ما الحد الجامع للحكم على مصدر بعينه أنه مقتبس من غيره
ذكر مصادر الكتاب التي استمد منها المصنف صراحة بالنقل من لوازم التحقيق واما ما يفهم ويستنبط فلا لكنه نكهة التحقيق ودليل التميز ودليل قدرة الطالب على التحليل وكونه واسع الاطلاع إذ هذه من مواطن الاستنباط لكنها ايضا موطن قد يغلط فيه المرء لاحتمال ان يكون أخذ الفكرة من غير المذكور بخلاف ما ينقله نصاً عن قائله .
-ألا يلاحظ قلة إهتمام المحققين لهذه اللقضية؟؟

أما قضية ذكر المصادر التي نقل منها المؤلف وسماها فهذا موجود وجل التحقيقات العلمية تذكره عند دراسة الكتاب في القسم الدراسي .
أما النوع الثاني وهو اقتباس الفكرة أو النقل بدون عزو فهذه يقل وجودها عند المحققين لأنها تحتاج إلى جهد وإطلاع كما سبق لكن يوجد :
- قرائن لمثل ذلك وخيوط ينبغي أن يلتقطها المحقق .
- وكذلك احتمالات يختبرها .
- ومصنفات أخرى للمؤلف ربما يصرح بما أهمله في الكتاب المحقق .
- وكذلك النظر في كتب شيوخه وتلاميذه وشراح كتبه .