المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الاجتهاد بين الحرية والمسؤولية



عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-26 ||, 02:10 PM
الاجتهاد بين الحرية والمسؤولية
للدكتور : أحمد الريسوني

حين نجد الإسلام يقر الاجتهاد في الدين ويجازي عليه ، وحين نجد الرسول صلى الله عليه وسلم يغري به ويدرب عليه ويعطي القدوة بنفسه ، فإن هذا لا يعني حرية مطلقة في ممارسة الاجتهاد والسير به في أي اتجاه ، ولا يعني أن لكل مجتهد أن يقول ما شاء وكيف شاء مما يعن له وتميل إليه نفسه ويزينه له عقله وفكره.
بل الاجتهاد علم وأثر ، مع استدلال ونظر = الاجتهاد أمانة ، بل هو أخطر درجات الأمانة.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-26 ||, 02:18 PM
أقول هذا الكلام : لأنه في الوقت الذي يخوض فيه دعاة الاجتهاد وأنصاره معركة مع أنصار التقليد والجمود والتهيب ، تتصاعد أصوات متزايدة على الطرف الآخر تدعو إلا اجتهاد بلا حدود ولا قيود ، وإلى تأويل بلا قواعد ولا ضوابط ، وهو اتجاه"يمكن أن نسميه اتجاه التغيير ، وهو أشبه ما يكون باتجاه الباطنية في التاريخ الإسلامي ، حيث يخرج النص عن كل معنى للمردود اللغوي ومما عليه تعارف الناس ، على عد اللغة وسيلة لنقل الأفكار ، إلى شئ يشبه الرمز ، بحيث نتحررمن النصوص ، ونصل إلى تحقيق المصلحة كيف كانت..." (علي جمعة ، قضية تجديد أصول الفقه : 46).
وأنا الآن ما يهمني أن أتقصى أصحاب هذا الاتجاه وأسرد أسماءهم وأنقل أقوالهم واجتهاداتهم ، بل حسبي أن أحاور وأناقش التوجه ذاته وأهم مستنداته لنرى مدى علميتها ومدى معقوليتها ، ومن ثم مدى صلاحية هذا التوجه ومدى إمكان الأخذ به والاعتماد عليه.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-26 ||, 02:26 PM
يقولون :
ـ ليس لأحد حق تفسير الدين وحده.
ـ ليس لأحد حق التحدث باسم الإسلام ، وباسم الشريعة.
ـ ليس في الإسلام بابوية ولا كهنوت ولا إكليروس.
ـ لكل واحد حق فهم الدين وتفسيره ، وذلك راجع إلى قناعته وضميره.
ـ تفسير الدين يجب أن يخضع للتطورات ويواكب المستجدات ، حتى لا نكون ماضويين متحجرين عند القرن الأول الهجري أو القرون الأولى.
ولا شك أن في هذه الأقوال كثيرا من الحق ومن الصواب . ولكنه من الحق الذي قد يراد به الباطل ، أو هو من قبيل المقدمات الصحيحة التي تسخر لخدمة نتائج غير صحيحة ، وقد تكون النتائج مقررة ومقصودة سلفا.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-26 ||, 04:46 PM
وبيان ذلك :
إن تفسير الدين ، فضلا عن الاجتهاد فيه ، يحتاج إلى علم ومعرفة وخبرة. وإنما يحق للشخص أن يمارس ذلك ، وأن يتمادى فيه قليلا أو كثيرا ، بقدر ماله من العلم والمعرفة والخبرة .
وهذه مسألة لاغبار عليها ، ليس بخصوص الدين وحده ، ولكن في كل علم ، وفي كل فن وفي كل اختصاص ، وفي كل صناعة أو حرفة.
ـ فمن يتكلم في الطب والعلاج بغير علم ومن دون تمكن يعد مشعوذا.
ـ ومن يمارس ذلك من غير أهلية ومن دون إجازة يحاكم ويعاقب.
ـ ومن يخطئ في ذلك يلحق الضرر بالناس يكون متعديا وضامنا.
ـ ومن يتكلم في السياسة بلا علم يعد مهرجا وانتهازيا وديماغوجيا.
ـ ومن يتكلم في التاريخ بلا علم يعد مخرفا.
فهل يعقل ويقبل أن يكون الدين وحده ـ بأصوله وفروعه وقواعده ـ مجالا مباحا يقول فيه م نشاء ما شاء ، بدعوى حرية الفكر وعدم احتكار الحقيقة؟!
فهلا عُد الدين ـ على الأقل ، مجالا علميا كسائر المجالات العلمية الأخرى ، يحتاج المتكلم فيه إلى مستوى علمي معين وإلى شروط علمية متعارف عليها ، حتى يسمع له ويقبل منه أن يقول ويفسر ويؤول ويجتهد؟!

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-26 ||, 04:50 PM
والحق أن تفسير الدين وتأويله والاجتهاد فيه أحوج من أي مجال علمي آخر إلى اشتراط الشروط والتأكد من الأهلية والصلاحية ، وإلى التأني والتروي والاحتياط.
بينما نجد في كثير من الحالات اليوم من يتجرأ على الدين ويفرض عليه آراءه ونظرياته ، ويُعمل فيه مقصه ومبضعه ، ويؤوله ويوجهه ذات اليمين وذات الشمال ، يعتبر مفكرا حرا ، ومجتهدا مبدعا ، ومبدعا رائدا ... وهوقد لا يكون له اختصاص أصلا في الموضوع ، ولايكون لديه أكثر من الإلمام ببعض الهوامش والتقاط بعض المعلومات المنتقاة واستظهار بعض المواقف والآراء المبتورة...

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-26 ||, 05:00 PM
أنا لا أمانع في أن يلج مجال الدراسات الإسلامية أي باحث وأي مفكر مهما كان اختصاصه الأصلي ، سواء كان طبيبا ، أو مهندسا ، أو صحافيا ، أو فيلسوفا ، أو مؤرخا ، أو سياسيا.
ولكن المطلوب من هؤلاء وأمثالهم : أن يتريثوا ويتواضعوا بقدر تواضع اطلاعهم وتفقههم واستيعابهم في هذا المجال ، ومطلوب منهم أن ينظروا بعين التقدير والتقديم إلى من هم أهل الاختصاص وتمكن ورسوخ ، مثلما يطلب من غيرهم أن ينظر إليهم بهذه النظرة في مجال تخصصهم وتمكنهم ورسوخهم.
وهذا نحسبه من بدهيات العلم والمنهج العلمي عموما ، لا فرق في ذلك بين فقه واقتصاد ، وطب وفيزياء ، وفلك وكيمياء ، وتاريخ وفلسفة...
فحيثما خاض الانسان واجتهد ، وحيثما أراد أن يكون له رأي ونظر ، وقول مسموع وحكم متبوع ، فيجب أن يكون أهلا لذلك ومن أهل ذلك ،وإلا أورد نفسه ـ وربما غيره ـ المضايق والمهالك.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-27 ||, 12:11 PM
......

صحيح أن (شروط المجتهد) قد وقع تعسيرها وتعقيدها على مر العصور ، حتى كادت تصبح شروطا تعجيزية ، وأنها قد أضحت اليوم في أمس الحاجة إلى نوع من التحرير والتيسير ، ولكن هذا لا يسوغ أبدا إسقاطها أو تجاوزها . فهي أمر ضروري من حيث الأصل والمبدأ ، وهي شروط صحيحة ووجيهة في جملتها.
وكما قلتُ أكثر من مرة : فإن هذا من بدهيات البحث العلمي ، والاجتهاد في أي علم من العلوم . فلا ينبغي أن نقبل التسيب والتطفل والتطاول في العمل العلمي ، وخاصة إذا ادعى صاحبه الاجتهاد والتجديد والريادة.



{ الاجتهاد : النص ، الواقع ، المصلحة : ص 15 وما بعدها بتصرف يسير}