المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تأسيس النظر في علم الأصول



أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 12:48 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


رحمة الله وبركاته عليكم :)


لم يساورني هذا العنوان الفخم مدةَ تدويني هذا الموضوع، ولا كان في البال أن ينال شرف النظر منكم والمتابعة، ولكن ماذا نفعل مع قوله تعالى : "وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنا"على أن الأولى ما كانت إلا منه سبحانه، إذ ألهم الإرادة بما همت له، ثم وفق البنان أن يجيبها، ثم زادها حسنا أن ألقاها بين أيديكم، شعثاء ترنو إلى تهذيب!



هذه ورقات دونتُ أصلها على فترة، ثم تابعته عن قريب، أجتهد اليوم أن تكون بين أيديكم فصولا مرتبة تحمل مضمونا بينا، أطمع أن يلقى منكم حظا من نظر!

موضوعها: مقدمات بين اللغة والمنطق تصلح أن تكون مدخلا يؤسس عليه دارس الأصول فهمه لجذور كثير من المسائل.

أسأل الله تعالى أن يكتب لها القبول في الآخرة والدنيا .. آمين

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 01:20 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

عذرا؛ فالبداية بعيدة.. قليلا


إذا عرّفنا الفلسفة بأنهاـ: النظر العقلي في الظواهر المادية
ثم فسرنا تدوين أرسطو فلسفته عقيب انتهائه من كتابة ما وقف عليه من علم بالظواهر المادية، حتى إنه لم يجد ما يسميها به سوى أن جعلها "ما بعد الطبيعة" وقد كان عبر أولا عن علمه بالظواهر المادية بمصطلح "الطبيعة"؛ فليس ثمة فلسفةٌ حتى تكون دراسةٌ طبيعية أولا، ثم تنتزع منها هذه الفلسفة، وبتعبير آخر: لا يمكن انتزاع "أي" معنى نظري إلا بعد تحصيل معرفة حسية "ما".
ولاحظوا صيغة العموم وأداة الإطلاق..!

فلا جرم إذن أن يكون الرصد الدقيق الذي أجراه النحويون على اللسان العربي مؤْذنا بقيام فلسفة كاملة أصلها الحسي هو "علوم اللغة.. العربية تحديدا"

وقد شملت الدراسة العربية جميع أحوال المنطق العربي، مستعملا ومهملا، مفردا ومركبا، اسما وفعلا وحرفا، لفظا وخطا.. ومعنى!
حتى بلغت علوم العربية مضربا من العمق أبرز فيها تيارا ظاهريا كالذي نشأ بين الفقهاء قديما وتيارا - اليوم - تجديديا أيضا كالذي شب على الفقه وأصوله!

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 03:11 AM
بسم الله الرحمن الرحيم



أحرص إن شاء الله تعالى على إفراد كل فكرة مقصودة في الموضوع بمشاركة

اللغة: قوالب، ثياب، جسور: المعاني

هي وسيلة تبادل المعاني = العلوم، المعارف، الأفكار..

وكما انقسمت اليونان في حصول المعرفة إلى استحضار واستحصال، اختلفت العرب حول فطرية اللغات، واكتسابها، وثمة رأي حاول الجمع بين الفكرتين.(1)

وبهذا أخذنا، أو إلى ذلك ملنا، فإننا، أبدا، أمام عقد موقع بينهما = اللغة والمعرفة، قبله أهل كل لغة، وارتضوا شروطه، وأركانه!
ذلكم هو: عقد الوضع.

فما هو؟

هو "تفصيلة" الثوب أو "هندسة" الجسر أو "أبعاد" القالب
هو ذلكم الرباط بين اللغة في صورتها الصوتية أو الكتابية وبين العلوم والمعارف الكامنة في النفس في صورة "معاني" تحتاج إلى اللغة كجسر أو ثوب أو قالب..

ولنزد الأمر تفصيلا..

حين نريد نقل ما بالنفس من معارف، فإننا نضعها في مواد صوتية أو كتابية معينة، بحيث إذا ما أدركها الآخر فهم الآخر ما أردنا إيصاله له.
ولم يكن فهمه هذا إلا عن طريق معرفته السابقة بما يخص كل معنى من مادة صوتية أو كتابية..

هذا الاختصاص هو ما يسمى بـ "عقد الوضع"

---------------------
(1) للأستاذ مصطفى صادق الرافعي رأي بديع في نشأة اللغات ونموها، سجله أول كتابه "تاريخ آداب العرب"

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 04:10 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


لا ألتزم التعريفات المحررة، لجوءا إلى إيضاح المعنى
ولا التزام مذهب معين، استقصاء


لنبدأ من جهة اللفظ:
لقد قسموه باعتبارات كثيرة،
فهو بحسب أفراده: عام إن شملهم جميعا بوضع واحد، وخاص إن تعين في بعض ما يحتمله العام، ومشترك إن شملهم بوضع متعدد، ومؤول إن تعين حمله على بعض ما يحتمله المشترك.
وبحسب استعماله: حقيقة إن استعمل فيما تبادر إليه ومجاز إن استعمل في غير ما تبادر إليه بقرينة مانعة من الأول وصريح إن استعمل على نحو ما اشتهر وكناية إن استعمل في غير ما اشتهر
وبحسب وضوح استعماله: ظاهر ونص ومفسر ومحكم. ويقابلها تقسيمه بحسب خفاء استعماله: خفي ومشكل ومجمل ومتشابه .. وهي متقابلة على الترتيب، مترتبة في الوضوح والخفاء، لا يقع الاختلاف في ذلك.
وبحسب دلالته على معناه إلى عبارة إن دل على عين المعنى، ودلالة إن دل على ما هو أولى منه، وإشارة إن دل على ما هو من عين المعنى أو تابع له قريب، واقتضاء إن دل على لازمه
وبحسب دلالته أيضا إلى منطوق إن كانت في محل النطق، ومفهوم إن لم تكن في محل النطق، ودلالة المفهوم موافقة إن دلت على لازم المعنى الموافق لمنطوقه، ومخالفة إن دلت على لازم معناه المخالف لمنطوقه، وهي كثيرة بحسب السياق كالشرط واللقب والاسم والصفة والغاية والعدد والحصر. واعتبرها قوم مسكوتا عنه، وأهدروا دلالة المفهوم من حيث هو مفهوم.
وبحسب أحوال اتحاده وتعدده مع المعنى أقسام أربعة إجمالا، تنقسم لتسعة تفصيلا:
فإذا اتحد اللفظ والمعنى فإما أن يتشخص في مفرد فهو العلم أو تتساوى أفراده في صدق المعنى فالمتواطئ أو تختلف فالمشكك .. وإذا اتحد اللفظ واختلف المعنى فإما أن يكون الوضع متعددا فالمشترك أو واحدا أصليا والباقي خارج عنه فالمستعمل في وضعه حقيقة والخارج عنه مجاز.. فإن اشتهر المجاز فمنقول ... وإذا تعدد اللفظ واتحد المعنى فالمترادف أو تعدد اللفظ والمعنى فالمتباين!

ومع ملاحظة تداخل كثير من هذه التقسيمات يمكن اختزالها في مخطط واحد أفرادُه أقل من مجموع ما ذُكر.

ومع أن كل هذه التقسيمات للفظ كان "المعنى" أو "الموضوع" أو "الفرد الصادق عليه اللفظ" أو "الدلالة"،.. كان شيء من ذلك هو محور تقسيم اللفظ، فإن كلا من القسمة، والمقسم، ومورد التقسيم: ألفاظ!

لا سبيل لنا إذن أن نجسد معنى بغير لفظ يحمله، ومهما ادعينا أن هذا "الاسم" وهذا "المعنى" فإننا لا نزال في حيز "الألفاظ"
ومن هذا قولهم: الأسد الحيوان المفترس المعروف، أو الحيوان الزائر (الذي يزأر).. فهل يختلف "الأسد" عن "الحيوان المفترس المعروف" في كونهما "ألفاظا" ؟!

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 04:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


فأما من جهة المعنى، مدثرا باللفظ على نحو ما سبق الالتفات إليه:

كل معنى في أذهاننا هو (علم) أو (معرفة) بقطع النظر عن تفرقة البعض بين إطلاق الكلمتين

ومجموع المعاني التي في أذهاننا يمكن أن نسميه (علوم)

والعلم إما أن يكون إدراكا لمفرد فهو التصور، أو تسليما لنسبة بين مفردين فهو التصديق.

ولأمر ما سنبدأ بالمركب، وهو ما دل جزؤه على جزء معناه دلالة مقصودة، ويكون تاما إن أفاد معنى تاما، أو ناقصا إن لم يفد
والتام خبري إن احتمل الصدق والكذب لذاته، وإنشائي إن لم يحتمله.
والمعني بإفادة العلوم هو الخبري.
وفي العربية قالوا: الجملة الفعلية في قوة جملة إسمية في معناها، شاهد ذلك أن اسم الفاعل هو ذات قام بها الفعل، فإذا قدمت المسند إليه واستبدلت الفعل المسند باسم فاعل في معناه فقد انقلبت جملتك الفعلية جملة إسمية كيصوم زيد وزيد صائم

فقصروا بحث الخبر على الجملة الإسمية ليسرها وضبط عبارتها

وهي عند المنطقيين القضية، ويلقبونها بالحملية إن كانت جملة بسيطة = مبتدأ وخبر، لما فيها من حمل لمعنى الخبر على معنى المبتدأ، وبالشرطية المتصلة إن تركبت من حمليتين بينهما أداة اتصال، والمنفصلة إن كانت الأداة للعناد.


واسم الخبر في الحملية محمول، والمبتدأ موضوع، بينهما رابطة هي على مصطلح النحاة الضمير المستكن، تربط بين الموضوع والمحمول.
وهل يقع الإيجاب والسلب على الرابطة ولا تكون النسبة المذعن لها في التصديق إلا موجبة؟ أو العكس: فلا تكون الرابطة إلا موجبة ويقع الإيجاب والسلب على النسبة؟
.. بالرأيين قيل!
فزيد مجتهد، وزيد ليس مجتهدا.
فيكون في القضيتين الاجتهاد مرتبط بزيد، لكننا نسلم بحصول هذا الارتباط في الخارج في الأولى ولا نسلم له في الآخرة؟
أم يكون الاجتهاد مرتبط بزيد في الأولى وغير مرتبط به في الثانية ونحن نسلم بحصول الأمرين في الخارج؟


وتقدير الضمير المستكن عند النحويين والرابطة عند المنطقيين مهم لتعيين الإسناد بين المتواليين ولتصحيح للحمل

ولكن يعترض "الإسناد" أو "الحمل" إشكال مفاده لزوم التغاير بين الموضوع والمحمول لحصول الفائدة، وامتناع حمل الشيء على نفسه. مع لزوم الاتحاد بينهما لضرورة الصدق، وامتناع حمل الشيء على غيره
فزيد هو زيد لا يفيد، وزيد هو عمرو كاذب

فكان أن قُصِد بالموضوع أفراده، وبالمحمول مفهومه
والأفراد والمفهوم شيء واحد باعتبار التلازم الخارجي وهذا هو القدر الكافي للاتحاد المطلوب لصدق الخبر؛ فحين نقول الأسد حيوان مفترس، فإننا نعني أن هذا الكائن يحمل صفات الحيوانية والافتراس.
وهما شيئان مختلفان باعتبار اختلاف ارتسام صورة الأسد الذي نراه في الذهن عن ارتسام مفهوم الحيوانية والافتراس في الذهن أيضا، وهذا هو القدر الكافي للتغاير المطلوب لإفادة الخبر معنى

فمصحح الحمل هو التلازم الخارجي، ومصحح الإفادة هو التغاير الذهني

وكلما كان التلازم أشد كان الحمل أصدق، لذا قالوا: التعريف إنما يكون بالذاتيات، لأنك في التعريف تطلب حقيقة الشيء قدر المستطاع، فكأنك تدعي أن هذا الشيء (المبتدأ) هو بعينه ذلك الشيء (الخبر)، وإنما يكون ذلك إذا كان التلازم بين أفراد الأول ومفهوم الثاني تلازما لا ينفك ألبتة، حتى يُظن أن هذا الشيء في ذاته هو ذلك الشيء!

وكلما كان التغايز الذهني أشد كان الخبر أوقع في الإقادة.. لكنه أطلب للدليل وأقرب للنزاع

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 05:33 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


ومآل التصور - عند التعريف - : إلى التصديق؛ لأن فيه تسليم بأن هذا المفرد هو كذا!


وإن كان الإشكال في لزوم اتحاد الموضوع والمحمول لصدق الحمل، مع لزوم مغايرتهما لإفادة الحمل، قد انحل باعتبار أن المراد بالموضوع الأفراد، وأن المراد بالمحمول المفهوم. بحيث يقع الاتحاد خارجا، والتغاير ذهنا

فإننا أمام إشكال آخر في التعريف: إذ لابد أن يتحد المفرد وتعريفه للصدق أيضا، ولابد أن يتغايرا كذلك للفائدة.

وأجيب بأن المفرد مدرك باعتبار إمكانه، والتعريف مدرك باعتبار وجوبه

فحين نقول: الإنسان هو: الحيوان الناطق
ونعتبر الإنسان مفردا، والحيوان الناطق تعريفا

فإننا نعني بالإنسان: ما يمكن أن يكون إنسانا = ما يصدق عليه لقب إنسان
ونعني بحيوان ناطق: ما يجب أن يكون حيوانا ناطقا

ويكون مفاد التعريف:

إن ما يمكن أن يكون إنسانا هو ما يجب أن يكون حيوانا ناطقا

وغرض التعريف هو تصوير المفرد في الذهن

فإذا كان هناك من يجهل مثلا ما المراد بالمفرد: أسد.

ومورد التعريف السبر والتقسيم = التصنيف

والسبر: الاستقراء، وهو تصفح الجزئيات، الذي سيفضي إلى تمييز الأعيان بحسب أعراضها (صفاتها) ومن ثم يكون التقسيم على أساس التشابه في هذه الأعراض، ويقل التشابه أو يزيد حتى يبدو أمامنا تصنيف يجمع الأشياء في دائرة تنقسم إلى دوائر، تحت كل دائرة أصغر منها، بحيث يكون القاسم المشترك بين أفراد كل دائرة هو الجنس الجامع لما بداخلها، والعرض الذي يتميز به كل فرد داخل الدائرة هو الفصل المميز له عمن سواه.

فإذا أردنا تمييز شيء ما اكتفينا بذكر أصغر دائرة يقع فيها، مع ذكر الشيء الذي يميزه هو عن غيره مما يقع معه داخل نفس الدائرة.

ولنضرب مثالا معتادا:

الموجودات من حولنا كلها أجسام (دائرة كبرى اسمها: الجسم)

والأجسام دائرتان:
نامية
غير نامية (جماد)

والأجسام النامية دائرتان:
متحركة بالإرادة (حيوان)
وغير متحركة (نبات)

والحيوان دوائر كثيرة فمنها:
الصاهل (الحصان)
الناهق (الحمار)
الناعق (الثور)
...الخ

فإذا أردنا أن نميز الحصان مثلا عن سائر الأشياء قلنا هو: الحيوان الصاهل.
واكتفينا بذلك عن أن نقول: هو الجسم النامي المتحرك بالإرادة الصاهل..

وتبقى دقة التصنيف بحسب دقة التأمل والنظر في أوصاف الأشياء، وكلما تقدم العلم أكثر استفادت البشرية تصنيفات أكثر دقة، لكنهم لم يستغنوا عن فكرة التصنيف، ولم يخرجوا عن استعماله في تمييز الأشياء.

ولكن مع ملاحظة أن الشيء الواحد له أوصاف كثيرة جدا، يصعب تأملها كلها والتصنيف على أساسها، فقد حاولوا أن يعتبروا بعض الأوصاف "ذاتية" أي متعلقة بالشيء لذاته، وبعضها "عَرَضية" أي متعلقة بالشيء لأمر عارض (طارئ، مؤقت، خارج...الخ)

ولذلك قسموا الأعراض إلى نوعين:
أعراض ذاتية
أعراض غريبة

وقالوا: ما يعرض لذات الشيء، أو جزئه منه، أو ما يساويه .. فهو ذاتي
وما يعرض لخارج عنه أعم منه أو أخص أو لازم له .. فهو غريب

وجعلوا الأعراض المعنية بالتصنيف هي الذاتية فقط، وطرحوا الغريب جانبا!

وفي التاريخ فكرة تبناها كثير من العلماء المسلمين هي النظر في الأشياء للوقوف على "حقيقتها" أو "كنهها" أو "ماهيتها" أو "هي في ذاتها" .. إلى آخر ما عبروا به من اصطلاحات تهدف إلى الوقوف على حقيقة الأشياء.

ويحكون أن التاريخ قد شهد أناسا نفوا أن يكون هناك حقائق بالفعل! وإنما الأمر بحسب رؤية كل راء، وقال بعضهم بل لا يوجد فعلا أي حقائق وما نظنه كذلك وهم. وقال بعضهم: لا ندري إن كان هناك حقائق أو لا!

وفي مقابلهم اجتهد قوم في درك الحقائق.

وقال بعضٌ بصعوبة ذلك جدا، وبأنه يكاد ألا يمكن.
واتفقوا - عمليا - كلهم على أن الممكن الميسور هو تمييز الأشياء تمييزا إجماليا يكفي ألا تختلط بغيرها

وهذا هو الحق؛ فالتمايز بين الأشياء حق لا ينكره عاقل، ولكن تداخل الأوصاف، وكثرتها، يمنعان عنا الوقوف على ماهو حقيقة الشيء أو "كنهه" أو "ماهيته" أو..الخ!

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 05:36 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


يلاحظ أن تعريف المفرد لم يسبقه جهل بهذا المفرد، بل كان مشاهدا محسوسا واضحا، فتأمله الناظر حتى وقف على موقعه من شجرة التصنيف التي هو بها، وعلم عوارضه التي تميزه عن غيره، ثم وضع له هذا التعريف.

من هذه الملاحظة ينحل لنا الإشكال القائل بأن:
المفردات كلها بدهية، فالمعروف منها لا يفيدنا تعريفه، والذي لا نعرفه منها لا يمكن معرفته، لأنه مفرد فلا شيء أقل منه نطلبه به بخلاف المركب الذي نطلب مفرداته حتى يتصور في الذهن

وبالتالي فإن التعريف لا يفيد إدراك المفرد لأنه معروف من قبل، ولو كان مجهولا لما أمكن تعريفه.

فالجواب أن المفردات التي يطلب تعريفها هي التي يمكن ملاحظة عوارضها، لا المفردات المجهولة تماما، ولا المفردات المتميزة تماما، وبملاحظة العوارض يتميز الجوهر.

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 05:53 AM
بسم الله الرحمن الرحيم


وإن كان التعريف المبني على السبر والتقسيم هو طريق إدراك المعنى المفرد، فلإدراك المعنى المركب صور أربعة، تسمى جميعها القياس؛ لما فيها جميعا من معنى المساواة: أحد المعاني اللغوية للكلمة.

الأولى: أن نعلم حكما جزئيا على مفرد فنحكم به على مفرد أخرى يشبهه

وهذا يسمى ((القياس التمثيلي)) وهو ((القياس الفقهي))

فإن كان الشبه بينهما هو كل أوصافهما مما يعني أن المعلوم مطابق للمجهول فالقياس جلي

وإن كان الشبه بعض هذه الصفات فإن كان هذا الوصف هو السبب في الحكم على المفرد المعلوم بهذا الحكم، وتحقق في المفرد المجهول. سمي قياس علة
وإن كان العكس، بأن كان هذا الوصف هو الحاصل من الحكم .. سمي قياس دلالة
فإن كان مجرد وصف مقارن للحكم لا سببا فيه ولا حاصلا منه .. ففي ثبوت القياس به خلاف

الثانية: أن نعلم حكما جزئيا على مفرد فنحكم به على كل الجنس الذي يندرج تحته هذا المفرد

وهو في أحواله مثل الذي قبله ويسمى ((قياس الاستقراء)) أو ((الاستقراء الناقص))

إلا أنه أضعف منه

فكلما قل عدد المعلوم، وزاد عدد المجهول .. ضعف احتمال الصدق.

وهذان النوعان من القياس تمنعهما الموانع، وتعترضهما الفوارق

فربما ظهر أن الوصف الذي ظنناه علة في الحكم أنه ليس كذلك
وربما كان المفردين مشتركين في الوصف لكن في أحدهما وصف زائد يمنعه أن يماثل الآخر في الحكم.

فالأول مانع، والثاني فارق.


الثالثة: أن نعلم حكما جزئيا على كل مفردات جنس ما، فنجعل هذا الحكم كليا.

وهو ما يسمى ((الاستقراء التام))

وهو غير مفيد .. فالحكم الثابت لكل مفرد ثابت بالنظر إليه باعتباره جزئيا لا مستفاد من الحكم الكلي النهائي


الرابعة: أن نعلم حكما كليا على جنس ما، فنحكم بهذا الحكم على أفراده.

وهو ما يسمى ((القياس المنطقي))

ويمكننا معرفة الحكم الكلي بطريق الإدخال (الحمل) أو بطريق الإخراج (الاستثناء)

فالحكم على فرد بأنه من جنس ما، ثم الحكم على هذا الجنس بصفة ما.

فيكون هذا الفرد موصوف بهذه الصفة. ((القياس الحملي))

أو نحكم بالتلازم بين شيئين، ثم نستثني وجود أحدهما فيكون هذا حكما بنفي الآخر. ((القياس الاستثنائي))

ويلزم لصحة هذا القياس صورة معينة ترتب عليها مقدماته.

ويطلب لمقدماته الدليل، فمقدمة الحملي الأولى اسمها الصغرى، والأخرى الكبرى، ومقدمة الاستثنائي الصغرى تسمى "الملازمة"


ويتفاوت قوة وضعفا بتفاوت قوة مقدماته وضعفها؛ فهو وإن كان عقليا .. لكن مقدماته ليست كذلك

فإن كانت مقدماته يقينية فهو يقيني وإن كانت كاذبة فهو كاذب

فصحة القياس المنطقي متعلقة بالمادة (المقدمات) والصورة معا .. أخطأ من سماه القياس الصوري

راجى يوسف ابراهيم
10-11-28 ||, 04:50 PM
بارك الله فيكم شيخنا

متابعون


راجى يوسف

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-28 ||, 08:46 PM
تسجيل متابعة ، لكنني أكره مواد المنطق الصوري = قد أكل عليه الدهر وشرب ، والناس الآن - كلهم إلا المنتسبين إلى العلم الشرعي- يشتغلون بمنطق الاحتمال...
وتأسيس النظر الأصولي يحتاج إلى :
بناء مرجعية استدلالية متينة بأدوات لا تحابي الناس
ثم توظيف المعارف الانسانية لتعميق النظر الاجتهادي
على أن تكون النتائج (= الاجتهادات) مراعية للمناط الخاص ، ومتشوفة إلى حمل الناس على الوسط ...

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 09:13 PM
بسم الله الرحمن الرحيم


حياكما الله أخويّ الكريمين :)

أقف إلى هنا، منتظرا تعقيب الكرام

أحمد سيد جاد الرب
10-11-28 ||, 09:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم




تسجيل متابعة ، لكنني أكره مواد المنطق الصوري = قد أكل عليه الدهر وشرب ، والناس الآن - كلهم إلا المنتسبين إلى العلم الشرعي- يشتغلون بمنطق الاحتمال...
وتأسيس النظر الأصولي يحتاج إلى :
بناء مرجعية استدلالية متينة بأدوات لا تحابي الناس
ثم توظيف المعارف الانسانية لتعميق النظر الاجتهادي
على أن تكون النتائج (= الاجتهادات) مراعية للمناط الخاص ، ومتشوفة إلى حمل الناس على الوسط ...


أخي الكريم
طيب الله خاطرك :)

عذرا لم أفهمك !

هلا أوضحت أكثر