المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلاقة بين اللغة والتفكير



طارق يوسف المحيميد
10-11-28 ||, 11:17 AM
العلاقة بين اللغة والتفكير

يعتبر هذا الموضوع ذا أهمية كبيرة للدارسين والباحثين في مجال طبيعة التفكير وفي حقل اللسانيات عامة . ويَعتبِر رائد اللسانيات دي سوسير أن هناك ثنائية لا تتخلف بين اللغة والفكر ويشبهها بورقة العملة النقدية إذا مزق أحد الطرفين مزق الآخر معه , فلا يمكن التفكير دون لغة كما لا يمكن وجود لغة دون دلالات معنوية , وما يعنيني في هذه الورقة هو العلاقة والتأثير المتبادلين بين اللغة والفكر , خاصة عندنا معشر العرب الذين نولي اللغة أهمية خاصة وبعدا متميزا, فكم من إنسان أسقط حقه لمجرد مثل من الأمثال غذي به شعوره وكم حصلت من مشاكل وربما حروب من كلمة أو بيت شعر, وقديما قال الشاعر : " أديم مطال الجوع حتى أميته " وذلك ضمن برمجة عصبية تعتمد على اللغة أساسا ومن هنا يتفاءل البعض أو يتشاءمون جراء سماعهم لبعض الكلمات .
عندما أبحث في طريقة تركيب الجملة العربية ( فعل + فاعل + بقية الجملة ) أستطيع أن أستنتج طريقة من طرائق تفكير العربي وهي أن ما يهمه هو الفعل بغض النظر عن الفاعل فقد يكون مجهولا لا ضير , فأستنتج أن العربي يمتلك قدرة أكثر من غيره على الإيمان بالغيبيات فالفعل عنده مقدم .
وعندما أبحث في باب الجموع أعثر على جموع كثيرة ( المذكر السالم- المؤنث السالم – التكسير –القلة- الكثرة- منتهى الجموع -) فأضع يدي على أهمية الاجتماع في الفكر العربي وعلى تماسك المجتمع وترابطه وقد كان ذلك حقيقة واقعية فالنظام القبلي هو السائد في عالم العرب ويعتمد هذا النظام على التكافل والتناصر غير المشروط بين أفراد القبيلة مهما تباعدت سكناهم وأستطيع أن أعتبر القبيلة في مصطلحات العالم المعاصر أحد المؤسسات المدنية التي تنشر أرقى أساليب التكافل الاجتماعي , وزاد في ذلك التشريعات الدينية التي وثقت هذا التماسك من مثل صلاة الجماعة والجمعة والعيدين والتي حثت أيضا على زيارة المريض وكفالة اليتيم وأقرت نظام القبيلة في بعض الجوانب مثل دفع الدية التي توزع على القبيلة حال القتل الخطأ .
ولما كانت المرأة غير فاعلة في المجتمع العربي لم نجد لها جمعا من حروفها ولا مفردا من كلمة نساء , في الوقت الذي نجد فيه سبعين اسما للسيف وغيرها , وكذا لم نجد طريقة لتسمية الإناث من الصقور والغزال إلا ما يعرف بــ "التحايل اللغوي" حيث نقول أنثى الصقر وأنثى الغزال وهكذا ........
وهنا أريد أن أطرح تساؤلا مشروعا : كم تساهم اللغة - وهي تبني طريقة تفكيرنا - في دفع المسار الحضاري العربي إلى الأمام ؟ وكم تستطيع هذه اللغة أن تقدم ؟
بغض النظر عن مدى قدرة اللغة العربية على إعطاء أسماء لمسميات من خلال التوالد الكبير " الاشتقاق " والنحت والتعريب والخ...............كم تستطيع أن تدفع أبناءها إلى اختراع المسميات قبل اختراع الأسماء ,أم أنها لا دخل لها بذلك ؟
هل يتوقف دور العربي على انتظار من يخترع السيارة لتتمثل براعته في القدرة الفائقة على إيجاد تسمية لهذا المبتَكر الجديد ؟ أو على كتابة عبارة " عين الحاسد تبلى بالعمى " ؟؟؟؟ وقس على ذلك ,
لقد أنتج العرب حضارة وثقافة في عصور كانت أوربا تغرق في الظلمات وتنسب ساعة هارون الرشيد إلى الجن كنوع من عدم القدرة على استيعاب المخترعات , فلماذا تبادلنا الأدوار مع أوربا , هل لأننا هجرنا اللغة العربية - التي تساهم في طريقة تفكيرنا - إلا من حصص الدرس العربي وبعض المسلسل التاريخي , أم ثمة مشاكل داخل اللغة ؟ أم ثمة أسباب أخرى يمكن أن يحفز هذا المقال على استكشافها والخوض فيها ؟؟

أبو عبد الله المصلحي
10-11-28 ||, 02:20 PM
بارك الله فيك اخي الفاضل.
تكلم ابن تيمية رحمه الله عن مسائل تتعلق باللغة العربية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم (ص 202-207) ط الفقي.
وتطرق الى المسائل الاتية:
1. حكم تسمية الشهور باللغة الفارسية.
2. حكم الدعاء بغير العربية.
3. حكم الأذكار بغير العربية.
4. حكم قراءة القران بغير العربية.
5. حكم النطق بالأعجمية في العبادات مثل التسمية والتلبية وفي المعاملات مثل عقد النكاح ونحو ذلك من العقود.
6. حكم الكلام بغير العربية من غير حاجة وقد فصل في ذلك.
7. حكم تعلم اللغة العربية.
8. دور اللغة العربية في الحفاظ على هوية الأمة وخصائصها ومميزاتها بين الأمم الأخرى.
كل ما تقدم مشفوع بنقل مذاهب العلماء مع الأدلة.
وانقل هنا بعض عباراته رحمه الله مما له تعلق مباشر أو غير مباشر بالمشاركة.
قال ابن تيمية رحمه الله:
( فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون).
الاقتضاء ص 203.
وقال:
( وأما اعتياد الخطاب بغير العربية التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله ولأهل الدار وللرجل مع صاحبه ولأهل السوق أو للأمراء أو لأهل الديوان أو لأهل الفقه فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم وهو مكروه ).
الاقتضاء ص 206.
وقال:
(واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا بينا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين. ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق).
الاقتضاء ص207.
وبالمناسبة نفسها :
فقد تكلم غير واحد من الأئمة على ان الاعتناء باللسان واختيار أحسن الالفاظ يؤثر في شخصية الانسان واخلاقه.
وهذا يعود بالتاثير على نمط تفكيره.
أعود للمقال:
1. ارى ان ابن جني قد سبق سوسير في كتابه الخصائص عبر الربط بين الجمال الفني لبنية اللفظ وبين معناه، فقد بين ان الالفاظ لم توضع لمعانيها جزافا بل ثمة ترابط بينهما ومن هذا نعبر الى ان اللغة ليست منعزلة عن واقعها او حقائق رياضية منطقية ذهنية فقط بل بينها وبين الواقع علاقة جدلية متبادلة ، ومعلوم ان نمط التفكير هو جزء من الواقع بل ان نمط التفكير هو المحرك الاساس للواقع ومن ثم فهو يتاثر باللغة ويؤثر فيها، ولهذا كان للخرافات دور فاعل في نمط التفكير البشري وفي نمط التفكير عند العرب وهو اثر بدوره في اللغة فاشتق اللات والعزى ومناة من اسماء الله تعالى.
بل قد يصل الامر الى ايجاد اسم لشيء لاوجود له في الواقع بل يتخيله الذهن ولاوجود له الا في قصص الجدة لاطفالها مثل اسم الغول ولا شك ان نمط التفكير هنا هو العامل الاول في ايجاد هذا اللفظ. ولعل اساس نظرية ابن جني في الاصوات مرجعها الى القول بان اصل اللغات وضعي وليس توقيفياً وانها وضعت على اساس الملائمة بين الصوت والمعنى ، وقد تطرق الى ذلك السيوطي في كتابه الزاهر.
2. ابدي تحفظي على هذه الجملة (وأستطيع أن أعتبر القبيلة في مصطلحات العالم المعاصر أحد المؤسسات المدنية التيتنشر أرقى أساليب التكافل الاجتماعي). لان ذلك مصادم للمقرر في كتب السير اذ ان الانتماء القبلي ورابطة الدم كانت اعتى صخرة بوجه الاسلام، وعقبةً كؤوداً امام المد الحضاري الاسلامي الجديد في جزيرة العرب انذاك. بل جاء الخبر الصحيح بانها من الخصال التي لايتركها العرب ولو بعد الاسلام. واما القول (وزاد في ذلك التشريعات الدينية التي وثقت هذا التماسك من مثل صلاة الجماعة والجمعةوالعيدين) فلا يبدو مقنعا تماما فان هذه التشريعات وثقت رابطة الاسلام وليس رابطة القبيلة لان الرابطة في الاسلام على اساس الدين وليس الدم (القبيلة) فالصحيح ان هذه التشريعات نسفت رابطة القبيلة وبينت مكانها رابطة جديدة هي الاسلام بل عد الاسلام رابطة القبيلة من الجاهلية والسفه. فكيف قوت التشريعات الاسلامية رابطة القبيلة ؟ يبدو لي هذا غير مناسب.
3. اعتقد جازما ان سبب نهوض الامة ليس متعلقا باللغة فقد كان العرب اساطين البلاغة وفرسان الفصاحة وامراء البيان، ومع هذه كله كانوا كواو عمرو بالنسبة للانسانية. وهذه الحضارة منشؤها الاسلام الذي جعل منهم قادة يسوسون الامم في مجالات الحياة المختلفة.
4. كذلك عبارة (كم تساهم اللغة - وهي تبني طريقة تفكيرنا - في دفع المسار الحضاري العربي إلىالأمام ؟ ) وعبارة (لقد أنتج العرب حضارة وثقافة.... الخ) يبدو النفس القومي واضحا عليها. فلماذا لانقول المسار الحضاري الاسلامي ؟ وهل الحضارة كانت من نتاج العرب فقط ؟ ما امر ائمة اللغة ومصنفي الصحاح والسنن والفقهاء عنا ببعيد ؟ ام نقصد بالحضارة هي تلك الخاصة بالاشياء العلمية الدنيوية في الكيمياء والفيزياء والطب والفلك... بدون الحضارة في مجال العلم الشرعي ؟ فان قصد هذا فهذه نقطة مفترق طرق لاتحتمل تعدد وجهات النظر.
ومع كل هذه الامور فالمقال ينم عن نظرة مقاصدية الى دور اللغة تهدف الى ان لاتكون اللغة وسيلة للفهم فقط بل لابد ان تكون حافزا نحو الابداع والانتاج والنمو والرقي والاستكشاف والابتكار.

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
10-11-28 ||, 03:08 PM
أسعدني جدا هذا الموضوع ، وليس بغريب على صاحبه = فالمقاصدي الحق هو الذي لا يهمل زوايا التفكير التي تخدم موضوعه الأصلي...

لكنني في هذا المقام أقول :
هل الفكر هو اللغة ، أم أن اللغة قالب للفكر ؟
وفيردناند ديسوسير يرى الرأي الأول ...
وأيا ما كان اختيارنا فالنتيجة هي أن الخلل الفكري ينعكس على اللغة وعلى السلوكيات الحياتية للناس...
إن كل مظاهر الفقر اللغوي ترجع إلى مظاهر التخلف الفكري لمن تأمل ذلك :
كمثال المرأة كما طرح الدكتور محيمد ، وكمثال المصطلحات التقنية ...

وأرى أن دراسة المقاصد دراسة فائقة الوعي = ليست دراسة "منظوماتية" كما بدأ يصبح عليه الحال (أصبحت المقاصد على شكل منظومات ! يالعار)

والاهتمام بتحقيق المناطات الخاصة ، وإعادة الصياغات الفكرية في قالب مناسب لواقعنا = كفيل بإغناء اللغة وتصحيح المسار الاجتماعي...

إنني أقطع قطعا : أن من يقرأ كتب العصر العباسي والمملوكي ، ويعتبر أن ما فيها قمة التحضر الذي لا يستطاع بعده أي شئ ، وأن كل تلك الأوضاع الاجتماعية والعرفية والاقتصادية والفكرية يصلح لنا اليوم لن يكرس لنا إلا عصر المملوكية والعباسية ، ولن يطور فكره لأنه لا يبني على القديم جديدا ، بل يقرأ القديم ليبقى قديما!
وعلى فكرة فهذا أسلوب من أساليب المقاومة النفسية!

طارق يوسف المحيميد
10-11-29 ||, 11:05 AM
أشكر كلا من الاخوين ابو عبد الله وعبد الرحمن على تعطير المقال
ما ذكره ابن جني وغيره سابقا من العلاقة بين اللفظ والمعنى وهو ما يعرف ب "الاسلوبية" اي العلاقة بين الشكل والمضمون - وهي مسألة موجودة في كل اللغات - يتماس ويتقاطع مع ما ذكرته من طبيعة العلاقة بين اللغة والتفكير , إذ أنني أركز ليس على المفردة فقط وإنما اتجاوز ذلك لتناول طريقة تركيب الجملة فمثلا في اللغة الانكليزية تبدأ الجملة بالفاعل ثم الفعل , فهل لهذه الطريقة مردود فكري, هل الانسان الانكليزي يقدر العامل اكثر من العمل فيدفعه ذلك الى الاختراع , هل يحجبه ذلك عن الايمان بفاعل مجهول غير مشاهد " علم الغيب " .
وقد ذكرت مثال القبيلة عرضا وانا أعتقد -مع احترامي لوجهة نظر الاخ ابو عبد الله - أن القبيلة مؤسسة من مؤسسات المجتمع يظهر فيها التكافل الاجتماعي والتعاون وتوزيع المسؤوليات بشكل قريب للعدل - مع المآخذ التي يمكن أن تسجل على القبيلة - وأعتقد ان الاسلام لم يحارب القبلية بل رأينا كيف امتدح النبي صلى الله عليه وسلم الأشعريين لقيامهم بواجب التكافل الاجتماعي واسهم نظام القبيلة في حالات كثيرة بنصرة الدين كما في معركة اليرموك كما كان سببا في اسلام قبيلة الطفيل بن عمرو , واسلام الاوس قوم سعد بن معاذ ,
واذكّر بمثال توزيع الدية في الفقه الاسلامي على القبيلة " العاقلة" في حالات القتل الخطأ ,

طارق يوسف المحيميد
10-11-30 ||, 06:40 PM
ويبقى التساؤل كم تساهم اللغة بصنعنا و هل للغة دور نهضتنا ؟
وهل نهضت أمة بغير لغتها؟