المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القول الجامع في معيار التذكير بالإنكار



محمد بن فائد السعيدي
08-04-14 ||, 12:46 AM
القول الجامع في معيار التذكير بالإنكار

هو: أن الإنكار يشرع عند ظهور مخالفة النص بضوابط فهمه التي تُلُقيت منه، وتناقلها أهل العلم في أصولهم وكتبهم، وعلى هذا تجتمع عبارات أهل العلم.
أبعاد «القول الجامع»:
وقد سميناه «قولاً جامعاً» ولم نسمه «راجحاً» لأن حقيقة أقوال السابقين تؤول إليه، وإنما اختلفت عباراتهم مع أنها تدور حول هذا المعنى لرغبة كلٍ منهم الدقة في التعبير عن مراده، ولليقين في أن المذاهب المختلفة إنما تدور حول النص، والاستنباط منه، فالحقيقة التي تظهر من استقراء أقوال الأئمة أنها تجتمع على حقيقةٍ واحدة لا يخالف فيها أحد من المتقدمين، أو ظنوا أن الأصلح في المخاطبة أن يعبروا بما عبروا به، خاصةً والعلم مزدهرٌ، ودولة الإسلام قائمة قياماً دونه كل قيامٍ، ولم يكن قد نبغ من يُحَمِّل عباراتهم ما لا تحتمل كما هو الحال اليوم، ولذا أطلقنا على آرائهم مصطلح (قول) لا (رأي)؛ لأنها في الجملة لا تختلف.
وقد أجمع على ذلك المسـلمون، بدءاً من الصحابة رضوان الله عليهم، كما في قول ابن عباس رضي الله عنهما: « أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ، أَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَيَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ؟» ، مروراً بأهل العلم مثل الإمام ابن حزم، رحمه الله تعالى، الذي قال: «ولما وصفناه من أنه إذا لم يكن إجماعٌ فلا بد من الخلاف ضرورةً، لأنهما متنافيان، إذا ارتفع أحـدهما وقع الآخر ولا بد، وإذا كان كذلك فالمرجوع إليه هو ما افترض الله عز وجل علينا الرجوع إليه من القرآن والسنة بقوله عز وجل: ((فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ )) (النساء:59)، وقال سبحانه وتعالى عن نبيه صلى الله عليه وسلم: ((وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ (2) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْىٌ يُوحَىٰ)) (النجم:3-4) وقال عز وجل: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ ٱلذّكْرَ لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ )) (النحل:44)، فصح أنه لا يحل التحاكم عند الاختلاف إلا إلى القرآن والسنة».
ويذهب الإمام النووي إلى القول بأنه: « ليس للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه إذا لم يخالف نصاً أو إجماعاً أو قياساً جلياً»، فلم يجعل المذهب هو المعيار للإنكار.
وقرر أنه: (لا يُنْكَرُ مختلَفٌ فيه)، تقييداً لقاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) بالمسائل التي لا نص فيها، ولا إجماع، ولا قياس جلي.
أما شيخ الإسلام ابن تيمية فقد صرح في كتابه: «إقامة الدليل على إبطال التحليل» بأن معيار الإنكار هو النص، وتبعه تلميذه ابن القيم في «إعلام الموقعين» حيث وضع لذلك عنواناً ظاهراً هو: «خطأ من يقول: لا إنكار في مسائل الخلاف» قائلاً: «وكيف يقول فقيهٌ (لا إنكار في المسائل المختلَف فيها) والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتاباً أو سنةً، وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء»، مبيّناً أن الإنكار لا يتوجه إلى المسائل الاجتهادية.. «وأما إذا لم يكن في المسألة سنةٌ ولا إجماعٌ، وللاجتهاد فيها مساغٌ، لم تنكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً» .
وذهب الزركشي إلى أن الخلاف لم يزل «بين السلف في الفروع، ولا ينكر أحد على غيره مجتَهَداً فيه، وإنـما ينكرون ما خـالف نصاً أو إجماعاً قطعياً أو قياساً جلياً» .
وشدد على ذلك الإمام الشوكاني بقوله: «فالواجب على من علم بهذه الشريعة ولديه حقيقةٌ من معروفها ومنكرها أن يأمر بما علمه معروفاً وينهى عما علمه منكراً، فالحق لا يتغير حكمه، ولا يسقط وجوب العمل به والأمر بفعله، ولا إنكار على من خالفه بمجرد قول قائل، أو اجتهاد مجتهد، أو ابتداع مبتدع. فإذا قال تارك الواجب أو فاعل المنكر: قال بهذا فلانٌ، أو ذهب إليه فلانٌ، أجاب عليه بأن الله لم يأمرنا باتباع فلانك، بل قال لنا في كتابه العزيز: (( وَمَا ءاتَـٰكُمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَـٰكُمْ عَنْهُ فَٱنتَهُواْ)) (الحشر:7) فإن لم يقنع بهذا حاكمه إلى كتاب الله وسنة رسوله».. وأكد على ذلك أيضاً الإمام ولي الله الدهلوي.
لقد قام الإجماع القطعي على اعتبار النص معيار الإنكار والتذكير، لا محيد عنه، ولا محيص منه للمسلمين في التعامل مع المسائل الشرعية.. ومما يمكن الاستدلال به، لزيادة الاطمئنان:
1- أن هذا هو الذي قام عليه الدليل الصحـيح الصـريح، الذي لا معارض له، كما في قولـه عز وجل: (( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِى شَىْء فَرُدُّوهُ إِلَى ٱللَّهِ وَٱلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلاْخِرِ )) (النساء:59)، ((ٱتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء )) (الأعراف:3)، ((وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى ٱلرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِى ٱلاْمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ ٱلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ )) (النساء:83) .
فالرد عند التنازع إلى غير القرآن والسنة حرام، بل إن الرد عند التنازع إلى غير الشريعة المعصومة، والاحتجاج بالقاعدة على النص – عند الشوكاني- يظهر كأنه نوعٌ من التشـريع، وإظهار نبوة جديدة بعد نبوة النبي صلى الله عليه وسلم.. يقول الشوكاني: «وربما يقوم في وجهه من يريد تقويم الباطل فيقول له (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) فيقال له: ومتى فوض الله سبحانه وتعالى من يدعي الاجتهاد على الشريعة التي أنزلها على رسوله صلى الله عليهوسلم وجعله حاكماً فيها بما شاء، وعلى ما شاء، فإن هذه نبوةٌ لا اجتهاد، وشريعةٌ حادثةٌ غير الشريعة الأولى، ولم يرسل الله سبحانه إلى هذه الأمة إلا رسولاً واحداً».
2- أن هذا هو الذي طبقه الصحابة رضي الله عنهم فيما بينهم من مسائل خلافية، وكان يجري بينهم التذكير والإنكار بالمجادلة والمحاورة ثم يفيء منهم من فاء إلى النص .
3- أن بعض الصحابة امتنع ومنع من اتباع اختيار الحاكم في المسألة الخلافية، وأنكروا عليه، فكيف غيره .
4- وهذا هو الذي قال به السلف الصالح ونصوا عليه .
5- وهو الذي نص عليه أئمة المذاهب الأربعة، وشددوا على التحاكم إليه .
6- وهذا هو الذي تدل عليه عبارات أصحاب الأقوال السابقة عند التحقيق فإن حاصل ما ذكروه أن هذه القاعدة الفقهية الجليلة (لا إنكار في مسائل الخلاف) ليست على إطلاقها، بل هي مقيدةٌ بما لم يُخالَف فيها نصٌ أو إجماعٌ أو قياسٌ جليٌ، أما إذا كان القول الآخر ضعيفاً، أو بعيد المأخذ، أو ليس له حظٌ من النظر، فالإنكار فيه مشروع .
7- وهذا هو السبيل الوحيد لوحدة المسلمين، فإنه لا يمكن جمع المسلمين إلا بردهم إلى النص الصحيح الصريح بشروط الاجتهاد المعلومة في الاستنباط منه، أما إذا قُبل أن يكون المتحاكَم إليه هو المذاهب، ويكون الخلاف مرجعاً كما حدث في القرون المتأخرة؛ فإن الشريعة الواحدة تصير بالمذاهب كشرائع متعددة متنافرة.
ولكن هل ينسجم هذا مع قوله عز وجل: (( إِنَّ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِى شَىْء )) (الأنعام:159)؟ وهل ينسجم مع قولـه عز وجل: ((وَإِنَّ هَـٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وٰحِدَةً وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فَٱتَّقُونِ (52) فَتَقَطَّعُواْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ )) (المؤمنون:52-53)؟ نعم! قد تكون التوسعة ظاهرةً في اختلاف التنوع بالسر والجهر في البسملة، وبتـنوع عدد تكبيـرات العيد والجنازة، وبالسر والجهر في صلوات الليل مما ورد بكلٍ منها ما صح من الأخبار.. وقد تكون التوسعة ظاهرة في اختلاف التضاد نظراً لاختلاف الاجتهاد فيما يصح فيه مع بقاء عواصم الأخوة والجماعة والألفة وتحري الصواب، ولكن كيف تكون التوسعة في أن يكون الاختلاف دليلاً ليختار كل ما يشتهيه ويطلبه، على أنه لا ينبغي أن ينساق المرء وراء عواطف يتوهمها ويستدل عليها من حديث محل نظر.
وأن يكون ذلك هو السبيل الوحيد لوحدة المسلمين، فذلك لأن الفقهاء الذين يختلفون في المسألة الواحدة يمكن أن يرد بعضهم على بعض وفق الأدلة العلمية التي يميل إليها كل منهم مع شرح بعضهم لبعضٍ صدره، واطمئنانه إلى صدور اجتهاده عن غيرة للدين، والبحث عن هدى الله المستقيم، كما كان شأنهم مذ نبغت المذاهب المتبوعة، حيث تجري النقاشات بين الليث بن سعد ومالك، والشافعي وأصحاب أبي حنيفة، والشافعي إسـحاق بن راهويه وأحمـد بن حـنبل، وشـيء من ذلك ما نشاهده من حال الدول المتقدمة في هذه الأيام.
8- والرجوع عند التنازع إلى الكتاب والسنة الصحيحة، واعتبارهما معياراً للإنكار، والتذكير، والنصح، هو الذي يوازن بين قاعدة (لا إنكار في مسائل الاجتهاد) وبين القواعد الفقهية الأخرى مثل: (سد الذرائع)، و(الأخذ بمذهب الاحتياط)، و(استحباب الخروج من الخلاف)، و(اتقاء الشبهات)، (الزجر عن تتبع رخص الفقهاء)، وقاعدة (الحذر من زلل العلماء)…فالمسائل الخلافية ليست كالمسائل الاجتهادية التي تُظْهَرُ فيها الحجج العلمية دون إنكارٍ لقوة الخلاف فيها، لكن زلة العالم في المسألة الخلافية توجب الرجوع إلى النص.
9- وهذا هو الذي ينسجم مع القواعد الشرعية القطعية مثل: وجوب التذكير، والنصيحة، ووجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجوب التواصي بالحق والتواصي بالصبر، والرد عند التنازع إلى الكتاب والسنة.
10- أن ذلك هو الذي يحقق المقاصد الإسلامية، من جعل الشريعة هي الحاكمة، والفاصلة بين المختلفين، وهو الذي يحقق نبذ الهوى، ومخالفته، وإخضاع النفس للشريعة، كما قرر المحققون من العلماء أنه «ليس للمقلد أن يتخير في الخلاف، كما إذا اختلف المجتهدون على قولين فوردت كذلك على المقلد، فقد يعد بعض الناس القولين بالنسبة إليه مخيراً فيهما كما يخير في خصال الكفارة فيتبع هـواه وما يوافق غرضـه دون ما يخالفه، وربما استظهر على ذلك بـكلام بعض المفتيـن المتأخرين، وقواه بما روي من قوله عليه الصلاة والسلام: «أصحابي كالنجوم»… وإن صح فهو معمولٌ به فيما إذا ذهب المقلد عفواً فاستفتى صحابياً أو غيره فقلده فيما أفتاه به فيما له أو عليه، وأما إذا تعارض عنده قولا مفتيين فالحق أن يُقال ليس بداخلٍ تحت ظاهر الحديث لأن كل واحدٍ منهما متبعٌ لدليلٍ عنده يقتضي ضد ما يقتضيه دليل صاحبه، فهما صاحبا دليلين متضادين، فاتباع أحدهما بالهوى اتباعٌ للهوى… فليس إلا الترجيح بالأعلمية وغيرها، وأيضاً فالمجتهدان بالنسبة إلى العامي كالدليلين بالنسبة إلـى المجتهد، فكما يجب على المجتهد الترجيح أو التوقف كذلك المقلد، ولو جاز تحكيم التشهي والأغراض في مثل هذا لجاز للحاكم».
11- أن هذا هو الكفيل بإرسـاء قواعد الشـريعة التي تبيـن كون الشيء حلالاً أو حراماً، فإن المعايير السابقة جعلت بيان كون الشيء حلالاً أو حراماً، منكراً أو معصيةً أو معروفاً، عائد إلى ما قرره أصحاب المذاهب، وقد يوجد في المذهب الواحد أكثر من قول… وليست الشريعة هي ما يقرره فلانٌ من الأئمة بحسب فهمه للشريعة… بل ما ثبت من النص، واتضح فيه فهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه كذلك… وقد شدد العلماء في هذا الباب على اعتبار النص الصحيح هو المقياس لاعتبار المنكر منكراً…قال الشوكاني - وهو يتكلم عن فقه الاحتساب-: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما العمادان العظيمان من أعمدة هذا الدين، والركنان الكبيران من أركانه، وهو مجمعٌ على وجوبهما إجماعاً من سابق هذه الأمة ولاحقها، لا يعلم في ذلك خلافٌ… وظهور كون هذا الشيء منكراً يحصـل بكونـه مخالفاً لكتاب الله سبحانه وتعالى أو لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو لإجماع المسلمين».
12- كما أن التعبد إنما يكون بترك ما نـهى عنه الشرع أو فعل ما طلبه، ولا يكون التعبد بالخلاف بأي حال، وإنما ذلك من عمل الذين يريدون الدين بالتشهي وهو المسمى بالهوى شرعاً، كما قال ابن عبد البر: «الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله».

الإنكار في مسائل الخلاف في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
النص معيار الإنكار، هو الأساس الذي اعتمده الصحابة رضي الله عنهم في عهد النبي صلى الله عليهوسلم وبعده، للنظر في فيما بينهم من مسائل خلافية، وكان يجري بينهم التذكير والإنكار بالمجادلة والمحاورة مع الخلق الرفيع والأدب العالي وحمل بعضهم لبعض على أحسن المحامل حتى وإن غلظت العبارة أحياناً، ثم يفيء منهم من فاء إلى النص، وهذا كثيرٌ وافرٌ، ومن أمثلته:
1- عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: بَعَثَ النَّبِيُّ صلىالله عليه وسلم خَالِدَ ابْنَ الْوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلامِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا أَقْتُلُ أَسِيرِي وَلا يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَذَكَرْنَاه،ُ فَرَفَعَ النَّبِيُّ صلىالله عليه وسلم يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ - مَرَّتَيْنِ-» . ونلحظ هنا أن ابن عمر ومن معه أبوا طاعة الأمير فيما ظهر لهم أنه يخالف الشرع، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، وعَرَّضَ بخالدٍ أن يفعل ما لا ينبغي، ويأمرهم به، مع أن خالداً هنا كان الأمير، واجتهد فيم أمرهم به.
2- عن علي رضي الله عنه قال: بَعَثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى! قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صلىالله عليه وسلم مِنَ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتِ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَال:َ «لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ». ويظهر هنا جلياً أنه لم يكن عندهم نصٌ بالامتناع عن طاعة الأمير، بل النص الصريح بطاعته، إنما قاسوا الأمر، ورجعوا إلى المقاصد العليا للإسلام، فأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم وبيَّن لهم خطورة الطاعة في هذه الحال، ولم يشفع لهم حسن نيتهم.
3- عَنْ عَائِذِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلالٍ فِي نَفَرٍ فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عُنُقِ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا.. قَالَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟! فَأَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّكَ أَغْضَبْتَهُمْ، لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّكَ»، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ: يَا إِخْوَتَاهْ، أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لا! يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَخِي.
انظر إلى الخلاف بين أبي بكر وبين أولئك النفر المؤمنين رضي الله عنهم في كيفية توجيه الخطاب لأبي سفيان، لم يُثِرْ ضغينةً بينهم، بل ارتفعت نفسياتهم عن التأثر بالخلاف في معالجة القضية التي أمامهم، على الرغم من اختلاف الأسلوب في محل النـزاع، على أن المرجع في تصحيح الوجهة هو النبي صلى الله عليه وسلم الذي أبان للشاكي ضرورة أخذ الصفح ممن اشتكى منه.
4- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ إِذَا لَقِيَ الرَّجُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ يَقُولُ: تَعَالَ نُؤْمِنْ بِرَبِّنَا سَاعَةً.. فَقَالَ ذَاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ، فَغَضِبَ الرَّجُلُ، فَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلا تَرَى إِلَى ابْنِ رَوَاحَةَ يُرَغِّبُ عَنْ إِيمَانِكَ إِلَى إِيمَانِ سَاعَةٍ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ رَوَاحَةَ إِنَّهُ يُحِبُّ الْمَجَالِسَ الَّتِي تُبَاهَى بِهَا الْمَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ السَّلام».. وواضـح من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر الرجل على إنكاره على ابن رواحة لكنه بيَّن له خطأ فحوى الإقرار.

الإنكار في مسائل الخلاف بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم
لقد امتد الإنكار في مسائل الخلاف، بين الصحابة رضوان الله عليهم إلى ما بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن مع وحدة الصف ورقي الأسلوب، ومن أمثلة ذلك:
1- إنكار الصديق رضي الله عنه على من اقترحوا حبس جيش أسامة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ... إن رسول الله صلىالله عليه وسلم وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب قبض النبي صلىالله عليه وسلم، وارتدت العرب حول المدينة واجتمع إليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا بكر! رُدَّ هؤلاء، توجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب حـول المدينة؟ فقال: والذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله صلىالله عليه وسلم ما رددت جيشاً وجهه رسول الله صلىالله عليه وسلم ولا حللت لواء عقده رسول الله صلى الله عليهوسلم. فوجه أسامـة فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، ولكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين فثبتوا على الإسلام.
ونلحظ أن المصلحة التي كانت في حبس الجيش هنا أظهر ما تكون بحسب المقياس البشري، ولكن أبا بكر ما كان ليؤخره وقد كانت وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإنفاذه قبل أن يموت، فهذه مصلحة في مقابل نص، فينبغي أن تُلْغى.
2- الرجوع إلى النص في تنازعٍ بين النعمان بن بشيـر والمغيرة ابن شعبة في إدارة معركة حربية: وذلك بعد تأكد للنعمان أن الظروف الحربية موائمة للعمل بالنص، فأنكر على المغيرة نظره إلى مصلحة أخرى في مقابل النص، فقد قال المغيرة بن شعبة حين رأى كثرة العدو في نهاوند، وهم يأتون ساحة المعركة أتالاً بعضهم إثر بعض، والمسلمون ينتظرونهم فلا يناجزونهم: لم أر كاليوم فشـلاً! إن عـدونا يـتركون أن يتتاموا فلا يُعْجَلوا، أما والله لو أن الأمر إلي لقد أعجلتهم به، وكان النعمان رجلاً بكاء، فقال: قد كان الله جل وعلا يشهدك أمثالها فلا يخزيك ولا يعري موقفك، وإنه والله ما منعني أن أناجزهم إلا بشيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن رسول الله صلىالله عليه وسلم كان إذ غزا فلم يقاتل أول النهار لم يعجل حتى تحضر الصلوات، وتهب الأرواح، ويطيب القتال... الحديث ثم انتصر المسلمون في المعركة، وشهد الانتصار على نفاذ بصيرة النعمان.
3- إنكار عددٍ من السلف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعض اجتهاداته: فقد أنكر شـيبة بن عثمان العـبدري على الفـاروق - رضي الله عنهما - عزمه على توزيع مال الكعبة، كما رواه البخاري عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، قَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ عُمَرُ فِي مَجْلِسِكَ هَذَا فَقَـالَ: لَقَـدْ هَمَمْتُ أَنْ لا أَدَعَ فِيهَا صـَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ إِلا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: مَا أَنْتَ بِفَاعِلٍ! قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاك.َ قَالَ: هُمَا الْمَرْءَانِ يُقْتَدَى بِهِمَا .
والإنكار هنا إنما لاختيار الحاكم في مسألة اجتهادية لا نص فيها، وتم الإنكار قبل الفعل. وقوله:لم يفعله صاحباك، فيه فائدة في تكوين البصائر الإيمانية للسياسة الواقعية، فإن منا من يزعم أن السابقة التاريخية من عمل المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين لا تعد دليلاً على شيء، وهذا زخرفٌ من القول ظاهر، فإن الأصل في السابقة التاريخية هو قول النبي صلى الله عليه وسلم:«… عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»، وقوله: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» ونحو ذلك.
وكذلك أنكر سعد بن أبي وقاص وابن عمر على عمر بن الخطاب رضي الله عنهم نهيه عن التمتع بالحج.. فعن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل أنه سمع سعد بن أبي وقاص والضحاك بن قيس وهما يذكران التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال الضحاك بن قيس: لا يصنع ذلك إلا من جهل أمر الله. فقال سعد: بئس ما قلت يا ابن أخي. فقال الضحاك بن قيس: فإن عمر بن الخطاب قد نهى عن ذلك. فقال سعد: قد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم وصنعناها معه.
وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَهُوَ يَسْأَلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنِ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ هِيَ حَلالٌ. فَقَالَ الشَّامِيُّ: إِنَّ أَبَاكَ قَدْ نَهَى عَنْهَا. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ أَبِي نَهَى عَنْهَا وَصَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلىالله عليه وسلم أَأَمْرَ أَبِي نَتَّبِعُ أَمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلىالله عليه وسلم؟ فَقَالَ الرَّجُلُ: بَلْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلىالله عليه وسلم فَقَالَ: لَقَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلىالله عليه وسلم .
ونلحظ هنا أن الإنكار كان أيضاً لاختيار الحاكم، وفي هذين الحديثين تحريضٌ ظاهرٌ على نقض اختيار الحاكم حال ظهور مجانبته للراجح شرعاً، مع أن عمر إنما اجتهد بالنظر إلى مقاصد أخرى في الشريعة. ولم يقل أحد في هذه الحالة لا إنكار عليه لأنها مسألة فرعية خلافية .
كما أنكر سالم بن عبد الله بن عمر على جده نهيه عن التطيب بعد رمي الجمرة قبل طواف الإفاضة، فقد قال سالم: قَالَتْ عَائِشَةُ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صلىالله عليه وسلم بَعْدَمَا يَرْمِي الْجَمْرَةَ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ إِلَى الْبَيْتِ» قَالَ سَالِمٌ: «فَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليهوسلم أَحَقُّ أَنْ نَأْخُذَ بِهَا مِنْ قَوْلِ عُمَرَ».
4- إنكار ابن مسعود وغيره على عثمان إتمام الصـلاة بمـنى، فعَنْ عَبْد ِالرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلىالله عليه وسلم رَكْعَتـَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِي اللَّه عَنْه رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْه رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ، وفي رواية: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ صَلَّى أَرْبَعًا، قَالَ فَقِيلَ لَهُ: عِبْتَ عَلَى عُثْمَانَ ثُمَّ صَلَّيْتُ أَرْبَعًا؟ قَالَ: الْخِلافُ شَرٌّ.
5- إنكار ابن عباس على عليِّ رضي الله عنه حرقه للمرتدين، لوجود النص، وتصديق عليٍّ رضي الله عنه له، فعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِي اللَّه عَنْه حَرَّقَ قَوْمًا ،فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ: لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ» وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» فبلغ ذلك علياً فقال: صدق ابن عباس.
6- إنكار عليّ، بأسلوب بليغ، على ابن مسعود رضي الله عنهما فتياه في قضية فرضية، فعنه رضي الله عنه أنه أُتِىَ في فريضة ابني عم أحدهما أخ لأم فقالوا: أعطاه ابن مسعود المال كله، فقال: يرحم الله ابن مسعود إن كان لفقيهاً! لكني أعطيه سهم الأخ للأم ثم أقسم المال بينهما .
7- إنكار عائشة رضي الله عنها على عددٍ من الصحابة، بأسلوبها الراقي المتميز، بيانها الصواب فيما أخطأوا فيه:
أ- إنكارها على عمر رضي الله عنه ، فقد انكرت عليه في حديث تعذيب الميت ببكاء أهله، فعن ابن عباس قال: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ شَجَرَةٍ فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلاءِ الرَّكْبُ. فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ صُهَيْبٌ، قَالَ: فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي. قَالَ: فَرَجَعْتُ إِلَى صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالْحَقْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أَنْ أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ: وَا أَخَاهْ وَا صَاحِبَاهْ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ». فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ! لا، وَاللَّهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَحَدٍ وَلَكِنْ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَزِيدُ الْكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ» قَالَ: وَقَالَتْ عَائِشَةُ: حَسْبُكُمُ الْقُرْآنُ: (( وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ)) (فاطر:18) قَالَ: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللَّهُ أَضْحَكَ وَأَبْكَى .
ب- إنكارها على ابن عمر رضي الله عنهما، ومثل ذلك جاء عن ابن عمر أيضاً وأنكرته عائشة بأسلوبها الراقي، فعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ عَائِشَةَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: الْمَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْـلِهِ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! سَمِعَ شَيْئًا فَلَمْ يَحْفَـظْهُ، إِنَّمَا مَرَّتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَنَازَةُ يَهُودِيٍّ وَهُمْ يَبْكُونَ عَلَيْهِ فَقَالَ: «أَنْتُمْ تَبْكُونَ وَإِنَّهُ لَيُعَذَّبُ»، وفي لفظ: فقالت عائشة: غَفَرَ اللَّهُ لأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَمَا إِنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ نَسِيَ أَوْ أَخْطَأَ، إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى يَهُودِيَّةٍ يُبْكَى عَلَيْهَا فَقَالَ: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا».
وعَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ عَنْ أَبِيهِ أنه سأل ابن عمر عن الطِّيب عند الإحرام، فقال: لأن أتطيب بقطران أحبَّ إلى من أن أفعل، قَالَ ذَكَرْتُهُ لِعَائِشـَةَ فَقَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صلىالله عليه وسلم فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا .
وعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْد ُاللَّهِ ابْنُ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ صَلاةَ الضُّحَى، قَالَ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَال:َ أَرْبَعًا، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ، قَالَ وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَلا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلىالله عليه وسلم اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ إِحْـدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلا وَهُوَ شَاهِدُهُ وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ .
ج- إنكارها على ابن مسعود رضي الله عنه، فعن أبي عطية الوادعي قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة، فقلنا: إن ابن مسعود قال: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، والموت قبل لقاء الله، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن حـدثكم بحديث لم تسألوه عن آخره وسأحدثكم عن ذلك، إن الله إذا أراد بعبده خيراً قيض له ملكاً قبل موته بعامٍ فسدده ويسره حتى يموت، وهو خير ما كان، فإذا حضر فرأى ثوابه من الجنة فجعل يَتَهَوَّع نفسه ود أنها خرجت، فعند ذلك أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإذا أراد بعبدٍ سوءاً قيض له شيطاناً قبل موته بعام، فصده وأضله وفتنه حتى يموت شر ما كان، ويقول الناس: مات فلان، وهو شر ما كان، فإذا حضر فرأى ثوابه من النار جعل يتبلع نفسه، ود أنه لا يخرج، فعند ذلك كره لقاء الله وكره الله لقاءه.
د- إنكارها على أبي هريرة رضي الله عنه، فعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» فقيل لعائشة رضي الله عنها: إن أبا هريرة يقول لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً. فقالت عائشة رضي الله عنها: يرحم الله أبا هريرة، حفظ أول الحديث ولم يحفظ آخره، إن المشركين كانوا يهاجون رسول الله صلىالله عليه وسلم فقال: « لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا من مهاجاة رسول الله صلىالله عليه وسلم».
وكان أبو هريرة رضي الله عنه يفتي أن من أدركه الفجر وهو جنب فقد أفطر، فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها فقالت: يرحم الله أبا هريرة لم يحفظ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الفجر ورأسه يقطر من ماء الجنابة ثم يصوم، فبلغ ذلك أبا هريرة رضي الله عنه فقال: هي أعلم مني، فرجع عن قوله.
ولفظ مسـلم: عن عَبْد الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه يَقُصُّ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: مَنْ أَدْرَكَهُ الْفَجْرُ جُنُبًا فَلا يَصُمْ. فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ لأَبِيهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَانْطَلَقْتُ مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْهمَا، فَسَأَلَهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: فَكِلْتَاهُمَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ. قَالَ فَانْطَلَقْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى مَرْوَانَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَن،ِ فَقَالَ مَرْوَانُ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ إِلا مَا ذَهَبْتَ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَدَدْتَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ. قَالَ: فَجِئْنَا أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبُو بَكْرٍ حَاضِرُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قَالَ فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَهُمَا قَالَتَاهُ لَكَ؟ قَالَ: نَعَـمْ؛ قَالَ: هُـمَا أَعْلَمُ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاس،ِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ صلىالله عليه وسلم قَالَ فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ، قُلْتُ لِعَبْدِ الْمَلِك:ِ أَقَالَتَا فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: كَذَلِكَ كَانَ يُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ .
8- إنكار أمهات المؤمنين على عائشة، رضي الله عنهنّ، اختيارها في رضاع الكبيـر، ويأبين الأخذ به مع بقاء المودة والأخوة، فقد قالت لها أمُّ سلمة: إِنَّهُ يَدْخُلُ عَلَيْكِ الْغُلامُ الأَيْفَعُ الَّذِي مَا أُحِبُّ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ. قَالَ فَقَالَتْ عَائِـشَةُ: أَمَا لَكِ فِي رَسُـولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْـوَةٌ؟ قَالَتْ: إِنَّ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ سَالِمًا يَدْخُلُ عَلَيَّ وَهُوَ رَجُلٌ وَفِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْهُ شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرْضِعِيهِ حَتَّى يَدْخُلَ عَلَيْكِ»، ثم قالت أم سلمة: أبى سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يدخلن عليهن أحداً بتلك الرضاعة وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم خاصة فما هو بداخل علينا أحد بهذه الرضاعة ولا رائينا.
9- إنكار ابن عباس على عدد من الصحابة رضي الله عنهم، فقد أنكر على معاوية استلامه غير الركنين اليمانيين. فقد أخرج البخاري عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ أَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ يَتَّقِي شَيْئًا مِنَ الْبَيْتِ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ يَسْتَلِمُ الأَرْكَانَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا: إِنَّهُ لا يُسْتَلَمُ هَذَانِ الرُّكْنَانِ، فَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الْبَيْتِ مَهْجُورًا.
وعن عكرمة عن ابن عباس قال: ما قالها ابن مسعود، وإن يكن قالها فزلة من عالم في الرجل يقول إذا تزوجت فلانة فهي طالق قال الله تعالى: (( يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نَكَحْتُمُ ٱلْمُؤْمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ )) ولم يقل: إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن.. ورواه البيهقي من طريقه من وجه آخر عن سعيد بن جبير، سئل بن عباس عن الرجل يقول: إذا تزوجت فلانة فهي طالق، قال ليس بشيء إنما الطلاق لما ملك، قالوا فابن مسعود قال إذا وقت وقتاً فهو كما قال، قال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لو كان كما قال لقال الله إذا طلقتم المؤمنات ثم نكحتموهن.
كما أنكر ابن عباس على المسور بن مخرمة فتياه بمنع المحرم من غسل رأسه: فعن إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِاللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَبْدَاللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاء،ِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، وَقَالَ الْمِسْوَرُ: لا يَغْسِلُ الْمُحْرِمُ رَأْسَهُ، فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْعَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ، بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُاللَّهِ بْنُ حُنَيْنٍ أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُاللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ أَسْأَلُكَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ، وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ صلى الله عليه وسلم يَفْعَلُ .
10- إنكار ابن عمر رضي الله عنهما على غيره، فقد أنكر على ابن عباس منعه الحاج من طواف القدوم قبل الوقوف بعرفات، فقد أخرج مسلم عَنْ وَبَرَةَ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ آتِيَ الْمَوْقِفَ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: فَإِنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ لا تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَأْتِيَ الْمَوْقِفَ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَقَدْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَطَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمَوْقِفَ، فَبِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَحَقُّ أَنْ تَأْخُذَ أَوْ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا ؟
وذُكِرَ لابن عمر أن أنساً يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجٍّ، فَقَالَ: وَهِلَ أَنَسٌ، إِنَّمَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلىالله عليه وسلم بِالْحَجِّ وَأَهْلَلْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً» وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ صلىالله عليه وسلم هَدْيٌ فَلَمْ يَحِلَّ .
وأنكر ابن عمر على أبي أيوب وأبي هريرة ومعقل الأسدي قولهم بعموم النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، إذ قال رضي الله عنه: إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلا بَيْتَ الْمَقْدِس،ِ فَقـَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: لَقَدِ ارْتَقَيْتُ يَوْمًا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلاً بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ.. قال الشافعي: «أنكر على من يقول لا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، ورأى أنه لا ينبغي لأحدٍ أن ينتهي عن أمر فعله رسول الله».
11- أمثلة أخرى من واقع الصحابة والتابعين:
أ- إنكار أم سلمة على سمرة بن جندب فتواه بقضاء صلاة الحائض.
ب- إنكار أبي بن كعب على عبد الله قولـه في ليلة القـدر، فعن زر ابن حبيش قال أتيت أبي بن كعب فقلت: يا أبا المنذر! ما تقول في ليلة القدر فإن عبد الله يقول: من يقم الحول يصبها، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن إنه ليعلم أنها في رمضان، وأنها ليلة سبع وعشرين، ولكنه عمي على ناسٍ كثير لكي لا يتكلوا، فو الذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم إنه لفي رمضان وإنها ليلة سبع وعشرين. قال قلت: أبا المنذر بم علمت ذلك؟ قال: بالآية التي حدثنا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فحفظنا وعددنا إنها لهي هي ما يستثنى، قال قلت لزر: وما الآية قال تطلع الشمس غداتئذ كأنها طست ليس لها شعاع.
ج- إنكار مجاهد على طاوس فتواه فيمن ترك رمي حصاة، فعن ابن أبي نجيح قال: سئل طاوس عن رجل ترك من رمي الجمار حصاة، فقال: يطعم لقمة وربما قال تمرة، فقال مجاهد: يرحم الله أبا عبدالرحمن ألم يسمع ما قال سعد بن أبي وقاص، إن سعداً قال: رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعضنا يقول: رميت بسبع حصيات وبعضنا يقول رميت بست، فلم يعب بعضنا على بعض وربما قال: فلم يعب هذا على هذا، ولا هذا على هذا.

الإنكار بأسلوب تذكيري أقوى
يأخذ الإنكار نوعاً من الحدة المطلوبة لبعد مأخذ أحد الطرفين عند الاختلاف، ويضعف الخلاف دون أن يؤثر ذلك على حقوق الأخوة الواجبة، ويظهر هذا في أمثلة عديدة، منها:
1- إنكار الصحابة على بعضهم بأسلوب أعلى، من حيث حدة الإنكار، دون الخروج عن حقوق الأخوة العامة والطاعة:
- فقد أنكرت عائشة رضي الله عنها على زيد بن أرقم رضي الله عنه بيعه وشراءه بما يشبه صورة الربا؛ فعن العالية قالت: كنت قاعدة عند عائشة رضي الله تعالى عنها، فأتتها أم محبة، فقالت لها: يا أم المؤمنين أكنت تعرفين زيد بن أرقم؟ قالت: نعم! قالت: فإني بعته جاريةً إلى عطائه بثمانمائة نسيئة، وإنه أراد بيعها فاشتريتها منه بستمائة نقداً. فقالت لها: بئس ما اشتريت وبئس ما اشترى، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلىالله عليه وسلم إن لم يتب.
- وكان ابن عمر رضي الله عنهما، يوتر من أول الليل، فإذا قام سحراً جمع إلى وتره ركعة فبلغ ذلك عائشة رضي الله عنها، فقالت: يرحم الله أبا عبد الرحمن إنه ليلعب بوتره، ما عليه لو أوتر أول الليل فإذا قام سحراً صلى ركعتين ركعتين فإنه يصبح على وتر.
- وأنكر ابن عمر على ابنه بلال اجتهاده في منع النساء من الصلاة في المسـاجد؛ فعن عبد الله بن عمر قَالَ سَـمِعْتُ رَسُـولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا»، قَالَ فَقَالَ بِلالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ، قَالَ فَأَقْـبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَـبَّهُ سَبًّا سَيِّئًا مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ، وَقَالَ: أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ؟!.. وعلى الرغم من أن عائشة تكاد أن توافق هذا الاجتهاد عندما قالت: لو يعلم رسول الله ما أحـدث النسـاء بعـده لمنعهن المسجد كما منعت نسـاء بني إسرائيل إلا أن إنكار ابن عمر كان شديداً كما هو ظاهر.
2- إنكار الصحابة على الحاكم اختياره بأسلوب أعلى، في حدة الإنكار، دون الخروج عن حقوق الأخوة العامة والطاعة:
- فقد أنكر ابن عباس رضي الله عنهما على غيره نهيهم عن حج التمتع لمجرد اجتهاد أبي بكر وعمر في ذلك، فـعنه قَالَ: تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صلى الله عليهوسلم فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مَا يَقُولُ عُرَيَّةُ؟ قَالَ يَقُولُ: نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ عَنِ الْمُتْعَةِ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُرَاهُمْ سَيَهْلِكُونَ، أَقُولُ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَيَقُولُ نَهَى أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ؟! ، وفي رواية: قَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْهُجَيْمِ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا هَذَا الْفُتْيَا الَّتِي قَدْ تَشَغَّفَتْ أَوْ تَشَغَّبَتْ بِالنَّاسِ أَنَّ مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَقَدْ حَلَّ؟ فَقَالَ : سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ صلى الله عليه وسلم وَإِنْ رَغِمْتُمْ .
- وأنكر ابن عباس على عمر والصحابة الذين قالوا بالعول مع تقادم الأمر، وقال: أترون الذي أحصى رَمْلَ عَالِج عدداً جعل في مالٍ نصفاً وثلثاً وربعاً، إنما هو نصفان وثلاثة أثلاث، وأربعة أرباع. وعن عطاء قال: قلت لابن عباس: إن الناس لا يأخذون بقولي، ولا بقولك، ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثاً على ما نقول. قال: فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن، ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. ما حكم الله بما قالوا.
وظاهرٌ أن المسألة التي ذكرها ابن عباس اجتهادية، ولكن ابن عباس زاد في حدة إنكاره في مسألة يظهر أن الصواب مع غيره لا معه .
- ومثل ذلك حدث لأبي الدرداء مع معاوية؛ فعن عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ بَاعَ سِقَايَةً مِنْ ذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ بِأَكْثَرَ مِنْ وَزْنِهَا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ مِثْلِ هَذَا إِلا مِثْلاً بِمِثْلٍ، فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: مَا أَرَى بِمِثْلِ هَذَا بَأْسًا، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ مُعَـاوِيَةَ، أَنَا أُخْبِرُهُ عَنْ رَسُـولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَيُخْبِرُنِي عَنْ رَأْيِهِ؟! لا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ أَنْتَ بِهَا، ثُمَّ قَدِمَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى مُعَـاوِيَةَ أَنْ لا تَبِـيعَ ذَلِكَ إِلا مِثْلاً بِمِثْلٍ، وَزْنًا بِوَزْنٍ .
- الأساس الشرعي التعليمي لارتفاع حدة الإنكار:
ولعل هذه الحدة في الإنكار عندما يبعد مأخذ أحد طرفي الخلاف، مطلوبة أحياناً ما دامت لا تؤثر على حقوق الأخوة، ووحدة الجماعة المسلمة... وذلك لتنبيه الطرف الآخر لبعد مأخذه، وضرورة مراجعته لموقفه.. وهذا أسلوب نبوي كريم متبع في التعليم والتنبيه، ومما يشهد له قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد رضي الله عنهما عندما قتل الرجل الذي نطق بالشهادة عملاً بمصلحة متوهمة: «يَا أُسَامَةُ! أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ» قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا.. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وهذا الموقف يدل على أمور، منها:
1- أن الحدة قد تكون مطلوبة في الإنكار، إنْ ضعف مأخذ أحد طرفي الخلاف.
2- لا ينبغي أن تنساق الظنون والأوهام في رصد تصرفات المنتمين لجماعة فكرية، أو حركة إسلامية من قبل أفراد في جماعة أخرى.. فيفسرون كل تصرف، ولو كان عملاً خيرياً أو دعوياً محضاً، بالسوء لمجرد انتمائه إلى اتجاه فكري أو حركي مغاير... ما هكذا يظن المسلم بأخيه المسلم.. لقد سرت الظنون الكاذبة في أوساط أفراد بعض الجماعات والحركات الحديثة ففرقت المسلمين، وأوغرت الصدور، ودنست صفاء النفوس.
3- وقوع الخطأ، الذي تزداد فيه حدة الإنكار من قبل طرفٍ لآخر، لا يعني غمط فضيلة المنكَر عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم على الرغم من عتابه الشديد لأسامة أبقاه أميراً على البعوث حتى بعد وفاته، ودافع عنه صلىالله عليه وسلم فقال وهو على المنبر: «إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ - يريد أسامة بن زيد - فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَأيْمُ اللَّهِ لَقَدْ كَانَ خَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا - يريد أسامة بن زيد - لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ» .
فمتى تنصبغ نفسياتنا الدعوية على جمع هذه المعاني جميعاً؟

من أقوال السلف في معيار الإنكار
أَمر السلف باتباع النص، والرجوع إليه عند الاختلاف، وأظهروا قصور البشر، غير المعصومين، عن عدم الوقوع في الخطأ، وأكدوا أنه تقع من العالم الزلة، وشددوا في التحذير منها، ومن ذلك:
- قال مجاهد والحكم بن عتيبة ومالك وغيرهم: «ليس أحد من خلق الله إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم»، قال ابن عبد البر تعليقاً على ذلك: «هذا إجماعٌ لا أعلم فيه خلافاً، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في هذا المعنى ما ينبغي تأمله». فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إني أخاف عليكم ثلاثاً، وهنَّ كائناتٌ: زلة عالم، وجدال منافقٍ بالقرآن، ودنيا تفتح عليكم»، وقد ورد ذلك في عدة آثار يستأنس بها.
- وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ لِزِيَادٍ: هَلْ تَدْرِي مَا يَهْدِمُ الإِسْلامَ؟ زَلَّةُ عَالِمٍ، وَجِدَالُ مُنَافِقٍ بِالْقُرْآنِ، وَأَئِمَّةٌ مُضِلُّونَ.
- وقال معاذ بن جبل: «... إياك وزيغة الحكيم، وحكم المنافق. فقيل: وكيف لي أن أعلم زيغة الحكيم؟ قال: كلمة ضلالةٍ يلقيها الشيطان على لسان الرجل، فلا يحملها، ولا يتأمل منه، فإن المنافق قد يقول الحق، فخذ العلم أنى جاءك، فإن على الحق نوراً»،
- وعَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا إِدْرِيسَ الْخَوْلانِيَّ عَائِذَ اللَّهِ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ عُمَيْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، أَخْبَرَهُ قَالَ: كَانَ لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا لِلذِّكْرِ حِينَ يَجْلِسُ إِلا قَالَ: اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ، هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ، فَقَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ يَوْمًا: إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ فِتَنًا يَكْثُرُ فِيهَا الْمَالُ وَيُفْتَحُ فِيهَا الْقُرْآنُ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ، وَالْعَبْدُ وَالْحُرُّ، فَيُوشِكُ قَائِلٌ أَنْ يَقُولَ: مَا لِلنَّاسِ لا يَتَّبِعُونِي وَقَدْ قَرَأْتُ الْقُرْآنَ مَا هُمْ بِمُتَّبِعِيَّ حَتَّى أَبْتَدِعَ لَهُمْ غَيْرَهُ؟ فَإِيَّاكُمْ وَمَا ابْتُدِعَ، فَإِنَّ مَا ابْتُدِعَ ضَلالَةٌ، وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيم،ِ وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ.. قَالَ قُلْتُ لِمُعَاذٍ: مَا يُدْرِينِي رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ الْحَكِيمَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلالَةِ وَأَنَّ الْمُنَافِقَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الْحَقِّ؟ قَالَ: بَلَى، اجْتَنِبْ مِنْ كَلامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا مَا هَذِهِ، وَلا يُثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا.
وأنى تُعرف زيغة الحكيم، وزلة العالم إلا بالرجوع إلى النص؟ وكيف يمكن عَدُّ ما صدر عن أيٍّ كان خلافاً مع احتمال أن يكون زللاً وإن كان اجتهاداً ؟ وهنا بيَّن معاذ رضي الله عنه معيار معرفة الزلل برده إلى النص.
- وقال سلمان الفارسي: «كيف أنتم عند ثلاث: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، ودنيا تقطع أعناقكم؟ فأما زلة العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وتقولون نصنع مثل ما يصنع فلان، وإن أخطأ فلا تقطعوا إياسكم منه فتعينوا عليه الشيطان، وأما مجادلة منافقٍ بالقرآن فإن للقرآن مناراً كمنار الطريق فما عرفتم منه فخذوا وما لم تعرفوا فكلوه إلى الله تعالى، وأما دنيا تقطع أعناقكم فانظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم».
- وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «ويلٌ للأتباع من عثرات العالم. قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئاً برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليهوسلم، فيترك قوله ثم يمضي الأتباع» أي يمضون على قوله الأول.
- ومثل ذلك تحذير أهل العلم من نوادر العلماء...وهي الشواذ، وفيها قال أبو بكر الآجري: «فليس ينبغي إذا زل بعض من يُشار إليهم زلة أن يُتبع على زلـله، هذا قد نهينا عنه، وقد خيف علينا من زلل العلماء».. وقد بوب ابن عبد البر لذلك، فقال: باب في خطأ المجتهدين من المفتين والحكام، ومن كلامه السائر في هذا الموضع: «شبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة، لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير».
وهذه الآثار الجليلة، التي نرى فيها أساطين العلم والتربية من الصحابة وكأنهم يوشكون على الاتفاق حول ألفاظ بعينها في التعبير عن معنى واحد، توضح لنا جملة حقائق، منها:
1- أن العالِم بشر كسائر البشر، فليس كل ما صدر منه هو الهدى، أو الفعل الحق، أو القول الفصل... بل هو مجتهد في إصابة الحق، فقد يصيبه فيؤجر أجرين، وقد يُخلفه فيؤجر أجراً واحداً... وهذا يجعل متابعيه وسائليه - من غير العامة المقلدين- يتبصرون في أقواله ويوازنون في فتواه بين أدلته وأدلة غيره، ثم ينظرون أيهما الحق.
2- أن وقوع الخلاف بين أهل العلم طبعي يعود لبشريتهم، فإما أن يكون الخلاف لزلة واحد منهم، أو لخطئه، أو لعدم وصـول العلم إليه، أو نحو ذلك من الأعذار.
3- أن العالم قد يفتي شيئاً لا يصح أن يُعتمد، وكونه أفتى بشيء خالفه فيه غيره لا يخول اتباعه على أية حال، ولذا كم خالف مقررو المذاهب كلام أئمتهم، وذكروا أن الأصح في غيره، ووضع الشاطبي في ذلك قاعدةً جامعةً تبين قصور الاستدلال فقط بقول العالم في كل مسألة، ثم الاحتجاج بالخلاف دلالة على أن المسـألة سهلة فقال: «إن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة، ولا الأخذ بـها تقليداً له، وذلك لأنـها موضوعةٌ على المخالفة للشرع، ولذلك عدت زلةً، وإلا فلو كانت معتداً بها لم يجعل لها هذه الرتبة، كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها، ولا ينتقص من أجلها، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة».. وبعضهم يظن أن الخلافيات فيها مصلحةٌ للأمة بالتوسعة عليها، ولكن الـخلافيات قد تكون بعض الآراء الواردة فيها هي زلات لعلماء، فهي عين مخالـفة النص.
والعالم وإن كانت زلته دون قصدٍ ولا تعمدٍ، وهو في اجتهاده «معذور ومأجور، لكن مما ينبني عليه في الاتباع لقوله فيه خطر عظيم، وقد قال الغزالي: إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة، وذكر منها أمثلة، ثم قال: فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره مستطيراً في العالم أياماً متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه».
لكنني أؤكد أن كل ما سبق لا يؤثر على مقدار العالم وتبجيله في وسط المجتمع المسلم، ولا يجعل أتباعه أيضاً يتبعونه في كل شيء ويسلموه دينهم في كل شيء تعصباً، ولا يجعل مخالفيهم يتشغبون عليه وعليهم تفسيقاً وتضليلاً وتبديعاً، بل غاية ما يفعلونه نصحهم بود، وإنكار خطأهم برفق، ولننظر في القصة التالية وكيف تعامل معها محقق كالإمام الذهبي، فيما لو صحت، فقد قال أحمد بن حنبل: بلغ بن أبي ذئب أن مالكاً لم يأخذ بحديث البيعان بالخيار فقال: يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم قال: أحمد هو أورع وأقول بالحق من مالك. قلت: لو كان ورعاً كما ينبغي لما قال: هـذا الكلام القبيح في حق إمام عظيم، فمالك إنما لم يعمل بظاهر الحديث لأنه رآه منسوخاً، وقيل عمل به وحمل قوله حتى يتفرقا على التلفظ بالإيجاب والقبول، فمالك في هذا الحديث وفي كل حديث له أجر ولا بد فإن أصاب ازداد أجراً آخر، وإنما يرى السيف على من أخطأ في اجتهاده الحرورية، وبكل حال فكلام الأقران بعضهم في بعض لا يعول على كثير منه، فلا نقصت جلالة مالك بقول ابن أبي ذئب فيه، ولا ضعف العلماء ابن أبي ذئب بمقالته هذه، بل هما عالما المدينة في زمانهما رضي الله عنهما، وقد اعتذر الأمام أحمد للإمام مالك في تأوله لهذا الحديث بما يدل على سعة صدره مع مخالفيه، فقال: «ومالك لم يرد الحديث ولكن تأوله ذلك».

من أقوال الأئمة الأربعة في معيار الإنكار
النقول عن الأئمة الأربعة، رحمهم الله، في معيار الإنكار كثيرة،منها:
أولاً: من أقوال أبي حنيفة، رحمه الله تعالى، وتقعيداته للمذهب:
1- «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
2- «... لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه» قاله أبو حنيفة وأبو يوسف.
3- «... وإذا قلت قولاً يخالف كتاب الله سبحانه وتعالى وخبر الرسول صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي».
وفي بيان ذلك يقول ابن الشحنة: «إذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عُمِل بالحديث، ويكون ذلك مذهبه، ولا يخرج مقلده عن كونه حنفياً بالعمل به؛ فقد صح عن أبي حنيفة أنه قال: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) وقد حكى ذلك الإمام ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة».
فصار ما يدل عليه الدليل قول للإمام، وإن لم يقل به بخصوصه، لأنه قعَّد قاعدة عامة يتحاكم إليها في المسائل الجزئية، كما قال ابن عابدين: «قد يجاب بأن الإمام لما أمر أصحابه بأن يأخذوا من أقواله بما يتجه لهم منها عليه الدليل صار ما قالوه قولاً له، لابتنائه على قواعده التي أسسها لهم، فلم يكن مرجوعاً عنه من كل وجه، فيكون من مذهبه أيضاً... فإذا نظر أهل المذهب في الدليل وعملوا به صح نسبته إلى المذهب لكونه صادراً بإذن صاحب المذهب؛ إذ لا شك أنه لو علم ضعف دليله رجع عنه واتبع الدليل الأقوى...».
وفي هذا النقل أبلغ القول على تثبيت حقيقة رجوع الأئمة وأتباعهم المجتهدين إلى النص عند الاختلاف، ومن ثم فهـو معيار الإنـكار، لأن ما صح فيه الخبر بلا معارض فهو مذهب للمجتهد وإن لم ينص عليه.
ثانياً: من أقوال مالك بن أنس، رحمه الله تعالى، وتقعيداته للمذهب:
1- «إنما أنا بشرٌ أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه».
2- وهنا قصةٌ توضح رجوع الإمام مالك إلى النص، وعدم علمه السابق به، فقد قال ابن وهب: سمعت مالكاً سُئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء؟ فقال: ليس على ذلك الناس. قال: فتركته حتى خف الناس، فقلت له: عندنا في ذلك سنة. فقال: وما هي؟ قلت: حدثنا الليث بن سعد وابن لهيعة وعمرو بن الحارث عن يزيد بن عمرو المعافري عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن المستورد بن شداد القرشي قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدلك بخنصره ما بين أصابع رجليه». فقال: إن هذا حديث حسن، وما سمعت به قط إلا الساعة. ثم سمعته بعد ذلك يسأل، فيأمر تخليل الأصابع.
ثالثاً: من أقوال الشافعي، رحمه الله تعالى، وتقعيداته للمذهب:
1- «ما من أحدٍ إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله صلىالله عليه وسلم وتعزب عنه، فمهما قلت من قول، أو أصلت من أصل، فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت، فالقول ما قال رسول الله صلىالله عليه وسلم، وهو قولي».
2- «أجمع المسلمون على أن من استبان له سنة عن رسول الله صلىالله عليه وسلم لم يحل له أن يدعها لقول أحد».
3- «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلىالله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلىالله عليه وسلم، ودعوا ما قلت»، وفي رواية: «فاتبعوها، ولا تلتفتوا إلى قول أحد».
4- «إذا صح الحديث فهو مذهبي».
5- «إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلىالله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا قولي».
6- «أنتم أعلم بالحديث والرجال مني .فإذا كان الحديث الصحيح فأعلموني به أي شيء يكون: كوفياً أو بصرياً أو شامياً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً».
7- «وكل مسألة صح فيها الخبر عن رسول الله صلىالله عليه وسلم عند أهل النقل بخلاف ما قلت؛ فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي» .
8- «وإذا رأيتموني أقول قولاً، وقد صح عن النبي صلىالله عليه وسلم خلافه، فاعلموا أن عقلي قد ذهب» .
9- «كل ما قلت، فكان النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي صلىالله عليه وسلم أولى، فلا تقلدوني» .
رابعاً: من أقوال أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، وتقعيداته للمذهب:
1- «لا تقلدوني ولا تقلد مـالكاً ولا الشافـعي ولا الأوزاعـي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا»، وفي رواية: «لا تقلد دينك أحداً من هؤلاء، ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فخذ به، ثم التابعين بعد الرجل فيه مخير» . وقال مرة: «الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، ثم هو من بعد التابعين مخير».
2- «رأي الأوزاعي، ورأي مالك، ورأي أبي حنيفة كله رأي، وهو عندي سواء، وإنما الحجة في الآثار» .
وهذه النقول توضح أسساً علمية هامة في مجال الاجتهاد ومجال البحث العلمي، وآداب الاختلاف، منها:
1- رجوع الأئمة عند التنازع إلى النص، وجعله معيار الإنكار والتذكير العام، وهذا إجماعٌ لا ريب فيه كما قال الشيخ ولي الله الدهلوي: «فلم يُبِحْ الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحد دون القرآن والسنة، وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قول قائل لأنه غير القرآن والسنة، وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم، وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم، على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم، فيأخذه كله. فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة، أو جميع أقوال مالك، أو جميع أقوال الشافعي، أو جميع أقوال أحمد رضي الله عنهم، ولم يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول إنسانٍ بعينه، أنه قد خالف إجمـاع الأمة كلها، أولها عن آخرها، بيقين لا إشـكال فيه، وأنه لا يجد لنفسه سلفاً ولا إنساناً في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، نعوذ بالله من هذه المنـزلة».
2- الأئمة كغيرهم من البشر يفوتهم من العلم ما هو لازم نقصانهم، ولا يحط هذا من مكانتهم، وأن أقوالهم في المسائل الاجتهادية تظل آراءً على الرغم من قيمتها العلمية، وصدورها من أهل الذكر الذين هم جهة الاختصاص للإفتاء في المسائل الشرعية، ولكن ينظر في أدلة كلٍ وحجته، دون تثريب على الآخر، لمن أراد التفحص والبحث.
3- تأكيد الرجوع إلى النص عند استبانة مخالفته بالعمل بقول واحدٍ منهم، والزجر الشديد عن تقليدهم حال ظهور أنه يخالف النص.
4- لا يعني هذا الحط من مكانة المذاهب كطرق تعليمية متدرجة للفقه الإسلامي الرحب، ولا الخروج على الناس بمذهـب اللامذهبية... إذ ما نمت المذاهب إلا نمو الاصطلاحات الفقهية التي لم تكن بارزة في عهد النبي صلىالله عليه وسلم، لتسهل الفقه، وتفرعه تفريعاً مناسباً.. وليست هي خطأ بذاته بل الخطأ ما قد يصحبها من تعصب، أوتحزب، حتى عد الإمام السيوطي اختلاف المذاهب منةً كبرى، ونعمة ظاهرة... وهي كذلك وخاصة في بحثها لمظان هدى الله، ورجوعها إلى النصوص الشرعية وضوابط فهمها، والتثبت منها عند الاختلاف.
وهنا يجب اصطحاب قاعدةٍ أساسيةٍ في التعامل مع أهل العلم في أقوالهم التي ترد في المسائل الخلافية، وهي: أنه لابد من أمرين، أحدهما أعظم من الآخر:
أحدهما: النصيحة لله ولرسوله وكتابه ودينه، وتنـزيهه عن الأقوال الضعيفة الخاطئة أو المخطئة المناقضة لما بعثَ الله سبحانه وتعالى به رسوله من الهدى والبينات، إذ هي «خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين، وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويلٍ» فإنه «لا حجة في قول أحدٍ مع السنة\"
«والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصحهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرسول، فقالوا بمبلغ علمهم، والحق في خلافها لا يوجب اطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السبيل بينهما، فلا نؤثم ولا نعصم» فمخالفة الأئمة في مسألةٍ ما ظهر أن الراجح فيها ليس في أقوالهم «لا يغض من أقدارهم ولا يسوغ اتباعهم فيها»، كما أنه «ليس في قول العالم إن هذه المسألة قطعية أو يقينية ولا يسوغ فيها الاجتهاد طعن على من خالفها ولا نسبةٌ له إلى تعمد خلاف الصواب».
وهذا ما رأينا عليه الصحابة رضي الله عنهم تطبيقاً حين ترد عليهم المسائل التي اختلفت فيها أنظارهم فيثنون على المخالف ويبينون عذره فيما أخطأه، ثم يبينون الصواب، وفعل عائشة خير مثال، وقد تشتد أحياناً في نفي ما تراه مخالفاً للشريعة في نصه أو مراميه...وفي ذلك قال بعض أهل العلم:
وإذا أتتك مـقالةٌ قد خـالفت نص الكتاب أو الحديث المسند
فاقف الكتاب ولا تمل عنه، وقف مـتأدباً مع كـل حبرٍ أوحدِ
فلحوم أهل الـعلم سمٌ للجناة عليهم فاحفظ لسـانك وابعدِ
وهذا يقودنا إلى بيان حقيقة هي النتيجة لما سبق، وهي التي توضح بصورةٍ أجلى معنى هذه القاعدة الجليلة: (لا إنكار في مسائل الخلاف)، وهي: أن هناك فرقاً بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد.
ولكن، هل يُفهم من كل ما سابق أن التقليد محرم بالمرة؟
لا! وليس الكاتب في المقام الذي يتجرأ فيه على مثل هذا الحكم بعد الخلاف الواسع الوارد في ذلك، ويظهر أن الاختلاف في المسألة يكاد يكون لفظياً، وأن الذين ذكروا أن التقليد محرم، ومنهم ابن حزم، وابن عبد البر، وابن القيم، والشوكاني، وغيرهم، محتجين بأن الله تعالى ذم التقليد بقوله: ((ٱتَّخَذُواْ أَحْبَـٰرَهُمْ وَرُهْبَـٰنَهُمْ أَرْبَاباً مّن دُونِ ٱللَّهِ )) (التوبة:31)، وقولـه: ((وَقَالُواْ رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلاْ )) (الأحزاب:67) ونحو ذلك من الآيات.. وأن الأئمة قد نهوا عن تقليدهم كما سبق...
وقد بينوا جواز التقليد العام، إذ بين ابن القيم أن التقليد الذي يرى امتناعه هو «اتخاذ أقوال رجلٍ بعينه بمنـزلة نصوص الشارع لا يلتفت إلى قولٍ سواه، بل لا إلى نصوص الشارع، إلا إذا وافقت نصوص قوله. قال: فهذا هو التقليد الذي أجمعت الأمة على أنه محرم في دين الله، ولم يظهر في الأمة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة»، وأثبت ابن القيم والإمام ابن الوزير والشوكاني تبعاً لابن عبد البر فوق التقليد مرتبة أقل من الاجتهاد، هي مرتبة الاتباع، وحقيقتها الأخذ بقول الغير مع معرفة دليله، على حد ما ورد في قول أبي حنيفة وأبي يوسف: «لا يحل لأحدٍ أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا».
وفي بيان الفرق بين التقليد والاتباع، يقول الإمام محمد بن إبراهيم الوزير:
هم قلدوهم واقتديت بهم فكم بين المقلد في الهوى والمقتدي
من قلد النعمان أمسى شارباً لمثلثٍ نجسٍ خبـيثٍ مزبـدِ
ولو اقتدى بأبي حنيفة لم يكن إلا إماماً راكعاً في المسجدِ غير أنه لا يُظَنُّ أن أحداً يخالف أن التقليد، لا بالمعنى الذي ذكره هؤلاء الأعلام من اتباع كل خطأ وصواب استبان فيه ذلك، يجوز عند الضرورة حتى للعالم فضلاً عن العامي، ومن ذلك إذا لم يظفر العالم بنصٍ من الكتاب أو السنة، ولم يجد إلا قول من هو أعلم مـنه، فيقـلده. أما التقليد المحرم فهو أن يكون العالم متمكناً من معرفة الحق بدليله، ثم مع ذلك يعدل إلى التقليد، فهو كمن يعدل إلى الميتة مع قدرته على المذكى. والتقليد إنما هو لمن لم يكن قادراً على الاجـتهاد، أو كان قـادراً عليه لكن لم يجد الوقت لذلك، فهي حال ضرورة كما قال ابن القيم. وقد أفتى الإمام أحمد بقول الشافعي، وقال: إذا سئلت عن مسألة لم أعرف فيها خبراً أفتيت فيها بقول الشافعي، لأنه إمام عالم من قريش، وقد قال النبي صلى الله عليهوسلم: «لا تسبوا قريشاً، فإن عالمها يملأ طباق الأرض علماً».
ومن الناحية الدعوية فالأمر ظاهر في واقع الناس، فلا يمكن أن يكون عند كل منهم أهلية الاجتهاد صغيراً وكبيراً وذكراً وأنثى.


وهذا رابط المقالات كلها مجتمعة
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد t4765

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-29 ||, 07:44 PM
موضوع مهم وعنوان لافت

وفق الله المؤلف الدكتور المجيدي وأخانا أبا عبد الله لكل خير ومنحهم من واسع فضله وعطائه