المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارسة كتاب البيوع من عمدة الفقه



أمين بن منصور الدعيس
10-12-03 ||, 09:46 AM
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)
بسم الله الرحمن الرحيم


وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين، أيها الأحبة الكرام في هذا الملتقى المبارك، بإذن الله سنبدأ في هذا الدرس في شرح كتاب البيوع من عمدة الفقه لابن قدامة المقدسي، وبإذن الله سأحاول قدر المستطاع أن يكون هذا الدرس منتظما بحيث أقوم بإنزال درسين أسبوعيا بصورة منتظمة على قدر الوسع والطاقة، مراعيا في هذه الدرس أن يكون مناسبا في عبارته للمبتدئين من طلبة العلم، ونافعا للمتوسطين، ولن يخلو من فائدة للمتقدمين منهم، وبإذن الله سنتطرق في هذه الدرس إلى الخلاف في حدود ما في كتب المذاهب الأربعة، وربما ذكرت اختيار بعض المحققين من المتقدمين، وسأحرص بخاصة على ذكر ترجيحات شيخنا العثيمين رحمة الله تعالى، ولن ألتزم الترجيح في كل مسألة قناعة مني بأنه مسائل البيوع بخاصة لا يصار إلى الجزم فيها بالراجح في كثير من مسائلها لما يشوب هذا الباب من العلم من سعة الخلاف فيه، وقلة النصوص الصريحة التي يمكن أن يصار إليها في تحقيق الراجح في كل مسألة، فللقياس في هذا الباب -من العلم- والنظر في المقاصد والكليات الشرعية مقام لا يخفى على كل من له عناية به، ومما سأحرص عليه في هذا الدرس بإذن الله التعرض للمسائل المعاصرة والنوازل ومحاولة ذكر ما يتيسر منها تحت ما يناسبه من مواضيع الكتاب، ورجائي من الإخوة أن يعينوا أخاهم بما يتفضلون به عليه من استدراك أو تصحيح أو مناقشة، سائلا الله العلي العظيم لي ولكم الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل عملنا حجة لنا لا حجة علينا.



(وإن أردت أخي الكريم الوصول السريع إلى المبحث المطلوب يمكنك الرجوع إلى الفهرس)
هنا (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

------------------------------

وهذا هو الدرس الأول من هذه السلسلة:


قال المصنف رحمة الله تعالى: (كتاب البيع)
البيع مصدر, يقال: باعَه يَبِيعهُ بَيْعاً ومَبيعاً, والأصل أن المصادر لا تجمع, وإنما يجمع هذا اللفظ فيقال "البيوع" لاختلاف أنواعه.
والبيع لغة: ضد الشراء, ويرد بمعنى الشراء, فهو من الأضداد.
وهو مأخوذ من الباع؛ لأن كل واحد من المتعاقدين يمد باعه للأخذ والإعطاء, ويحتمل أن كل واحد منهما كان يبايع صاحبه أي يصافحه عند البيع ولذلك سمي البيع صفقة.
وشرعاً: مبادلة المال بالمال على التأبيد غير ربا ولا قرض.
وجواز البيع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس, والأصل فيه الحل إلا ما نص الشارع على تحريمه, وجميع المعاملات المحرمة ترجع إلى ثلاثة أصول:
الأول: الربا.
الثاني: الجهالة والغرر.
قال القرافي (الفروق 3/265): « الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل, وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة»
الثالث: الظلم.
قال المصنف : (قال الله تعالى: (وأحل الله البيع))
في الآية دليل على مشروعية البيع, وأل في البيع للاستغراق دالة على أن الأصل في البيوع الحل إ ما دل الدليل على منعه، ولذا يقول العلماء "الأصل في البيوع الإباحة".
قال الشافعي(الأم 3/3): «فأصل البيوع كلها مباح إذا كانت برضا المتبايعين الجائزي الأمر فيما تبايعا, إلا ما نهى عنه رسول الله t منها وما كان في معنى ما نهى عنه رسول الله t محرم بإذنه داخل في المعنى المنهي عنه, وما فارق ذلك أبحناه بما وصفنا من إباحة البيع في كتاب الله تعالى».
وقال ابن تيمية: «الأصل في العقود الإباحة فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله ولم يحرم الله عقدا فيه مصلحة للمسلمين بلا مفسدة تقاوم ذلك».
وأصل حل البيع مما قام الإجماع عليه ، ولا زال الناس يعاملون بالبيع والشراء من لدن عهده صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا، وهو مقتضى القياس فالناس لا غنى لهم عما في أيدي غيرهم، ولا سبيل لتحصيل ذلك إلا بالبيع والشراء.
- وهنا مقدمات ينبغي التنبه لها قبل الشروع في الكلام على كتاب البيوع:
المقدمة الأولى: اعلم أن العقود في الشريعة الإسلامية تنقسم إلى عدة أقسام:
عقود معاوضات: كالبيع و الإجارة.
عقود التبرعات: كالهبة و الوصية والعارية.
عقود التوثيقات: مثل كالضمان و الوكالة و الرهن.
عقود المشاركات : كالمزارعة والمساقاة .
المقدمة الثانية: أقسام البيع:
يمكن أن يقسم البيع إلى عدة أقسام باعتبارات متعددة:
أولا: أقسام البيع باعتبار عوضي العقد:
المقايضة وهي مبادلة عرَض بعرَض، والعرض كل ما ليس بنقد، كبر بشعير.
الصرف وحقيقته مبادلة النقد بالنقد.
مبادلة النقد بالعرض وإلا هذا ينصرف لفظ البيع عند الإطلاق.
بيع المنافع وحقيقته مبادلة العين بالمنفعة كالإجارة.

ثانيا: أقسام البيع باعتبار الأجل:
البيع الحال المنجز بأن يكون كل من الثمن و المثمن معجلا.
البيع إلى أجل بأن يؤخر الثمن ويعجل المثمن.
بيع السلم بأن يعجل الثمن ويؤخر المثمن
بيع الدين بالدين بأن يكون كل من الثمن والمثمن مؤجلا وهو ما يعبر عنه ببيع الكالئ.
ثالثا: أقسام البيع باعتبار كيفية تحديد الثمن:
بيوع الأمانات وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
- بيع المرابحة : أن يبيع البائع السلعة برأس لمال وبزيادة معلومة، فيخبر المشتري بالثمن الذي أخذها به ويضيف عليه زيادة معلومة.
- بيع الوضيعة : أن يبيع السلعة برأس المال ناقص نقصا معلوما.
- بيع التولية: أن يبيع السلعة برأس المال.

المقدمة الثالثة: أركان البيع
أركان البيع ثلاثة:
- الصيغة.
- العاقدان.
- المعقود عليه.
الركن الأول: الصيغة
الصيغة ماصدر من المتعاقدين من قول أو فعل دال على إردتهما الباطنة إنشاء العقد وللبيع صيغتان:
1. الصيغة القولية
و هي الإيجاب و القبول.
الإيجاب وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من البائع أو من يقوم مقامه.
القبول: وهو عند جمهور أهل العلم اللفظ الصادر من المشتري أو من يقوم مقامه.
والذي عليه جماهير أهل العلم أن الصيغة القولية ليس لها لفظ محدد بل كل لفظ دل على انتقال ملكية المبيع فهو داخل في الصيغة القولية، فليست الصيغة محصورة مثلا في لفظ بعت واشتريت ونحوه، ولذا ذكر أهل العلم أن الكتابة والإشارة المفهوم الدالة على الرضا ملحقة بالصيغة القولية.
2. المعاطاة
وصفة بيع المعاطاة أن تتم المبادلة بين البائع والمشتري من غير تلفظ بإيجاب أو قبول كما يحصل الآن في كثير من المتاجر تأخذ السلعة المعروف ثمنها وتعطي البائع المال دون تلفظ بإيجاب أو قبول.
وقد اختلف أهل العلم في صحة بيع المعاطاة على ثلاثة أقوال:
القول الأول:
ذهب الجمهور من الأحناف و المالكية و الحنابلة إلى صحة بيع المعاطاة، و استدلوا لذلك بمايلي:
1- قول الله تعالى "ياأيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"، فالعبرة في العقود هي حصول التراضي بغض النظر عن الصيغة.
2- أن عمل الناس لا زال على اعتبار بيوع المعاطاة والعمل بها منذ القدم دون نكير، قال ابن قدامة ( المغني 4/4): " ولنا ، أن الله أحل البيع ، ولم يبين كيفيته ، فوجب الرجوع فيه إلى العرف ، كما رجع إليه في القبض والإحراز والتفرق ، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك ، ولأن البيع كان موجودا بينهم ، معلوما عندهم ، وإنما علق الشرع عليه أحكاما ، وأبقاه على ما كان ، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم ، ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه ، مع كثرة وقوع البيع بينهم ، استعمال الإيجاب والقبول ، ولو استعملوا ذلك في بياعاتهم لنقل نقلا شائعا ، ولو كان ذلك شرطا ، لوجب نقله ، ولم يتصور منهم إهماله والغفلة عن نقله ، ولأن البيع مما تعم به البلوى ، فلو اشترط له الإيجاب والقبول لبينه صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ، ولم يخف حكمه ; لأنه يفضي إلى وقوع العقود الفاسدة كثيرا ، وأكلهم المال بالباطل ، ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من أصحابه فيما علمناه ، ولأن الناس يتبايعون في أسواقهم بالمعاطاة في كل عصر ، ولم ينقل إنكاره من قبل مخالفينا ، فكان ذلك إجماعا"
القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن البيع بالمعاطاة لا يصح، واستدلوا على ذلك بضعف دلالة المعاطاة على الرضا فهي دون القول الصريح في الدلالة على الرضا وإرادة العقد لاحتمال إرادة غير العقد في التعاطي، ولا يخفى ما في هذا القول من الضعف، ومخالفة ما جرى عليه عمل الناس.
ومن ثم أعرض عنه جماعة من متأخري فقهاء الشافعية وذهبوا إلى ترجيح صحية بيع المعاطاة منهم النووي والبغوي.
القول الثالث: ما ذهب إليه بعض الشافعية كابن سريج والروياني من جواز بيع التعاطي في المحقرات، وما جرى عرف الناس وعادتهم على ببيعه معاطاة دون الأشياء النفيسة.
-شروط الصيغة:
1- أن يكون الإيجاب والقبول واضحين في الدلالة على إرادة إنشاء العاقدين العقد.
2- أن يكون القبول مطابقا للإيجاب بأن ينصبا على شيء واحد فيتفقان في المحل والمقدار فلا يصح بعتك السيارة بعشرة فيقول المشتري قبلتها بخمسة، أو يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار.
3- أن يكون الإيجاب والقبول متصلين عرفا بأن يقعا في مجلس العقد دون أن يتخلل ذلك ما يدل على إعراض أحدهما عن العقد. 1. 2. 3. 4. 1) 2) 3) 4) 1- 2- 3- 4- 1- 1) 2)

أبو عبد الله المصلحي
10-12-03 ||, 10:44 AM
بارك الله فيك

أمين بن منصور الدعيس
10-12-06 ||, 07:05 AM
الدرس الثاني من دروس شرح كتاب البيوع من عمدة الفقه:

الركن الثاني من أركان البيع: العاقدان
وهما البائع والمشتري أو من يقوم مقامهما ويشترط فيهما الشروط التالية:
الشرط الأول: أهلية المتعاقدين
بأن يكونا بالغين عاقلين في الجملة فأما غير العاقل فغير مكلف أصلا، وأما غيرا لبالغ فهو ناقص الأهلية، وهنا يحسن الإشارة إلى الأهلية وأقسامها حتى يتضح ما تحت هذا الشرط.
فيمكن أن يقال أن أهل العلم يقسمون الأهلية إلى قسمين رئيسيين ثم كل قسم منهما ينقسم إلى قسمين وأقسام الأهلية الرئيسية كالآتي:
1- أهلية الوجوب وهي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له أو عليه، وتنقسم إلى قسمين:
أ) أهلية وجوب ناقصة وهي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له، وتبدأ من كونه جنينا في بطن أمه إلى ولادته، فيثبت له من الحقوق النسب والميراث والوصية.
ب) أهلية وجوب كاملة وهي صلاحية الشخص لثبوت الحقوق له وعليه، وتبدأ من ولادته إلى موته، فمما ثبت له النسب والميراث والوصية ومما ثبت عليه الزكاة وأروش الجنايات ونحوها، فمثل هذه تثبت عليها ولو كان دون البلوغ.
2- أهلية أداء وهي صلاحية الشخص للاعتداد شرعا بما يصدر منه من أقول أو أفعال، تبدأ هذه الأهلية من سن التمييز، وهي على قسمين:
أ) أهلية أداء ناقصة وتكون من سن التمييز إلى البلوغ، وفي هذه المدة لا تخلو تصرفات المميز أما أن تكون تصرفات نافعة له نفعا محضا فلا خلاف في صحتها، وذلك كقبول الهدية ونحوها، أو أن تكون ضارة ضررا محضا كما لو تصدق أو أهدى هدية، وهذه لا تصح بلا خلاف، وبقي القسم الأخير وهو الأفعال المترددة بين المنفعة والمضرة كبالبيع والشراء ونحوها، فهذه محل خلاف بين أهل العلم:
القول الأول: أن مثل هذه التصرفات صحيحة ولكن تكون معلقة النفوذ على إذن الولي، ولا فرق في ذلك بين اليسير والقليل، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.
القول الثان: أن مثل هذه التصرفات صحيحة ونافذة إذا كانت في الأشياء اليسيرة التي جرت عادة الناس فيها المسامحة فيها، وعادة ما يكون بيد المميز ثمنها.
ب) أهلية أداء كاملة يكون في الشخص أهلا للاعتداد بكل ما يصدر منه من قول أو فعل، وهي من البلوغ إلى الموت.
الشرط الثاني: الرشد
وحقيته أن يكون ممن يحسن التصرف في المال، فلا ينفق ماله فيما لا نفع فيه، يدل على ذلك قوله تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما)، وقوله تعالى في حق الأيتام: (فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم).
الشرط الثالث: الحرية
فلا يصح البيع من العبد، لأنه لا يملك، يدل على ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: ( من ابتاع عبدا له مال فماله للذي باعه إلا أن يشترطه المبتاع)، فجعل المال الذي بيد العبد ملكا لسيده.
الشرط الرابع: رضا المتعاقدين
فلا يصح البيع ممن أكره عليه بدون حق، يدل على ذلك قوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وقوله صلى الله عليه وسلم عند ابن ماجة من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: (إنما البيع عن تراض).
الركن الثالث: المعقود عليه
والمراد به هنا السلعة والثمن، وللمعقود عليه شروط عدة تركت الكلام فيها هنا لطول الكلام فيها من جهة، ولأن جملة منها ستأتي في كلام المصنف.

ثم نرجع بعد هذه المقدمة إلى كلام ابن قدامة.

- قال المصنف: (والبيع معاوضة المال بالمال) وعرفه الحجاوي في زاد المستقنع بقوله: (هو مبادلة مال ولو في الذمة أو منفعة مباحة كممر في دار بمثل أحدهما على التأبيد غير رباً وقرض). وهو أشمل وأوعب مما عرفه المصنف.
فخرج بقول صاحب الزاد : على التأبيد عقد الإجارة.
أما خروج الربا من حد البيع مع كونه مبادلة مال بمال فلقوله تعالى: )وأحل الله البيع وحرم الربا(, فجعل البيع قسيم الربا.
وأما خروج القرض فلكونه لوحظ فيه معنى الإرفاق والإحسان ، ولو كان بيعا لما صح القرض في الأموال الربوية.
وقول ابن قدامة: (معاوضة المال) ظاهره العموم فيشمل ما لو كان المال المبيع معينا مثل لو قال بعتك بيتي هذا، أو كان في الذمة، والمال الذي في الذمة هو ما تم تحديده بالوصف لا بالتعيين كأن يقول بعتك سيارة صفتها كذا دون أن يعين عين السيارة.
ولم يذكر المصنف النوع الثالث من أنواع المبيع وهو المنفعة بخلاف صاحب الزاد فقد نص عليها، فالأصل جواز بيع كل منفعة مباحة، ومن ثم ترى أهل العلم يذكرون أن المبيع أما أن يكون عينا أو منفعة مباحة، ومن صور بيع المنافع ما ذكره الفقهاء من بيع حق المرور في طريق معين، وبيع حق الشفعة، ويدخل فيه هذه الأيام بيع الحقوق الفكرية والمعنوية وحقوق الاختراع.
- قال المصنف: ( ويجوز بيع كل مملوك فيه نفع مباح)هذا الشرط الأول والثاني من شروط صحة البيع, فالأول: أن يكون المبيع مملوكاً لصاحبه أو مأذونا له فيه، يدل على ذلك ما روى حكيم بن حزام قال : { قلت يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ، ثم أبتاعه من السوق فقال لا تبع ما ليس عندك . } رواه الخمسة .
والمأذون لهم أحد أربعة: الوصي، والولي، والوكيل، والناظر على الوقف.
الثاني: أن يكون فيه نفع مباح، فخرج بذلك ما لا نفع فيه أو ما فيه نفع محرم، يدل على ذلك ما ما ثبت في الصحيحين عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :إن الله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ،فقام رجل فقال:يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟فقال:لاهو حرام،ثم قال:قاتل الله اليهود لما حرمت عليهم شحومها جملوه (أي أذابوه)ثم باعوه وأكلوا ثمنه.
كما يدل عليه ما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه.متفق عليه.

قال ابن القيم رحمه الله زاد المعاد - (5 / 676): "قوله : إن الله إذا حرم شيئا أو حرم أكل شيء حرم ثمنه يراد به أمران أحدهما : ما هو حرام العين والانتفاع جملة كالخمر والميتة والدم والخنزير وآلات الشرك فهذه ثمنها حرام كيفما اتفقت.
والثاني : ما يباح الانتفاع به في غير الأكل وإنما يحرم أكله كجلد الميتة بعد الدباغ وكالحمر الأهلية والبغال ونحوها مما يحرم أكله دون الإنتفاع به فهذا قد يقال : إنه لا يدخل في الحديث وإنما يدخل فيه ما هو حرام على الإطلاق وقد يقال : إنه داخل فيه ويكون تحريم ثمنه إذا بيع لأجل المنفعة التي حرمت منه فإذا بيع البغل والحمار لأكلهما حرم ثمنهما بخلاف ما إذا بيعا للركوب وغيره، وإذا بيع جلد الميتة للانتفاع به حل ثمنه وإذا بيع لأكله حرم ثمنه، وطرد هذا ما قاله جمهور من الفقهاء كأحمد ومالك وأتباعهما : إنه إذا بيع العنب لمن يعصره خمرا حرم أكل ثمنه بخلاف ما إذا بيع لمن يأكله، وكذلك السلاح إذا بيع لمن يقاتل به مسلما حرم أكل ثمنه، وإذا بيع لمن يغزو به في سبيل الله فثمنه من الطيبات، وكذلك ثياب الحرير إذا بيعت لمن يلبسها ممن يحرم عليه حرم أكل ثمنها بخلاف بيعها ممن يحل له لبسها".

- قال المصنف: (لا الكلب فإنه لا يجوز بيعه) هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة من أن الكلب لا يجوز بيعه، وبهذا قال المالكية، والشافعية سواء كان الكلب كلب ماشية أو صيد أو زرع، أو غير ذلك، واستدلوا على ذلك بما في الصحيحين عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ t أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ".
و بما أخرجه مسلم من حديث أبي الزبير قال سألت جابر بن عبد الله رضي الله عنه عن ثمن الكلب والسنور فقال: زجر النبي r عن ذلك.
وبما أخرجه مسلم من حديث رافع بن خديج t قال: قال رسول الله r: (ثمن الكلب خبيث).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى النبي r عن ثمن الكلب, وقال: (إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا), قال النووي: «رواه أبو داود بإسناد صحيح».
وأما القول الثاني: فهو ما ذهب إليه الحنفية من جواز بيع كل كلب فيه نفع, واستدلوا بما أخرجه النسائي من حديث جابر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور والكلب إلا كلب صيد.
ولكن هذا الحديث لا يصح ضعفه جماعة من أهل العلم منهم الإمام أحمد، والترمذي، والبيهقي، ويحتمل أن المراد بقوله في الحديث: (إلا كلب صيد) أي ولا كلب صيد , وقد جاءت اللغة بمثل ذلك، ثم إنهم لم يعلموا بمقتضى الحديث وهو استثناء كلب الصيد فقط، بل عمموا ذلك في كل كلب فيه نفع.
قال النووي (المجموع 9/273): «وأما الجواب عما احتجوا به من الأحاديث والآثار, فكلها ضعيفة باتفاق المحدثين, وهكذا وضح الترمذي والدارقطني والبيهقي ضعفها».
كما استدلوا بقياسه على الحمار بجامع كونهما مما يباح الانتفاع بهما مع تحريم أكلهما، وأجيب عنه بوجود الفارق إذ الحمار طاهر بخلاف الكلب فهو نجس العين.

قال المصنف: (ولا غرم على متلفه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب
وقال: (من اقتنى كلباً إلا كلب ماشية أو صيد نقص من عمله كل يوم قيراطان)) أي أن من أتلف كلبا فإنه لا يغرم ثمنه لصاحبه، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على أقوال:
القول الأول: وهو ما ذكره المصنف من عدم الضمان وهو مذهب الحنابلة والشافعية, واحتجوا بأحاديث النهي عن بيع الكلب وهي عامة في المعلم وغيره, فيدل على أنه لا قيمة له.
القول الثاني: الكلب المعلم من كلب الصيد أو الماشية أو الحرث له قيمته, أما غيره فلا قيمة له, وهو مذهب المالكية، واحتجوا عليه بأن الكلب المعلم مباح في اتخاذه, فيحرم إتلافه, وفيه الضمان.
القول الثالث: في الكلب قيمته مطلقاً, وهو مذهب الحنفية بناء على قولهم بجواز بيعه.
وذكر الحافظ ابن حجر وغيره أن مبنى الخلاف في المسألة أن الحنابلة والشافعية يرون نجاسة الكلب نجاسة عينية فلذا لا يصح بيعه, وقيمته متلفة ولا يباح بحال.
أما المالكية فلا يرون نجاسته, وإنما يرون منع بيعه لما ورد من الأحاديث, وما كان مأذونا في اتخاذه شرعاً فله القيمة, وهو كلب الصيد والماشية والحرث.
قال المصنف: (ولا يجوز بيع ما ليس بمملوك لبائعه إلا بإذن مالكه أو ولاية عليه) هذا تفريع لما تقدم من قول المصنف (ويجوز بيع كل مملوك) وقد تقدم أن من شروط البيع أن يكون المبيع مملوكا للبائع أو مأذونا له فيه فلا يجوز بيع ما ليس مملوكا للبائع أو مأذونا له بأن يكون وصيا أو وليا أو ناظرا أو وكيلا كما تقدم، وبهذا قال جماهير أهل العلم وعليه في الجملة المذاهب الأربعة، لما تقدم من حديث حكيم بن حزام t قال: أتيت رسول الله r فقلت: يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندى أبتاع له من السوق ثم أبيعه, قال: (لا تبع ما ليس عندك).
ولأنه عقد على ما لا يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء.
والقول الثاني في ذلك: أنه يصح أن يبيع الإنسان ما لا يملك ويكون موقوفاً على إجازة المالك لما روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه دينارا ليشتري به شاة فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق قال: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار والشاة وأخبرته فقال : بارك الله لك في صفقة يمينك" رواه ابن ماجه.
وأجيب عن هذا بأن حديث عروة محمول على أنه كانت وكالته مطلقة بدليل أنه سلم وتسلم وليس ذلك لغير المالك باتفاق.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-12-06 ||, 07:48 AM
بارك الله فيكم، أستاذنا الكريم، ونفع بعلكم، وجعلكم قرة عين لأمتكم.
بالمناسبة أخي العزيز الشيخ أمين هو رفيقي في أثناء دراستي في القصيم، سكنا سوياً في عنيزة وفي بريدة، ورأيته نعم الرجل، ذو اهتمام بالغ بالتقعيد الفقهي والأصولي مع بعد في النظر وعمق في الرؤية، وأهم من هذا كله أنه من ألين الناس معشرا، زادنا الله وإياه من فضله.

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-07 ||, 08:44 PM
أقترح على فضيلتكم إفراد كل درس بموضوع مستقل...
وجزاكم الله خيرا ونفع بكم...

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-07 ||, 09:00 PM
ولن ألتزم الترجيح في كل مسألة قناعة مني بأنه مسائل البيوع بخاصة لا يصار إلى الجزم فيها بالراجح في كثير من مسائلها لما يشوب هذا الباب من العلم من سعة الخلاف فيه، وقلة النصوص الصريحة التي يمكن أن يصار إليها في تحقيق الراجح في كل مسألة، فللقياس في هذا الباب -من العلم- والنظر في المقاصد والكليات الشرعية مقام لا يخفى على كل من له عناية به

جزاكم الله خيرا على هذه الفائدة وما رأيكم بالعبارة التالية:
ما لا يتغير بتغير الزمان والمكان كمسائل العقيدة والعبادات جاءت نصوص الشريعة فيها مفصلة وما يتغير بتغير الزمان والمكان جاءت الشريعة فيها بقواعد ومبادئ عامة.

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-07 ||, 09:06 PM
ويرد بمعنى الشراء, فهو من الأضداد.


هل لفظة البيع ترد بمعنى الشراء أم لفظة الابتياع؟

أمين بن منصور الدعيس
10-12-08 ||, 09:26 AM
أولا: أخي أبا فراس جزاك الله عني خيرا، أما ما ذكرت فذاك كله من حسن ظنك بصاحبك، وقد قيل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أما وقد قلت ما قلت فالله يعلم أنك من خير من عاشرته وساكنته، غفر لله لي ولك.
ثانيا: أخي عبد العزيز الكويكبي
سرني تفاعلك في هذا الدرس وحسن ظنك بصاحبه، أما ما ذكرت من إفراد كل درس بموضوع فهذا كان في ذهني لكن أخشى أن تتشتت الدروس، فأرى أن جمعها في مكان واحد قد يكون أسهل في الوصول إليها، لكن الذي احب أن استفسر عنه إخواننا في الملتقى المشرفين، هل يمكن أن أضيف الدرس الثاني مثلا تحت الدرس الأول مباشرة في نفس الموضوع الأول دون إضافة رد جديد، وعلى العموم الأمر في الترتيب هذا أحيله على المشرفين على الموقع يختاروا ما يكون أنسب في العرض.
وأما بالنسبة للعبارة التي ذكرتها فعند بادئ الرأي والنظرة الأولى لها أرى أنها لا غبار عليها، ولكن هل ذكر ذلك أحد من أهل العلم نحتاج أن تفيدنا بذلك.
وأما إطلاق البيع على الشراء فهو وارد وقد ذكره أهل العلم ففي لسان العرب - (8 / 23)
"البيعُ ضدّ الشراء والبَيْع الشراء أَيضاً وهو من الأَضْداد وبِعْتُ الشيء شَرَيْتُه أَبيعُه بَيْعاً ومَبيعاً وهو شاذ وقياسه مَباعاً والابْتِياعُ الاشْتراء وفي الحديث لا يخْطُبِ الرجلُ على خِطْبة أَخِيه ولا يَبِعْ على بَيْعِ أَخِيه قال أَبو عبيد كان أَبو عبيدة وأَبو زيد وغيرهما من أَهل العلم يقولون إِنما النهي في قوله لا يبع على بيع أَخيه إِنما هو لا يشتر على شراء أَخيه فإِنما وقع النهي على المشتري لا على البائع لأَن العرب تقول بعت الشيء بمعنى اشتريته"

أمين بن منصور الدعيس
10-12-09 ||, 06:42 PM
الدرس الثالث:


قال المصنف: (ولا بيع ما لا نفع فيه كالحشرات) اتفقت المذاهب الأربعة على أن ما لا نفع فيه لا يجوز بيعه، ومن هنا قالوا بعدم صحة بيع الحشرات، قال ابن قدامة (4/174): «ولا يجوز بيع ما لا منفعة فيه.... لأنه لا نفع فيه ، فأخذ ثمنه أكل مال بالباطل». أما ما فيه نفع من الحشرات فقد نص الفقهاء على صور جائزة منه، فعلى هذا لا مانع من بيع ما فيه نفع من الحشرات كالحشرات المستخدمة في المختبرات أو الدود المستخدم للصيد، ومثل دودة القز.
قال المصنف: (ولا ما نفعه محرم كالخمر والميتة) وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لما ثبت عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: (إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ).
ولما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم: (إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه). متفق عليه
وتقدم النقل عن ابن القيم في التعليق على هذا الحديث
وقد نقل ابن المنذر الإجماع على تحريم بيع الخنزير والميتة.
وقول المصنف: (والميته) عام أريد به الخصوص فيستثنى منه ميتة السمك والجراد, لما رواه ابن ماجه عن عبد الله ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: (أحلت لكم ميتتان ودمان, فأما الميتتان فالحوت والجراد وأما الدمان فالكبد والطحال).
وأما ما ذكر في الحديث من تحريم الأصنام فقد قال عنه ابن القيم (زاد المعاد 5/675): «وأما تحريم بيع الأصنام فيستفاد منه تحريم بيع كل آلة متخذة للشرك على أي وجه ومن أي نوع كانت صنما أو وثنا أو صليبا، وكذلك الكتب المشتملة على شرك غير الله، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها».
ومما يذكره أهل العلم تحت هذه المسألة هاتان القاعدتان:
الأولى:كل عين يحرم الانتفاع بها يحرم بيعها ولا عكس ، فليس كل ما يحرم بيعه يحرم الانتفاع به مثل الكلب والميتة.
الثانية:كل عين يحرم الانتفاع بها يحرم أكلها ولا عكس، فليس كل عين يحرم أكلها يحرم الانتفاع بها فالحمار يحرم أكله ويجوز الانتفاع به.
قال المصنف: (ولا بيع معدوم كالذي تحمل أمته أو شجرته أو مجهول كالحمل) هذا هو الشرط الثالث من شروط البيع التي ذكرها المصنف وهو كون المبيع معلوما، فلا يصح بيع المعدوم والمجهول، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم في الجملة، وذلك لما في ذلك من الغرر والجهالة، والأصل المنع من كل معاملة تضمنت جهالة أو غرر معتبرين، وهذا المعنى قد دلت عليه جملة من النصوص منها:
1-ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وبيع الغرر.
2- ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع حبل الحبلة.متفق عليه
وحبل الحبلة أن يبيعه نتاج ما في بطن الناقة.
3- ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع.وفي رواية نهى عن بيع الثمر حتى يزهو وعن بيع الحب حتى يشتد ويأمن العاهة.
4- ما ثبت في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع.
قال المصنف: (والغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته)
يتكلم المصنف هنا عما إذا كان المبيع عينا غائبة غير موصوفة في الذمة، كأن يقول بعتك سيارتي المعينة دون أن يصفها له أو يراها، فذكر رحمه الله أن مثل هذا مما لا يجوز بيعه، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على أقوال:
قال الشيخ يوسف الشبيلي (بتصرف):
"القول الأول :جواز بيع العين الغائبة إذا علم المشتري جنسها مطلقاً، ولو لم يرها أو توصف له.
وهذا مذهب الحنفية واختيار ابن تيمية إلا أنه ضعفه في موضع آخر،ثم إن أصحاب هذا القول أثبتوا للمشتري خيار الرؤية مطلقا، بمعنى ان له الخيار في إمضاء البيع أو فسخه عندما يرى السلعة، سواء وجد المبيع كما وصف له أم لا، وسواء شرط ذلك في العقد أم لا.
القول الثاني: المنع من بيع العين الغائبة ولو عرف جنسها ووصفها .
وهذا مذهب الشافعي في الجديد.
القول الثالث:جواز بيع العين الغائبة بشرط أن يصفها وصفاً منضبطا بحيث يبين جنسها وصفاتها كاملة.
وهذا مذهب المالكية والحنابلة واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
وعلى هذا القول فليس للمشتري خيار رؤية إلا إذا جاء المبيع على غير ما وصف له وتسميته خيار رؤية تجوز وإلا فإنه خيار خلف في الصفة وليس خيار رؤية.
استدل أصحاب هذا القول بما يلي :
1-بنهيه r عن الغرر ومن الغرر أن يشتري ما لم يره أو يوصف له.
2-أن الصفة تقوم مقام رؤية الموصوف،ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (لا تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها) أخرجه البخاري.
الترجيح:
الراجح والله أعلم أنه يجوز بيع العين الغائبة إذا تحقق أحد أمرين:
الأول:وصف العين وصفاً منضبطاً،ولا يكون للمشتري في هذه الحالة الخيار إلا إذا تبينت السلعة على خلاف ما وصف له.
الثاني:أن يكون للمشتري الخيار برؤية المبيع بحيث يتفق العاقدان على أن للمشتري الخيار عند رؤية المبيع فيصح البيع وإن لم توصف له السلعة وصفاً منضبطاًَ؛ لأن هذا البيع وإن تضمن غرراً إلا أنه غير مؤثر لأنه لا يضر بأي من العاقدين.
وبهذا يعلم أن خيار الرؤية يثبت بالشرط لا بأصل الشرع.
تطبيقات معاصرة على هذه المسألة:
1-جواز استئجار الإنسان في فندق أو شقق عبر الهاتف مثلاً وإن لم ير الغرفة أو الشقة بشرط أن توصف وصفاُمنضبطاً.
2-بيع البضائع البحرية عن طريق تظهير بوليصة الشحن،حيث اعتاد التجار على بيع البضائع وهي في السفن عن طريق تسجيل بوليصة الشحن باسم المشتري دون أن ينظر المشتري إلى البضاعة. وبوليصة الشحن هي سند الشحن وهي بمثابة الإيصال المعتمد دوليا ًباستلام الجهة الشاحنة للبضاعة"
قال المصنف: (ولا معجوز عن تسليمه)
ذكر المصنف رحمة الله هنا الشرط الرابع من شروط البيع، وهو أن يكون المبيع مقدورا على تسليمه، والدليل على ذلك ما تقدم من النهي عن الغرر فلا شك أن بيع ما لا يقدر على تسليمه هو من جملة بيوع الغرر، كما أنه داخل في النهي عن الميسر في قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه..)، وما لا يقدر على تسليمه عادة يباع بأقل من سعره، فالمشتري فيه دائر بين الغنم إن وجده، والغرم إن لم يجده، وهذه هي حقيقة الميسر، ثم إن مثل هذه البيوع غالبا مدعاة للعداوة والبغضاء.
قال المصنف: (كالآبق والشارد) الآبق هو العبد الهارب من سيده، وظاهر كلام المصنف أنه يصح بيعه سواء كان المشتري عالما بمكانه وقادرا عليه، أولا.
وذهب طائفة من أهل العلم إلى جواز بيع العبد الآبق إذا كان المشتري قادرا على رده، وهو ما اختاره شيخنا العثيمين، شريطة أن يُبين للبائع أنه قادر على رده حتى لا يغر البائع فيبيعه بدون ثمنه المعتاد.
قال المصنف: (والطير في الهواء) فلا يصح يبع الطير في الهواء لعدم القدرة عليه، وفرق بعض أهل العلم بين أن يكون الطير من عادته الرجوع كالحمام المعتاد للرجوع إلى صاحبه، وبين ما لا يعتاد الرجوع، فأجاز بيع الأول، ويكون للمشتري خيار الفسخ إن لم يعد الطير، وهو اختيار شيخنا العثيمين.
قال المصنف: (والسمك في الماء) فلا يصح بيع السمك في الماء للغرر الحاصل بسبب عدم القدرة على تسليمه، ولما أخرجه الإمام أحمد من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر)، ولكن الحديث لا يصح مرفوعا.
قال ابن قدامة (المغني 4/142): "لا يجوز بيعه –أي السمك- في الماء إلا أن يجتمع ثلاثة شروط أحدها: أن يكون مملوكا. الثاني: أن يكون الماء رقيقا, لا يمنع مشاهدته ومعرفته . الثالث: أن يمكن اصطياده وإمساكه . فإن اجتمعت هذه الشروط , جاز بيعه ; لأنه مملوك معلوم مقدور على تسليمه ; فجاز بيعه , كالموضوع في الطست".
قال المصنف: (ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه أو من يقدر على أخذه منه) لأنه بيعه لغيرهم من جملة الغرر إذ لا يقدر المشتري على تسلمه، وهذا مذهب جمهور أهل العلم، وأجاز الحنفية بيع المغصوب من غير غاصبة سواء كان قادراً على أخذه أو لا، ويكون نفاذ العقد موقوفا على التسليم، فإن سلم نفذ، وإلا فلا.
قال المصنف: (ولا بيع غير معين) هذا هو الشرط الخامس من شروط البيع وهو أن يكون المعقود عليه معلوما وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.
ويحصل العلم بالمبيع بأحد أمرين:
الأول: رؤيته وقت العقد أو قبله بمدة لا يتغير المبيع معها .
الثاني: وصفه بما يكفي في السلم بحيث يذكر الأوصاف التي يختلف الثمن بها غالبا، وهذا في حال كون المبيع غائبا عن مجلس العقد، وهذا لا إشكال فيه بين أهل العلم إذا كان المبيع الغائب موصوفا في الذمة غير معين، فأهل العلم متفقون على جواز بيع الموصوف في الذمة بشرط كونه مملوكا للبائع حال البيع، أما إن كان المبيع الغائب معينا غير موصوف في الذمة فهو محل خلاف بين أهل العلم وتقدم الكلام فيه عند قول المصنف: (والغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته)

قال المصنف: (كعبد من عبيده أو شاة من قطيع) وذلك لعدم تعيين المبيع، ومثل هذا لا يخلو من غرر، وعاقبته الاختلاف والعداوة والخصام، وظاهر كلام المصنف ولو تساوت قيم العبيد أو الشياه، قال شيخنا العثيمين(الشرح الممتع 8 / 161): "وهذا فيه خلاف بين أهل العلم، فإن منهم من قال: إذا تساوت القيم صح البيع، وفي هذا القول ـ أيضاً ـ شيء من النظر؛ لأنها قد تتساوى القيم مع اختلاف الصفات، فمثلاً هذا قيمته مائة لأنه سمين، والثاني قيمته مائة؛ لأنه حامل... فتساوي القيم في الواقع لا يرفع الجهالة إذا كان المقصود عين المبيع، أما إذا كان المقصود التجارة فإنه إذا تساوت القيم فلا جهالة؛ لأن التجارة يُراد بها الثمن أو القيمة"
قال المصنف: ( إلا فيما تتساوى أجزاؤه كقفيز من صبرة) لأنه يكون معلوما حينئذ، فيجوز بيعه.
والقفيز: هو نوع من المكاييل. وأما الصبرة: فهي الكومة من الطعام.
- مسألة: حكم بيع الأنموذج:
بيع الأنموذج هو أن يري البائع المشتري عينة من السلعة التي يريد بيعها له، ويبيعه إياها على أن السلعة من جنس النموذج دون وصف لها، وأهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: ذهب الحنابلة إلى عدم صحة البيع، وإلى ذلك ذهب الشافعية في الجملة، لما في ذلك من الغرر.
الثاني: ذهب الحنفية والمالكية إلى جوازه لأن ضبط الأنموذج كذكر الصفات، ولأن مثل هذا يحصل به العلم المشترط في المبيع، وهذا هو اختيار شيخنا العثيمين.
ويدخل تحت هذا الباب من المسائل المعاصرة السلع المعروضة في مواقع الإنترنت فهي في حكم بيع الأنموذج.

أمين بن منصور الدعيس
10-12-14 ||, 07:14 AM
الدرس الرابع:

فصل

قال المصنف: (ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الملامسة)
يدل على ذلك ما ثبت في الصحيح من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن المنابذة ونهى عن بيع الملامسة.
قال ابن قدامة (4/145): "لا نعلم بين أهل العلم خلافا في فساد هذين البيعين".
قال المصنف: (وهي أن يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا)
ما ذكره المصنف هو إحدى صور بيع الملامسة، وقد ذكر أهل العلم لهذا البيع صورا:
الأولى: ما ذكره المصنف بأن يبيعه شيئا على أنه متى لمسه لزم البيع.
الثانية: وهذا التفسير هو تفسير الشافعي أن يلمس ثوبا مطويا , أو في ظلمة , ثم يشتريه على أن لا خيار له إذا رآه , اكتفاء بلمسه عن رؤيته، وفي صحيح مسلم: «والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك» .
قال المصنف: (وعن المنابذة وهي أن يقول: أي ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا)
وكون هذا البيع من البيوع المنهي عنها محل إجماع بين أهل العلم، يدل على ذلك ما تقدم من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولما في مثل هذا البيع من الجهالة والغرر المنهي عنهما، وقد اختلف أهل العلم في تفسير بيع المنابذة، قال في الموسوعة الكويتية: "صورها الفقهاء فيما يأتي :
أ - أن ينبذ كل واحد من المتبايعين ثوبه إلى الآخر , ولا ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه - أو ينبذه إليه بلا تأمل كما عبر المالكية - على جعل النبذ بيعا . وهذا التفسير المأثور عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في رواية مسلم : { فيكون ذلك بيعهما , من غير نظر ولا تراض } وهو المنقول عن أبي حنيفة - رحمه الله تعالى .
ب - أن يجعلا النبذ بيعا , اكتفاء به عن الصيغة , فيقول أحدهما : أنبذ إليك ثوبا بعشرة , فيأخذه الآخر ( والصورة الأولى فيها مشاركة بخلاف هذه ) .
ج - أن يقول : بعتك هذا بكذا , على أني إذا نبذته إليك , لزم البيع وانقطع الخيار .
د - أن يقول : أي ثوب نبذته إلي فقد اشتريته بكذا , وهذا ظاهر كلام أحمد - رحمه الله تعالى".
قال المصنف: (وعن بيع الحصاة) وهو من البيوع المنهي عنها بإجماع أهل العلم، يدل على ذلك ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة وبيع الغرر.أخرجه مسلم
قال المنصف: (وهو أن يقول: أرم هذه الحصاة فأي ثوب وقعت عليه فهو عليك بكذا، أو بعتك ما تبلغ هذه الحصاة من هذه الأرض إذا رميتها بكذا) وهناك صورة ثالثة لهذا البيع ذكرها أهل العلم وهي أن يقول: بعتك هذا بكذا, على أني متى رميت هذه الحصاة, وجب البيع .
قال ابن قدامة بعد أن ساق هذه الصور (المغني 4/146): "وكل هذه البيوع فاسدة ; لما فيها من الغرر والجهل . ولا نعلم فيه خلاف"
قال المصنف: (وعن بيع الرجل على بيع أخيه) صورة بيع الرجل على بيع أخيه ذكرها ابن قدامة بقوله (المغني 4/149): «معناه أن الرجلين إذا تبايعا , فجاء آخر إلى المشتري في مدة الخيار فقال : أنا أبيعك مثل هذه السلعة بدون هذا الثمن , أو أبيعك خيرا منها بثمنها , أو دونه أو عرض عليه سلعة رغب فيها المشتري , ففسخ البيع , واشترى».
ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم بيع المسلم على بيع أخيه، وحكى النووي والعراقي الإجماع على تحريمه، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يبع بعضكم على بيع بعض). وفي لفظ آخر عن مسلم: ( لا يبع الرجل على بيع أخيه , ولا يخطب على خطبة أخيه , إلا أن يأذن له) . وفي لفظ آخر عند النسائي: (لا يبع بعضكم على بيع بعض , حتى يبتاع أو يذر).
وإنما الخلاف في صحة البيع من بطلانه:
القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية على أن البيع صحيح مع التحريم، لتحقق شروط البيع وأركانه، والنهي إنما جاء لأجل ما في هذا البيع من إيذاء المسلم لأخيه، وليس النهي راجعا لذات العقد، ولأن المحرم هو عرض سلعته على المشتري, أو قوله الذي فسخ البيع من أجله , وذلك سابق على البيع.
القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى بطلانه, للنهي الوارد في الحديث والنهي يقتضي الفساد، واختاره شيخنا العثيمين
- مسألة:
هل النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه مختص بزمن الخيارين أعني خيار المجلس والشرط، أو هو عام ولو بعد مدة الخيارين؟
جمهور أهل العلم على أن النهي مختص بزمن الخيارين، لأنه هو الزمن الذي يمكن للمشتري فيه فسخ البيع، واختار شيخنا العثيمين أن النهي عام لا يختص بزمن الخيارين وذلك لأمور:
لعموم حديث "لا يبع أحدكم على بيع أخيه". 2- لأنه ربما يتحايل على الفسخ كأن يدعي عيباً. 3- أنه يؤدي إلى العداوة .
لكن إن كان بعد مدة طويلة فلا بأس بذلك.
- مسألة: هل يجوز بيع المسلم على بيع الكافر؟
الذي عليه عامة أهل العلم أن النهي عام ولا يختص ببيع المسلم على بيع أخيه قال ابن عبد البر (التمهيد 13/318-319): «لا أعلم خلافا في أن الذمي لا يجوز لأحد أن يبيع على بيعه ولا يسوم على سومه, وأنه والمسلم في ذلك سواء, إلا الأوزاعي فإنه قال: لا بأس بدخول المسلم على الذمي في سومه؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خاطب المسلمين في أن لا يبيع بعضهم على بيع بعض, وخاطب المسلم أن لا يبيع على بيع أخيه المسلم, فليس الذمي كذلك, وقال سائر العلماء لا يجوز ذلك, والحجة لهم أنه كما دخل الذمي في النهي عن النجش, وفي ربح ما لم يضمن, ونحوه, كلذلك يدخل في هذا,».
مسألة: حكم الشراء على شراء أخيه:
لا يجوز عند جمهور أهل العلم شراء الرجل على شراء أخيه بأن يأتي المشتري للبائع بعد أن باع السلعة لمشتر آخر فيقول له أنا أشتريها منك بكذا، وذلك قياسا على بيعه على بيع أخيه، ثم إنه قد تقدم أن البيع يطلق على في اللغة على الشراء ، وهل هو مختص بزمن الخيارين أو بعدهما؟ فيه ما تقدم من الخلاف.
مسألة: حكم السوم على سوم أخيه
وهو أن يتساوم رجلان , فطلب البائع بسلعته ثمنا , ورضي المشتري بذلك الثمن , واتفقا عليه ولكن لم يتم العقد بعد، فجاء مشتر آخر , ودخل على سوم الأول , فاشتراه بزيادة أو بذلك الثمن نفسه، فهذا البيع محرم عند جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة واستدلوا بظاهر النهي عنه كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (لا يسم المسلم على سوم أخيه). ولما في مثل هذا من نشر العداوة والبغضاء بين المسلمين.
وذهب الحنفية إلى كراهة مثل هذا البيع دون تحريمه.
وأما من حيث صحة البيع وفساده فالجمهور على صحته، وذهب الحنابلة إلى فساد العقد لظاهر النهي.
فائدة: النهي عن السوم على سوم أخيه مقيد بأمرين:
الأول:ألا يكون بيع مزايدة كما في المزادات العلنية فإن كان كذلك فهو جائز بالإجماع .
الثاني:أن يكون بعد رضا المالك والمستام وركون كل واحد منهما للآخر.
قال المصنف: (وعن بيع حاضر لباد وهو أن يكون له سمسارا)
السمسار هو: الوسيط بين البائع والمشتري لإتمام البيع بأجر
صورة بيع الحاضر للباد أشار إليها ابن دقيق بقوله (إحكام الإحكام 2/114): «صورته: أن يحمل البدوي أو القروي متاعه إلى البلد ليبيعه بسعر يومه ويرجع فيأتيه البلدي فيقول : ضعه عندي لأبيعه على التدريج بزيادة سعر».
و هذا البيع حرام باتفاق الأئمة الأربعة؛ لما في الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تلقوا الركبان ولا يبع حاضر لباد) قال طاووس: فقلت لابن عباس: ما قوله لا يبيع حاضر لباد؟ قال: لا يكون له سمسارا.
ثم إن هذا البيع يؤدي إلى الإضرار بأهل البلد, والتضييق على الناس لأنه متى تُرك البدوي يبيع سلعته, فسيشتريها الناس منه بسعر يومها أو ما هو أرخص من ذلك، فيحصل لهم بذلك سعة في السعر، أما إذا تولى الحاضر ذلك فإنه سيبيعها بسعر البلد لا سعر اليوم، ويتحين فيها الربح، فيحصل بذلك التضييق على أهل البلد، وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما في الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: (لا يبع حاضر لباد، دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض).
ثم اختلف بعد ذلك القائلون بالتحريم في صحة العقد على قولين:
القول الأول: ذهب الحنفية، والشافعية إلى أن البيع صحيح مع التحريم وذلك لأن النهي ليس متعلقا بذات البيع وإنما بوصف طارئ عليه، ثم إن أركان البيع وشروطه متوفرة فيه.
القول الثاني: ذهب المالكية والحنابلة إلى بطلان البيع وذلك لظاهر النهي في الحديث، والأصل في النهي الفساد.
مسألة: قيد الحنابلة حرمة بيع الحاضر للباد وبطلان البيع بخمسة شروط:
أن يكون البادي قاصداً بيع سلعته فإن قدم لتخزينها او أكلها فلا يحرم على الحاضر أن يعرض عليه بيعها له.
أن يكون قاصدا لبيعها بسعر يومها، فلو كان يقصد بيعها بأزيد من ذلك لم يحرم.
أن يكون جاهلا بسعرها في البلد.
أن يقصده الحاضر، فلو كان البادي هو القاصد فلا يحرم.
أن يكون بالناس حاجة إليها، فلا تكون من الكماليات التي لا يحصل التضييق على الناس ببيع الحاضر لها.
قال الشيخ يوسف الشبيلي: "مما تقدم يعلم حكم الوكالات التجارية،وعقود التوزيع فإنها لاتعتبر من بيع الحاضر للبادي لأمرين:
الأول:أن الشركة المنتجة على علم مسبق بالأسعار.
الثاني:أن الشركة المنتجة هي التي تقصد الموزعين وليس العكس".
مسألة: هل يقيد المنع من بيع الحاضر للباد بأن يكون ذلك بأجر؟
ظاهر النهي في الحديث أن ذلك عام سواء باع له بأجر أو بدون أجر وهو الأرجح لأن علة التضييق على أهل البلد قائمة، وذهب بعض أهل العلم إلى جواز ذلك إن كان بدون أجر أخذا بقول ابن عباس: لا يكون له سمساراً. فإن ظاهره جواز ذلك لغير السمسار الذي لا يأخذ أجرا وإنما يفعل ذلك نصحا للبائع، وهذا القول هو ظاهر ترجمة البخاري فإنه قال: "باب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر، وكرهه ابن عباس".
مسألة: هل للحاضر أن يشير على البادي؟
مذهب الحنابلة والشافعية جواز ذلك، لأنه لم يبع له فلا يدخل في النهي، ولأنه من نصح المسلم لأخيه المسلم، ورويت الكراهة عن مالك والليث، قال ابن قدامة (المغني 4/152): "رخص فيه طلحة بن عبيد الله والأوزاعي وابن المنذر , وكرهه مالك والليث وقول الصحابي حجة , ما لم يثبت خلافه ."
مسألة: شراء الحاضر للباد
المشهور من مذهب الحنابلة جواز شراء الحاضر للباد ، وبه قال الحسن، وذهب طائفة من أهل العلم إلى المنع منه، وهو رواية عن مالك، وروي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: هي كلمة جامعة, يقول : لا تبيعن له شيئا , ولا تبتاعن له شيئا .
قال ابن قدامة مرجحا ما ذهب إليه الحنابلة (المغني 4/151): "النهي غير متناول للشراء بلفظه , ولا هو في معناه , فإن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر , ليتسع عليهم السعر , ويزول عنهم الضرر , وليس ذلك في الشراء لهم , إذ لا يتضررون , لعدم الغبن للبادين , بل هو دفع الضرر عنهم , والخلق في نظر الشارع على السواء , فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر , لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر" 1- 1. 2. 3. 4. 5.

سيدي محمد ولد محمد المصطفى ولد أحمد
10-12-14 ||, 07:37 AM
أولا: أخي أبا فراس جزاك الله عني خيرا، أما ما ذكرت فذاك كله من حسن ظنك بصاحبك، وقد قيل تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، أما وقد قلت ما قلت فالله يعلم أنك من خير من عاشرته وساكنته، غفر لله لي ولك.
ثانيا: أخي عبد العزيز الكويكبي
سرني تفاعلك في هذا الدرس وحسن ظنك بصاحبه، أما ما ذكرت من إفراد كل درس بموضوع فهذا كان في ذهني لكن أخشى أن تتشتت الدروس، فأرى أن جمعها في مكان واحد قد يكون أسهل في الوصول إليها، لكن الذي احب أن استفسر عنه إخواننا في الملتقى المشرفين، هل يمكن أن أضيف الدرس الثاني مثلا تحت الدرس الأول مباشرة في نفس الموضوع الأول دون إضافة رد جديد، وعلى العموم الأمر في الترتيب هذا أحيله على المشرفين على الموقع يختاروا ما يكون أنسب في العرض.
وأما بالنسبة للعبارة التي ذكرتها فعند بادئ الرأي والنظرة الأولى لها أرى أنها لا غبار عليها، ولكن هل ذكر ذلك أحد من أهل العلم نحتاج أن تفيدنا بذلك.
وأما إطلاق البيع على الشراء فهو وارد وقد ذكره أهل العلم ففي لسان العرب - (8 / 23)
"البيعُ ضدّ الشراء والبَيْع الشراء أَيضاً وهو من الأَضْداد وبِعْتُ الشيء شَرَيْتُه أَبيعُه بَيْعاً ومَبيعاً وهو شاذ وقياسه مَباعاً والابْتِياعُ الاشْتراء وفي الحديث لا يخْطُبِ الرجلُ على خِطْبة أَخِيه ولا يَبِعْ على بَيْعِ أَخِيه قال أَبو عبيد كان أَبو عبيدة وأَبو زيد وغيرهما من أَهل العلم يقولون إِنما النهي في قوله لا يبع على بيع أَخيه إِنما هو لا يشتر على شراء أَخيه فإِنما وقع النهي على المشتري لا على البائع لأَن العرب تقول بعت الشيء بمعنى اشتريته"
وفي الحديث (البيِّعان بالخيار)
والله أعلم

أمين بن منصور الدعيس
10-12-17 ||, 06:12 PM
الدرس الخامس

قال المصنف: (وعن النجش وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شرائها)
النَّجْش بفتح النون المشددة, وسكون الجيم: هو في اللغة بمعنى استثارة الشيء، يقال : نجش الطائر : إذا أثاره من مكانه، وسمي به هذا البيع لأن الناجش يستثير المشتري ويدفعه للزيادة.
وأما في الاصطلاح الفقهي فالنجش هو كما ذكر المصنف: الزيادة في السلعة ممن لا يريد شراءها وسواء كان قصده نفع البائع بزيادة الثمن, أو الضرر بالمشتري, أو كلا الأمرين.
وبيع النجش محرم بإجماع أهل العلم كما حكاه النووي و العراقي وغيرهم، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن النجش.
وهل بيع النجش فاسد أولا؟ قولان عند أهل العلم:
القول الأول: مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة أن البيع صحيح إذ النجش فعل الناجش لا العاقد، لكن ذهب بعض القائلين بصحة البيع إلى أنه وإن صححنا البيع إلا أن للمشتري خيار الفسخ في حال كان الغبن فاحشا.
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن بيع النجش فاسد؛ وذلك لظاهر النهي، فالأصل أن النهي يقتضي الفساد.
قال المصنف: (وعن بيعتين في بيعة)
اتفقت المذاهب الأربعة على تحريم بيع العينة، وإن كانوا يختلفون فيما يدخل من الصور في هذا البيع، يدل على تحريم هذا البيع ما ثبت من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة", رواه أحمد والنسائي, ولأبي داود: "من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا".
قال المصنف: (وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة، أو يقول بعتك هذا على أن تبيعني هذا أو تشتري مني هذا)
ذكر المصنف هنا صورتين من الصور التي فُسر بها هذا البيع:
الأولى: أن يبيع السلعة بسعرين من غير أن يبت في أحدهما، ويفترقا دون أن يحددا أحد السعرين، وأشار المصنف إلى هذه الصورة بقوله: (وهو أن يقول: بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة) وهذه الصورة قال بها جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.
الثانية: أن المراد ببيعتين في بيعة أن يشترط عقداً في عقد البيع، وهي ما أشار إليه بقوله: (أو يقول بعتك هذا على أن تبيعني هذا أو تشتري مني هذا) وبهذا التفسير قال الشافعية والحنابلة والحنفية أيضاً.
وهناك صور أخرى فسر بها هذا البيع أيضا:
الثالثة: أن المراد به قلب الدين على المعسر فيبيع الدين المؤجل على المدين إلى أجل آخر مع الزيادة عليه، وبهذا التفسير قال الخطابي.
الرابعة: أن يعرض السلعة بسعرين كأن يقول: هذه السلعة بمائة نقداً أو بمائة وعشرين نسيئة. فلا يجوز ولو تم البيع بأحد السعرين، وهذه الصورة هي التي اختارها الشيخ الألباني رحمه الله، ولهذا حرم بيع التقسيط.
الخامسة: أن المراد بهذا البيع بيع العينة، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ا بن تيمية، وابن القيم، واختاره شيخنا العثيمين، وصورة بيع العينية أن يبيع شخصا سلعة بثمن إلى أجل، ثم يشتريها منه نقدا بدون الثمن الذي باعها له به، واستدلوا بما أخرجه ابو داود من عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا "، وهذا ينطبق على بيع العينة فإن البائع إما أن يأخذ الثمن الزائد فيكون آخذا للربا، أو يأخذ الأقل فيكون قد أخذ بالأوكس.

قال المصنف: (وقال: (لا تلقوا السلع حتى يهبط بها الأسواق))
ما نقله المصنف رحمه الله هنا هو ما ثبت في البخاري من حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما
: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( لا يبيع بعضكم على بيع بعض ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى السوق )
وأشار المصنف رحمه الله بهذا الحديث إلى النهي عن تلقي الركبان, والنهي عن تلقي الركبان جاء النهي عنه في السنة المطهرة بألفاظ مختلفة، فتارة يعبر بالنهي عن تلقي الجلب، وتارة بالنهي عن تلقي الركبان، وأخرى بالنهي عن تلقي السلع، وجميع هذه الألفاظ تدور حول معنى واحد، ومن ثم فقد عبر كل مذهب من المذهب الفقهية بأحد هذه الألفاظ، فترى الحنفية يعبرون بتلقي الجلب، والمالكية بتلقي السلع، وأما الشافعية والحنابلة فبتلقي الركبان.
واختلف أهل العلم في حكم هذا البيع على قولين: :
القول الأول: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى تحريم تلقي الركبان؛ لظاهر النهي كما في حديث ابن عمر المتقدم , وما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:"لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار )، والأصل في النهي التحريم، ولما في ذلك من الضرر إما بالبائع بأن يغبن غبنا بينا، أو بأهل البلد؛ لأن الركبان إذا وصلوا باعوا أمتعتهم بما تيسر، والذين يتلقونهم ويشترون منهم يتربصون بالسلعة الربح فيحصل الضرر بأهل البلد
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى جواز بيع التلقي ما لم يضر بأهل البلد أو يحصل به غلاء السعر على الواردين ببضائعهم على البلد، لأن البيع مشروع في ذاته , والنهي لغيره وهو الإضرار بالعامة لما يحصل لهم من غلاء السعر، ثم إنه قد يكون فيه تغرير بأصحاب السلع فقد يشتري المتلقي منهم بدون سعر البلد، فمتى ما لم يحصل شيء من ذلك جاز البيع، وقالوا مما يدل على ذلك ما أخرجه البخاري من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كنا نتلقى الركبان فنشتري منهم الطعام فنهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام".
وأجيب عن هذا الحديث بأنه محمول على أن الصحابة كانوا يتلقونهم بأعلى السوق، لا أنهم كانوا يتلقونهم خارج البلد، ولذا قال البخاري بعد أن ساق حديث ابن عمر: هذا في أعلى السوق يبينه حديث عبيد الله.
ومراده بحديث عبيد الله ما أخرجه أبو داود من حديث عبيد الله العمري عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كانوا يتبايعون الطعام جزافا بأعلى السوق، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى ينقلوه.
مسألة: ذهب عامة أهل العلم و الذي عليه المذاهب الأربعة إلى صحة هذا البيع وذلك لثبوت الخيار فيه في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار )، ولأن النهي ليس عائداً على ذات المبيع وإنما هو عائد لمعنى فيه من جهة ما في هذا البيع من الخديعة والتغرير، ومثل هذا يمكن تداركه بالخيار كما في بيع المصراة.
قال المصنف: (وقال: (من اشترى طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه))
ما ذكره المصنف هنا هو ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال ( من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه )، وقد أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه، للنهي الثابت في حديث الباب، قال النووي (شرح مسلم 10/170): «أما مذهب عثمان البتي –يعني من جوازه في كل مبيع- فحكاه المازري والقاضي ولم يحكه الأكثرون، بل نقلوا الإجماع على بطلان بيع الطعام المبيع قبل قبضه، قالوا: وإنما الخلاف فيما سواه. فهو شاذ متروك والله أعلم».
واختلفوا فيما عدا الطعام من المبيعات هل يشملها هذه الحكم أم لا على أقوال:
القول الأول: لا يصح بيع المبيع قبل قبضه, سواء كان طعاما أو منقولا أو عقارا، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، ورواية عن الإمام أحمد، واستدلوا بما ثبت في صحيح مسلم من قول ابن عباس رضي الله عنهما بعد ذكره للحديث: (وأحسب كل شيء مثله).
فجعل ما سوى الطعام كالطعام في المنع من بيعه قبل قبضه، وهو راوي الحديث وأعلم بمعناه.
كما استدلوا بما أخرجه أبو داود في سننه من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم.
واستدلوا أيضاً بما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك).
وما بيع قبل قبضه هو من ربح ما لم يضمن، لأن السلعة قبل قبضها من ضمان البائع وليست من ضمان المشتري حتى يبيعها، واختار هذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو اختيار شيخنا العثيمين.
القول الثاني: لا يجوز بيع المنقولات قبل قبضها، وأما العقارات فيجوز بيعها قبل قبضها، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية.
فقاسوا المنقولات على الطعام، ، وأجازوا بيع العقار قبل قبضه استحسانا , مستدلين بعمومات حل البيع، ولأنه لا يتوهم انفساخ العقد في العقار بالهلاك بخلاف المنقول، إذ من النادر الهلاك في العقار بخلاف المنقولات.
القول الثالث: أن النهي مختص بالطعام فقط فما عدا الطعام منقولا كان أو عقار يجوز بيعه قبل قبضه، وهو مذهب المالكية.
لظاهر حديث الباب، وأما ما روي عن ابن عباس فهو محل اجتهاد منه.
القول الرابع: ذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى أنه لا يجوز بيع المكيل، والموزون، والمذروع والمعدود قبل قبضها، واستدلوا بظاهر حديث ان عباس فهو خاص في الأطعمة، والأطعمة في ذلك الزمن إما مكيلة أو موزونة، وقيس عليهما المعدود والمذروع بجامع أن كلا منها يحتاج إلى التوفية، بخلاف غيرها من السلع التي لا تحتاج لذلك فيجوز بيعها قبل قبضها.

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-18 ||, 05:58 PM
وفي هذه المدة لا تخلو تصرفات المميز أما أن تكون تصرفات نافعة له نفعا محضا فلا خلاف في صحتها، وذلك كقبول الهدية ونحوها،

شيخنا الكريم:
جاء في كشاف القناع ما نصه:
( ولا يصح منهما ) أي من المميز والسفيه ( قبول هبة ) ونحوها
( ووصية بلا إذن ) ولي كالبيع
( واختار الموفق وجمع ) منهم الشارح والحارثي
( صحته ) أي صحة قبول هبة ووصية ( من مميز ) بلا إذن وليه ( كعبد ) أي كما يصح في العبد قبول الهبة والوصية بلا إذن سيده نصا
ويكونان لسيده أ.هـ كلامه

فهذا الكلام في ظني لا يتفق مع ما ذكرته من عدم الخلاف في صحة تصرفات المميز النافعة فما رأيكم؟

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-18 ||, 06:09 PM
فقال لا تبع ما ليس عندك . } رواه الخمسة .



إضافة:
قال في تحفة الأحوذي عند شرحه لهذا الحديث ( أي شيئا ليس في ملكك حال العقد)

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-19 ||, 06:20 PM
قال القرافي (الفروق 3/265): « الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل, وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة»


ذكر النووي رحمه الله في المجموع ما نصه:
(قال العلماء مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده على ما ذكرناه وهو أنه إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة أو كان الغرر حقيرا جاز البيع وإلا فلا )

هل نفهم من هذا النص أن الغرر يجوز في حالتين:
1-إذا دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة (ولو كان الغرر كثيرا)
2-إذا كان الغرر حقيرا.؟

وجزاكم الله خير الجزاء.

أمين بن منصور الدعيس
10-12-20 ||, 05:50 AM
نعم هو كما ذكرت بارك الله فيك، ومن باب إتمام الفائدة فقد ذكر أهل العلم أن الغرر المؤثر والممنوع في العقود له أربعة شروط:
الأول: أن يكون الغرر كثيرا أما إذا كان الغرر يسيرا فإنه لا تأثير له على العقد. قال القرافي (الفروق 3/265) : "الغرر والجهالة - أي في البيع - ثلاثة أقسام : كثير ممتنع إجماعا , كالطير في الهواء , وقليل جائز إجماعا , كأساس الدار وقطن الجبة , ومتوسط اختلف فيه , هل يلحق بالأول أم بالثاني" وقال النووي (9/311): " نقل العلماء الإجماع أيضا في أشياء غررها حقير منها أن الأمة أجمعت على صحة بيع الجبة المحشوة , وإن لم ير ; حشوها ولو باع حشوها منفردا لم يصح . وأجمعوا على جواز إجارة الدار وغيرها شهرا , مع أنه قد يكون ثلاثين يوما , وقد يكون تسعة وعشرين . وأجمعوا على جواز دخول الحمام بأجرة وعلى جواز الشرب من ماء السقاء بعوض مع اختلاف أحوال الناس في استعمال الماء أو مكثهم في الحمام"
الثاني: أن يكون في المعقود عليه أصالة، أما إذا كان الغرر فيما يكون تابعا للمقصود بالعقد فإنه لا يؤثر في العقد . ومن القواعد الفقهية أنه يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في الأصول، ولذا جاز بيع الحمل تبعا لأمه، ولم يجز بيعه منفردا، وجاز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إن بيعت مع أصلها ولم يجز بيعها منفردة، وجاز بيع الحيوان في ضرعه اللبن، ولم يجز بيع اللبن في الضرع، ونظائر ذلك كثيرة.
الثالث: أن لا يكون بالناس حاجة في ذلك العقد المتضمن للغرر، قال النووي (9/311) : "الأصل أن بيع الغرر باطل . لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه أن { النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر } . والمراد ما كان فيه غرر ظاهر يمكن الاحتراز عنه , فأما ما تدعو إليه الحاجة . ولا يمكن الاحتراز عنه كأساس الدار , وشراء الحامل مع احتمال أن الحمل واحد أو أكثر , وذكر أو أنثى , وكامل الأعضاء أو ناقصها , وكشراء الشاة في ضرعها لبن , ونحو ذلك , فهذا يصح بيعه بالإجماع" .
الرابع: أن يكون الغرر في عقود المعاوضات، أما إن كان في عقود التبرعات فلا يمنع، منه وهذا الشرط محل خلاف بين أهل العلم فمنهم من قال به، ومنهم من طرد المنع من الغرر في المعاوضات والتبرعات.

أمين بن منصور الدعيس
10-12-20 ||, 06:05 AM
شيخنا الكريم:
جاء في كشاف القناع ما نصه:
( ولا يصح منهما ) أي من المميز والسفيه ( قبول هبة ) ونحوها
( ووصية بلا إذن ) ولي كالبيع
( واختار الموفق وجمع ) منهم الشارح والحارثي
( صحته ) أي صحة قبول هبة ووصية ( من مميز ) بلا إذن وليه ( كعبد ) أي كما يصح في العبد قبول الهبة والوصية بلا إذن سيده نصا
ويكونان لسيده أ.هـ كلامه

فهذا الكلام في ظني لا يتفق مع ما ذكرته من عدم الخلاف في صحة تصرفات المميز النافعة فما رأيكم؟


بارك الله فيك ظاهر العبارة كما قلت فعلى هذا تكون أفدتنا بوجود الخلاف، إلا أن يحمل كلام صاحب الكشاف على الهبة التي يخشى منها المنه والضرر، وأما ما كان محل نفع محض لا ضرر فيه، فيقال ما المانع منه، وعلى العموم جزاك الله خيرا على هذا التنبيه المفيد، ولكن السؤال هل يمكن أن نحذف العبارة المشكلة من المشاركة الأصل أم أنه لا يمكن التعديل بعد الرفع في الموقع، نحتاج فتوى تقنية في ذلك، لأن ذلك مفيد في مثل هذا التنبيه الذي ذكرته، وبعض الأحيان بعد إنزال الدرس يخطر لي إضافة شيء يكون محل المناسب في صلب المشاركة.

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-20 ||, 06:47 PM
ولكن السؤال هل يمكن أن نحذف العبارة المشكلة من المشاركة الأصل أم أنه لا يمكن التعديل بعد الرفع في الموقع، نحتاج فتوى تقنية في ذلك، لأن ذلك مفيد في مثل هذا التنبيه الذي ذكرته، وبعض الأحيان بعد إنزال الدرس يخطر لي إضافة شيء يكون محل المناسب في صلب المشاركة.

شيخنا الفاضل:
أي عبارة تودون حدفها أو إضافتها أو تعديلها في هذا الدرس المبارك فاذكروها لي تكرما ومكان إضافتها وسأقوم بذلك بإذن الله.

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
10-12-20 ||, 07:16 PM
بارك الله فيكم جميعاً.
وكتب الله أجركم.

معاذ سيف محمد الزبيدي
10-12-21 ||, 06:31 AM
وقول المصنف: (والميته) عام أريد به الخصوص فيستثنى منه ميتة السمك والجراد,
جزاك الله خيراً على هذه الدروس القيمة .
قولك : " والميتة عام أريد به الخصوص " لا يستقيم مع قولك " فيستثنى منه ميتة السمك والجراد " . والصواب عام مخصوص .
كما أرجو العناية بتصحيح أخطاء الطباعة ، وذكر مصادر المعلومات الواردة في الشرح لتكمل الفائدة .
وبارك الله فيك ، ونفع بعلمك .

أمين بن منصور الدعيس
10-12-21 ||, 07:35 AM
الدرس السادس

باب الربا

قال المصنف: (عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح مثلا بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى))
هذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه, إلا أن زيادة (فمن زاد أو استزاد فقد أربى) لم تأت في حديث عبادة بن الصامت وإنما جاءت من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما.
وقد أجمع أهل العلم قاطبة على أن الربا جار في هذه الأصناف الستة المنصوص عليها, قال ابن قدامة (المغني 4/27): "فهذه الأعيان المنصوص عليها يثبت الربا فيها بالنص والإجماع . واختلف أهل العلم فيما سواها" أي واختلف أهل العلم فيما سواها هل يلحق بها أم لا على قولين:
القول الأول: أن تحريم الربا مختص بالأصناف الستة المنصوص عليها، وهذا القول محكي عن طاوس وقتادة، وبه قال الظاهرية، مستدلين بعموم قوله تعالى: ﴿وأحل الله البيع﴾، وجريا على عادتهم في نفي القياس.
القول الثاني: إلحاق ما شارك هذه الأصناف الستة في العلة في حكمها في تحريم الربا، وهذا قول عامة أهل العلم ممن يرى القياس، قال ابن قدامة (المغني 4/27): "واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة , وعلة الأعيان الأربعة واحدة , ثم اختلفوا في علة كل واحد منهما"، وسيأتي الخلاف في المسألة القادمة من قول المصنف.
قال المصنف: (ولا يجوز بيع مطعوم - مكيل أو موزون - بجنسه إلا مثلاً بمثل)
هنا شرع المصنف في الكلام على علة الربا في الأصناف الأربعة، وما ذكره رحمة الله من كون علة الربا فيها هي الطعم مع الكيل والوزن هو رواية في مذهب الإمام أحمد، والحاصل أن أهل العلم اختلفوا في علة الربا في على أقوال كثيرة هذه أهمها:
القول الأول: أن العلة في الأصناف الأربعة الكيل والجنس وفي الذهب والفضة الوزن مع الجنس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية والحنابلة فكل مكيلين أو موزونين اتفقا جنسا لم يجز التفاضل والنساء فيهما سواء كانا مطعومين أو غير مطعومين كالحناء والصابون، وكذلك الحديد والنحاس ونحوها مما يوزن، فخرج بذلك المعدودات كالفواكه والبيض ونحوها، وكذلك يخرج على هذا القول الفلوس والأوراق النقدية، واستدل أصحاب هذا القول بما ثبت عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلا على خيبر ، فجاءه بتمر جنيب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أكل تمر خيبر هكذا فقال : لا والله يا رسول الله ، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين ، والصاعين بالثلاثة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تفعل ، بع الجمع بالدراهم ، ثم ابتع بالدراهم جنيبا). وقال في الميزان مثل ذلك . متفق عليه ولمسلم " وكذلك الميزان ".
ووجه الدلالة أن الأصناف الأربعة جميعها مما يكال بدليل ذكر الصاع فيها وهو وحدة للكيل، ودليل الوزن قوله في الحديث: (وكذلك الميزان). ونوقش هذا لأخير بأنه ليس مرفوعا وإنما هو من قول أبي سعيد رضي الله عنه.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم شرط التماثل بقوله: (مثلا بمثل) والتماثيل إنما يحصل بالكيل أو الوزن، فعلم من ذلك أن ما لا يكال ولا يوزن ليس من الأموال الربوية، وأن الأموال الربوية هي ما يمكن تحقق المثلية فيها، ونوقش بأن المثلية قد تحصل بغير ذلك كالعد ونحوه، ثم إن يشكل في ذلك أن بعض الأمور قد تكون موزونة في بلاد مكيلة في أخرى، إلا أنه يمكن أن يجاب عن هذا باعتبار الكيل والوزن في العهد النبوي.
القول الثاني: أن العلة في الذهب والفضة غلبة الثمنية، وفي الأصناف الأربعة الاقتيات والادخار، الاقتيات والادخار، والمقصود بالاقتيات ما يقتات به وتقوم به بنية البدن، والمقصود بالادخار أن يكون مما لا يفسد بالتأخير، وقد ذكر العلماء أن في معنى القوت ما يصلح به القوت كالملح، والتوابل فخرج بالاقتيات ما لا يقتات كالفواكه، وبالادخار ما يقتات ولا يدخر كاللحم، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، فعلى هذا تكون العلة قاصرة على الذهب والفضة سواء كانت تبراً أو مضروبة أو حلياً أو أوانياً، أما ما عدا الذهب والفضة فليس من الأموال الربوية فخرج بذلك الفلوس والأوراق النقدية.
واستدل أصحاب هذا القول بالنسبة لعلة الذهب والفضة بأنهما نقدان وجوهران نفيسان بهما تقدر الأشياء فهما ثمن المبيعات وبهما يتوصل إلى سائر الأشياء، وهما الرائجان في كل زمان ومكان، وأيضا مما يدل على ذلك جواز إسلام الذهب والفضة في الموزونات والمكيلات وغيرهما من الأموال، فإن هذا يدل على أن العلة فيهما معنى خاص فيهما لا يتعادهما وهو كونهما جنسا للأثمان، وإلا لما جاز إسلامهما بغيرهما من الموزونات والمكيلات.
أما بالنسبة للأصناف فاستدلوا على كون علتها الاقتيات والادخار بأنها أخص علة ممكن أن يعلل بها ذكر هذه الأصناف الأربعة، قال الباجي (المنتقى 4/240): " لما نص على أربعة أشياء مختلفة الأسماء والجنس علمنا أنه قصد إلى ذكر أنواع الجنس الذي يجري فيه الربا ... ووجه ثان وهو أنه لا خلاف أنه قصد بذكر هذه الأربع المسميات إلى التنبيه على علة الربا فيها فأتى بألفاظ مختلفة الجنس والمعنى وهذا يقتضي أن العلة أخص صفة توجد فيها، ووجدنا التمر يؤكل قوتا ويؤكل حلاوة وتفكها فلولا اقتران الحنطة والشعير به للحقت به الحلاوات والفواكه خاصة، ووجدنا الشعير يؤكل من أدنى الأقوات ويكون علفا فلولا اقتران الحنطة والتمر به لجاز أن يلحق به أدنى الأقوات خاصة دون أعلاها ولجاز أن يلحق به العلف من القضب والقرط، ووجدنا الملح مما يصلح الأقوات ويطيبها فلولا اقتران القمح والشعير به لجاز أن يلحق به الأقوات المصلحة ولجاز أن يلحق به الماء والبقول التي يصلح بها البطيخ، ووجدنا البر أرفع الأقوات وما يقتات عاما فلولا اقتران التمر والشعير به لقصرنا حكمه على رفيع الأقوات ومنعنا الربا أن يجري في أدونها أو يجري في الأرز وغيره مما لا يعم اقتياته، ولو أراد عموم العلة لاكتفى باسم واحد منها ; لأنه لا خلاف أن كلما كثرت أوصاف العلة كانت أخص وكلما قلت كانت أعم" .
القول الثالث: أن العلة في الذهب والفضة غلبة الثمنية، وفي الأصناف الأربعة كونها مطعومة، وسواء كانت مقتاتة أو غير مقتاتة، مكيلة أو غير مكيلة، موزونة أو غير موزونه، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، واستدلوا بالنسبة لعلة الذهب والفضة بما سبق واستدل به المالكية، أما الأصناف الأربعة فقالوا يدل على أن العلة فيها الطعم ما أخرجه مسلم من حديث معمر بن عبد الله رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل.
وأجيب عنه بأنه جاء في الحديث قول معمر: (وكان طعامنا يومئذ الشعير) فدل على أن الطعام يراد به في عرفهم الشعير، وقد ذكر الأصوليون من مخصصات العموم العرف المقارن، فيكون الطعام هنا عاما أريد به الخصوص، ثم لو كانت العلة هي الطعم لما جاز بيع البر بالشعير، ومعلوم بالإجماع جوازه، ولو متفاضلاً.
القول الرابع: أن العلة في الذهب والفضة مطلق الثمنية مع الاقتيات والادخار، وهذا القول هو رواية عن المالكية، والقول بأن العلة في الذهب والفضة مطلق الثمنية هو رواية عن الإمام أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واختار ذلك أيضا شيخنا العثيمين.
فعلى هذا يدخل في هذه العلة الذهب والفضة والفلوس والأوراق النقدية وغيرها مما يستخدم ثمنا للتبادل، فيكون الفرق بين الذهب والفضية وغيرهما من الأثمان أن الذهب والفضة يجري فيها الربا مطلقا على أي شكل كانا مضروبين أو غير مضروبين تبراً (خاما) كان أو غير ذلك، أما ما عداهما فلا يلحق بهما إلا إذا شاركهما في كونه ثمنا عاما للتبادل، وهذا القول هو الذي عليه عامة أهل العلم المعاصرين، وبه أفتت المجامع الفقهية.
هذه هي أهم الأقوال في المسألة، وقد اختار شيخنا العثيمين أن العلة في الذهب والفضة هو مطلق الثمنية، وفي الأصناف الأربعة كونها مكيلة مطعومة، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية إلا أنه جعل العلة في الأصناف الأربعة الطعم مع الكيل والوزن أيضاً وهو كذلك رواية عن الإمام أحمد وهي التي اختارها ابن قدامة في هذا الكتاب كما تقدم، والقصد أن المسألة محل خلاف بين أهل العلم، وإن كان القول بأن العلة في الذهب والفضة مطلق الثمنية ولا شك هو الأقوى، أما في الأصناف الأربعة فقول شيخ الإسلام محل قوة عندي، وكذلك لا يبعد عنه قول المالكية بالادخار والاقتيات.

أمين بن منصور الدعيس
10-12-21 ||, 07:41 AM
الإخوة الكرام في هذا الملتقى المبارك:
أولا: أشكر لمن قرأ هذا الدرس المتواضع وعلق عليه او استدرك وللجميع مني جزيل الشكر، ووافر الامتنان.
ثانيا: لا أخفيكم أني في كثير من الأحيان أسارق الوقت حتى أستطيع كتابة ما بين ايديكم فمقدما اعتذر عن بعض الأخطاء المطبعية التي لا أظنها ستنتهي، وكذلك قد يحصل مع العجلة ركاكة في العبارة أو تشويش غير مقصود، كما ادعو كل من يجد ملاحظة أو خطأ أو تنبيه أن لا يبخل به علي، فالمقام هنا مقام استفادة ومدارسة، ورحم الله امرأ أهدى لي عيوبي.

هشام محمد فتحي مشالي
10-12-21 ||, 08:49 AM
مدارسة مباركة..
وأضم صوتي إلى من قال بإفراد كل درس على حدة حتى يتسنى التعليق عليه لمن يدخل متأخرًا، وإلا طال الفصل..
ولعل ذلك أيضًا يكون أعون على المذاكرة.. والله أعلم.

سلوى
10-12-21 ||, 01:45 PM
الأخوة الأفاضل
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
في البداية استأذنكم في المشاركة في هذه الدروس القيمة وأسأل الله سبحانه وتعالى التوفيق، ولدي بعض الاستفسارات:
أولاً: ذكرت شيخنا على مذهب الحنفية أن في الكلب قيمته مطلقاً؛ هل كلمة (مطلقاً) تشمل الكلب المباح (كلب الصيد أو الماشية أو الحرث) والكلب غير المباح، فإذا كان الأمر كذلك فهو يخالف ما ذهب إليه الأحناف في القول الثاني أعلاه من جواز بيع كل كلب فيه نفع.
ثانياً:لا أسلم بما رجحه الشيخ أمين في أنه (يجوز بيع العين الغائبة إذا تحقق أحد أمرين وذكر في الأمر الثاني: على أن للمشتري الخيار عند رؤية المبيع فيصح البيع وإن لم توصف له السلعة وصفاً منضبطاً، في أعتقادي أن جواز بيع العين الغائبة يتحقق بوصف العين الغائبة وصفاً منضبطاً ومع ذلك لا بدَّ أن يكون للمشتري الخيار عند رؤية المبيع ولا يصح البيع إلا إذا كانت الصفة موافقة للعين المبيعة سداً لباب الغرر واستغلال الغير الذي انتشر في عصرنا، وتفادياً للنزاع بين البائع والمشتري الذي يؤدي إلى حدوث العداوة والبغضاء.
ثالثاً: لم أفهم المقصود من عبارة المصنف: (ولا بيع المغصوب إلالغاصبه أو من يقدر على أخذه منه) أرجو شاكرة التوضيح بذكر أمثلة.
وأثابكم الله خيراً

أمين بن منصور الدعيس
10-12-22 ||, 06:29 AM
الأخت سلوى سلمك االله:
أولا: أشكر لك اهتمامك وتفاعلك ويسرني مشاركتك وإثراؤك لهذا المدارسة.
ثانيا: قولي: (مطلقا) أي سواء كان كلب صيد أو ماشية أو حرث أو لا، معلما أو غير معلم، فيضمن عند الأحناف لأنه وإن لم يكن معلما فهو قابل للتعليم، ثم هو أيضا يمكن الانتفاع بجلده عندهم، فصور الانتفاع عندهم اعم من كونه الكلب كلب ماشية أو صيد أو زرع، وهذا نص عليه الأحناف في كتبهم ويراجع في ذلك حاشية ابن عابدين وغيرها.
ثالثا: قولك سلمك الله: (لا أسلم بما رجحه الشيخ أمين) أنا لم أرجح بارك الله فيك وإنما نقلت كلام الشيخ يوسف الشبيلي حفظه الله وما رجحه، وكلامه موضوع بين علامتي تنصيص، وعلى العموم ما ذكرتي قد قيل به وعندئذ يكون الخيار خيار خلف في الصفة.
رابعا: قول المصنف: (ولا بيع المغصوب إلا لغاصبه أو من يقدر على أخذه منه( معناه أنه لا يجوز بيع العين المغصوبه إلا لمن غصبها لأنه في هذه الحالة إمكانية تسليم المبيع متحققه إذ هي أصلا في يد المشتري الذي هو الغاصب، فمثلا لو غصب زيد من عمرو ثوبا ثم تصالحا على أن يشتريه زيد فذلك جائز.
(أو من يقدر على أخذه منه) أي يجوز بيع العين المغصوب لمن يقدر على استنقاذها من يد الغاصب، لأن تسلم السلعة غير متعذر، ففي المثال السابق لو باع عمرو الثوب على شخص آخر يدعى خالدا مع كون الثوب لا زال مغصوبا عند زيد جاز ذلك إذا كان خالد قادرا على استنقاذ الثوب منه وتسلمه.

سلوى
10-12-22 ||, 07:27 AM
لا يجوز بيع العين المغصوبه إلا لمن غصبها لأنه في هذه الحالة إمكانية تسليم المبيع متحققه إذ هي أصلا في يد المشتري الذي هو الغاصب، .
أشكرك شيخنا الفاضل للشرح والتوضيح ولكن مازالت هنالك مسألة لم أفهمها وهي أن الشخص الذي
أغتصب العين جاز له بيعها والاستفادة من ثمنها! فبدلاً من أن يعاقب المغتصب يسمح له ببيعها. ألم يكن الأولى أن تنزع منه العين المغتصبة، ويحاسب على ذنبه، بدلاً من أن نقول له يجوز لك بيع العين المغتصبة! ألا يبدو هذا كأنه إقرار ضمني على اغتصابه للعين؟.

أمين بن منصور الدعيس
10-12-22 ||, 08:35 AM
الأخت سلوى سلمك الله:
يبدو أنك فهمت المسألة على غير وجهها، الذي يبيع هنا ليس الغاصب وإنما هو صاحب السلعة المغصوبة، فالمراد أن صاحب السلعة المغصوبة لا يجوز له بيعها على أحد إلآ على من غصبها منه وذلك يحصل كثيرا فيكون الغاصب معترفا بغصبه ولكنه يريد أن يبقي السلعة في يده فيتصالح هو وصاحبها على أن يبيعها صاحبها على الغاصب فهذا جائز إذا كان برضا صاحبها ولم يحصل في ذلك غرر عليه.

سلوى
10-12-22 ||, 05:07 PM
الأخت سلوى سلمك الله:
يبدو أنك فهمت المسألة على غير وجهها، الذي يبيع هنا ليس الغاصب وإنما هو صاحب السلعة المغصوبة، فالمراد أن صاحب السلعة المغصوبة لا يجوز له بيعها على أحد إلآ على من غصبها منه وذلك يحصل كثيرا فيكون الغاصب معترفا بغصبه ولكنه يريد أن يبقي السلعة في يده فيتصالح هو وصاحبها على أن يبيعها صاحبها على الغاصب فهذا جائز إذا كان برضا صاحبها ولم يحصل في ذلك غرر عليه.

الآن وضحت المسألة، بارك الله فيك شيخنا الفاضل وأثابك خيراً

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-23 ||, 07:28 PM
- مسألة: حكم بيع الأنموذج:
بيع الأنموذج هو أن يري البائع المشتري عينة من السلعة التي يريد بيعها له، ويبيعه إياها على أن السلعة من جنس النموذج دون وصف لها، وأهل العلم في هذه المسألة على قولين:
الأول: ذهب الحنابلة إلى عدم صحة البيع، وإلى ذلك ذهب الشافعية في الجملة، لما في ذلك من الغرر.


جاء في الروض المربع مانصه:
(و ) الشرط السادس ( أن يكون ) المبيع معلوما عند المتعاقدين لأن جهالة المبيع غرر ومعرفة المبيع إما ( برؤية ) له أو لبعضه الدال عليه...
ولا يصح بيع الأنموذج بأن يريه صاعا مثلا ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه)

فهل نفهم من هذا النص بأن رؤية بعض المبيع تنقسم في المذهب إلى قسمين:
القسم الأول:أن تكون رؤية بعض المبيع تدل على بقيته فيصح البيع.
القسم الثاني:أن تكون رؤية بعض المبيع لا تدل على بقيته فلا يصح البيع.
وهل القسم الثاني هو عينه بيع الأنموذج؟
وجزاكم الباري خيرا ونفع بكم..

أحمد سلامة عبد العظيم محمود
10-12-23 ||, 11:11 PM
جزاكم الله خيرا ..

كيف السبيل الى التفاعل والمشاركة (نرجو توضيح طريقة ومنهج للتفاعل)؟

أمين بن منصور الدعيس
10-12-24 ||, 03:21 PM
جاء في الروض المربع مانصه:
(و ) الشرط السادس ( أن يكون ) المبيع معلوما عند المتعاقدين لأن جهالة المبيع غرر ومعرفة المبيع إما ( برؤية ) له أو لبعضه الدال عليه...
ولا يصح بيع الأنموذج بأن يريه صاعا مثلا ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه)

فهل نفهم من هذا النص بأن رؤية بعض المبيع تنقسم في المذهب إلى قسمين:
القسم الأول:أن تكون رؤية بعض المبيع تدل على بقيته فيصح البيع.
القسم الثاني:أن تكون رؤية بعض المبيع لا تدل على بقيته فلا يصح البيع.
وهل القسم الثاني هو عينه بيع الأنموذج؟
وجزاكم الباري خيرا ونفع بكم..
الأخ عبد العزيز سلمه الله: ما ذكرته من القسمين صحيح، أما بيع الأنموذج فلا يدخل في القسم الأول ولا الثاني، لأن مذهب الحنابلة يشترطون في الرؤية أن تكون الرؤية لبعض المبيع وأن تكون الرؤية مقارنة للعقد أو قبله بزمن لا يتغير فيه المبيع، أما في بيع الأنموذج فهو لا يريه السلعة المبيعة التي يتم عليه العقد ولا يريه بعضها وإنما يريه نموذجا يدل على جنس المبيع فهو حقيقة لم ير السلعة التي وقع عليها العقد حين العقد ولا بعضها، ولهذا قال صاحب الإنصاف عند كلامه على شروط البيع (4/295): "( السادس : أن يكون معلوما برؤية ) يعني من المتعاقدين، يصح البيع بالرؤية، وهي تارة تكون مقارنة للبيع، وتارة تكون غير مقارنة، فإن كانت مقارنة لجميعه صح البيع بلا نزاع، وإن كانت مقارنة لبعضه فإن دلت على بقيته : صح البيع . نص عليه . فرؤية أحد وجهي ثوب تكفي فيه إذا كان غير منقوش، وكذا رؤية وجه الرقيق، وظاهر الصبرة المتساوية الأجزاء من حب وتمر ونحوهما، وما في الظروف من مائع متساوي الأجزاء، وما في الأعدال من جنس واحد ونحو ذلك . ولا يصح بيع الأنموذج , بأن يريه صاعا ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه , على الصحيح من المذهب"

هذا الذي يظهر لي في هذه المسألة،ومن كان لديه توضيح أكثر فليفدنا به مأجورا.

أمين بن منصور الدعيس
10-12-24 ||, 03:28 PM
الأخ أحمد سلامه سلمه الله:
طريقة ومنهج هذا الدرس هو أن أخاك يقوم بإعداد درسين أسبوعين تقريبا كحد أدنى يتم إنزالهما في الملتقى، وبعد ذلك يكون المجال مفتوحا لجميع الإخوة بالسؤال أو الاستدراك أو الإفادة بمعلومة، أو ضابط أو توضيح ، وإن شاء الله بعد كل عشرة دروس تقريبا - وهذا ما أتمنى أن أن يتيسر- سوف أقوم بإرفاق ملف فيه مجموعة من الأسئلة تستوعب الدروس العشرة السابقة، بحيث يستطيع المتابع أن يقيم مدى استفادته من الدرس وتكون كالمراجعة لما سبق.

عبدالعزيز سويلم الكويكبي
10-12-24 ||, 05:24 PM
الأخ عبد العزيز سلمه الله: ما ذكرته من القسمين صحيح، أما بيع الأنموذج فلا يدخل في القسم الأول ولا الثاني، لأن مذهب الحنابلة يشترطون في الرؤية أن تكون الرؤية لبعض المبيع وأن تكون الرؤية مقارنة للعقد أو قبله بزمن لا يتغير فيه المبيع، أما في بيع الأنموذج فهو لا يريه السلعة المبيعة التي يتم عليه العقد ولا يريه بعضها وإنما يريه نموذجا يدل على جنس المبيع فهو حقيقة لم ير السلعة التي وقع عليها العقد حين العقد ولا بعضها، ولهذا قال صاحب الإنصاف عند كلامه على شروط البيع (4/295): "( السادس : أن يكون معلوما برؤية ) يعني من المتعاقدين، يصح البيع بالرؤية، وهي تارة تكون مقارنة للبيع، وتارة تكون غير مقارنة، فإن كانت مقارنة لجميعه صح البيع بلا نزاع، وإن كانت مقارنة لبعضه فإن دلت على بقيته : صح البيع . نص عليه . فرؤية أحد وجهي ثوب تكفي فيه إذا كان غير منقوش، وكذا رؤية وجه الرقيق، وظاهر الصبرة المتساوية الأجزاء من حب وتمر ونحوهما، وما في الظروف من مائع متساوي الأجزاء، وما في الأعدال من جنس واحد ونحو ذلك . ولا يصح بيع الأنموذج , بأن يريه صاعا ويبيعه الصبرة على أنها من جنسه , على الصحيح من المذهب"

هذا الذي يظهر لي في هذه المسألة،ومن كان لديه توضيح أكثر فليفدنا به مأجورا.


شيخنا الكريم:
عند قراءتي لهذا الجواب المتقن خطر ببالي السؤال التالي:
إذا كان البيع عن طريق وصف المبيع جائزا على المذهب الحنبلي فلماذا لا يجوز بيع الأنموذج وهو فيما أظن أقوى من البيع بالصفة؟

أمين بن منصور الدعيس
10-12-24 ||, 05:38 PM
إذا كان البيع عن طريق وصف المبيع جائزا على المذهب الحنبلي فلماذا لا يجوز بيع الأنموذج وهو فيما أظن أقوى من البيع بالصفة؟
لما ذكرته لك أخي عبد العزيز من التفريق الذي ذكره صاحب الإنصاف، وإن كان ما ذكرته سلمك الله متوجه بقوة، ولذا ذهب إليه جمع من الحنابلة لقوته، وقد تقدم أنه جواز بيع الأنموذج هو قول جمهور أهل العلم.

أمين بن منصور الدعيس
10-12-24 ||, 06:17 PM
الدرس السابع:


قال المصنف: (ولا يجوز بيع مكيل من ذلك بشيء من جنسه وزناً ولا موزون كيلاً)
أي لا يجوز بيع ربوي مكيل بمثله إلا كيلا فلا بد أن يتساويا بمعيار الكيل، وكذلك لا يجوز بيع ربوي موزون بمثله إلا وزنا فلا بد من أن يتساويا بمعيار الوزن، وهذا هو المشهور من مذهب الأئمة الأربعة، واستدلوا بما أخرجه البيهقي من حديث عبادة رضي الله عنه مرفوعا: (الذهب بالذهب وزنا بوزن ، والفضة بالفضة وزنا بوزن ، والبر بالبر كيلا بكيل ، والشعير بالشعير كيلا بكيل).
فأمر بالمساوة في الموزونات المذكورة في الوزن، والمساواة في المكيلات بالكيل.
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جواز بيع المكيل وزنا والموزون كيلا إذا تحقق التماثل لأنه هو المقصود، قال في الإنصاف (5/16): "وقال في الفائق : وقال شيخنا يعني به الشيخ تقي الدين رحمه الله إن بيع المكيل بجنسه وزنا شاع . وقال في الفروع : ويتوجه من جواز بيع حب بدقيقه وسويقه جواز بيع مكيل وزنا وموزن كيلا، اختاره شيخنا "
قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 8/402): "الاحتياط أن لا يباع المكيل إلا كيلاً ولا يباع الموزون بمثله إلا وزناً إلا ما يتساوى فيه الوزن والكيل فلا شك في أن بيعه كيلاً أو وزناً جائز".
مسألة: ما هو المرجع في معرفة المكيل من الموزون؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن المرجع في ذلك إلى العرف بالحجاز في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فكل شيء كان موزونا أو مكيلا إنما يأتم الناس فيهما بأهل مكة وأهل المدينة وإن تغير في سائر الأمصار فما كان موزونا بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدرا بالوزن يقدر به في سائر الأمصار ولا يجوز تقديره بالكيل، ويوزن بالوزن السائد في مكة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان مكيلا في عهده صلى الله عليه وسلم يقدر بالكيل في سائر البلدان وبمعيار المدينة ولا يقدر بالوزن.
واستدلوا لذلك بما أخرجه النسائي في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة).
وقد نص الحنابلة على أن ما لم يكن له عرف في مكة والمدينة يعمل فيه بالعرف في موضعه.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن ما نص الشارع على كونه موزونا كذهب وفضة فهو كذلك لا يتغير أبدا , وما نص على كونه مكيلا كبر وشعير وتمر وملح فإنه كذلك لا يتغير أبدا ولو مع التساوي , لأن النص أقوى من العرف فلا يترك الأقوى بالأدنى , وما لم ينص الشارع عليه حمل على العرف، وقريب من ذلك قال المالكية إلى أنهم عبروا في ما لا نص فيه بأن المعتبر فيه العادة العامة، وما قال به الحنفية هو الذي كان يميل إليه شيخنا العثيمين رحمه الله.
القول الثالث: ذهب بعض أهل العلم إلى أن المعتبر هو العرف مطلقا ولو في المنصوص عليه، وهو قول أبي يوسف صاحب أبي حنيفة، لأن النص جاء بما كانت عليه العادة والعرف في ذلك الزمان، فإذا تغير العرف والعادة بعد ذلك عمل بهما إذ المقصود تحقق المماثلة.
قال المصنف: (وإن اختلف الجنسان جاز بيعه كيف شاء يداً بيد)
فمتى اختلف الجنسان جاز البيع كيفما يشاء كيلا أو وزنا أو جزافا إذ التساوي غير مشترط، وإنما الشرط هنا عدم النساء، وهذا محل إجماع بين أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 4/26): «ثم اتفق أهل العلم على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد , إلا سعيد بن جبير , فإنه قال : كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا , كالحنطة بالشعير , والتمر بالزبيب , والذرة بالدخن ; لأنهما يتقارب نفعهما , فجريا مجرى نوعي جنس واحد . وهذا يخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: (بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يدا بيد , وبيعوا البر بالتمر كيف شئتم) فلا يعول عليه . ثم يبطل بالذهب بالفضة , فإنه يجوز التفاضل فيهما مع تقاربهما».
ودليل ذلك ما تقدم من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد).
وتلخيصا لهذه المسألة يمكن القول بأن لها ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: أن يتحد الصنفان في الجنس والعلة, كذهب بذهب, أو بُر ببر, فهنا لا بد من التقابض والتساوي، وهو محل إجماع بين أهل العلم.
الحال الثانية: أن يختلف الصنفان في الجنس ويتحدا في العلة, كذهب بفضة, أو تمر بشعير, فالواجب التقابض فقط، وهذا محل إجماع بين أهل العلم.
الحال الثالثة: أن يختلف الصنفان في الجنس والعلة, كذهب بتمر, أو فضة بشعير, فلا يشترط لا التقابض والتساوي، وهذا محل إجماع بين أهل العلم أيضا.
قال المصنف: (وكل شيئين جمعهما اسم خاص فهما جنس واحد)
مراد المصنف هنا أن كل شيئين يجمعهما اسم خاص بأصل الخلقة فهما جنس واحد، فمثلا التمور كلها جنس واحد فالتمر العجوة والتمر السكري والتمر البرني كلها جنس واحد، لأنها يجمعها الاسم الخاص وهو التمر، وكذلك الشعير وإن اختلفت أنواعه يجمعها اسم واحد، فإن اختلف الشيئان في الاسم الخاص فهما جنسان، فالتمر جنس والبر جنس، والشعير جنس والملح جنس وهكذا، ولذا تراه صلى الله عليه وسلم قال: (التمر بالتمر مثلا بمثل ، والبر بالبر مثلا بمثل.....)، وفي حديث أبي هريرة قال: (بع الجمع بالدراهم ثم اشتر به جنيبا) فجعل التمر جمعه وجنيبه جنسا واحدا، وهذا الذي ذكرناه هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة، وخالفهم الحنفية والمالكية، وقد تعمدت أن لا أذكر قولهما دفعا للتشويش الذي قد يعرض للمبتدئ ، ولأن بعض الأقوال فيها مخالفة لظاهر الأحاديث.
قال المصنف: (فإن فروع الأجناس أجناس وإن اتفقت أسماؤها كالأدقة والأدهان)
مراد المصنف هنا أن فروع الأجناس تعتبر بأجناسها فلا يعني الاتفاق في اسم الفروع أنها متفقة في الجنس، فمثلا دقيق البر ودقيق الشعير متفقان في اسم الدقيق ولا يعني ذلك انهما صارا جنسا واحد باعتبار هذا الاسم وإنما المعتبر هو أصولهما فأصل دقيق البر هو البر، وأصل دقيق الشعير هو الشعير، والبر جنس والشعير جنس آخر، فعلى هذا يجوز بيع دقيق البر بدقيق الشعير متفاضلا، وكذلك يقال مثلا في زيت الزيتون وزيت السمسم هما جنسان باعتبار أصلهما.
قال المصنف: (ولا يجوز بيع رطب منها بيابس من جنسه)
أي لا يجوز بيع رطب من الأجناس الربويه بيابس من جنسه فلا يجوز بيع الرطب بالتمر، أو العنب بالزبيب، ولا البر المبلول باليابس وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم على قولين:
القول الأول: عدم جواز ذلك وهذا هو المشهور من مذهب المالكية, والشافعية, والحنابلة, وقول صاحبي أبي حنيفة، واستدلوا بما رواه الإمام أحمد من حديث سعد رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسأل عن شراء التمر بالرطب فقال صلى الله عليه وسلم: (أينقص الرطب إذا يبس)؟ قالوا: نعم, فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
كما استدلوا بأحاديث النهي عن المزابنة, والمزابنة بيع الرطب بالتمر كيلا ، وبيع العنب بالزبيب كيلا, ولأنه يشترط التماثل في بيع الربوي بجنسه، وهو غير متحقق هنا لنقص اليابس في المقدار عن الرطب.
القول الثاني: جواز بيع الرطب باليابس, وبه قال أبو حنيفة مستدلا بعموم حديث عبادة بن الصامت: (الذّهب بالذّهب ، والفضّة بالفضّة ، والبرّ بالبرّ ، والشّعير بالشّعير ، والتّمر بالتّمر ، والملح بالملح ، مثلاً بمثل ، سواءً بسواء ، يداً بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيد) .
والرُّطَب إمّا أن يكون تمراً ، أو لا يكون, فإن كان تمراً ، جاز العقد عليه ، لدخول في عموم أوّل الحديث : (التّمر بالتّمر)، وإن كان غير تمر، جاز العقد عليه أيضاً ، لقوله في آخر الحديث : (فإذا اختلفت هذه الأصناف ، فبيعوا كيف شئتم ، إذا كان يداً بيد).
وأما ما استدل به الجمهور من حديث سعد رضي الله عنه فأعله أبو حنيفة من وجهين:
الأول: أنّه دائر على زيد بن عيّاش ، وزيد بن عيّاش ممّن لا يقبل حديثه وهو مجهول.
قال ابن قدامة (المغني 4/32): « قال الخطابي:وقد تكلم بعض الناس في إسناد حديث سعد بن أبي وقاص في بيع الرطب بالتمر.
وقال : زيد أبو عياش راويه ضعيف . وليس الأمر على ما توهمه ، وأبو عياش مولى بني زهرة معروف ، وقد ذكره مالك في " الموطأ " ، وهو لا يروي عن متروك الحديث»
الثاني: على فرض الصحة، فقد ورد الحديث بلفظ « نهى عن بيع الرّطب بالتّمر نسيئةً » وهذه زيادة يجب قبولها، وأجاب الجمهور على ذلك بأن لفظ: (نسيئة) غير محفوظ في الحديث، وقد تكلم فيها الإمام الدارقطني.
فالراجح في هذه المسألة قول الجمهور.
قال المصنف: (ولا خالصة بمشوبة)
وهذا مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة، فلا تباع حنطة خالصة بحنطة فيها شعير، أو فضة خالصة بفضة مغشوشة، لعدم التماثل في القدر، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 8/417): " إلا أنه يستثنى من ذلك الخلط اليسير أو ما كان لإصلاح المخلوط فإنك لا تكاد تجد براً خالصاً ليس فيه حبة شعيرة".
ومثل ذلك الذهب فإنه من المعلوم أن الذهب لا يستمسك إلا بإضافة معدن يسير كالنحاس، فمثلا هذا الخلط اليسير الذي لا يلتفت إليه الناس ولا يعد غشا معفو عنه.
وذهب الحنفية إلى جواز بيع الخالص بالمشوب إذا علم أن الخالص أكثر لكي يقابل ما شيب في المشوب.
قال المصنف: (ولا نيئة بمطبوخة)
فلا يجوز بيع بر نيئ ببر مطبوخ، أو لحم نيئ بلحم مطبوخ، لعدم التماثل إذ النار تنعقد بها أجزاء الطعام وتؤثر في قدره، وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية، والشافعية، والحنابلة.

رشيد أحمد عيدن السندي
10-12-28 ||, 03:19 PM
بارك الله فيكم و يجزيكم الخير

أمين بن منصور الدعيس
10-12-29 ||, 06:06 AM
الدرس الثامن:


قال المصنف: (وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المزابنة)
لا خلاف بين أهل العلم في تحريم بيع المزابنة، وإن كانوا يختلفون في صوره، قال النووي (شرح مسلم 10/188): «وقد اتفق العلماء على تحريم بيع الرطب بالتمر في غير العرايا وأنه ربا, وأجمعوا أيضا على تحريم بيع العنب بالزبيب, وأجمعوا أيضا على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بحنطة صافية وهي المحاقلة».
يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه و سلم عن المزابنة أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن يبيعه بزبيب كيلا، أو كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام، ونهى عن ذلك كله.
كما أن هذا البيع فيه شبهة الربا من جهة كونه بيعا لربوي بجنسة مع احتمال عدم المساوة، ولما فيه من الغرر أيضا.
قال المصنف: (وهو شراء التمر بالتمر في رؤس النخل)
هذا هو التعريف المشهور للمزابنة عند جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، أن بيع المزابنة أن يبيع التمر في رؤوس النخل بتمر على الأرض خرصا، فيخرص الخارص كم على النخلة من تمر فإذا قدره مثلا بصاعين، يشتري المشتري ما على النخل من التمر بصاعين منه على الأرض، وهذا التعريف هو الذي جاءت به النصوص في حديث ابن عمر المتقدم، ولذا قال ابن عبد البر (13/309): «ولا خلاف بين العلماء أن المزابنة ما ذكر في هذه الأحاديث تفسيره عن ابن عمر من قوله أو مرفوعا، وأقل ذلك أن يكون من قوله وهو راوي الحديث فيسلم له, فكيف ولا مخالف في ذلك».
وذهب المالكية إلى أن المزابنة تشمل بيع كل معلوم بمجهول، أو مجهول بمعلوم.
قال المصنف: (ورخص في بيع العرايا)
العرايا في اللغة أصلها من العَرِيَّة : فَعيلة بمعنى مَفْعُولة من عَرَاه يعْرُوه إذا قصَده.
ويَحتَمِل أن تَكُون فَعيلة بمعنى فَاعِلَة من عَرِيَ يَعْرَى إذا خَلَع ثوبه كأنَّها عُرِّيت من جُمْلة التَّحْريم ، فكأنها سميت بذلك من جهة أن صاحب النخل يخلي نخله من ثمره من بين سائر نخله.
وجواز بيع العرايا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة من حيث الأصل، وإن كانوا يختلفون في تفسيره على قولين:
القول الأول: أن بيع العرايا هو أن يكون لرجل نخيل فيعطي رجلا منها ثمرة نخلة أو نخلتين، ثم يثقل على المالك دخول المهدى إليه حائطه, فيسأله أن يتجاوز له عنها على أن يعطيه بمكيلتها تمرا عند إصرام النخل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والمالكية، فعلى هذا التفسير لا تعدوا العرايا أن تكون نوعا من أنواع العطية، ويكون تسميتها بالبيع على سبيل التجوز.
االقول الثاني: أن العرايا ما هي إلا صورة من صور بيع المزابنة, وإنما استثنيت بالجواز من جهة النص للحاجة إليها، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة، فتفسير العرايا عندهم هو بيع الرطب على رؤوس النخل بما يؤول إليه من التمر يابساً خرصا.
وصورة ذلك أن يخرص الخارص الرطب الذي على النخل ويقدر قدره إذا جف مثلا بأنه سيكون منه أربعة أوسق من التمر، فيبيع صاحب النخل هذا الرطب بأربعة أوسق من التمر ، ويتقابضان في المجلس فيسلم المشتري الثمن ويسلم بائع الرطب الرطب بالتخلية.
وهذه الصورة غير جائزة عند الحنفية والمالكية، ويجعلونها من صور المزابنة الممنوعة.
استدل الشافعية والحنابلة على الجواز بما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج وسهل بن أبي حثمة رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن المزابنة بيع الثمر بالتمر إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم.
وبما ثبت في الصحيح من حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم رخص في العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا
فهذه الأحاديث صريحة في الرخصة في بيع العرايا وأنه مستثنى من تحريم المزابنة، ولذا قال ابن المنذر ( المغني 4/58): « الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى».
قال المصنف: (فيما دون خمسة أوسق)
أي أن جواز العرايا مشروط في أن تكون فيما دون خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، وبهذا قال الحنابلة، فاشترطوا لجواز العرايا أن تكون فيما دون خمسة أوسق، وذهب الشافعية في المشهور من مذهبهم أنه يشترط في العرايا أن تكون في خمسة أوسق أو فيما دونها، وموجب الخلاف هو الخلاف في تفسير ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن رسول الله r رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة" ( يشك داود قال خمسة أو دون خمسة).
فالشك الذي وقع فيه داود بن الحصين حصل الخلاف بناء عليه بين المذهبين، فالحنابلة عملوا باليقين وهو مادون الخمسة أوسق، فيبقى المشكوك فيه على التحريم، قال ابن حجر (فتح الباري 4/388): «وسبب الخلاف أن النهى عن بيع المزابنة هل ورد متقدما ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهى عن بيع المزابنة وقع مقرونا بالرخصة في بيع العرايا، فعلى الأول لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم، وعلى الثاني يجوز للشك في قدر التحريم ويرجح الأول رواية سالم المذكورة في الباب قبله».
قال المصنف: (أن تباع بخرصها يأكلها أهلها رطباً)
المعنى أن الرطب على النخل في العرايا يباع بقدره من التمر خرصا، فيخرص كم يكون قدر الرطب الذي على النخل من التمر لو يبس ويبيع الرطب به لا أقل ولا أكثر، فيأتي الخراص الماهر ويقول هذا الرطب إذا جف يكون مساوياً لهذا التمر الذي اشتري به، قال ابن قدامة (4/59): "إنما يجوز بيعها بخرصها من التمر , لا أقل منه ولا أكثر ويجب أن يكون التمر الذي يشتري به معلوما بالكيل , ولا يجوز جزافا . لا نعلم في هذا عند من أباح بيع العرايا اختلافا"
فائدة: اشترط الحنابلة لجواز العرايا خمسة شروط:
- أن يكون فيما دون خمسة أوسق.
- أن يكون بيعها بخرصها من التمر, فتخرص النخلة بما تؤول إليه تمراً
- وأن يقبض ثمنها قبل التفرق؛ لأنها تمر بتمر فشرط فيها التقابض.
- أن يكون للمشتري حاجة للرطب بأن يكون قصده أكله والتفكه به لا ادخاره .
- أن لا يكون معه ما يشتري به سوى التمر.
مسألة: هل تجوز العرايا في غير النخل؟
القول الأول: المشهور من مذهب الحنابلة أن جواز العرايا مختص بالنخل، فعلى هذا لا يجوز بيع العنب على الشجر خرصا بزبيب، ولا المشمش على الشجر بيابس منه، وهكذا، وقالوا الرخصة وردت في النخل فلا يقاس عليها.
القول الثاني: ذهب الشافعية إلى جواز ذلك في النخل والعنب خاصة، فيقاس العنب على الرطب بجامع كونه يدخر يابسه ويمكن خرصه , فأشبه الرطب، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين الرطب والعنب في إيجاب العشر , وفي سن الخرص فيهما، وبهذا قال بعض الحنابلة.
والقول الثالث: جواز العرايا في كل ثمر وهو قول عند الشافعية، ووجه عند الحنابلة، قال في الإنصاف (5/33): "وهو مقتضى اختيار الشيخ تقي الدين" ، وكذلك اختار هذا القول شيخنا العثيمين؛ لأن العلة التي من أجلها رخص في عرايا النخل موجودة في غيرها من الثمار، ويؤيد ذلك ما ذكره البيهقي في سسننه أن الشافعي قال: "وقيل لمحمود بن لبيد ، أو قال محمود بن لبيد لرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، إما زيد بن ثابت وإما غيره : ما عراياكم هذه ؟ قال : فلان وفلان ، وسمى رجالا محتاجين من الأنصار شكوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : أن الرطب يأتي ولا نقد بأيديهم يبتاعون به رطبا يأكلونه مع الناس ، وعندهم فضول من قوتهم من التمر ، فرخص لهم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر الذي في أيديهم يأكلونها رطبا".
وهذه الحاجة في النخل وفي غيره مما يقصد الناس إلى التفكه به.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-01 ||, 07:10 AM
الدرس التاسع

باب بيع الأصول والثمار

قال المصنف: (روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من باع نخلاً بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المبتاع))
هذا الحديث ثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، والتأبير هو تلقيح النخل بأن يوضع شيء من طلع فحل النخل في طلع الأنثى إذا انشق فتصلح ثمرته بإذن الله تعالى، واستدل به على أن الثمر بعد التأبير يكون للبائع إلا إن اشترطه المشتري، وسيأتي الكلام على المسألة.
قال المصنف: (وكذلك سائر الشجر إذا كان ثمره بادياً)
أي في كونه بعد التأبير يكون الثمر فيه للبائع إلا أن يشترطه المشتري، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم على أقوال:
القول الأول: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الثمرة التي تكون على الشجرة عند البيع إن كانت مؤبرة فهي للبائع، وإن كانت غير مؤبرة فهي للمشتري ، واستدلوا بما ثبت من حديث ابن عمر المتقدم، فمنطوقه صريح في كون الثمرة بعد التأبير للبائع، ومفهومه أنها قبل التأبير تكون للمشتري.
فإن اشترط أحدهم كون الثمرة له كانت له مؤبرة كانت أم غير مؤبرة، إذ المسلمون على شروطهم، وبهذا قال الشافعية والحنابلة، ومنع المالكية اشتراط البائع للثمرة قبل التأبير وجعلوا ذلك من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها، وقد أجاب الشافعية والحنابلة أن هذا من باب استثناء بعض المعقود عليه، ولا مانع منه فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الثنيا ما لم تعلم فإذا عُلمت فلا بأس.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الثمرة التي تكون على الشجرة عند البيع للبائع إلا أن يشترطها المشتري, سواء أبرت أم لم تؤبر، وهذا فرع عن إنكار الحنفية لمفهوم المخالفة.
القول الثالث: وذهب ابن أبي ليلى إلى أن الثمرة تكون للمشتري مطلقا وذلك لاتصالها بالأصل خلقة أشبهت الأغصان، قال النووي (طرح التثريب 6/120): «قوله باطل منابذ لصريح السنة ولعله لم يبلغه الحديث».
قال المصنف: (وإن باع الأرض وفيها زرع لا يحصد إلا مرة فهو للبائع ما لم يشترطه المبتاع)
ومثال ما يحصد مرة الحنطة والشعير ، فإذا بيعت الأرض وفيها مثل هذا فهو للبائع إلا أن يشترطه المشتري، وهذا باتفاق المذاهب الأربعة، قال ابن قدامة (المغني 4/67): « ولا أعلم فيه مخالفا»
قال المصنف: (وإن يُجزَّ مرة بعد مرة فالأصول للمشتري والجزة الظاهرة عند البيع للبائع)
وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة أن ما يجز من النباتات مرارا كالبرسيم ونحوه، فإن أصوله تكون للمشتري والجزة الظاهرة تكون للبائع، لأن مثل هذا يجنى مرارا مع بقاء أصله أشبه الثمرة المؤبرة، وإذا قيل بهذا فإن الجزة الظاهرة تكون للبائع مبقاة إلى وقت جذاذها.



فصل

قال المصنف: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها)
هذا النهي ثابت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها نهى البائع والمبتاع". ومقتضى هذا الحديث من النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها وهذا في الجملة محل إجماع بين أهل العلم، قال ابن المنذر (المغني 4/72): "أجمع أهل العلم على القول بجملة هذا الحديث".
ويمكن تحرير هذا المسألة بأن يقال بيع الثمر قبل بدو صلاحه له حالات أربع:
الأولى: أن يبيعه قبل بدو صلاحه بشرط تبقيته، وهذا محرم ولا يصح البيع معه إجماعاً، لظاهر حديث ابن عمر.
الثانية: أن يبيعه قبل بدو صلاحه ولكن بشرط القطع، فالذي عليه عامة أهل العلم جواز مثل ذلك، وحكاه ابن قدامة إجماعا، وإن كان الإجماع غير متحقق فقد روي الخلاف فيه عن سفيان الثوري، وابن أبي ليلى.
ولا شك أن قول عامة أهل العلم هو الصواب هنا لأن المنع من بيع الثمرة قبل بدو صلاحها إنما كان لخوف التلف وحدوث العاهة عليها قبل أخذها، بدليل ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، فقيل له: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أرأيت إذا منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه).
الثالثة: أن يبيع الثمرة قبل بدو صلاحها مطلقا بلا اشتراط قطع أو تبقية، فالذي عليه جمهور أهل العلم من المالكية, والشافعية، والحنابلة هو بطلان البيع، وذلك لدخوله في عموم النهي الوارد.
وذهب الحنفية إلى صحة البيع حال الإطلاق، ثم على المشتري قطعها بعد ذلك في الحال، واستدلوا بأن إطلاق العقد مقتض للقطع، إذ من جملة حقوق العقد حصول التسليم دون تأخير، ومعلوم أن التسليم في بيع الثمار لا يكون إلا بالقطع، فهو كما لو اشترط القطع.
وأجاب الجمهور بأن الصواب أن إطلاق العقد مقتض للتبقية لا للقطع، فإن العقود تجري على ما تعارف عليه الناس، ومعلوم أن المتعارف هو أخذ الثمر في أوان الجذاذ لا قبله إلا بقرينة .
الرابعة: أن يبيع الثمرة قبل بدو الصلاح ولكن مع أصلها, فمثلا يبيع التمر على النخل قبل بدو صلاحه ولكن مع النخلة، فهذا جائز بإجماع أهل العلم, ودليله ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المبتاع). فيفهم منه أنه لو باعها قبل أن تؤبر فهي للمشتري، ومعلوم أن الثمرة قبل التأبير لم يبدو صلاحها بعد.
قال المصنف: (وإن باع الثمرة بعد بدو صلاحها على الترك إلى الجذاذ جاز)
وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، لأن الثمرة حينئذ قد بدا صلاحها وأمنت العاهة عليها، ولأن هذا هو مفهوم حديث ابن عمر المتقدم في النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، فمفهومه الجواز.
وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى المنع من ذلك تمسكا بما تقدم عنده من أن مقتضى العقد هو القطع، وقد تقدم الجواب عنه.
قال المصنف: (وإن أصابتها جائحة رُجع بها على البائع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً، بم تأخذ مال أخيك بغير حق))
الجائحة هي الآفة التي تهلك الثمرة وتستأصلها، قال الشوكاني (نيل الأوطار 5/210-211): «لا خلاف أن البرد والقحط والعطش جائحة، وكذلك كل ما كان آفة سماوية، وأما ما كان من الآدميين كالسرقة ففيه خلاف، منهم من لم يره جائحة لقوله في الحديث السابق عن أنس: (إذا منع الله الثمرة فبما تستحل مال أخيك) ومنهم من قال : إنه جائحة تشبيها بالآفة السماوية».
وهذه المسألة التي أشار إليها المصنف هي ما يعبر عنه الفقهاء بمسألة وضع الجوائح، وقد اختلف فيها أهل العلم على قولين:
القول الأول: ذهب المالكية، والحنابلة إلى القول بوضع الجوائح في الجملة وأن الثمر إذا أصابته جائحة فهو من ضمان البائع سواء كان ذلك قبل التخلية أو بعدها، وإن كان المالكية يقيدون ذلك بأن تكون الجائحة أصابت ثلث الثمر فأكثر، فإن كانت دون ذلك لم توضع، واستدل أصحاب هذا القول بما ذكره المصنف من حديث جابر رضي الله عنه، وهو من المتفق عليه، كما استدلوا بما أخرجه مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضح الجوائح.
القول الثاني: ذهب الحنفية والشافعية إلى التفريق بين أن تكون الجائحة قبل التخلية أو بعدها، فإن كانت قبل التخليلة فالثمر من ضمان البائع، وإن كان ذلك بعد التخلية فالضمان على المشتري؛ لحصول القبض بالتخلية، وحملوا الأمر بوضع الجوائح على الندب، أو على ما قبل التخلية.
وقالوا إن وضع الجوائح فيه مخالفة لأصول شرعية, إذ الخراج بالضمان فكيف تكون من ضمان البائع، وقد تولى الإجابة عن هذا ابن القيم بقوله (إعلام الموقعين 2/257): « رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع الجوائح , بأنها خلاف الأصول فقالوا : هذه خلاف الأصول ; فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرف فيها , وثم نقل الملك إليه , ولو ربح فيها كان الربح له , فكيف تكون من ضمان البائع ؟ وفي صحيح مسلم عن أبي سعيد قال : "أصيب رجل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثمار ابتاعها , فكثر دينه , فقال رسول الله r: تصدقوا عليه فتصدقوا عليه , فلم يبلغ ذلك وفاء دينه , فقال رسول الله r: (خذوا ما وجدتم , وليس لكم إلا ذلك), والجواب: أن وضع الجوائح لا يخالف شيئا من الأصول الصحيحة , بل هو مقتضى أصول الشريعة , ونحن بحمد الله نبين هذا بمقامين:
أما الأول فحديث وضع الجوائح لا يخالف كتابا ولا سنة ولا إجماعا , وهو أصل بنفسه ; فيجب قبوله , وأما ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النص له بالإهدار , كيف وهو فاسد في نفسه ؟
وهذا يتبين بالمقام الثاني , وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس الصحيح ; فإن المشتري لم يتسلم الثمرة ولم يقبضها القبض التام الذي يوجب نقل الضمان إليه ; فإن قبض كل شيء بحسبه , وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئا فشيئا فهو كقبض المنافع في الإجارة , وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجرة من الأرض والعقار والحيوان , وعلق البائع لم تنقطع عن المبيع , فإن له سقي الأصل وتعاهده , كما لم تنقطع علق المؤجر عن العين المستأجرة , والمشتري لم يتسلم التسليم التام كما لم يتسلم المستأجر التسليم التام , فإذا جاء أمر غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري لم يحل للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه الله سبحانه منها قبل تمكنه من قبضها القبض المعتاد . وهذا معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (أرأيت إن منع الله الثمرة ؟ فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق ؟) فذكر الحكم وهو قوله : (فلا يحل له أن يأخذ منه شيئا) وعلة الحكم وهو قوله : (أرأيت إن منع الله الثمرة) إلى آخرة . وهذا الحكم نص لا يحتمل التأويل , والتعليل وصف مناسب لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة . وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك , ولهذا لو تمكن من القبض المعتاد في وقته ثم أخره لتفريط منه أو لانتظار غلاء السعر كان التلف من ضمانه ولم توضع عنه الجائحة.
وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أصيب في ثمار ابتاعها فمن باب رد المحكم بالمتشابه ; فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة , فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة , بل لعله أصيب فيها بانحطاط سعرها . وإن قدر أن المصيبة كانت جائحة فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة , بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها , ومثل هذا لا يكون جائحة تسقط الثمن عن المشتري , بخلاف نهب الجيوش والتلف بآفة سماوية , وإن قدر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبين أن التلف لم يكن بتفريطه في التأخير , ولو قدر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عند الجائحة , بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع , والحق في ذلك له : إن شاء طلبه , وإن شاء تركه , فأين في الحديث أنه طلب ذلك , وأن النبي صلى الله عليه وسلم منع منه ؟ ولا يتم الدليل إلا بثبوت المقدمتين , فكيف يعارض نص قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نص فيه بهذا الحديث المتشابه ؟ ثم قوله فيه : (ليس لكم فيه إلا ذلك) دليل على أنه لم يبق لبائعي الثمار من ذمة المشتري غير ما أخذه , وعندكم المال كله في ذمته ; فالحديث حجة عليكم».

سلوى
11-01-01 ||, 06:18 PM
شخنا الفاضل بارك الله في جهودكم وأفادنا منكم علماً وفقهاً. عندي اقتراح إذا لم تكن هذه المدارسة المباركة مقيدة بفترة زمنية محددة فإني أقترح أن تفرد كل جزئية منها بدرس منفصل حتى نتمكن من استيعابها ثم مناقشتها، فما قمت بعرضه شيخنا كم هائل من المادة العلمية عجزت مداركي عن متابعته فكل جزئية منها قد تكون محل استفسار ومناقشة.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-02 ||, 05:59 AM
الأخت سلوى سلمها الله:
اشكر لك تفاعلك واهتمامك، وفي الحقيقة ما ذكرتيه له وجه من جهة أن المادة التي تم استعراضها في الدروس السابقة كبيرة وفيها مسائل متشعبه، وحقيقة أن تحديد زمن محدد لهذه المدراسة يصعب علي لأني أقوم بتحضير المادة وإنزالها درسا درسا، ولكن فيما أحسب أن المشي الذي جرينا عليه في هذه الدرس مناسب وليس فيه بطء لا سيما أن الدرس على فترتين أسبوعيا، ولكن بقي ما ذكرت من إفراد كل جزئية بدرس منفصل فهذا جيد لكن بعض الإخوان استشكل أن فيه تشتيتا لمادة الدرس بخلاف ما لو كانت مجموعة في مكان واحد، والمسألة أحيلها إلى المشرفين في الموقع ينظروا ما هو الأصلح، ولكن على العموم هناك الآن حل إن شاء الله سيكون مناسبا، ألا وهو ما ذكرته سابقا أنه تقريبا بعد كل عشرة دروس سنتوقف درسا لمراجعة ما سبق، وهذا تقريبا سيكون بمعدل مراجعة شهرية دورية لك ما أخذ في الشهر فإن الدروس تقريبا في الشهر تتراوح ما بين ثمانية دروس إلى عشرة، ففي الدرس العاشر القادم لن تتعرض إلا لمسألة واحدة ففقط نتم بها الفصل الذي نحن فيه، وسنتوقف على باب الخيار، وسأقوم بإرفاق ملف فيه أسئلة على جميع ما سبق من الدروس، وسنتوقف درسا حتى يتسنى مراجعة ما سبق والسؤال عنه، ثم نستأنف بعد ذلك، هذا بالنسبة لما سبق.
أما ما يستأنف بعد ذلك من الدروس فالأمر إليكم إن شئتم ان تجرى المراجعة كل شهر كما ذكرت فالأمر لكم، وإن شئتم أن تجرى المراجعة بعد كل باب أو فصل، بحيث يتم إرفاق ملف فيه أسئلة مراجعة للباب يستفاد منها في التقييم ومعرفة مدى الإستفادة فالأمر إليكم ما عندي إشكال، أسأل الله أن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل.

بشرى عمر الغوراني
11-01-02 ||, 07:29 AM
أولاً: أثابكم الله أخي الفاضل على هذه الدروس النافعة السلسة.
ثانياً: اسمحوا لي أن أسأل سؤالين:
- ما معنى هذه الفقرة:






الدرس الرابع:








فصل

- مسألة:
هل النهي عن بيع الرجل على بيع أخيه مختص بزمن الخيارين أعني خيار المجلس والشرط، أو هو عام ولو بعد مدة الخيارين؟
جمهور أهل العلم على أن النهي مختص بزمن الخيارين، لأنه هو الزمن الذي يمكن للمشتري فيه فسخ البيع، واختار شيخنا العثيمين أن النهي عام لا يختص بزمن الخيارين وذلك لأمور:
1- لعموم حديث "لا يبع أحدكم على بيع أخيه". 2- لأنه ربما يتحايل على الفسخ كأن يدعي عيباً. 3- أنه يؤدي إلى العداوة .
لكن إن كان بعد مدة طويلة فلا بأس بذلك.


- ما الفرق بين شراء المسلم على شراء أخيه وسومه على سوم أخيه؟

مسألة: حكم الشراء على شراء أخيه:
لا يجوز عند جمهور أهل العلم شراء الرجل على شراء أخيه بأن يأتي المشتري للبائع بعد أن باع السلعة لمشتر آخر فيقول له أنا أشتريها منك بكذا، وذلك قياسا على بيعه على بيع أخيه، ثم إنه قد تقدم أن البيع يطلق على في اللغة على الشراء ، وهل هو مختص بزمن الخيارين أو بعدهما؟ فيه ما تقدم من الخلاف.
مسألة: حكم السوم على سوم أخيه
وهو أن يتساوم رجلان , فطلب البائع بسلعته ثمنا , ورضي المشتري بذلك الثمن , واتفقا عليه ولكن لم يتم العقد بعد، فجاء مشتر آخر , ودخل على سوم الأول , فاشتراه بزيادة أو بذلك الثمن نفسه، فهذا البيع محرم عند جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة واستدلوا بظاهر النهي عنه كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (لا يسم المسلم على سوم أخيه). ولما في مثل هذا من نشر العداوة والبغضاء بين المسلمين.
وذهب الحنفية إلى كراهة مثل هذا البيع دون تحريمه.
"

أمين بن منصور الدعيس
11-01-03 ||, 07:08 AM
الأخت بشرى سلمك الله:
أولا أشكر لك اهتمامك وتفاعلك.
ثانيا: بالنسبة للسؤال الأول فالمراد بهذه المسألة أن أهل العلم لما منعوا من بيع الرجل على بيع أخيه اختلفوا هل ذلك عام من حيث الزمان أو أنه محدد بمدة معينة بعد العقد، فالذي عليه الجمهور أن المنع مختص بمدة الخيارين خيار الشرط وخيار المجلس لأنه في تلك المدة يمكن للمشتري فسخ العقد مع البائع الأول والشراء من البائع الثاني.
وخيار المجلس يراد به الخيار الذي يكون في مجلس العقد فما دام العاقدان في مكانهما الذي أبرما فيه العقد ولم يفترقا عرفا فلكل واحد منهما فسخ البيع.
وأما خيار الشرط فهو ما يعلق فيه حق الفسخ على مدة معينة فيشترط البائع أو المشتري أو كليهما مدة معلومة ولو طويلة يكون لهما فيها الحق في فسخ العقد.
فالجمهور قالوا منع البيع على بيع أخيه إنما يكون في مدة الخيارين لأنها هي المدة التي يتصور فيها فسخ المشتري للعقد لكي يعقد مع الآخر أما بعد ذلك فهو أصلا لا يملك، ذلك، واختار شيخنا العثيمين أن النهي عام غير مختص بزمن الخيارين لما ذكرنامن الأدلة.
ثالثا: أما الفرق بين شراء المسلم على شراء أخيه وسومه على سوم أخيه هو أن الشراء على شراء أخيه يكون بعد إبرام العقد بين البائع والمشتري الأول، أما في مسألة السوم فلم يتم العقد ولكن كان هنا تراض وركون للسعر الذي عرضه المشتري الأول، ولم يبرم العقد بعد، فيأتي المشتري الثاني ويعرض سوما أعلى مما سامه المشتري الأول.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-03 ||, 07:20 AM
الدرس العاشر
أيها الإخوة والأخوات هذا الدرس لن نتعرض فيه إلا لمسألة واحدة، يحصل بها تمام الفصل حتى يتسنى مراجعة ما سبق من الدروس، ومرفق مع هذا الدرس ملف فيه أسئلة مراجعة لما سبق، بحيث أن المتابع معنا يراجع ما تقدم من الدروس ثم يستعرض هذه الأسئلة ومدى قدرته على الإجابة عليها, ويقيم نفسه، وسنتوقف هذا الأسبوع عن الدرس وستكون البداية الأسبوع القادم بحيث يكون هذا الأسبوع فترة مراجعة، ونقاش لما انغلق في الدروس السابقة.

قال المصنف: (وصلاح ثمر النخل أن يحمر أو يصفر والعنب أن يتموه وسائر الثمر أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله)
هذا الذي ذكره المصنف هو قول جمهور أهل العلم من المالكية، وا لشافعية والحنابلة، وإن كانوا يختلفون في تفاصيل مذهبهم لكن من حيث الجملة متفقون على هذا المعنى، يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى أن تباع ثمرة النخل حتى تزهو . قال أبو عبد الله يعني حتى تحمر. وفي صحيح مسلم: فقلنا لأنس: وما زهوها؟ قال: تحمار أو تصفار.
واستدلوا بما أخرجه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة نهى البائع والمشتري. وبما في الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى النبي صلى الله عليه و سلم أن تباع الثمرة حتى تُشَقِّح . فقيل ما تشقح ؟ . قال تحمار وتصفار ويؤكل منها.
وبما أخرجه أبو داود من حديث أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه و سلم نهى عن بيع العنب حتى يسود وعن بيع الحب حتى يشتد.
وذهب الحنفية في المشهور من مذهبه إلى أن بدو الصلاح يكون بأن تأمن الثمرة العاهة والفساد فقط.

وقول الجمهور هو الأقرب في هذه المسألة، لدلالة النصوص بمجموعها عليه.

سلوى
11-01-03 ||, 09:41 AM
وحقيقة أن تحديد زمن محدد لهذه المدراسة يصعب علي
وأنا كذلك لا أحبذ تحديد زمن لأن باب البيوع بالنسبة لي من أصعب أبواب الفقه فهو كالقياس عند الأصوليين فأرجو عدم التقيد بزمن حتى نتمكن من اعطاء كل مسألة حقها ومستحقها من القرأة والفهم.

ولكن فيما أحسب أن المشي الذي جرينا عليه في هذه الدرس مناسب وليس فيه بطء
فعلاً هو سريع بل سريع جداً لذلك قلت: فما قمت بعرضه شيخنا كم هائل من المادة العلمية عجزت مداركي عن متابعته فكل جزئية منها قد تكون محل استفسار ومناقشة.
ولذلك أرجو تقليل السرعة قليلاً وعرض مسألة واحدة اعتباراً من الدرس القادم إن شاء الله

وسأقوم بإرفاق ملف فيه أسئلة على جميع ما سبق من الدروس،
أثابك الله خيراً شيخنا الفاضل ولكن الملف لم يفتح معي ولا أعرف السبب !

أما ما يستأنف بعد ذلك من الدروس فالأمر إليكم إن شئتم ان تجرى المراجعة كل شهر كما ذكرت فالأمر لكم، وإن شئتم أن تجرى المراجعة بعد كل باب أو فصل،
عن نفسي أفضل أن تجري المراجعة بعد كل فصل.

.

وجزاك الله خيراً

أمين بن منصور الدعيس
11-01-03 ||, 11:28 AM
الملف حملته عندي وفتح ما فيه إشكال أخشى أن يكون الأوفيس عندك 2003 ، الملف الذي رفعته على أوفيس 2007

د. عبدالحميد بن صالح الكراني
11-01-03 ||, 12:01 PM
الملف حملته عندي وفتح ما فيه إشكال أخشى أن يكون الأوفيس عندك 2003 ، الملف الذي رفعته على أوفيس 2007
أو العكس؟
الملف مرفق 2007

بشرى عمر الغوراني
11-01-03 ||, 10:32 PM
الأخت بشرى سلمك الله:
أولا أشكر لك اهتمامك وتفاعلك.
ثانيا: بالنسبة للسؤال الأول فالمراد بهذه المسألة أن أهل العلم لما منعوا من بيع الرجل على بيع أخيه اختلفوا هل ذلك عام من حيث الزمان أو أنه محدد بمدة معينة بعد العقد، فالذي عليه الجمهور أن المنع مختص بمدة الخيارين خيار الشرط وخيار المجلس لأنه في تلك المدة يمكن للمشتري فسخ العقد مع البائع الأول والشراء من البائع الثاني.
وخيار المجلس يراد به الخيار الذي يكون في مجلس العقد فما دام العاقدان في مكانهما الذي أبرما فيه العقد ولم يفترقا عرفا فلكل واحد منهما فسخ البيع.
وأما خيار الشرط فهو ما يعلق فيه حق الفسخ على مدة معينة فيشترط البائع أو المشتري أو كليهما مدة معلومة ولو طويلة يكون لهما فيها الحق في فسخ العقد.
فالجمهور قالوا منع البيع على بيع أخيه إنما يكون في مدة الخيارين لأنها هي المدة التي يتصور فيها فسخ المشتري للعقد لكي يعقد مع الآخر أما بعد ذلك فهو أصلا لا يملك، ذلك، واختار شيخنا العثيمين أن النهي عام غير مختص بزمن الخيارين لما ذكرنامن الأدلة.
ثالثا: أما الفرق بين شراء المسلم على شراء أخيه وسومه على سوم أخيه هو أن الشراء على شراء أخيه يكون بعد إبرام العقد بين البائع والمشتري الأول، أما في مسألة السوم فلم يتم العقد ولكن كان هنا تراض وركون للسعر الذي عرضه المشتري الأول، ولم يبرم العقد بعد، فيأتي المشتري الثاني ويعرض سوما أعلى مما سامه المشتري الأول.

جزاكم الله خيراً على التوضيح

سلوى
11-01-04 ||, 09:32 PM
أو العكس؟
الملف مرفق 2007

الأن فتح الملف وتم التحميل صدقتما فقد كان القصور مني

وجزاكم الله خيراً

أمين بن منصور الدعيس
11-01-09 ||, 06:23 AM
الدرس الحادي عشر

باب الخيار

اسم مصدر فعله اختار والخيار هو الأخذ بخير الأمرين. والخيار هنا هو الأخذ بخير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ سواء كان للبائع أو للمشتري، وبعضهم عرفه بأنه حق العاقد في فسخ العقد أو إمضائه , لظهور مسوغ شرعي أو بمقتضى اتفاق عقدي.
قال المصنف: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما)
أشار المصنف بهذه العبارة إلى القسم الأول من اقسام الخيار، وهو خيار المجلس، أي الخيار الذي يكون في مكان ومجلس التعاقد، وقد اختلف أهل العلم في إثبات خيار المجلس على قولين:
القول الأول: إثبات خيار المجلس, وهو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة، فالبيعان بالخيار حتى يتفرقا بأبدانهما عُرفاً, واستدلو لذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا, فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما, وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهم).
وفي الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه و سلم أنه قال: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعا أو يخير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع)
وعند مسلم أن ابن عمر كان إذا بايع رجلاً فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنيهة ثم رجع إليه.
القول الثاني: ما ذهب إليه الحنفية والمالكية من أنه متى ما وجد الإيجاب والقبول وجب البيع, فلا يثبتون خيار المجلس، وحملوا الفرقة في الأحاديث السابقة على فرقة الكلام لا فرقة الأبدان،
فالبيع يلزم بمجرد القبول والإيجاب ولا خيار فيه، وقد استشكل الشافعي أن يقول مالك بمثل هذا مع ثبوت الخبر عنده، حتى إنه قال (المغني 5/4): : «لا أدري هل اتهم مالك نفسه أو نافعا؟ وأُعظم أن أقول: عبد الله بن عمر».
وما ذهب إليه أصحاب هذا القول من حمل التفرق على فرقة الكلام غير وجيه بدليل قوله صلى الله عليها وسلم: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار...) فهو ظاهر في كون الخيار إنما ثبت بعد حصول البيع والإيجاب والقبول.
ومما استدل به أصحاب هذا القول أيضا أن ثبوت الخيار مناف لأصل اللزوم والثبوت في العقود،
فهو جار على خلاف الأصول، والصواب أنه جار على وفق الأصول فإن البيع في كثير من الأحيان يحصل بغتة دون ترو من البائع والمشتري، فعادة ما يحصل بعض الندم لدى البائع أو المشتري فجعل له خيار المجلس ليستدرك ذلك قريبا في مجلس العقد دفعا للضرر، ثم لو سلمنا جدلا بأنه مخالف للأصول كما يذكرون فلا إشكال في ذلك لأن ثبوت الأصول إنما يكون من جهة النصوص الشرعية فلا يعترض على النصوص الشرعية بالأصول المستنبطة.
فالراجح في هذه المسألة هو القول الأول بثبوت الخيار.
مسألة: ما هو المرجع أو الضابط في التفرق في خيار المجلس؟
أقرب الأقوال في ذلك أن يكون المرجع فيه العرف، قال ابن قدامة (المغني 4/6): « والمرجع في التفرق إلى عرف الناس وعادتهم ، فيما يعدونه تفرقاً ؛ لأن الشارع علق عليه حكماً ، ولم يبينه ، فدل ذلك على أنه أراد ما يعرفه الناس، كالقبض ، والإحراز، فإن كانا في فضاء واسع كالمسجد الكبير والصحراء ، فبأن يمشي أحدهما مستدبرا لصاحبه خطوات، وقيل : هو أن يبعد منه بحيث لا يسمع كلامه الذي يتكلم به في العادة»
قال المصنف: (فإن تفرقا ولم يترك أحدهما البيع فقد وجب البيع)
وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، يدل عليه ما تقدم من حديث ابن عمر رض الله عنهما وفيه: (وإن تفرقا بعد أن يتبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع)
قال المصنف: (إلا أن يشترطا الخيار لهما أو لأحدهما مدة معلومة فيكونان على شرطهما)
شرع المصنف رحمه الله في الكلام على النوع الثاني من أنواع الخيار وهو خيار الشرط وقد عرفه ابن عابدين بقوله (حاشية ابن عابدين 4/567): " خيار الشرط مركب إضافي صار علما في اصطلاح الفقهاء على ما يثبت لأحد المتعاقدين من الاختيار بين الإمضاء والفسخ".
وأستدل على جواز خيار الشروط بأدلة منها:
عموم قوله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أو فوا بالعقود) ، وقوله عليه الصلاة والسلام : (المسلمون على شروطهم )، كما استدلوا بما أخرجه ابو داود في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن حبان بن منقذ ذكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم أنه يخدع في البيع فقال له رسول الله صلى الله عليه و سلم: (إذا بايعت فقل لا خِلابة) فكان الرجل إذا بايع يقول لا خلابة- أي لا خديعة-.
وقد اعترض على هذا الاستدلال من جهة كون الخيار هنا ليس خيار شرط وإنما هو خيار غبن، ومما استدل به على خيار الشرط أيضاً ما أخرجه أبو داود في سننه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: (المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار)، فحملوا قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا بيع الخيار) على حالة اشتراط الخيار في البيع، قال النووي (المجموع 9/226): "واعلم أن أقوى ما يحتج به في ثبوت خيار الشرط الإجماع , وقد نقلوا فيه الإجماع وهو كاف".
قال المصنف: (وإن طالت المدة إلا أن يقطعاه) هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أن خيار الشرط مفوض تحديد مدته للمتعاقدين فالأمر إليهما في تحديد مدة خيار الشرط ولو طالت المدة، وبهذا القول قال محمد بن الحسن وأبو يوسف من الحنفية، واستدلوا بالإطلاق الوارد في الأحاديث الصحيحية وعدم التحديد بمدة معينة، واستثنى بعض الحنابلة في هذه المسألة ما لو كانت المدة طويلة خارجة عن العادة " كألف سنة ، ومائة سنة " وقالوا مثل هذا لا يصح لإفضائه إلى المنع من التصرف في الثمن والمثمن ، ومثل هذا مناف لمقتضى مشروعية الخيار الذي شرع لأجل دفع المشقة والضرر.

وهذا القول اختاره شيخنا العثيمين ولكنه قال (الشرح الممتع 8/276): " لكن لو قيل إنه إذا شرط الخيار في شيء يفسد قبل تمام المدة لا يصح"
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن تحديد المدة مفوض للمتعاقدين ولكن في حدود المعتاد، فيكون مرجع ذلك الحاجة التي تختلف باختلاف المبيعات، فقالوا مثلا خيار العقار شهر بخلاف خيار الثوب فهو اليوم واليومان، بخلاف خيار الخضروات والفواكه، فالخيار يكون بقدر المدة التي يحصل به الاطمئنان للمبيع عادة.
القول الثالث : ذهب الحنفية والشافعية إلى تحديد المدة بثلاثة أيام أيا كانت السلعة المعقود عليها، واستدلوا بما جاء في بعض روايات حديث حبان بن منقذ من أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار ثلاثة أيام، ولكن تقدم أن حديث حبان بن منقذ الأقرب أنه محمول على خيار الغبن لا خيار الشرط.
القول الثالث : ذهب الحنفية والشافعية إلى تحديد المدة بثلاثة أيام أيا كانت السلعة المعقود عليها، واستدلوا بما جاء في بعض روايات حديث حبان بن منقذ من أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار ثلاثة أيام، ولكن تقدم أن حديث حبان بن منقذ الأقرب أنه محمول على خيار الغبن لا خيار الشرط.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-11 ||, 06:29 AM
الدرس الثاني عشر
قال المصنف: (وإن وجد أحدهما بما اشتراه عيباً لم يكن علمه فله رده أو أخذ أرش العيب) شرع المصنف رحمة الله في الكلام على النوع الثالث من أنواع الخيار وهو خيار العيب، وهو الخيار الثابت بسبب العيب فيثبت به لأحد العاقدين الحق في فسخ العقد أو إمضائه إذا وجد عيباً في أحد البدلين، ولم يكن صاحبه عالماً به وقت العقد.
وخيار العيب مجمع عليه بين أهل العلم في الجملة، قال ابن قدامة (المغني 4/108): «متى علم بالمبيع عيباً لم يكن عالماً به فله الخيار بين الإمساك والفسخ، سواء كان البائع علم العيب وكتمه، أو لم يعلم, لا نعلم بين أهل العلم في هذا خلافا، وإثبات النبي صلى الله عليه وسلم الخيار بالتصرية تنبيه على ثبوته بالعيب, ولأن مطلق العقد يقتضي السلامة من العيب».
ومحل الخلاف بين أهل العلم فيما يثبت بخيار البيع:
القول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية في الجملة، والشافعية إلى أن المشتري في حال وجود العيب مخير بين الإمساك بدون الأرش, أو الرد, فإما أن يمسك المبيع المعيب بكل الثمن وليس له أرش، أو يفسخ العقد ورد المبيع
وأصحاب هذا القول بما ثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة رضي الله عنه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من ابتاع شاة مصراة فهو فيها بالخيار ثلاثة أيام، إن شاء أمسكها وإن شاء ردها ورد معها صاعا من تمر).
فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصراة الحق في أمساك الشاة من غير أرش، أو ردها.
واستدلوا ايضا بأن البائع رضي بخروج السلعة من يده بثمن معين فلا يلزم بإخراجها من يده بما دون ذلك، وأما ما حصل للمشتري من ضرر فيمكن دفعه برد المبيع.
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ما ذهب إليه الجمهور من جهة أن إلزام البائع بالأرش معاوضة جديدة لا بد فيها من رضاه ، وقد ذكر شيخنا العثيمين أن قول شيخ الإسلام وجيه إلا أن يعلم أن البائع كان غاشاً للمشتري فهنا نقول للمشتري الخيار بين الإمساك بأرش والرد.
القول الثاني: ذهب الحنابلة إلى أن المشتري مخير بين الإمساك مع أرش العيب ولو لم يرض البائع, أو الرد، واستدلوا بأن المشتري فات عليه جزء من المبيع ، فكانت له المطالبة بعوضه ، كما لو اشترى عشرة أقفزة ، فبانت تسعة ، أو كما لو أتلفه بعد البيع.
وأما ما استدل به الجمهور من حديث المصراة فأجابوا عنه بأن الخيار هناك للتدليس لا لفوات جزء، ولذلك لا يستحق أرشا إذا امتنع الرد عليه.
مسألة: ما هي صفة الأرش؟
صفة الأرش: هو أن يقوم المبيع بلا عيب ، ثم يقوم مع العيب وينظر إلى التفاوت بينهما، ثم تؤخذ نسبة التفاوت، ويؤخذ بقدر هذه النسبة من القيمة.
مثال ذلك فيما لو باع سيارة قيمتها (100000) بثمن قدره (50000) ثم تبين بها عيب، فذكر الخبراء أن قيمتها معيبة هو (60000) مع أن قيمتها سليمة عندهم (100000).
فالفرق بين قيمتها معيبة وقيمتها سليمة هو (40000) وهو ما يعادل 2/5 من قيمتها سليمة، فعلى هذا نسقط من الثمن خمسين فنسقط من الخمسين ألفا عشرين ألفا.
قال المصنف: (وما كسبه المبيع أو حصل فيه من نماء منفصل قبل علمه بالعيب فهو له لأن الخراج بالضمان)
ما ذكره المصنف هنا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة وهو أن النماء المنفصل قبل علم المشتري بالعيب يكون حال رد المبيع للمشتري سواء كان النماء المنفصل متولدا من المبيع أو غير متولد منه، ولتوضيح هذه المسألة يمكن أن نقسم النماء الحاصل من المبيع للأقسام التالية:
الأول: النماء المتصل, كالسمن ، والكبر ، والتعلم ، والحمل قبل الوضع ، والثمرة قبل التأبير ، فجمهور أهل العلم على أنها تكون للمشتري لأنها تبع للمبيع في الفسخ والعقد، واختار شيخ الإسلام وشيخنا العثيمين أنها تكون للمشتري، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 8/286): "وعن الإمام أحمد رواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية "
وذلك من جهة أن النماء حصل في ملكه والخراج بالضمان، ثم إن النماء المتصل قد يكون أهم من المنفصل، وعليه فيقوم المبيع حين العقد ثم حين الفسخ والفرق يعطى للمشتري ويلزم البائع قبوله.
الثاني: أن تكون الزيادة منفصلة, وغير متولده من المبيع ، كأجرة الدابة, والبيت, كذلك ما يوهب أو يوصى له به، فمثل هذا يكون للمشتري، لأن الخراج بالضمان، والسلعة في هذه الفترة من ضمان المسشتري لو تلفت، فيكون خراجها له، قال ابن قدامة (المغني4/110) : "وهو معنى قوله عليه السلام (الخراج بالضمان), ولا نعلم في هذا خلافاً.
وقد روى ابن ماجه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا اشترى عبداً فاستغله ما شاء الله ثم وجد به عيبا فرده فقال: يا رسول الله إنه استغل غلامي، فقال رسول الله r: (الخراج بالضمان) ورواه أبو داود".
الثالث: أن تكون الزيادة منفصلة, ومتولدة من المبيع, كالولد, والثمرة, واللبن, فهذه اختلف فيها أهل العلم على قولين:
القول الأول: أنها تكون للمشتري، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية, والحنابلة, لأن الخراج بالضمان.
القول الثاني: أنه لمالك الأصل وهو البائع, وهو مذهب الحنفية, والمالكية.
قال المصنف: (وإن تلفت السلعة أو عتق العبد أو تعذر رده فله أرش العيب)
وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأنه في هذا الحالات يتعذر الرد فلا يمكن دفع الضرر عن المشتري إلا بالأرش.
قال المصنف: (وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تُصَرُّوا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها وصاعاً من تمر) ، فإن علم بتصريتها قبل حلبها فله ردها ولا شيء معها)
الحديث الذي ذكره المصنف هنا في النهي عن التصرية ثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، والمصراة هي الشاة يصر اللبن في ضرعها أي يحبس اللبن في ضرعها ولا تحلب، فيراها المشتري يظن أنها غزيرة اللبن والأمر بخلاف ذلك، ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم التصرية لأجل البيع لما في ذلك من الغش والتدليس على المشتري.
وتحت هذه الجملة من كلام المصنف مسائل:
المسألة الأولى: أجمع أهل العلم على صحة بيع المصراة، وذلك لثبوت الخيار فيها ومعلوم أن الخيار فرع عن صحة البيع.
المسألة الثانية: اختلف أهل العلم في ثبوت الخيار في المصراة على قولين:
الأول: ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى ثبوت الخيار للمشتري بالتصرية، فهو مخير بين الإمساك أو الرد، واستدلوا بما ذكره المصنف من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وبما أخرجه البخاري من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: من اشترى شاة محفلة فردها فليرد معها صاعا من تمر.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الخيار لا يثبت في بيع المصراة، وإنما يستحق المشتري أرش النقص، واستدلوا بأن التصرية ليست بعيب إذ الشياه تختلف في لبنها فلو وجد شاة لبنها أقل من أخرى مثلا فلا يحق له الرد.
هذا ما ذكروه ولكن الصحيح أن التصرية من العيوب إذ من المعلوم أن الشاة قليلة اللبن خلقة معيبة في حد ذاتها، وأما التصرية فهي زيادة تدليس.
ومما استدل به الحنفية أن الخيار في المصراة مخالف للأصول من جهتين:
الجهة الأولى: أن الأصل في ضمان المتلفات أن يضمن المثلي بمثله والمتقوم بقيمته، وهنا اللبن لم يضمن بمثله، ولا بقيمته، ولكن يجاب عن هذا بعدم التسليم فلا يلزم أن يكون الضمان للمثلي بمثله والمتقوم بقيمته، فهذا الحر في الدية يضمن بالإبل، وكذلك الجنين يضمن بالغرة، وكل هذا ليس بمثلي ولا متقوم.
الجهة الثانية: أن الأصل في الضمان أن يكون بقدر المضمون، وهنا الضمان قُدر بالصاع مطلقا مع أن اللبن المحلوب أقل من صاع التمر أو أكثر منه، وأيضا هذا يجاب عنه بالمنع وبأن ذلك ليس من شرط الضمان فأنت ترى الحر الشريف الرئيس ديته مساوية لدية السوقة من الناس وعامتهم، والعالم الورع ديته دية الفاسق المتهتك، ثم إن في تحديد بالصاع قطعا للنزاع الذي قد يحصل بين البائع والمشتري في القدر الذي يقابل اللبن المحلوب.
فالصواب في هذه المسألة قول جماهير أهل العلم بثبوت خيار التصرية.
المسألة الثالثة: جاء الحديث بالنص على أن المشتري إذا أرجع الشاة أرجع معها صاعا من تمر مقابل اللبن الذي حلب وبهذا قال الجمهور القائلون بالخيار للتصرية، إلا أن الشافعية والحنابلة نصوا على أن المتعين هو رد صاع من تمر لا يجزئ غيره إلا إن عدم التمر، واستدلوا بظاهر حديث أبي هريرة الذي ذكره المصنف، وهذا القول هو ظاهر كلام شيخنا العثيمين.
وذهب المالكية إلى أن الواجب إخراج صاع من غالب قوت البلد فلا يتعين التمر، وما جاء من تعيينه في حديث أبي هريرة إنما كان باعتبار كونه غالب قوت أهل المدينة،
واستدلوا بما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام، فإن ردها رد معها صاعا من طعام لا سمراء).
وقالوا هذا ظاهر في كون المقصود مطلق الطعام مما يقتات به أهل البلد، إلا أن الجمهور حملوا هذه الرواية المطلقة على ما ثبت عند مسلم أيضا من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اشترى شاة مصراة فهو بخير النظرين إن شاء أمسكها، وإن شاء ردها وصاعا من تمر لا سمراء)، فهذه الرواية دالة على أن الطعام في الرواية السابقة يراد به خصوص التمر.

سلوى
11-01-12 ||, 03:28 PM
[quote=أمين بن منصور الدعيس;62508]
الدرس الثاني عشر


القول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية في الجملة، والشافعية

عبارة ( في الجملة ) توحي كأن كل المالكية يقولون بهذا الرأي، وهو نفس ما فهمته كذلك من إطلاق كلمة الحنفية والشافعية، فلماذا خص المالكية بهذه العبارة؟

سلوى
11-01-12 ||, 03:32 PM
بارك الله فيكم شيخنا الفاضل وأثابك خيراً
لقد ورد في الحديث رد صاع من تمر بدلاً من رد اللبن المحلوب فما هي الحكمة في رد الصاع من التمر بدلاً من اللبن؟
تدور عدة نقاط في رأسي حول الحكمة في رد صاع من تمر بدلاً من اللبن فأحببت أن أذكرها وأرجو تصويبي فيما أخطأت فيها:
أعتقد أن عدم رد اللبن المحلوب أمرٌ يختص باللبن ( الحليب ) وأهميته وخواصه كما قال الله تعالى: (لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ)وفي الصحيح روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم–قال:أن جبريل - عليه السلام -جاءه بإناء من خمر وإناء من لبن، فاختار الرسول صلى الله عليه وسلم، إناء اللبن، فقال له جبريل: اخترت الفطرة، أما إنك لو اخترت الخمر غوت أمتك". وفي " السنن " مرفوعا: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من أطعمه الله طعاما فليقل اللهم بارك لنا فيه وارزقنا خيرا منه ومن سقاه الله لبنا فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه فإني لا أعلم ما يجزئ من الطعام والشراب إلا اللبن. فكيف يكون للبن هذه الأهمية ويؤمر الإنسان برده. وعلى فرض أنه يجوز رده بلبن مثله فهذه المثلية لا تتحقق لأن اللبن يختلف باختلاف صاحبة اللبن فلبن الماعز يختلف عن لبن البقر ولبن الضان يختلف عن لبن الإبل والكل يختلف عن بعضه البعض بل أن لبن الجنس الواحد يختلف باختلاف المرعى ونوعية االعشب واللماء، ولذلك كثيرا ما نسمع نحن النساء عبارات تقول: أن فلانة لبنها لا يشبع أو لا يغذي وأن فلانة لبنها يغذي. كما أن المكونات الغذائية للحليب تختلف من مرحلة لمرحلة على حسب احتياج الرضيع فاللبن عند الولادة يختلف عن غيره من اللبن في الشهور التالية، كما أن ما يحلب الآن يختلف عما يحلب بعد ذلك، وقد أشار إلى ذلك ابن القيم في زاد المعاد فذكر أن أجود ما يكون اللبن حين يحلب ثم لا يزال تنقص جودته على ممر الساعات. والله تعالى أعلم

أمين بن منصور الدعيس
11-01-13 ||, 03:49 PM
[quote=أمين بن منصور الدعيس;62508]
الدرس الثاني عشر


القول الأول: ذهب الحنفية، والمالكية في الجملة، والشافعية

عبارة ( في الجملة ) توحي كأن كل المالكية يقولون بهذا الرأي، وهو نفس ما فهمته كذلك من إطلاق كلمة الحنفية والشافعية، فلماذا خص المالكية بهذه العبارة؟

الأخت سلوى سلمك الله:
خصصت المالكية بقولي: (في الجملة) لأن المالكية وإن كانوا قد وافقوا الحنفية والشافعية في أصل القول بالرد أو الإمساك بغير أرش إلا أن لهم في بعض الصور تفصيلات يفرقون فيها بين العيب الكثير واليسير، وبين العقار والعروض.
ومن المعروف عند أهل العلم أن هناك فرقا بين قولنا: (في الجملة) و (بالجملة) فتساق اللفظة الأوله عند الموافقة في بعض الوجوه دون كلها، وتقال الثانية في الموافقة من كل وجه.
فإذا كنت متفقا معك من كل وجه أقول: (أنا أوافقك بالجملة) و إن كنت أوافقك في البعض دون البعض أقول: أنا أوافقك في الجملة.

سلوى
11-01-14 ||, 09:21 AM
بارك الله فيك أستاذنا الفاضل وأثابك خيرا ونفعنا الله منك علماً وفهماً

أمين بن منصور الدعيس
11-01-15 ||, 03:41 PM
الدرس الثالث عشر

قال المصنف: (وكذلك كل مُدَلَّسٍ لا يُعْلَمُ تدليسه فله رده كجارية حَمَّر وجهها أو سَوَّد شعرها أو جَعَّده أو رحى حبس الماء وأرسله عليها عند عرضها على المشتري)
أشار المصنف هنا إلى خيار التدليس وهو الخيار الثابت بسبب التدليس وحقيقة التدليس هو إظهار السلعة المعيبة بمظهر السليمة , وهو مأخوذ من الدلسة بمعنى : الظلمة ; كأن البائع بتدليسه صير المشتري في ظلمة لا يبصر معها ما في السلعة من عيب , والتدليس يكون بأحد أمرين:
الأول: كتمان عيب السلعة.
الثاني: تحسينها وتزويقها بما ليس فيها مما يزيد ثمنها، كالأمثلة التي ذكره المصنف من تسويد شعر الجارية أو تحمير وجهها ونحوه.
وأهل العلم في الجملة مجمعون على ثبوت خيار التدليس، وإن كانوا يختلفون في صوره، ومما يدل عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا)، وما أخرجه ابن ماجه من حديث عقبة بن عامر مرفوعا: (المسلم أخو المسلم ولا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا فيه عيب إلا بينه له)، ومما يدل على هذا الخيار صراحة ثبوته في المصراة.
قال المصنف: (وكذلك لو وصف المبيع بصفة يزيد بها ثمنه فلم يجدها فيه كصناعة في العبد أو كتابة أو أن الدابة هِمْلاجة والفهد صيود أو معلم أو أن الطائر مُصَوِّت ونحوه)
ما ذكره المصنف هنا من صور التدليس هي من باب فوات الوصف المرغوب فيه، فهو نوع من التدليس يوجب الخيار، وقد اتفقت المذاهب الأربعة من حيث الجملة على ثبوت الخيار بفوات الوصف المرغوب فيه، لأنه لا يعدو أن يكون نوعا من التدليس.
قال ابن قدامة (المغني 4/115): «وإذا اشترط المشتري في البيع صفة مقصودة مما لا يعد فقده عيباً صح اشتراطه، وصارت مستحقة يثبت له خيار الفسخ عند عدمها مثل أن يشترط مسلما ، فيبين كافرا ، أو يشترط الأمة بكرا أو جعدة أو طباخة ، أو ذات صنعة ، فمتى بان خلاف ما اشترطه ، فله الخيار في الفسخ ، والرجوع بالثمن ، أو الرضا به ، ولا شيء له, لا نعلم بينهم في هذا خلافاً؛ لأنه شرط وصفا مرغوبا فيه ، فصار بالشرط مستحقا»
شرح منتهى الإرادات - (2 / 28)
وقول المصنف: (الدابة هِمْلاجة) أي تمشي الهملجة وهي مشية سهلة في سرعة.
قال المصنف: (ولو أخبره بثمن المبيع فزاد عليه رجع عليه بالزيادة وحظها من الربح إن كان مرابحة)
شرع المصنف في الكلام على بيوع الأمانات، فيما إذا أخبر البائع بخلاف الواقع، وبيوع الأمانات هي :
1- بيع التولية: بأن يقول بعتك هذه السعلة برأس مالها .
2- الشركة : وهي أن يبيع جزءا من المبيع بقسطه من الثمن.
3- المرابحة: وهو أن يبيع المبيع برأس ماله، وربح معلوم، كأن يبيع سلعة ثمنها خمسون ريالا، بخمسين ريالا وربح خمسة ريالات.
4- المواضعة : وهو أن يبيع السلعة برأس مالها ووضيعة أي خسارة معلومة.
فالمصنف أشار هنا إلى أن البائع في بيع المرابحة لو أخبر بثمن زائد عن ثمن السلعة الحقيقي فإن المشتري يرجع على البائع بهذه الزيادة وحظها من الربح.
مثال ذلك: لو أن البائع أخبر المشتري بأن قيمة السلعة خمسون ريالا وأنه سيبيعه هذه السلعة بخمسين ريالا وربح خمسة ريالات، فتبين أن البائع لم يصدق في ذلك وأن ثمن السلعة أربعون ريالا، فهنا للمشتري أن يرجع على البائع بالزيادة وهي عشرة ريالات وهي تمثل خمس الثمن، كما أنه يرجع بتلك النسبة من الربح وهي ريال واحد من الخمسة ريالات.
وما قدمناه هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعية، فعلى هذا لا خيار للمشتري في رد المبيع وإنما يكون له ما تقدم، لأنه بذلك يحصل دفع الضرر الواقع عليه.
وذهب الحنفية إلى أن البائع إن خان في المرابحة فللمشتري الخيار بين الإمساك بكل الثمن أو الرد، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة.
قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 8/334): "لو قيل بقول وسط في هذه المسألة وهو أنه إذا ثبت أن البائع كاذب متعمد فينبغي أن يمكّن المشتري من الخيار تأديباً للبائع وعقوبة له"
قال المصنف: (وإن بان أنه غلط على نفسه خير المشتري بين رده أو إعطائه ما غلط به)
أي لو ادعى البائع أنه غلط في ثمن السلعة فقال قلت لك ثمنها مائة فتبين أنها علي بمائة وعشرة، وأقام البينة على ذلك، فهنا الخيار للمشتري بأن يرد السلعة له، أو يعطيه ما غلط به فيزيده عشرة، وذهب الشافعية في المشهور من مذهبهم أن البائع مخير بين فسخ البيع أو تسليم المبيع بالثمن الذي قد انتقده.
قال المصنف: (وإن بان أنه مؤجل ولم يخبره بتأجيله فله الخيار بين رده وإمساكه)
صورة هذه المسألة أن يكون البائع اشترى السلعة بثمن مؤجل، فلما باعها على المشتري بيع أمانة لم يخبره بأنه اشتراها مؤجلة، فللمشتري الخيار بين ردها وإمساكها لأنه من المعلوم أن هناك فرقا بين ثمن السلعة مؤجلة وثمنها نقداً، وما ذكره المصنف هنا رواية في مذهب الحنابلة وبها قال الشافعية والحنفية.
والمشهور من مذهب الحنابلة أنه لا خيار للمشتري هنا وإنما يثبت له الأجل لأنه إذا ثبت له الأجل زال الضرر.
قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 8/336 بتصرف):"إذا علمنا يقيناً أن البائع قد خدعه فنقول للمشتري أنت بالخيار إن شئت افسخ وإن شئت خذه بأجله.
فإن اختار الأخذ أخذه بأجله من جديد فإذا قدر أنه باعه بعد أن اشتراه بثلاثة أشهر والأجل ستة أشهر يستأنف ستة لأن هذا هو الثمن"
قال المصنف: (وإن اختلف البيعان في قدر الثمن تحالفا ولكل واحد منهما الفسخ إلا أن يرضى صاحبه)
فلو قال البائع بعتك بمائة، وقال المشتري بثمانين، فإنهما يتحالفان وذلك لتعارض البينتين وتساقطهما، فيصيران كمن لا بينة لهما، لأن كلا منهما مدع ومنكر، البائع مدع أنه مائة، ومنكر أنه ثمانون، والمشتري منكر المائة ومدع الثمانين، فيحلف بائع ما بعته بكذا وإنما بعته بكذا ، ثم يحلف مشتر ما اشتريته بكذا وإنما اشتريته بكذا ، فإن رضي أحدهما بقول الآخر ، أقر العقد بما رضيه أحدهما، ولم يرضيا بقول بعضهما فسخ البيع، وإن نكل أحدهما عن اليمين وحلف الآخر أقر العقد على ما حلف عليه الحالف.
وهذا هو المشهور من مذهب الأئمة الأربعة، واستدلوا بما أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن جده بلفظ: (إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا) ولكن أهل العلم ضعفوا هذه الرواية.
والقول الثاني في المسألة وهو رواية في مذهب الحنابلة أن القول قول البائع، واستدل أصحاب هذا القول بما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعا: (إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان).
فعلى هذا إذا لم يكن للبائع بينة فالقول قوله مع يمينة فإما أن يرضى المشتري بقوله أو يفسخ البيع أخذا بظاهر الحديث، ثم إن الأصل في المبيع أنه لا يخرج من يد البائع إلا بما يرضاه، فإذا لم تكن عند المشتري بينة على ما يقول فلا تخرج السلعة من يد البائع إلا بما يرضيه، وهذا هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا العثيمين.

توفيق سلمان أهوا
11-01-17 ||, 03:35 PM
-شروط الصيغة:
1- أن يكون الإيجاب والقبول واضحين في الدلالة على إرادة إنشاء العاقدين العقد.
2- أن يكون القبول مطابقا للإيجاب بأن ينصبا على شيء واحد فيتفقان في المحل والمقدار فلا يصح بعتك السيارة بعشرة فيقول المشتري قبلتها بخمسة، أو يقول بعتك السيارة فيقول اشتريت الدار.
3- أن يكون الإيجاب والقبول متصلين عرفا بأن يقعا في مجلس العقد دون أن يتخلل ذلك ما يدل على إعراض أحدهما عن العقد. 1. 2. 3. 4. 1) 2) 3) 4) 1- 2- 3- 4- 1- 1) 2)[قال صاحب مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج محمد الخطيب الشربيني : والقبول من المشتري وهو ما يدل على التمليك دلالة ظاهرة ( كاشتريت وتملكت وقبلت ) ورضيت كما ذكره القاضي حسين عن والد الروياني و نعم في الجواب كما سيأتي و توليت ونحوها و بعت على ما نقله في شرح المهذب عن أهل اللغة والفقهاء فلا يصح البيع بدون إيجاب وقبول حتى إنهما يشترطان في عقد تولي الأب طرفيه كالبيع لماله من طفله وعكسه فلا يكفي أحدهما إذ معنى التحصيل غير معنى الإزالة وكالطفل المجنون وكذا السفيه إن بلغ سفيها وإلا فوليه الحاكم فلا يتولى الطرفين لأن شفقته ليست كشفقة الأب فلو وكل الحاكم الأب في هذه الصورة لم يتول الطرفين لأنه نائب عن الحاكم فلا يزيد عليه ]

توفيق سلمان أهوا
11-01-17 ||, 04:07 PM
قال صاحب مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج محمد الخطيب الشربيني : والقبول من المشتري وهو ما يدل على التمليك دلالة ظاهرة ( كاشتريت وتملكت وقبلت ) ورضيت كما ذكره القاضي حسين عن والد الروياني و نعم في الجواب كما سيأتي و توليت ونحوها و بعت على ما نقله في شرح المهذب عن أهل اللغة والفقهاء فلا يصح البيع بدون إيجاب وقبول حتى إنهما يشترطان في عقد تولي الأب طرفيه كالبيع لماله من طفله وعكسه فلا يكفي أحدهما إذ معنى التحصيل غير معنى الإزالة وكالطفل المجنون وكذا السفيه إن بلغ سفيها وإلا فوليه الحاكم فلا يتولى الطرفين لأن شفقته ليست كشفقة الأب فلو وكل الحاكم الأب في هذه الصورة لم يتول الطرفين لأنه نائب عن الحاكم فلا يزيد عليه

أمين بن منصور الدعيس
11-01-18 ||, 07:14 AM
الدرس الرابع عشر

باب السلم

ويقال أيضا السلف، وقد قال بعض أهل العلم السلف لغة أهل الحجاز، والسلم لغة أهل العراق، وقيل بل هما بمعنى واحد تارة يستعمل هذا اللفظ وتارة الآخر، وهذا هو الصحيح واختاره شيخنا العثيمين، يدل على ذلك أنه صلى الله عليه وسلم مع كونه حجازياً قد قال: (من اسلم فليسلم.....).
والسلم اصطلاحا عند الحنابلة: عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد.
فخرج بقولنا موصوف في الذمة الموصوف المعين -مثل لو قال أسلمت إليك في هذه السيارة التي في المعرض والتي مواصفتها كذا وكذا- وما في الذمة غير موصوف مثل لو قال أسلمت إليك في سيارة دون أن يصفها.
وباقي مفردات التعريف سيأتي الكلام عليها في كلام المصنف.
مثال للسلم: لو قال زيد لعمرو أسلمت إليك خمسين ألف ريال بسيارة مواصفتها كذا وكذا إلى سنة، فزيد هنا هو المُسلِم، وعمرو هنا هو الُمسلَم إليه، والخمسون ألفا هي رأس المال، والسيارة هي المُسلَم فيه، والسنة هي الأجل.
والسلم جائز بإجماع أهل العلم, وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿يأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾, عن ابن عباس رضي الله عنهه أنه قال : "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه, وأذن فيه, ثم قرأ هذه الآية".
وأما السنة فما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قدم المدينة والناس يسلفون في التمر السنتين والثلاث ، فقال عليه الصلاة والسلام : (من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).
وأما الإجماع فقال ابن المنذر (المغني 4/185): "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلم جائز".
قال ابن حجر (فتح الباري 4/428): «واتفق العلماء على مشروعيته-أي السلم- إلا ما حكي عن ابن المسيب».
ثم إن الحاجة داعية إلى السلم من جهة أن أرباب الزروع بحاجة للنفقة على زروعهم وقد لا تتوفر لديهم فكان في السلم حلا لذلك، وأيضا المشتري يحصل له مصلحة نقصان الثمن إذ تعجيله للثمن يكون مقابل نقصان ثمن المسلم فيه.
والصحيح أن جواز السلم على وفق القياس خلافا لمن قال بأنه على خلاف القياس من جهة كونه بيع معدوم جاز للحاجة، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 1/301): " وأما السلم فمن ظن أنه على خلاف القياس توهم دخوله تحت قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تبع ما ليس عندك) فإنه بيع معدوم , والقياس يمنع منه , والصواب أنه على وفق القياس , فإنه بيع مضمون في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبا , وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة , وقد تقدم أنه على وفق القياس , وقياس السلم على بيع العين المعدومة التي لا يدري أيقدر على تحصيلها أم لا والبائع والمشتري منها على غرر من أفسد القياس صورة ومعنى , وقد فطر الله العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له وبين السلم إليه في مغل مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه , فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكى والربا والبيع "
قال المصنف: (عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين فقال: (من أسلف في ثمر فليسلف في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم))
حديث ابن عباس هذا ثابت في الصحيحين وغيرهما، وهو أصل في جواز السلم.
قال المصنف: (ويصح السلم في كل ما ينضبط بالصفة إذا ضبطه بها وذكر قدره بما يقدر عليه به من كيل أو وزن أو ذرع أو عد)
وهذا محل اتفاق بين أهل العلم القائلين بجواز السلم فجميعهم يشترط أن يكون المسلم فيه مما يمكن ضبطه بالصفة يدل على ذلك ما ثبت من حديث ابن عباس مرفوعا: (في كيل معلوم أو وزن معلوم)، ولأن من المعلوم أن الجميع متفق على أن من شرط المسلم فيه أن يكون موصوفا في الذمة غير معين، وغير المعين لا يمكن المصير إلى بيعه بيعا صحيحا إلا بوصف يضبطه ويكشف عن جهالته، قال ابن قدامة (المغني 4/192): «ولا نعلم في اعتبار معرفة المقدار خلافاً».
والمصنف هنا ذكر الكيل والعد والوزن والذرع بناء على ما كان في ذلك الزمان من أن ما عدا ذلك يصعب ضبطه بالصفة الدقيقة، ومن المعلوم أنه في أزماننا المتأخرة يمكن ضبط ما سواها ضبطا دقيقا بصفة دقيقة كما يريد المشتري ، فالقصد أن كل ما أمكن ضبطه بالصفة ضبطا يذهب عنها الجهالة والغرر ولا يحصل معه النزاع يجوز السلم فيه في الجملة.
قال المصنف: ( وجعل له أجلا معلوما)
لا خلاف بين أهل العلم في أن السلم إن كان مؤجلاً فلا بد أن يكون الأجل معلوما، لقوله صلى الله عليه وسلم: (إلى أجل معلوم).
وإنما وقع الخلاف في اشتراط الأجل لصحة السلم على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية والحنابلة، إلى اشتراط الأجل في السلم، فلا يصح السلم حالا عندهم، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: (إلى أجل معلوم), وهذا أمر منه صلى الله عليه وسلم والأصل فيه الوجوب، ثم إن السلم إنما شرع رفقا بأصحاب الزروع والثمار ونحوها من جهة توفر السيولة لهم، وتوفر المبيع بثمن أقل بالنسبة للمشتري، فإذا انتفى الأجل انتفى المقصود من السلم.
القول الثاني: ذهب الشافعية في المشهور من مذهبهم واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وشيخنا العثيمين، إلى صحة السلم الحال، وذكروا أن السلم الحال أولى بالجواز من المؤجل من جهة كونه أبعد عن الغرر ومن جهة كون السلعة في يد البائع، قال الشافعي (الأم 3/95): "فإذا أجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الطعام بصفة إلى أجل كان - والله تعالى أعلم - بيع الطعام بصفة حالا أجوز ; لأنه ليس في البيع معنى إلا أن يكون بصفة مضموناً على صاحبه فإذا ضمن مؤخرا ضمن معجلا وكان معجلا أعجل منه مؤخرا , والأعجل أخرجُ من معنى الغرر وهو مجامع له في أنه مضمون له على بائعه بصفة"
فالأقرب في هذه المسألة جواز السلم حالا ولكن بشرط كون البائع مالكا للسلعة المبيعة حال العقد حتى لا يكون ذلك من بيع ما لا يملك، قال ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 5 / 393): «ويصح السلم حالا إن كان المسلم فيه موجودا في ملكه وإلا فلا ».
قال المصنف: (وأعطاه الثمن قبل تفرقهما)
اشترط جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة في السلم تعجيل الثمن، واستدلوا لذلك بقوله بقوله صلى الله عليه وسلم : (من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم) والتسليف حقيقته في اللغة الإعطاء فيكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (فليسلف) أي " فليعط " ; لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه ، فإن لم يدفع إليه رأس المال فلا يتحقق أنه أسلفه، وإنما يكون ذلك وعدا بالإسلاف، قال الرملي (الموسوعة الكويتية 25/203) : ( ولأن السلم مشتق من تسليم رأس المال ، أي تعجيله ، وأسماء العقود المشتقة من المعاني لا بد من تحقق تلك المعاني فيها ) .
ثم إن افتراقهما قبل قبض رأس المال يصير المعاملة إلى بيع كالئ بكالئ ، والنهي عنه محل إجماع ين أهل العلم، وأيضا في تأخير رأس المال منافاة للمقصود من عقد السلم من الإرفاق بالبائع والنفع للمشتري، فإن تأخر البدلين لا يحصل به أي فائدة للمتعاقدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى 29/472) : "المسلم إذا أسلم في سلعة ولم يقبضه رأس المال، فإنه يثبت في ذمة المستسلف دين السلم، وفي ذمة المسلف رأس المال، ولم ينتفع واحد منهما بشيء . ففيه شغل ذمة كل واحد منهما بالعقود التي هي وسائل إلى القبض، وهو المقصود بالعقد . كما أن السلع هي المقصودة بالأثمان، فلا يباع ثمن بثمن إلى أجل، كما لا يباع كالئ بكالئ؛ لما في ذلك من الفساد والظلم المنافي لمقصود الثمنية، ومقصود العقود "
القول الثاني في المسألة: ذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى جواز تأخير قبض رأس مال السلم اليومين والثلاثة بشرط وبغير شرط، واستدلوا بأن ما قارب الشيء يعطى حكمه، وأن هذا التأخير يسير معفو عنه، وأما تأخيره فوق الثلاث فلا يجوز عندهم باتفاق.
والأقرب ما ذهب إليه جمهور أهل العلم لقوة أدلته.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-19 ||, 06:12 AM
أسئلة المراجعة لباب الخيار

1- ما هو خيار المجلس، واذكر دليلا للقائلين به؟
2- على ماذا حمل المانعون من خيار المجلس الفرقة في الأحاديث؟
3- ما هو المرجع أو الضابط في التفرق في خيار المجلس؟
4- اذكر دليلين على مشروعية خيار الشرط؟
5- هل لخيار الشرط مدة معينة عند الحنابلة؟
6- اختلف أهل العلم فيما يثبت بخيار العيب اذكر الأقوال مجملة؟
7- ما هي صفة الأرش عند القائلين به في خيار العيب؟
8- ينقسم النماء الحاصل من المبيع لأقسام، اذكرها مجملة؟
9- ما هي المصراة وهل يصح بيع المصراة؟
10- هل يثب الخيار في بيع المصراة، أذكر القول الراجح ومن قال به ودلل له؟
11- التدليس في السلعة يكون بأحد أمرين اذكرهما؟
12- اذكر أنواع بيوع الأمانات؟
13- لو أخبر البائع في بيع المرابحة بثمن المبيع فزاد عليه، فماذا يكون للمشتري في المشهور من مذهب الحنابلة؟
14- ما القول الذي اختاره المصنف في مسألة ما لو بان أن المبيع في بيوع الأمانات كان مؤجلا ولم يخبر البائع المشتري بتأجيله، وما هو المشهور من مذهب الحنابلة في المسألة؟
15- اختلف أهل العلم فيما إذا اختلف البيعان في قدر الثمن ، أذكر الأقوال مجملة، وما هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية في المسألة مع التدليل له؟

أمين بن منصور الدعيس
11-01-23 ||, 01:49 PM
الدرس الرابع عشر:

قال المصنف: (ويجوز السلم في شيء يقبضه أجزاء متفرقة في أوقات معلومة)
وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم لأن كل بيع جاز في أجل واحد جاز في أجلين وآجال كبيوع الأعيان، فإذا تعذر قبض بعضه فسخ العقد ورجع بقسطه من الثمن، وصورة المسألة كما لو أسلم في مائة صاع بر بمائة درهم على أن يقبض الخمسين صاعا الأولى في شوال والثانية في ذي الحجة.
قال المصنف: (وإن أسلم ثمناً واحداً في شيئين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس)
صورة المسألة كما لو أسلم في خمسين صاعا من الشعير وخمسين صاعا من البر بمائة درهم فإن مثل هذا لا يجوز حتى يبين ثمن كل جنس فيحدد مثلا أن قيمة البر ستون درهما والشعير اربعون درهما، ويبين أجل كل جنس.
لأنه في حال عدم تحديد الثمن صار ثمن كل جنس مجهولا، كما لو عقد على ذلك الجنس مفردا بثمن مجهول، ولأنه في حال تعذر أحد الجنسين دون تحديد ثمنه لا يعرف بما يرجع المشتري على البائع، وبهذا قال جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
قال المصنف: ( ومن أسلف في شيء لم يصرفه إلى غيره)
ما ذكره المصنف هنا هو المشهور من مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز عندهم بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته أو لغيره، وسبب ذلك أنهم يرون أن دين السلم من الديون غير المستقرة إذ لا يؤمن فسخ العقد بسبب انقطاع المسلم فيه، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى استدلوا بما أخرجه الدارقطني في سننه من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : (من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره). ولكن هذا الحديث ضعيف، قال ابن حجر ( التلخيص الحبير 3/69): "فيه عطية بن سعد العوفي وهو ضعيف , وأعله أبو حاتم , والبيهقي وعبد الحق وابن القطان بالضعف والاضطراب".
القول الثاني: ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، واختاره شيخنا العثيمين إلى جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد، وهو مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ولكن شيخ الإسلام ومن قال بقوله اشترطوا لجواز ذلك شروطا ثلاثة:
الشرط الأول: ألا يربح المسلم ، بأن يبيعه بسعر يومه؛ لأنه لو باعه بأكثر من سعر يومه لكان بذلك ربح فيما لم يضمن، وقد ثبت النهي عن ربح ما لم يضمن، فإن المسلم فيه قبل القبض من ضمان المسلم إليه لا من ضمان المسلم فلا يحق للمسلم أن يربح فيه.
الشرط الثاني: أن يحصل التقابض قبل التفرق وذلك فيما إذا باعه المسلم فيه بما يجري فيه ربا النسيئة كما لو كان المسلم فيه مائة صاع بر فيقول للمسلم إليه بعتك إياها بمئتي صاع شعير فهنا لا بد من التقابض لأن البر والشعير يجري فيهما ربا النسئية.
الشرط الثالث: أن لا يجعل المسلم فيه رأس مال لسلم آخر، كما لو كان المسلم فيه مائة صاع بر فيقول المسلم للمسلم إليه إجعل المائة صاع التي في ذمتك رأس مال لسلم آخر في تفاح مثلا، فمثل هذا لا يجوز لأمرين:
الأول: أن مثل هذا غالبا ما يكون المسلم رابحا لأنه لا فائدة له من صرف السلم إلى سلم آخر إلا إن كان له فيه ربح ومصلحة ففي المثال السابق غالبا يكون ثمن التفاح أكثر من البر.
الثاني: أن مثل هذا مدعاة لقلب الدين المحرم، فكلما حل السلم ولم يوجد عند المسلم إليه صرفه المسلم إلى سلم آخر بزيادة وهكذا.
قال ابن القيم في تهذيب السنن : " فثبت أنه لا نص في التحريم ولا إجماع ولا قياس وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة كما تقدم والواجب عند التنازع الرد إلى الله وإلى رسوله"
مسألة: ما تقدم فيما لو باع المسلم فيه إلى من هو في ذمته أما لو باعه على غير من هو عليه، فالجمهور كما سبق على المنع وأجازه شيخ الإسلام ابن تيمية بالشروط السابقة بالإضافة إلى أنه اشترط قدرة المشتري على قبض المسلم فيه، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 9/78): "وعند شيخ الإسلام يجوز بيعه حتى على أجنبي، لكن فيه نظر؛ لأنه حقيقة إذا بعته على غير من هو عليه قد يتعذر عليه أخذه، ثم إذا بعته على غير من هو عليه بما يباع نسيئة معناه ما قبضه، فالتوسع غير ظاهر لي جداً، وشيخ الإسلام يجوز بيع الدين على غير من هو عليه، ولكنه يشترط القدرة على أخذه"
قال المصنف: (ولا الحوالة به)
أي ولا يجوز الحوالة بدين السلم، وصورة أن يكون للمسلم إليه حق في ذمة زيد مائة صاع بر، ويكون على المسلم إليه للمسلم مائة صاع بر أيضا، فيحيله عند حلول السلم على زيد، فمثل هذا لا يجوز عند الشافعية والحنابلة لأن فيه معاوضة عن المسلم فيه قبل قبضه، وقد تقدم أنهم لا يجيزون المعاوضة عليه قبل القبض مطلقا، وتقدم الجواب عليه في المسألة السابقة.
وذهب الحنفية، والمالكية إلى جواز الحوالة به، وهو اختيار شيخنا العثيمين، وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين: (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)
قال المصنف: (وتجوز الإقالة فيه)
أي يجوز الإقالة في المسلم فيه، فيجوز أن يقيل المسلم المسلم إليه فيما في ذمته من المسلم فيه، قال ابن قدامة (4/201): "أما الإقالة في المسلم فيه فجائزة؛ لأنها فسخ.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة؛ لأن الإقالة فسخ للعقد ، ورفع له من أصله ، وليست بيعا".
فإذا أقاله ربّ السّلم وجب على المسلم إليه ردّ الثّمن إن كان باقياً ، أو مثله إن كان مثليّاً ، أو قيمته إن كان قيميّاً إذا لم يكن باقياً.
قال المصنف: (أو في بعضه؛ لأنها فسخ)
وهذا هو مذهب الجمهور من الحنفية والشافعية والحنابلة، لأن الإقالة مندوب إليها، وكما جازت في الكل جازت في البعض، ولأنها فسخ وليست عقدا جديدا.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-29 ||, 06:28 AM
الدرس الخامس عشر
باب القرض

القرض : في اللغة مصدر قرض الشيء يقرضه : إذا قطعه . والقرض : اسم مصدر بمعنى الإقراض . يقال : قرضت الشيء بالمقراض ، والقرض : ما تعطيه الإنسان من مالك لتقضاه ، وكأنه شيء قد قطعته من مالك
وفي الاصطلاح : دفع مال إرفاقا لمن ينتفع به ويرد بدله .
مشروعية القرض:
ثبتت مشروعية القرض بالكتاب والسنة والإجماع . أما الكتاب فقوله تعالى: (يا أيها الذين إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه)
وأما السنة ، فتضافرت الأحاديث بذلك قولا وفعلا عنه صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي رافع رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استسلف من رجل بكرا ، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة ، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره ، فرجع إليه أبو رافع فقال : لم أجد فيها إلا خيارا رباعيا ، فقال : (أعطه إياه ، إن خيار الناس أحسنهم قضاء).
كما حث صلى الله عليه وسلم عليه فيما رواه ابن ماجه عن ابن مسعود مرفوعا: )ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة).
وأما الإجماع ، فقد أجمع المسلمون على جواز القرض والعمل جار عليه يعرفه عالمهم وجاهلهم .
قال المصنف: (ومن اقترض شيئاً فعليه رد مثله)
هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة أن ما كان مثليا من القروض لزم أن يرد مثله، أو عينه إن لم تتغير، وأما المتقوم فيجب رد قيمته.
ومما يتعلق بهذه الجملة من كلام المصنف مسألة يكثر السؤال عنها وهي كيفية قضاء القرض في حال حصول زيادة أو نقص أو كساد في النقد، وهنا يمكن القول أن عندنا حالتين:
الحالة الأولى: فيما لو زاد سعر العملة أو نقص فما هو الواجب أداؤه؟
اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال:
القول الأول: أن الواجب رد المثل بغض النظر عن القيمة، وهذا مذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، لأنه هو الذي وجب في ذمة المقترض، ولأن ذلك أضبط في معاملات الناس وأبعد للنزاع، ولأن القول برد القيمة يفضي إلى الجهالة إذ لا يعلم ما تؤول إليه العملة هبوطا وارتفاعا، ومن المعلوم أن من شروط القرض أن يكون معلوما، ثم يقال أيضا إن المقصد من مشروعية القرض هو الإرفاق لا المعاوضة، والمقرض دخل في المعاملة على بينة بأن ما يستحقه هو مثل ما أقرضه.
وعلى هذا القول المجامع الفقهية المعاصرة، فقد جاء في القرار رقم (115) من قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي ما نصه: "إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن " منظمة المؤتمر الإسلامي " في دورته الثانية عشرة بالرياض في المملكة العربية السعودية ، من 25 جمادى الآخرة 1421هـ - 1 رجب 1421هـ ، الموافق 23 - 28 أيلول ( سبتمبر ) 2000 م .
بعد اطلاعه على البيان الختامي للندوة الفقهية الاقتصادية لدراسة قضايا التضخم ( بحلقاتها الثلاث بجدة ، وكوالالمبور ، والمنامة ) وتوصياتها ، ومقترحاتها ، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حول الموضوع بمشاركة أعضاء المجمع وخبرائه وعدد من الفقهاء .
قرر ما يلي :
أولاً : تأكيد العمل بالقرار السابق رقم 42 ( 4 / 5 ) ونصه :
" العبرة في وفاء الديون الثابتة بعملة ما هي بالمثل ، وليس بالقيمة ؛ لأن الديون تقضى بأمثالها ، فلا يجوز ربط الديون الثابتة في الذمة ، أيّاً كان مصدرها بمستوى الأسعار " .
ثانياً : يمكن في حالة توقع التضخم التحوط عند التعاقد بإجراء الدين بغير العملة المتوقع هبوطها ، وذلك بأن يعقد الدين بما يلي :
أ. الذهب أو الفضة .
ب. سلعة مثلية .
ج. سلة ( مجموعة ) من السلع المثلية .
د. عملة أخرى أكثر ثباتاً .
هـ. سلة ( مجموعة ) عملات .
ويجب أن يكون بدل الدين في الصور السابقة بمثل ما وقع به الدين ؛ لأنه لا يثبت في ذمة المقترض إلا ما قبضه فعلاً "
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة ( 14 / 146 ): "يجب على المقترض أن يدفع الجنيهات التي اقترضها وقت طلب صاحبها ، ولا أثر لاختلاف القيمة الشرائية ، زادت أو نقصت"
وممن اختار هذا القول الشيخ ابن باز، وشيخنا العثيمين.
القول الثاني: أن الواجب رد القيمة أي قيمة العملة وقت ثبوتها في الذمة، وهو مروي عن أبي يوسف.
القول الثالث: أن التغير إذا كان فاحشاً، فتجب القيمة أما إن لم يكن فاحشاً فيجب المثل، وهذا قول الرهوني من المالكية.
قال الدكتور نزيه حماد معلقا على هذا الأقوال (دراسة في اصول المداينات ص225): "وبالنظر في هذه الأقوال الثلاثة وتعليلاتها يلوح لي:
أ- أن الاتجاه الفقهي: لإيجاب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة هو الأولى بالاعتبار من رأي الجمهور الذاهبين إلى أن الواجب على المدين أداؤه إنما هو نفس النقد المحدد في العقد والثبات في الذمة دون زيادة أو نقصان، وذلك لاعتبارين:
(أحدهما) - أن هذا الرأي هو الأقرب للعدالة والإنصاف، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، والله يأمر بالقسط.
(والثاني) - أن فيه رفعاً للضرر عن كل من الدائن والمدين، فلو أقرضه مالاً فنقصت قيمته، وأوجبنا عليه قبول المثل عدداً تضرر الدائن؛ لأن المال الذي تقرر له ليس هو المستحق، إذ أصبح بعد نقصان القيمة معيباً بعيب النوع المشابه لعيب العين المعينة (حيث إن عيب العين المعينة هو خروجها عن الكمال بالنقص، وعيب الأنواع نقصان قيمتها). ولو أقرضه مالاً فزادت قيمته، وأوجبنا عليه أداء المثل عدداً تضرر المدين، لإلزامه بأداء زيادة عما أخذ.. والقاعدة الشرعية الكلية أنه "لا ضرر ولا ضرار" .
ب- إن الرأي الذي استظهره الرهوني من المالكية بلزوم المثل عند تغير النقد بزيادة أو نقص إذا كان ذلك التغير يسيراً، ووجوب القيمة إذا كان التغير فاحشاً هو أولى في نظري من رأي أبي يوسف - المفتى به عند الحنفية- بوجوب القيمة مطلقاً، وذلك لاعتبارين:
(أحدهما) -أن التغير اليسير مغتفر قياساً على الغبن اليسير والغرر اليسير المغتفرين شرعاً في عقود المعاوضات المالية من أجل رفع الحرج عن الناس نظراً لعسر نفيهما في المعاملات بالكلية، ولغرض تحقيق أصل تشريعي مهم وهو استقرار التعامل بين الناس، بخلاف الغبن الفاحش والغرر الفاحش فإنهما ممنوعان في أبواب البيوع والمعاملات.
(والثاني)- أن التغير اليسير مغتفر تفريعاً على القاعدة الفقهية الكلية أن: ما قارب الشيء يعطى حكمه ، بخلاف التغير الفاحش فإن الضرر فيه بين والجور فيه محقق" اهـ.
والذي أميل إليه في هذه المسألة هو رأي جمهور أهل العلم لما فيه من الضبط والبعد عن التنازع، وأهم من ذلك كله أن النظر إلى القرض نظر المعاوضة التي يراد بها استيفاء الحقوق من كل وجه هو محل نظر إذا ما علمنا أن الأصل في القرض أنه مبني على الإرفاق، ويلحظ فيه جانب الاحتساب وابتغاء الأجر.
الحالة الثانية: فيما لو كسدت العملة وتوقف التداول بها؟
وقد اختلف أهل العلم في الواجب على المقترض حينئذ على أقوال:
القول الأول: أن الواجب رد المثل ولا اعتبار لمسألة الكساد فهو كالجائحة التي تنزل بالدين، وهذا القول هو المشهور من مذهب المالكية والشافعية، وقول أبي حنيفة، وقالوا الأصل رد مثل العين المقترضه، أما مسألة الثمنية فهي أمر زائد لا يلزم به المقترض.
القول الثاني: أن الواجب رد القيمة وقت الاستدانة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال أبو يوسف، واستدلوا بأن وقف التعامل بها أشبه بإتلافها، فتعذر المثل حينئذ ووجب الرجوع إلى قيمتها، ثم إن المقرض قد دفع إلى المقترض ما ينتفع به فلا يصح بحال أن يدفع إليه المقترض ما لا نفع فيه.
القول الثالث: أن الواجب رد القيمة وقت كساد العملة وانقطاعها، وبه قال محمد بن الحسن وبعض الحنابلة، وأصحاب هذا القول استدلوا بأن الواجب في ذمة المقترض مثل ما اقترض ما دامت النقود غير كاسدة، فإذا كسدت فحينئذ يكون الواجب عليه رد قيمتها وقت الكساد، وهذا القول هو اختيار شيخنا العثيمين، قال رحمه الله (الشرح الممتع 9/104): "وأقرب شيء أن المعتبر : القيمة وقت المنع ؛ وذلك لأنه ثابت في ذمته " عشرة فلوس " إلى أن مُنعت ، يعني : قبل المنع بدقيقة واحدة لو طلبه لأعطى عشرة فلوس ، ولكان الواجب على المقرض قبولها ، فإذا كان كذلك : فإننا نقدرها وقت المنع" انتهى .
قال المصنف: (ويجوز أن يرد خيراً منه)
هذا هوا لمشهور من مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، أنه يجوز أن يرد المقترض للمقرض خيرا مما اقترضه، سواء كان خيرا منه في الصفة أو في القدر، بشرط أن يكون ذلك بلا شرط وإنما برضا المقترض دون اتفاق مسبق، يدل على ذلك ما تقدم من حديث أبي رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا ، فرد خيرا منه, وقال: (خيركم أحسنكم قضاء).
فالنبي صلى الله عليه وسلم قضى من اقترض منه خيرا مما أعطاه، وحسن القضاء يدخل فيها الزيادة كما ووصفا.
وذهب المالكية إلى أنه يكره أن يرد خيرا منه في القدر، أما في الصفة فلا بئس، وكأنهم والعلم عند الله وقفوا على ظاهر حديث أبي رافع حيث كانت الزيادة في الصفة لا في القدر، والأقرب أن يقال عموم قوله صلى الله عليه وسلم (خيركم أحسنكم قضاء) يشمل الصفة والقدر.
وعن الإمام أحمد أنه يأخذ مثل قرضه ولا يأخذ فضلة عليها ، وهذا القول مروي عن أبي بن كعب ، وابن عباس ، وابن عمر ، وحديث أبي رافع حجة على القائلين بهذا القول.
قال المصنف: (وأن يقترض تفاريق ويرد جملة إذا لم يكن شرْط)
صورة ذلك كما لو اقترض منه عشرة آلاف من فئة المائة ثم لما حل الأجل أعطاه عشرة آلاف من فئة الخمسمائة ريال فمثل هذا جائز بشرط أن لا يشترط المقرض ذلك ابتداء فلا يقول في هذا المثال عند القرض اشترط عليك أن ترد العشرة آلاف من فئة الخمسمائة لأنه بذلك يكون من القرض الذي جر نفعا، لأنه كل ما زادت فئة المبلغ المالي كان ذلك أسهل من جهة الحفظ.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-30 ||, 05:40 AM
اسئلة المراجعة لباب السلم

1- عرف السلم اصطلاحا، واذكر دليلا من الكتاب ومن السنة على مشروعية السلم.

2- قيل إن مشروعية السلم على خلاف القياس، أجب عن ذلك.

3- هل يصح السلم حالا، أذكر الخلاف في ذلك، والقول الراجح.

4- ذهب جمهور أهل العلم إلى اشتراط تعجيل الثمن في عقد السلم، دلل لما ذهبوا إليه.

5- قال المصنف: (وإن أسلم ثمناً واحداً في شيئين لم يجز حتى يبين ثمن كل جنس) صور المسألة.

6- ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وجماعة من أهل العلم إلى جواز بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته، ولكن قيدوا ذلك بشروط عدة، أذكرها.

7- قال المصنف: (ولا الحوالة به) صور المسألة.

8- هل تجوز الإقالة في بعض السلم.

أمين بن منصور الدعيس
11-01-31 ||, 06:20 AM
الدرس السادس عشر

قال المصنف: (وإن أجله لم يتأجل)
ما ذكره المصنف هنا هو مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو أن القرض يثبت حالا في الذمة وإن أجله لم يتأجل، فللمقرض مطالبة المقترض بدينة متى شاء، وأما التأجيل فهو تبرع من المقرض لا يلزمه الوفاء به.
القول الثاني: ذهب المالكية في المشهور من مذهبهم، وهو اختيار شيخنا العثيمين إلى أن القرض
يتأجل بالتأجيل ؛ لعموم قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم), ولأن المتعاقدين يملكان التصرف في هذا العقد بالإقالة والإمضاء ؛ فملكا الزيادة فيه، كخيار المجلس، ثم إن في ذلك ضررا بالمقترض الذي ما دخل في القرض إلا على أنه مؤجل، وهذا القول هو الأقرب.
قال المصنف: (ولا يجوز شرط شيء لينتفع به المقرض)
أجمع أهل العلم على هذا المعنى الذي ذكره المصنف في الجملة، قال ابن عبد البر (الاستذكار 6/516): "وكل زيادة من عين أو منفعة يشترطها المسلف على المستلف فهي ربا لا خلاف فيه".
وروي في ذلك عن علي رضي الله عنه مرفوعا: (كل قرض جر منفعة فهو ربا). ولكن عامة أهل العلم على تضعيفه، وإن كانوا أجمعوا على صحة معناه.
وهذا الإجماع لا يفهم منه تحريم كل منفعة، ولذا يمكن أن يقال في تحرير هذه المسألة أن المنفعة المحرمة التي هي محل إجماع في القرض يشترط فيها ما يلي:
- أن تكون المنفعة متمحضة للمقرض، فخرج بذلك ما لو كانت المنفعة مشتركة بين المقرض والمقترض كما لو اشترط الوفاء في بلد القرض، وخرج بذلك أيضا ما لو كانت المنفعة متمحضة للمقترض كما لو اشترط الأجل، فمثل هذه المنافع غير داخلة في المنفعة المحرمة.
- أن تكون المنفعة زائدة على القرض، إذ كل زيادة مشروطة فهي مشبهة للربا لأنها لا مقابل لها بالنسبة للمقترض سوى القرض.
- أن تكون المنفعة مشروطة، فأما إن كانت غير مشروطة فهي داخلة في حسن القضاء.
قال المصنف: (إلا أن يشترط رهناً أو كفيلاً)
يدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من أن النبي رهن درعه عند يهودي على طعام اقترضه, ولأن الرهن والكفيل ليس فيه منفعة زائدة، وإنما يقصد بهما الاستيثاق لحق المقرض، وجواز الرهن والكفيل في القرض محل إجماع بين أهل العلم.
قال المصنف: (ولا تُقبل هدية المقترض إلا أن يكون بينهما عادة بها قبل القرض)
فإذا أهدى لمقرضه هدية قبل الوفاء ، ولم ينو المقرض احتسابها من دينه ، أو مكافأته عليها لم يجز ، إلا إذا جرت عادة بينهما بذلك قبل القرض ، فإن كانت جارية به جاز، هذا هو المشهور من مذهب المالكية والحنابلة، واستدلوا لذلك بما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن سلام رضي الله عنه أنه قال لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري: إنك في أرض الربا بها فاش , إذا كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فإنه ربا.
قال ابن القيم : وكل ذلك سدا لذريعة أخذ الزيادة في القرض الذي موجبه رد المثل .
كما استدلوا بما أخرجه ابن ماجة بما عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أقرض أحدكم قرضا , فأهدى إليه أو حمله على الدابة , فلا يركبها ولا يقبله , إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك). ضعفه الألباني.
وبما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن سيرين قال: تسلف أبي بن كعب من عمر بن الخطاب مالا قال أحسبه عشرة آلاف ثم إن أبيا أهدى له بعد ذلك من تمرته، وكانت تبكر وكان من أطيب أهل المدينة تمرة، فردها عليه عمر، فقال أبي: ابعث بمالك فلا حاجة لي في شيء منعك طيب تمرتي. فقبلها وقال: إنما الربا على من أراد أن يربي وينسىء.
قال ابن القيم : "فكان رد عمر لما توهم أن تكون هديته بسبب القرض , فلما تيقن أنها ليست بسبب القرض قبلها , وهذا فصل النزاع في مسألة هدية المقترض".
وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا بأس بهدية المقترض، ولكن التنزه عنها أولى، واستدلوا بالعمومات الوارد في الحث على قبول الهدية من مثل ما أخرجه البخاري في صحيحة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها.
وما أخرجه أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت.
والأقرب هو القول الأول، وأما هذه العمومات فقد ورد ما يخصصها كما تقدم.

أمين بن منصور الدعيس
11-02-05 ||, 07:32 AM
الدرس السابع عشر


باب أحكام الدين
قال المصنف: (ومن لزمه دين مؤجل لم يطالب به قبل أجله، ولم يحجر عليه من أجله) وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، فمن لزمه دين مؤجل غير القرض كثمن مبيع أو صداق ونحوه حرم مطالبته به قبل حلول أجله لأنه لا يلزمه أداؤه قبل الأجل ومن شروط المطالبة لزوم الأداء.
قال المصنف: (ولم يَحِلَّ بتفليسه) أي أن الدين المؤجل لا يحل بالحكم بإفلاس المدين، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وذهب المالكية إلى أن الدين المؤجل يحل بالتفليس؛ لأن الإفلاس يتعلق به الدين بالمال، فأسقط الأجل كالموت.
واستدل الجمهور بأن الأجل حق للمدين كسائر الحقوق فلا يسقط بالتفليس، ولا يقاس على الموت لأن الميت لا ذمة له صالحة تتعلق بها المطالبة.
والأقرب ما ذهب إليه الجمهور فعلى هذا متى ما حجر على المفلس لم يشارك أصحاب الديون المؤجلة أصحاب الديون الحالة، وإنما تبقى ديونهم في ذمة المفلس حتى حلولها.
قال المصنف: (ولا بموته إذا وثقه الورثة برهن أو كفيل)
اختلف أهل العلم في الدين المؤجل هل يحل بموت المدين على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والمالكية في الجملة إلى أن الدين يحل والأجل يبطل وذلك لخراب ذمة المدين، إذ الأجل كان حقا له فتعتبر حياته وموته في الأجل وبطلانه.
القول الثاني: ذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى أن الدين المؤجل لا بموت المدين , إذا وثق الورثة أو غيرهم الدين برهن أو كفيل مليء ، واستدلوا بما ثبت في سنن أبي دواد من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعا: (من ترك حقا أو مالا فلورثته)، والأجل حق للميت , فورث عنه كسائر حقوقه ولأن الموت ما جعل مبطلا للحقوق , وإنما هو ميقات للخلافة وعلامة على الوراثة، فعلى هذا يبقى الدين في ذمة الميت ويتعلق بعين ماله كتعلق حقوق الغرماء بمال المفلس عند الحجر عليه , وعندئذ فإن أحب الورثة أداء الدين , والتزامه للغريم , على أن يتصرفوا في المال , لم يكن لهم ذلك إلا أن يرضى الغريم , أو يوثقوا الحق برهن أو كفيل مليء.
قال المصنف: (وإن أراد سفراً يحل قبل مدته، أو الغزو تطوعاً، فلغريمه منعه إلا أن يوثق بذلك)
أشار المصنف هنا إلى مسألة ما لو أراد من عليه الدين أن يسافر, فهل للغريم منعه من السفر أم لا؟
فذكر أن المدين إن أراد سفرا يحل الدين فيه قبل قدومه من السفر أو أراد الغزو تطوعا فإن للغريم منعه من السفر إلا أن يوثق المدين الدين برهن أو كفيل مليء، ويمكن أن نلخص الإقوال في هذه المسألة بثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه ليس للغريم منع الدائن من السفر مطلقاً سواء كان السفر سفرا يقدم فيه المدين قبل حلول الدين أو بعده، وسواء كان سفر غزو أو غيره, وهو قول الشافعية.
القول الثاني: أن للغريم منع الدائن من السفر مطلقاً إلا أن يوثق المدين الدين برهن أو كفيل مليء، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة.
القول الثالث: إن كان سفر جهاد فله منعه مطلقاً, إلا برهن أو كفيل مليء, وإن كان غير جهاد فالتفريق بين أن يحل الدين قبل قدومه فله منعه، وبين أن لا يحل الدين قبل قدومه فليس له منعه, وهو قول المالكية, ورواية عند الحنابلة اختارها المصنف.
ودليل ما اختاره المصنف أن سفر الجهاد يتعرض فيه المسافر للشهادة ، وذهاب النفس ، فلا يأمن فوات الحق, فلا بد من ضمين أو رهن يضمن به الدائن حقه.
أما إن كان السفر لغير الجهاد فإن كان قدومه قبل حلول الدين فلا يمنعه من السفر لأن هذا السفر لا يمنع سداد الدين في وقت حلوله.
أما إن كان قدومه بعد حلول الأجل فله منعه إلا برهن أو ضمان لأن هذا السفر يمنعه من سداد دينه في وقت حلوله, فيكون في ذلك ضرر على الغريم لتأخر حقه عن محله.
قال المصنف: (وإن كان حالاً على معسر وجب إنظاره)
وهذا محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة، لعموم قول الله تعالى: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة(, قال ابن حجر (الفتح 4/309): «واختلف السلف في تفسير قوله تعالى: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة( فروى الطبري وغيره من طريق إبراهيم النخعي ومجاهد وغيرهما أن الآية نزلت في دين الربا خاصة، وعن عطاء أنها عامة في دين الربا وغيره، واختار الطبري أنها نزلت نصا في دين الربا ويلتحق به سائر الديون لحصول المعنى الجامع بينهما، فإذا أعسر المديون وجب إنظاره ولا سبيل إلى ضربه ولا إلى حبسه».
قال المصنف: (فإن ادعى الإعسار حلف وخلى سبيله، إلا أن يعرف له مال قبل ذلك فلا يقبل قوله إلا ببينة، فإن كان موسراً به لزمه وفاؤه، فإن أبى حبس حتى يوفيه)
أشار المصنف هنا إلى مسألة ما لو ادعى المدين الإعسار، ويمكن جمع شتات ما ذكره المصنف بأن يقال:
المدين المدعي للإعسار لا يخلو من حالين:
الأولى: أن يكون مدعي الإعسار ممن لا يعرف له مال قبل ادعائه الإعسار، فهنا يحلف على إعساره ويخلى سبيله، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة، لعموم قول الله تعالى: )وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة(, ولقول النبي r لغرماء الذي كثر دينه: (خذوا ما وجدتم ، وليس لكم إلا ذلك) أخرجه أبو داود.
ولأن الحبس إما أن يكون لإثبات عسرته أو لقضاء دينه، وعسرته ثابتة، والقضاء متعذر، فلا فائدة في الحبس.
الثانية: أن يكون مدعي الإعسار ممن يعرف له مال قبل دعواه الإعسار فهنا لا يقبل قوله في الإعسار إلا ببينة يقيمها، فإن أقامها قبل وإلا حبس حتى يوفي الحق الذي عليه، وهذا في الجملة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، يدل عليه ما أخرجه أبو داود من حديث الشريد بن سويد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لي الواجد يحل عقوبته وعرضه).
قال المصنف: (فإن كان ماله لا يفي به كله فسأل غرماؤه الحاكم الحجر عليه لزمته إجابتهم)
شرع المصنف في الكلام على بعض مسائل الحجر، فذكر هنا مسألة الحجر على المفلس وهو من استغرقت ديونه ماله فأصبح رأس ماله لا يفي بسداد ديونه، ففي هذه الحالة إذا طلب غرماؤه من الحاكم أن يحجر عليه لزمه إجابتهم لذلك، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لما فيه من حفظ حق الغرماء من الضياع، حتى أن أهل العلم استحبوا أن يعلن حجره حتى لا يغر من يتعامل معهم.
والمصنف في هذا الكتاب لم يفرد بابا يتكلم فيه عن الحجر، وإنما ساق الكلام فيه في ضمن الكلام عن أحكام الدين، فكان من المستحسن أن نشير هنا إلا بعض المقدمات في الحجر.
المقدمة الأولى: تعريف الحجر
الحَجر لغة : المنع ، ومنه سمي الحرام حِجراً ، لأنه ممنوع منه ، قال تعالى : (ويقولون حجراً مجوراً) أي حراماً محرماً ، ، وسمي العقل أيضاً حجراً لأنه يمنع صاحبه من تعاطي ما يقبح وتضر عاقبته ، ومنه قوله تعالى : (هل في ذلك قسم لذي حجر).
ومعنى الحجر في الشرع : منع إنسان من تصرفه في ماله .
المقدمة الثانية: مشروعية الحجر
ثبتت مشروعية الحجر بالكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا)، وقوله : (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم) . وأما السنة فيدل على ذلك ما أخرجه البيهقي من حديث كعب بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ رضي الله عنه ماله وباعه في دين كان عليه.
وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف إلا أنه من حيث المعنى صحيح وجرى العمل عليه بين المسلمين من لدن الخلفاء الراشدين حتى يومنا هذا.
المقدمة الثانية: أنواع الحجر :
الحجر نوعان :
النوع الأول : الحجر على الإنسان لحظ غيره كالحجر على المدين المفلس لحق الغرماء، والحجر على المريض مرض الموت لحق الورثة فيما زاد على ثلث التركة .
النوع الثاني : الحجر على الإنسان لحظ نفسه كحجر المجنون والصبي والسفيه والمبذر.

أمين بن منصور الدعيس
11-02-08 ||, 07:08 AM
الدرس الثامن عشر

قال المصنف: (فإذا حجر عليه لم يجز تصرفه في ماله)
فمتى ما حجر على المفلس لم يجز له التصرف في ماله وذلك لتعلق حق الغرماء بعين المال أشبه في ذلك المرهون، وهذا في الجملة محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة.
وظاهر كلام المصنف هنا أنه يصح منه التصرف في ذمته فلو اشترى بمؤجل أو اقترض شيئا جاز لأن الحجر متعلق بماله لا بذمته، ثم هو أهل للتصرف فيما سوى ذلك، ولكن يلاحظ هنا مسألة وهي أن أصحاب هذه الديون التي طرأت بعد الحجر ليس لهم الحق في مشاركة الغرماء سواء علموا بفلسه أو لم يعلموا لدخولهم في الحالة الأولى برضاهم، ولتفريطهم في السؤال في الحالة الثانية.
قال المصنف: (ولم يقبل إقراره عليه)
فلا يصح بعد الحجر أن يُقرَّ لأحد على شيء من ماله الذي بيده، أما لو أقر في ذمته فلا بأس، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والحنابلة، وذلك لأن إقراره بمثل هذا يبطل به حقوق الغرماء، ثم هو متهم في مثل هذا بأن يكون متواطئا مع من أقر له حتى يقي بعض ماله من الغرماء،
فإن أقر على نفسه بدين لفلان لم يقبل, إلا أن الدين يلزمه بعد فك الحجر عليه, أما إن ثبت الدين عليه ببينة فإنه يُقبل، وهذا القول اختاره شيخنا العثيمين.
القول الثاني: ذهب الشافعية إلى أن إقرار المفلس يقبل في حق الغرماء إن أضاف ذلك إلى ما قبل الحجر أو أطلق، قياساً على ما لو ثبت ببينة, أما إن أضاف ذلك إلى ما بعد الحجر فلا يقبل حتى في حق الغرماء.
القول الثالث: ذهب المالكية إلى أنه يقبل إقراره إن أقر في مجلس التفليس بدين في ذمته لمن لا يتهم عليه، وكان دينه الذي حجر عليه به ثابتا بإقراره، أما إن كان الدين الذي حجر عليه به ثابتا ببينة فإنه لا يقبل إقراره لغير الغرماء.
قال المصنف: (ويتولى الحاكم قضاء دينه)
وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، وذلك حسما للنزاع بين الغرماء, فيبيع الحاكم ما يمكن بيعه ويقسمه بين غرمائه؛ لأن ذلك هو المقصود بالحجر.
قال المصنف: (ويبدأ بمن له أر ش جناية من رقيقه فيدفع إلى المجني عليه أقل الأمرين من ثمنه أو أرش جنايته)
فإذا كان المحجور عليه مالكا للرقيق وكانت على الرقيق جناية فإننا نظر في أرش الجناية فإن كان أقل من قيمة الرقيق دفعنا للمجني عليه الأرش، وإن كان أرش الجناية أكثر من ثمن الرقيق دفعنا للمجني عليه قيمة الرقيق.
قال المصنف: (ثم بمن له رهن فيدفع إليه أقل الأمرين من دينه أو ثمن رهنه)
فإن كانت ثمن الرهن أقل من الدين دفع إليه ثمن الرهن، وإن كان أكثر من الدين دفع إليه الدين،
قال المصنف: (وله أسوة الغرماء في بقية دينه)
يعني أن صاحب الرهن إن لم يف ثمن الرهن بدينه، فإن ما تبقى من دينة يشارك فيه الغرماء، فلو فرضنا أن ثمن الرهن كان 100 ريال، والدين الذي له على المفلس 150 ريالا، فإننا نعطيه المائة، والخمسون الباقية يشارك فيها الغرماء.
فالحاصل مما تقدم أن الحاكم يبدأ بأرش الجناية ثم الرهن لأنها متعلقة بعين المال الذي في يده وليست ديون مرسلة، ولذا فهي أيضا مقدمة في التركة على غيرها فالفقهاء يقولون الديون المتعلقة بعين المال مقدمة على الديون المرسلة سواء في هذا الباب أو في باب التركات.
قال المصنف: (ثم من وجد متاعه الذي باعه بعينه لم يتلف بعضه ولم يزد زيادة متصلة ولم يأخذ من ثمنه شيئاً فله أخذه ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أدرك متاعه بعينه عند إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره))
ما ذكره المصنف هنا هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، وهو أن الغريم إذا وجد عين ماله أو متاعه عند غريمه المفلس فله أخذ، واستدلوا بما بما ذكره المصنف من حديث أبي هريرة المتفق عليه.
القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الغريم ليس له أخذ عين ماله وإنما يكون فيها أسوة للغرماء، وأجابوا عن الحديث بأنه مخالف للأصول من جهة كون السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ومن ضمانه فأخْذها بعد ذلك منه اعتداء عليه وإخراج لها عن ملكه.
قال ابن عبد البر (الاستذكار 6/504): «ولا أعلم لأهل الكوفة سلفا في هذه المسألة إلا ما رواه قتادة عن خلاس بن عمرو عن علي رضي الله عنه قال: وفيه إسوة الغرماء إذا وجدها بعينها.
وأحاديث خلاس عن علي رضي الله عنه ضعيفة عند أهل العلم بالحديث لا يرون في شيء منها إذا انفرد بها حجة»
قال المصنف: (ويقسم الباقي بين الغرماء على قدر ديونهم)
وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، فيعطى كل واحد من الغرماء بقسطه من الديون، فننسب الموجود من المال إلى الديون ونعطي كل مدين بقدر تلك النسبة.
فلو كان دينه عشرة آلاف والمال الموجود لديه ستة آلف فنسبة الستة إلى العشرة ثلاثة أخماس فنعطي كل واحد من الغرماء ثلاثة أخماس ماله فقط، فمثلا من له ألف نعطيه ستمائة ريال، ومن له ألفان نعطيه ألفا ومائتين وهكذا.
قال المصنف: (وينفق على المفلس وعلى من تلزمه مؤنته من ماله إلى أن يقسم)
وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة أيضا، فيعطى من النفقة إن لم يكن له كسب ما يحتاج إليه من أكل وشرب ونفقة ضرورية له ولمن تلزمه مؤنته، قال ابن قدامة (المغني 4/285): « إذا حجر على المفلس ، وكان ذا كسب يفي بنفقته، ونفقة من تلزمه نفقته، فنفقته في كسبه، فإنه لا حاجة إلى إخراج ماله مع غناه بكسبه، فلم يجز أخذ ماله ، كالزيادة على النفقة ، وإن كان كسبه دون نفقته ، كملناها من ماله ، وإن لم يكن ذا كسب ، أنفق عليه من ماله مدة الحجر ، وإن طالت ؛ لأن ملكه باق ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك ، ثم بمن تعول)».
قال المصنف: (فإن وجب له حق بشاهد فأبى أن يحلف لم يكن لغرمائه أن يحلفوا)
صورة هذه المسألة أن المفلس إذا حجر عليه ثم وجب له حق على شخص آخر كمبلغ من المال، وليس عنده إلا شاهد واحد على ذلك -ومن المعلوم أن جمهور أهل العلم على أن دعاوى الأموال تثبت بالشاهد واليمين- ففي هذه الحالة إذا أبي المفلس أن يحلف، هل للغرماء أن يحلفوا مكانه لأن بامتناعه عن اليمين أضاع حقا لهم من جهة أن المال إذا ثبت في ملكه فسيكون من نصيب الغرماء لقضاء ديونهم، أو يقال ليس لهم ذلك والحق متعلق بالمفلس إن شاء حلف وإن شاء لم يحلف؟
القول الأول: ما ذكره المصنف من أن الغرماء ليس لهم أن يحلفوا وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة، لأننا لا نعلم صدق الشاهد، فلا يجبر المفلس على الحلف على ما لا يعلم صدقه كغيره، هذا من جهة.
ومن جهة أخرى يقال أيضا للغرماء ليس لكم الحلف إن امتنع لأنكم تثبتون ملكا لغيركم لتعلق حقوقكم به بعد ثبوته وهذا محل تهمة، كما لو حلفت المرأة لإثبات ملك لزوجها ؛ لتعلق نفقتها به.
القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الغرماء في هذه الحالة لهم أن يحلفوا، ؛ لأن حقوقهم تعلقت بالمال ، فكان لهم أن يحلفوا ، كالورثة يحلفون على مال مورثهم .

أمين بن منصور الدعيس
11-02-16 ||, 05:44 PM
الدرس التاسع عشر
باب الحوالة والضمان


الحوالة في اللغة : من حال الشيء حولا وحؤولا : إذا تحول . وتحول من مكانه انتقل عنه وحولته تحويلا نقلته من موضع إلى موضع، والحوالة بالفتح مأخوذة من هذا , فإذا أحلت شخصا بدينك فقد نقلته إلى ذمة غير ذمتك .
وفي الاصطلاح : نقل الدين من ذمة إلى ذمة .
والحوالة مشروعة بالسنة والإجماع:
فأما السنة فيدل عليها ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (مطل الغني ظلم ، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع)، وفي لفظ آخر عند أحمد: (ومن أحيل على مليء فليحتل).
أما الإجماع فقد أجمع أهل العلم على مشروعية الحوالة، وجرى عليها عمل المسلمين قديما وحديثا دون نكير، والحكمة من مشروعيتها التيسير على الناس والإرفاق بهم، فالمحيل يتخلص من الدين، والمحتال يأخذ حقه، والمحال عليه يقضي الدين الذي كان في ذمته للمحيل.
أما الضمان في اللغة فهو في اللغة: فهو مشتق من التضمن ،أي أن ذمة الضامن تتضمن الحق.
واصطلاحاً: التزام جائز التصرف ما وجب على غيره أو ما قد يجب عليه.
فمثال التزام ما وجب على غيره كما لو التزم قضاء دين في ذمة من ضمنه، ومثال التزام ما قد يجب كما لو قال لشخص: زوج ابنتك فلانا وأنا أضمن لك نفقتها.
والضمان مشروع بالكتاب والسنة والإجماع:
فأما الكتاب فقوله تعالى : (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) . قال ابن عباس : الزعيم الكفيل.
وأما السنة فما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا: (الزعيم غارم)، وما أخرجه أحمد أيضا عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: أُتى النبي صلى الله عليه و سلم بجنازة ليصلي عليها فقال: (أعليه دين)، قالوا: نعم ديناران، قال: (أترك لهما وفاء)، قالوا: لا، قال: (صلوا على صاحبكم)، قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله، فصلى عليه النبي صلى الله عليه و سلم.
وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الضمان في الجملة .
وأركان الضمان هي:
1. الضامن: وقد يسمى الضمين والكفيل والحميل والزعيم.
2. المضمون له: وهو صاحب الحق.
3. المضمون عنه: وهو من عليه الحق.
4. المضمون: وهو الحق نفسه،وقد يسمى المضمون به.
5. الصيغة: وهي الإيجاب والقبول أو ما يقوم مقامها.
قال المصنف: (ومن أحيل بدينه على من عليه مثله فرضي فقد برئ المحيل)
وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأن المحال رضي بانتقال دينه من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه.
قال المصنف: (ومن أحيل على مليء لزمه أن يحتال، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع))
هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال ابن حزم، أن من أحيل على مليء لزمه أن يحتال فلا يكون له الخيار، واستدلوا بظاهر الحديث الذي ذكره المصنف، وقالوا الأصل في الأمر الوجوب،
وذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الحوالة لا تلزم المحتال، فلا بد من رضاه، وأن الأمر في الحديث محمول على الاستحباب، فإن حق المُحال لازم في ذمة المحيل فلا يصرف عنه إلا برضاه، ثم إنه وإن أحيل على مليء فربما لا يمكنه استيفاء الحق منه إما لمماطلة أو وجاهة يستحي معها من الطلب أو غير ذلك، واختار شيخنا العثيمين ما ذهب إليه الجمهور.
قال المصنف: (وإن ضمنه عنه ضامن لم يبرأ)
فلا يبرأ المضمون عنه بالضمان، كما يبرأ المحيل بالحوالة، وإنما يبقى الحق ثابتا في ذمة المضمون عنه ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما أي الضامن والمضمون عنه وهذا محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة،واستدلوا بما أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه )، فهذا الحديث دال على أن تمام البراءة من الدين إنما يكون بقضائه، أما مجرد الضمان فليس موجبا للبراءة.
وهذا القول متوجه فيما إذا كانت الضمان عن حي، أما لو كان الضامن ضمن دين ميت ففي المسألة روايتان في مذهب الحنابلة:
الأولى: أن الميت يبرأ بمجرد الضمان, نص عليه أحمد؛ واستدلوا بما أخرجه الإمام أحمد من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: توفي صاحب لنا ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فخطا خطوة ، ثم قال : أعليه دين ؟ قلنا : ديناران, فانصرف ، فتحملهما أبو قتادة, فقال : الديناران علي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وجب حق الغريم ، وبرئ الميت منهما) ؟ قال : نعم, فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: ما فعل الديناران؟ قال : إنما مات أمس, قال : فعاد إليه من الغد ، فقال : قد قضيتهما, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الآن بردت جلدته).
وهذا صريح في براءة الميت بالضمان، ولا يشكل على ذلك قوله: صلى الله عليه وسلم: (الآن بردت جلدته), فإن الذمة قد برئت بمجرد الضمان بدليل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وقد كان صلى الله عليه وسلم في أول الأمر لا يصلي على من مات وعليه دين لا وفاء له.
قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 9/189) : "وهذا القول لا شك أن له قوته"
والثانية: لا يبرأ إلا بالأداء ؛ فلا يبرأ المضمون عنه الميت بالضمان كالحي.
قال المصنف: (وصار الدين عليهما ولصاحبه مطالبة من شاء منهما)
هذا هو المشهور من مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، أنه بثبوت الضمان فإن لصاحب الحق مطالبة من شاء من الضامن أو المضمون عنه، واستدلوا بأن الحق قد ثبت في ذمتهما جميعا فله مطالبة من شاء منهما.
وذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى أنه ليس لصاحب الحق أن يطالب الضامن إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه، واستدلوا بأن الضامن فرع عن المضمون عنه ولا يصار إلى الفرع إلا إذا تعذر الأصل، كما استدلوا بالقياس على الرهن، فإنه لا يستوفى منه إلا إذا تعذر الاستيفاء من الراهن، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
قال المصنف: (فإن استوفى من المضمون عنه أو أبرأه برئ ضامنه)
أي إن استوفى صاحب الحق حقه من المضمون عنه، أو أبرأ صاحب الحق المضمون عنه برئ الضامن، وهذا قول عامة أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 4/352): «وإن أبرأ صاحب الدين المضمون عنه ، برئت ذمة الضامن, لا نعلم فيه خلافاً؛ لأنه تبع، ولأنه وثيقة, فإذا برئ الأصل زالت الوثيقة، كالرهن».
قال المصنف: (وإن برىء الضامن لم يبرأ الأصيل)
وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأن المضمون عنه أصل، فلا يبرأ بإبراء التبع؛ ولأنه وثيقة انحلت من غير استيفاء الدين منها، فلم تبرأ ذمة الأصيل، كالرهن.
قال المصنف: (وإن استوفى من الضامن رجع عليه)
أي فإن استوفى صاحب الحق حقه من الضامن، رجع الضامن على المضمون عنه، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأن الضامن تبع والمضمون عنه أصيل فيرجع عليه.
قال المصنف: (ومن كفل بإحضار من عليه دين فلم يحضر لزمه ما عليه)
شرع المصنف رحمه الله في الكلام على الكفالة، والكفالة في اللغة من كفل أي التزم،والكفالة: الضمان والالتزام ،والكفيل بمعتى الضامن أو الملتزم –بكسر الزاي .
وأما الكفالة في الاصطلاح فقد قال في الموسوعة الكويتية: "اختلف الفقهاء في تعريف الكفالة تبعا لاختلافهم فيما يترتب عليها من أثر . فعرفها جمهور الحنفية بأنها : ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة بنفس أو دين أو عين . وعرفها بعضهم بأنها : ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في الدين . قال في الهداية : والأول هو الأصح .
ويرى المالكية والشافعية في المشهور والحنابلة أن الكفالة هي : أن يلتزم الرشيد بإحضار بدن من يلزم حضوره في مجلس الحكم"
- أركان الكفالة:
الكفيل: وهو الملتزم بإحضار من عليه الحق.
المكفول به: وهو من عليه الحق.
المكفول له:وهو صاحب الحق.
اتضح مما سبق أن الجمهور يفرقون بين الكفالة والضمان، من جهة أن الضمان هو التزام بقضاء الدين، وأما الكفالة فهي التزام بإحضار بدن.
قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 9/202): " ولكن لو كان العرف عند الناس أن الكفالة بمعنى الضمان، فهل يحمل المعنى على العرف أو على الشرع؟
الجواب: على العرف؛ لأن هذه معاملات يجري الناس فيها على أعرافهم، فعندنا الآن عرف متبع، إذا قال: أنا أكفل فلاناً، يريدون بذلك أن يضمن ما عليه من الدين.
لكن بدؤوا الآن يعرفون بعض الشيء، فصار إذا قال: أنا أكفله، إن أضاف إليها كفالةَ غُرمٍ صار ضامناً، وإن أطلق فهي كفالة بدن، فيُعمل بالعُرف سواء في هذا أو هذا"
والقصد أن الكفالة بالنفس جائزة في قول عامة أهل العلم ، يدل على جوازها الكتاب والسنة والمعقول:
فأما الكتاب فقوله تعالى: (قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقاً من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم ).
وأما السنة فما أخرجه الإمام أحمد من حديث أبي أمامة رضي الله عنه مرفوعا: (الزعيم غارم)، وأما من جهة ا لمعقول فمن المعلوم أن الحاجة داعية لمثل ذلك، من جهة أن الكفالة من سبل توثيق الحقوق، فكثير من الناس يأبى أن يتعامل بالمعاملات الآجلة أو الديون ما لم يكن له ما يستوثق به من حقه.
فالحاصل أن جمهور أهل العلم على مشروعية الكفالة، وأنه متى ما وقع عقد الكفالة، فإن الكافل ملزم بإحضار من عليه الحق إن طلب ذلك صاحب الحق، فمتى ما أحضره برئت ذمته، وإلا فإنه يضمن لصاحب الحق ما له من حق، ويلزمه وفاؤه، إلا إن يشترط الكفيل أنه في حال تعذر إحضار المكفول لا يضمن الحق، فحينئذ المسلمون على شروطهم.
قال المصنف: (فإن مات برئ كفيله)
إي فإن مات المكفول به، برئ الكفيل، لتعذر إحضار بدنه حينئذ، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم.

أمين بن منصور الدعيس
11-02-19 ||, 06:57 AM
اسئلة مراجعة باب الحوالة والضمان:
1- عرف الحوالة والضمان اصطلاحا، واذكر الدليل على مشروعيتهما.
2- ما هي أركان الضمان.
3- من أحيل على مليء هل تلزمه الحوالة، أذكر قول الجمهور ودليلهم في المسألة.
4- ضمن رجلا دين ميت فهل يبرأ الميت بهذا الضمان، أذكر الخلاف في المسألة.
5- هل يشترط لمطالبة صاحب الحق الضامن أن يتعذر مطالبة المضمون عنه، أذكر القول الراجح في المسألة.
6- متى يبرأ الضامن من الحق.
7- عرف الكفالة اصطلاحا، واذكر أركانها، والدليل على مشروعيتها.

أمين بن منصور الدعيس
11-02-19 ||, 07:06 AM
الدرس العشرون


باب الرهن

أصل الرهن في اللغة من الثبوت والدوام يقال ماء راهن، أي راكد، ونعمة راهنه أي ثابته دائمة، وقيل إن الرهن هو الحبس ومنه قوله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين﴾, وقوله: ﴿كل نفس بما كسبت رهينه﴾.

وأما في الاصطلاح فهو: توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه أو بعضه منها أو من بعضها عند عدم الوفاء

قال ابن قدامة (المغني 4/215): «هو جائز بالكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقول الله تعالى: )وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة(.

وأما السنة فروت عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله r اشترى من يهودي طعاما ، ورهنه درعه", متفق عليه . وروى أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الظهر يركب بنفقته , إذا كان مرهونا , ولبن الدر يشرب بنفقته , إذا كان مرهونا , وعلى الذي يركب ويشرب النفقة). رواه البخاري . وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يغلق الرهن).

وأما الإجماع ، فأجمع المسلمون على جواز الرهن في الجملة»

وللرهن خمسة أركان :

الصيغة .

الراهن : وهو المدين .

المرتهن: وهو الدائن .

المرهون أو الرهن : وهو العين التي توضع لدى المرتهن وثيقة لدينه .

المرهون به : وهو الدين الذي لأجله أنشئ عقد الرهن .

قال المصنف: (وكل ما جاز بيعه جاز رهنه وما لا فلا)

فلا يصح رهن ما لا يجوز بيعه، وهذا محل اتفاق في الجملة بين أرباب المذاهب الأربعة، وإن كانوا قد يختلفون من جهة التطبيق وتحقيق المناط في بعض الصور، وموجب اشتراط أن يكون لمرهون مما يجوز بيعه هو أن القصد من الرهن استيفاء الحق من المرهون عند تعذر الرهن، وما لا يجوز بيعه لا يمكن استيفاء الحق منه.

قال المصنف: (ولا يلزم إلا بالقبض)

هذا الذي ذكره المصنف هو المشهور من مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وهو أن الرهن لا يلزم إلا بقبض الراهن له من لمرتهن، واستدلوا لذلك بأدلة منها:

قوله تعالى: (وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتباً فرهان مقبوضة)، ولأن الرهن عقد إرفاق وتبرع أشبه الهبة فلا يلزم إلا بالقبض عند الجمهور.

القول الثاني: ذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى أن القبض ليس بشرط للزوم الرهن، وأن الرهن يكون لازما في حق الراهن، وإن لم يقبض المرتهن الرهن، وغاية ما يستفاد بالقبض تقديم صاحب الرهن المقبوض على غيره من الغرماء عند تزاحم الحقوق، واستدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:

عموم الآيات التي فيها الأمر بالوفاء بالعقود والعهود، كقوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أوفوا العقود)، وقوله: (وأوفوا بالعهد)، ومن ذلك وفاء الراهن بما التزم به للمرتهن، كما استدلوا بقياس الرهن على البيع فالبيع لازم وإن لم يقبض المبيع، ثم إن في هذا القول حفظا للحقوق واحتياطا له من المتلاعبين، فلو أجزنا للراهن الرجوع في رهنه ما لم يقبضه المرتهن لضاع حق صاحب الدين، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.

وأما استدلال الجمهور بالآية فأجيب عنه بأن ذكر القبض في الآية جاء من باب زيادة التوثيق والاحتياط لا من باب أن الرهن لا يلزم إلا به، قال السعدي (تفسير السعدي ص119): "تمام الوثيقة في الرهن، أن يكون مقبوضا، ولا يدل ذلك على أنه لا يصح الرهن إلا بالقبض، بل التقييد بكون الرهن مقبوضا، يدل على أنه قد يكون مقبوضا، تحصل به الثقة التامة ، وقد لا يكون مقبوضا، فيكون ناقصا".

وأجيب عن القياس على عقود التبرعات بأن قياس الرهن على البيع أولى لأن الرهن معنى المعاوضة فيه أقرب من معنى التبرع.

قال المصنف: (وهو نقله إن كان منقولاً والتخلية فيما سواه)

أشار المصنف هنا إلى القاعدة المعروفة عند أهل العلم وهي أن قبض كل شيء بحسبه، فما يكون منقولا يقبض بنقله، وما لا يمكن نقله كالعقارات يكون بالتخلية لها والتمكين لها.

قال المصنف: (وقبض أمين المرتهِن يقوم مقام قبضه)

ذكر المصنف هنا صورة وهي فيما إذا جُعل الرهن بيد الأمين أو العدل كما يسميه الفقهاء وهذا قد يحتاج إليه فيما إذا لم يكن المرتهن حاضرا فيوكل من يقبض عنه، أو فيما إذا لم يأمن الراهن المرتهن على العين المرهونه فتجعل عند ثالث يرضاه كل من المرتهن والرهن، ففي هذه الصورة قبض الأمين أو العدل يقوم مقام قبض المرتهن .

قال المصنف: (والرهن أمانة عند المرتهن أو أمينه لا يضمنه إلا أن يتعدى)

أشار المصنف في هذه العبارة إلى أن الرهن يكون أمانة في يد المرتهن أو أمينه، فيدهما يد أمانة لا يد ضمان فلا يضمنان إلا بالتعدي أو التفريظ، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة، واستدلوا بما أخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه). والحديث مرسل .

كما استدلوا بأن المرتهن قبض الرهن بإذن الراهن، والقاعدة أن كل ما قبض بإذن من المالك أو الشارع فاليد فيه يد أمانة لا يد ضمان، كما استدلوا بأنه لو قيل بأن يد المرتهن يد ضمان لا متنع كثير من الناس عنه فيحصل بذلك إغلاق لباب المداينات بين الناس والإرفاق فيما بينهم، وهذا القول هو اختيار شيخنا العثيمين.

وذهب الحنفية إلى أن يد المرتهن يد ضمان فيضمن ولو لم يحصل منه تعد أو تفريط، وذهب المالكية إلى التفريق بين المال الباطن الذي يمكن أخفاؤه كالحلي ونحوها، وبين المال الظاهر الذي لا يكن إخفاؤه كالماشية، فالأول يده عليه يد ضمان، والثاني يد أمانه.

أما لو حصل التعدي أو التفريط من المرتهن فعامة أهل العلم على أنه يضمن المرهون قال ابن قدامة (المغني 4/258):

"إذا تعدى المرتهن في الرهن أو فرط في الحفظ للرهن الذي عنده حتى تلف فإنه يضمن، لا نعلم في وجوب الضمان عليه خلافا؛ ولأنه أمانة في يده فلزمه إذا تلف بتعديه أو تفريطه ،كالوديعة".

أمين بن منصور الدعيس
11-02-21 ||, 07:21 AM
الدرس الحادي والعشرون

قال المصنف: (ولا يُنتفع بشيء منه إلا ما كان مركوباً أو محلوباً للمرتهِن أن يركب ويحلب بمقدار العلف)
أشار المصنف في هذه العبارة إلى مسألة انتفاع المرتهن بالمرهون، وأما انتفاع الراهن بالمرهون فلا إشكال فيه لأنه ملكه، ولذا لم يتعرض المصنف له، والقصد أن انتقاع المرتهن بالرهن لها حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون الرهن مما لا يحتاج إلى مؤنة, ففي هذه الصورة إن كان الانتفاع بغير إذن الراهن لم يجز إجماعا قال ابن قدامة (المغني 4/251): «ما لا يحتاج إلى مؤنة, كالدار والمتاع ونحوه، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن بحال, لا نعلم في هذا خلافاً؛ لأن الرهن ملك الراهن، فكذلك نماؤه ومنافعه، فليس لغيره أخذها بغير إذنه"
أما إن كان بإذن الراهن فلا يخلوا من أن يكون الانتفاع بعوض فيجوز ولا إشكال فيه، أو أن يكون بغير عوض فهنا يفرق بين أمرين:
الأول: أن يكون دين الرهن الذي لأجله جعل الرهن دين قرض، فهنا لا يجوز الانتفاع، لأنه يؤول إلى أن يكون القرض قرضا جر نفعا.
الثاني: أن يكون دين الرهن ليس قرضا، كثمن مبيع أو أجرة دار ونحوها، فهنا يجوز الانتفاع.
الحالة الثانية: أن يكون المرهون مما يحتاج إلى مؤنة ونفقة، فهنا إن أذن الراهن بالانتفاع به فلا إشكال في جوازه، أما إذا لم يأذن بذلك فقد اختلف أهل العلم في المسألة على قولين:
القول الأولى: ما ذكره المصنف وهو المشهور من مذهب الحنابلة من أن الرهن إن كان محلوبا أو مركوباً فله أن يحلبه ويركبه بمقدار نفقته عليه متحريا العدل في ذلك, وإن كان غير ذلك كأن يكون الرهن داراً, أو حيوانا لا يُركب ولا يحلب, فلا يجوز الانتفاع به، واستدلوا بما أخرجه البخاري من حديث أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهونا ، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا ، وعلى الذى يركب ويشرب النفقة). واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
القول الثاني: ذهب الجمهور من الحنفية، والشافعية، والمالكية في الجملة إلى أن المرتهن ليس له الانتفاع بالرهن بدون إذن الراهن، وهو رواية عن أحمد, واستدلوا بما تقدم من حديث سعيد بن المسيب مرفوعا: (لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه)، وتقدم إعلاله بالإرسال.
كما استدلوا بأن المرهون ملك غيره لم يأذن للمرتهن في الانتفاع به، ولا الإنفاق عليه, فلم يكن له ذلك بغير إذن الراهن، وأما حديث أبي هريرة الذي استدل به الحنابلة فقد تأوله الشافعي بقوله: وقال الشافعي (الأم 3/167) : "يشبه أن يكون المراد من رهن ذات در وظهر لم يمنع الراهن من درها وظهرها فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن".
قال ابن عبد البر: "هذا الحديث عند جمهور الفقهاء يرده أصول مجمع عليها وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها ، ويدل على نسخه حديث ابن عمر الماضي في أبواب المظالم: (لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه)".
وقد أجيب على كلام ابن عبد البر بأن النسخ لا بد فيه من علم بالتاريخ حتى يثبت ولا علم لنا به هنا، ثم إن النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، والجمع هنا ممكن بتخصيص عموم النهي عن حلب الماشية بغير إذن صاحبه بالمرهونه لورود الأثر بجوازها.
أما دعوى مخالفة الأصول والقياس فلا يسلم بها، إذ الحديث النبوي أصل من الأصول يجب المصير إليه، قال الشوكاني (نيل الأوطار (5/279) : " ويجاب عن دعوى مخالفة هذا الحديث الصحيح للأصول بأن السنة الصحيحة من جملة الأصول فلا ترد إلا بمعارض أرجح منها بعد تعذر الجمع".
وقال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/18): " قول بعضهم : إن الحديث الصحيح - وهو قوله : (الرهن مركوب ومحلوب , وعلى الذي يركب ويحلب النفقة) - على خلاف القياس , فإنه جوز لغير المالك أن يركب الدابة وأن يحلبها , وضمنه ذلك بالنفقة لا بالقيمة , فهو مخالف للقياس من وجهين . والصواب ما دل عليه الحديث , وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه ; فإن الرهن إذا كان حيوانا فهو محترم في نفسه لحق الله سبحانه , وللمالك فيه حق الملك , وللمرتهن حق الوثيقة , وقد شرع الله سبحانه الرهن مقبوضا بيد المرتهن , فإذا كان بيده فلم يركبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلا , وإن مكن صاحبه من ركوبه خرج عن يده وتوثيقه , وإن كلف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ لبنه شق عليه غاية المشقة , ولا سيما مع بعد المسافة , وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه ; فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة , ففي هذا جمع بين المصلحتين , وتوفير الحقين , فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه , والمرتهن إذا أنفق عليه أدى عنه واجبا , وله فيه حق , فله أن يرجع ببدله , ومنفعة الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلا , فأخذها خير من أن تهدر على صاحبها باطلا ويلزم بعوض ما أنفق المرتهن . وإن قيل للمرتهن : " لا رجوع لك " كان في ذلك إضرار به , ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان , فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يختار".
فالراجح والعلم عند الله ما ذهب إليه الحنابلة، ولابن القيم مزيد كلام في إعلام الموقعين تركته اختصارا فليراجع.
قال المصنف: (وللراهن غنمه من غلته وكسبه ونمائه)
أي أن للراهن غنم وغلة وكسب ونماء الرهن المتصل أو المنفصل، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأن الراهن هو المالك له فكان هو المستحق لما يحصل عنه من غنم .
قال المصنف: (لكن يكون رهناً معه)
أي أن نماء الرهن سواء كان متصلا أو منفصلا متولدا من المرهون أو غير متولد ، وإن قلنا أنه للراهن إلا أنه يكون تبعاً للرهن وملحقا به فيكون رهنا معه، وإذا احتيج إلى بيعه في وفاء الدين بيع مع الأصل، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وهو بهذا الإطلاق من مفردات الحنابلة، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
واستدلوا بأنه بدل جزئه فكان منه كقيمته لو أتلف، ولأن حكم الرهن يثبت في العين بعقد المال، فيدخل فيه النماء والمنافع، كالملك بالبيع وغيره.
وجمهور أهل العلم العلم من الحنفية والمالكية والشافعية لا يقولون بهذا على إطلاقه، فمنهم من يفرق بين ما تولد من المرهون وبين ما لم يتولد منه كبدل المنفعة ونحوه، والبعض يفرق بين النماء المتصل والمنفصل، ولهم في ذلك تفصيلات أعرضت عنها طلبا للاختصار فلتراجع في مواطنها.
قال المصنف: (وعليه غرمه من مؤنته ومخزنه وكفنه إن مات)
أي أن على الراهن غرم المرهون من مؤنة ونفقة وإن كان الرهن في يد المرتهن، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة في الجملة، واستدلوا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم: (لا يغلق الرهن من صاحبه له غنمه وعليه غرمه)، وبأن الرهن ملك للراهن فكان عليه نفقته.
قال المصنف: (وإن أتلفه أو أخرجه من الرهن بعتق أو استيلاد فعليه قيمته تكون رهناً مكانه)
أشار المصنف رحمه الله هنا إلى أن الراهن إن أتلف الرهن لزمته قيمته وتكون رهنا مكان ما أتلفه، وهذا محل اتفاق ين المذاهب الأربعة.
وقوله: (بعتق) أي كما لو كان الرهن عبدا فأعتقه الراهن لزمه قيمته مكانه.
وقوله: (أو استيلاد) أي فيما إذا كان الرهن أمة فوطأها فحملت ما تبين فيه خلق الإنسان فإنها حينئذ تكون أم ولد لا يجوز بيعها، فحينئذ يلزمه قيمتها تكون رهنا مكانها.
قال المصنف: (وإن جنى عليه غيره فهو الخصم فيه)
صورة ذلك أن يجني على المرهون شخص غير الراهن كما لو رهنه سيارة مثلا، فأتلفها شخص آخر فحينئذ، هل الذي يملك الحق في مطالبة المتلف بقيمة ما أتلفه هو الراهن أو المرتهن؟
ذكر المصنف أن المخاطب بذلك هو الراهن، وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، لأن المرهون ملك الراهن فكان حق المطالبة إليه، فإن عقد الرهن لا يحصل به نقل الملك وإنما غايته حبس المرهون توثقة للدين.
قال المصنف: (وما قبض بسببه فهو رهن)
أي أن ما قبض بسبب الجناية على المرهون من أرش ونحوه يكون رهنا تبعا للمرهون ، لأنه تبع لأصله، وهذا قول جماهير أهل العلم.

أمين بن منصور الدعيس
11-02-23 ||, 06:50 AM
الدرس الثاني والعشرون


قال المصنف: (وإن جنى الرهن فالمجني عليه أحق برقبته)

صورة ذلك أن يكون الرهن عبدا فيجني على غيره فحينئذ يكون أرش الجناية متعلقا برقبة العبد، فيكون المجني عليه أحق بالعبد من الراهن والمرتهن ما لم يفده الراهن كما يأتي، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، قال ابن قدامة (المغني 4/240): " وجملته أن العبد المرهون إذا جنى على إنسان , أو على ماله , تعلقت الجناية برقبته , فكانت مقدمة على حق المرتهن . لا نعلم في هذا خلافا ; وذلك لأن الجناية مقدمة على حق المالك , والملك أقوى من الرهن , فأولى أن يقدم على الرهن . فإن قيل : فحق المرتهن أيضا يقدم على حق المالك . قلنا : حق المرتهن ثبت من جهة المالك بعقده, وحق الجناية ثبت بغير اختياره مقدما على حقه , فيقدم على ما ثبت بعقده , ولأن حق الجناية مختص بالعين , يسقط بفواتها , وحق المرتهن لا يسقط بفوات العين , ولا يختص بها , فكان تعلقه بها أخف وأدنى"

قال المصنف: (فإن فداه فهو رهن بحاله)

أي فإن فدى الراهن العبد بقي العبد رهنا بحاله ولا ينفك من الرهن، صورة ذلك لو أن العبد جنى على غيره فكان أرش الجنابة مائة ألف وقيمة العبد مائة ألف مثلا فافتدى الراهن العبد ودفع المبلغ، فهنا هل يقال الراهن فدى العبد فينفك الرهن أو يبقى العبد رهنا بحاله محبوسا لحق المرتهن؟

جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة على أن الرهن يبقى بحاله، لأن حق المرتهن لا زال باقيا، وإنما قدمنا حق المجني عليه لقوته، فإذا فدا السيد عبده زال حق المجني عليه وبقي حق المرتهن، فيبقى رهنا بحاله.

قال المصنف: (وإذ حل الدين فلم يوفه الراهن بيع وأُوفي الحق من ثمنه وباقيه للراهن)

ذكر المصنف هنا خاتمة الباب وثمرة الرهن، فأشار رحمه الله إلى أن الدين إن حل ولم يوف الراهن بما عليه من الحق بيع الرهن واستوفى المرتهن حقه من ثمنة وهنا لا يخلو الأمر من ثلاثة أحوال:

الحال الأولى: أن تكون ثمن الرهن مساويا للدين فنبيع الرهن ونوفي المرتهن حقه.

الحال الثانية: أن يكون ثمن الرهن أكثر من الدين فنبيع الرهن ونعطي المرتهن حقه، وما بقي فهو حق الراهن يرد إليه.

الحال الثالثة: أن يكون ثمن الرهن أقل من الدين فهنا نبيع الرهن ونعطي المرتهن كامل الثمن، وما بقي من الدين يبقى في ذمة الراهن.

وما تقدم من بيع الرهن في حال عدم الوفاء محل اتفاق بين المذاهب الأربعة فيما إذا كان البيع حصل برضى الراهن، وإنما اختلفوا فيما إذا امتنع الراهن عن بيع الرهن، هل للحاكم أن يبيع الرهن بغير رضاه:

ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الحاكم له ذلك، وخالف في ذلك الحنفية فقالوا ليس للحاكم بيع المرهون، وإنما يحبس الراهن ويديم حبسه حتى يبيعه.

قال المصنف: (وإذا شُرط الرهن أو الضمين في بيع فأبى الراهن أن يسلمه وأبى الضمين أن يضمن خير البائع بين الفسخ أو إقامته بلا رهن ولا ضمين)

صورة ما ذكر المصنف أن يشترط البائع على المشتري رهنا أو ضمينا في البيع فيوافق المشتري على ذلك ويتم العقد بناء عليه، ثم يأبى ا لمشتري تسليم الرهن، أو يأبى من جعله المشتري ضمينا له أن يضمنه، فهنا للبائع الخيار بين أن يفسخ البيع بالكلية، ويكون ذلك من جملة خيار الشرط، أو يبقي البيع بلا رهن ولا ضمين، وما ذكرناه هنا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة في الجملة.

مسألة: هل يجوز رهن المبيع على ثمنه؟

صورة ذلك أن يشترط البائع على المشتري أن يكون المبيع في يده رهنا حتى يوفي المشتري ما عليه من الثمن، وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم، فالمشهور من مذهب الشافعية المنع من ذلك واستدلوا بأن شرط رهن ما لم يملكه بعد، ولأن مقتضى العقد تمكن المشتري من التصرف وهو مناف له.

وذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى جواز ذلك، وأجابوا عما استدل به الشافعية من أنه رهن لما لا يملك بأن البائع إنما يشترط الرهن بعد ملك المشتري للمبيع بالعقد، ثم قولهم مقتضى المبيع تصرف المشتري بالمبيع غير مسلم قبل أداء المشتري للثمن، بل حتى بعد أداءه للثمن قد يمنع من ذلك بالشرط كما في شرط الخيار لمدة معينة، واختار هذا القول شيخنا العثيمين، والعمل جار عليه الآن في كثير من العقود المعاصرة لا سيما عقود التمويل.

أمين بن منصور الدعيس
11-02-26 ||, 07:16 AM
الدرس الثالث والعشرون




باب الصلح


الصلح في اللغة : اسم بمعنى المصالحة والتصالح , خلاف المخاصمة والتخاصم، يقال : اصطلحوا وتصالحوا وعلى ذلك يقال : وقع بينهما الصلح , وصالحه على كذا , وتصالحا عليه واصطلحا , وهم لنا صلح , أي مصالحون .

وفي الاصطلاح : معاقدة يرتفع بها النزاع بين الخصوم , ويتوصل بها إلى الموافقة بين المختلفين .

والصلح مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب ففي قوله تعالى : (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس)، وقوله تعالى: (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا , فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير). فوصف سبحانه وتعالى الصلح بأنه خير , ولا يوصف بالخيرية إلا ما كان مشروعا مأذونا فيه .

وأما السنة ففيما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصلح جائز بين المسلمين). زاد أحمد : (إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا)، وأما الإجماع : فقد أجمع الفقهاء على مشروعية الصلح في الجملة , وإن كان وقع بينهم خلاف في بعض صوره اختلاف في جواز بعض صوره .

مسألة: الصلح نوعان:

الأول: صلح إقرار وهو أن يقر المدعى عليه بما ادعاه المدعي عليه من الحق، فيصالحه ببعضه، وهذا جائز باتفاق المذاهب الأربعة، لأن حقيقته أنه إبراء من صاحب الحق وتنازل منه عن بعض حقه.

الثاني: صلح إنكار وهو أن ينكر المدعى عليه ما ادعاه المدعي عليه من الحق، ولكن دفعا للخصومه والنزاع يصالح المدعي ببعض ما ادعاه عليه من حق، وهذا النوع من الصلح محل خلاف بين أهل العلم:

القول الأول: ذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والحنابلة إلى جواز الصلح على الإنكار بشرط أن يكون المدعي معتقدا أن ما ادعاه حق , والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه . فيتصالحان قطعا للخصومة والنزاع . أما إذا كان أحدهما عالما بكذب نفسه , فالصلح باطل في حقه , وما أخذه العالم بكذب نفسه حرام عليه ; لأنه من أكل المال بالباطل، واستدل الجمهور بالأدلة التالية:

ظاهر قوله تعالى: (والصلح خير) فوصف الصلح بالخيرية يتقضي مشروعية كل صلح إلا ما دل الدليل على عدم مشروعيته.

كما استدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما)، فيدخل فيه الصلح على الإنكار، ثم إن الحكمة التي شرع لأجلها الصلح وهي دفع الخصومة والنزاع موجودة في صلح الإنكار، بل الخصومة فيه أشد من الخصومة التي تكون في صلح الإقرار، ثم إن فيه إفتداء لليمين، فيدفع المدعى عليه اليمين عنه، وقد روي عن عثمان وابن مسعود أنهما بذلا مالا في دفع اليمين عنهما .

القول الثاني: ذهب الشافعية في المشهور عندهم إلى أن الصلح على الإنكار باطل، واستدلوا بأن المدعي إن كان كاذبا فقد استحل مال المدعى عليه , وهو حرام , وإن كان صادقا فقد حرم على نفسه ماله الحلال ; لأنه يستحق جميع ما يدعيه , فدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: (إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا)، كما استدلوا بأن الصلح على الإنكار يستلزم أن يملك المدعي ما لا يملك , وأن يملك المدعى عليه ما يملك، فالمدعي اعتاض عما لا يملكه , فصار كمن باع مال غيره, والمدعى عليه عاوض على ملكه , فصار كمن ابتاع مال نفسه من وكيله، وهذا إن كان المدعي كاذبا، فإن كان صادقا انعكس الحال.

والأقرب في المسألة ما ذهب إليه الجمهور، وهو اختيار شيخنا العثيمين.

قال المصنف: (ومن أسقط بعض دينه أو وهب غريمه بعض العين التي في يده جاز)

شرع المصنف في الكلام على النوع الأول من الصلح وهو الصلح عن إقرار، فذكر أن الدائن لو أسقط عن المدين بعض دينه، أو وهب الغريم غريمه بعض العين التي في يده جاز ذلك، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، إذ حقيقته أنه أبرأه من بعض الحق وذلك تنازل عن بعض حقه ولا محظور فيه، ويدل على ذلك ما ثبت في الصحيحين عن كعب بن مالك رضي الله عنه: أنه تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم في المسجد، فارتفعت أصواتهما حتى سمعها رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو في بيته، فخرج إليهما رسول الله صلى الله عليه و سلم حتى كشف سجف حجرته ونادى كعب بن مالك فقال: ( يا كعب )، فقال: لبيك يا رسول الله، فأشار إليه بيده أن ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلت يا رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( قم فاقضه ).
قال المصنف: (ما لم يجعل وفاء الباقي شرطا في الهبة والإبراء)
صورة ذلك أن يقول صاحب الحق أصالحك بأن أعطيك نصف ما لي عليك، أو صالحتك على أن أبرأك منه بشرط أن تسددني ما بقي عليك، فالمشهور من مذهب الحنابلة أن مثل هذا لا يجوز، لأنه جعل إبراءه أو هبته عوضا عن إعطاءه ما تبقى عليه، فيكون معاوضا لبعض حقه ببعض، ولا تصح بلفظ الصلح لأن معنى صالحني عن المائة بخمسين أي بعني وذلك غير جائز.

والراية الثانية في مذهب الحنابلة جواز ذلك، وهو المشهور من مذهب الشافعية، واختاره ابن القيم، لعموم: (المسلمون على شروطهم)، وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلح جائز بين المسلمين)، وأيضا قالوا العبرة بالمعاني لا بالألفاظ فمراد كل منهما الهبة أو الإبراء من بعض الحق، سواء كان ذلك بلفظ الصلح أو غيره.

قال المصنف: (أو يمنعه حقه إلا بذلك)

صورة ذلك أن يدعي عليه حقا فيقول المدعى عليه لا أقر لك بهذا الحق الذي لك عندي إلا أن تضع عنه شطره مثلا، فمثل هذا لا يجوز عند جمهور أهل العلم لأنه أكل للمال بالباطل.

قال المصنف: ( أو يضع بعض المؤجل ليعجل له الباقي)

صورة هذه المسألة أن يكون على زيد لعمرو ألف درهم مؤجلة فيصالحه عمرو على أن يسقط عنه خمسمائة بشرط أن يعجل له زيد الباقي، فهذه الصورة غير جائزة عند الجمهور من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، واحتجوا بأنها معاوضة عن المؤجل ببعضه حالا أشبهت الربا، فإن ربا النسيئة حرم لأجل أن فيه شبهة مقابلة المال لأجل، فمن باب أولى ما كان المال فيه حقيقة مقابل الأجل.

وذهب الحنابلة في الرواية الأخرى عن الإمام أحمد إلى جواز مثل ذلك، وهذا القول مروي عن ابن عباس رضي الله عنه، وإبراهيم النخعي , واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، وشيخنا العثيمين، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 3/278): "هذا عكس الربا فإن الربا يتضمن الزيادة في احد العوضين في مقابلة الأجل، وهذا يتضمن براءة ذمته من بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل، فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض الأجل فانتفع به كل واحد منهما، ولم يكن هنا ربا لا حقيقة ولا لغة ولا عرفا، فإن الربا الزيادة وهي منتفية ههنا، والذين حرموا ذلك إنما قاسوه على الربا، ولا يخفى الفرق الواضح بين قوله إما أن تربي وإما أن تقضي، وبين قوله عجل لي وأهب لك مائة، فأين احدهما من الآخر، فلا نص في تحريم ذلك ولا اجماع ولا قياس صحيح"

أمين بن منصور الدعيس
11-03-01 ||, 05:39 AM
هذا الدرس قصير كما ترون لأنه إكمال لما تبقى من مسائل باب الصلح، وحتى نشرع في باب الوكالة في درس مستقل.


الدرس الرابع والعشرون


قال المصنف: (ويجوز اقتضاء الذهب من الورق والورق من الذهب إذا أخذها بسعر يومها وتقابضا في المجلس)

صورة ذلك أن يكون لأحدهما عند الآخر مثلا ألف دينار فيتصالحا على أن يعطيه دراهم أو العكس، فمثل هذه الصورة جائزة عند أكثر أهل العلم إذا توفر فيها شرطان:

الأول: إذا تقابضا في المجلس لأنهما جنسان ربويان فلا بد فيهما من التقابض عند المبادلة دفعا لربا النيسئة.

الثاني: أن يأخذها بسعر يومها فينظر كما تساوي الدنانير من الدراهم أو العكس في يوم التبادل ويعطيه إياها.

يدل على ذلك ما أخرجه ابو داود وغيره من حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت أبيع الإبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله رويدك أسألك إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه وأعطي هذه من هذه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء).

والحديث مختلف في رفعه، وقد أفاض النووي الكلام فيه في المجموع، وحسن رفعه، فليراجع.

قال المصنف: (ومن كان له دين على غيره لا يعلمه المدعى عليه فصالحه على شيء جاز)

هذه إشارة من المصنف إلى القسم الثاني من أقسام الصلح وهو الصلح على الإنكار، وصورته أن يدعي المدعي على المدعى عليه حقا فلا يقر به المدعى عليه، ولكن دفعا للخصومة يصالحه عنه بشيء معين، وقد تقدم بسط الكلام فيه، في أول الباب.

قال المصنف: (وإن كان أحدهما يعلم كذب نفسه فالصلح في حقه باطل)

لأن فيه أكلا لمال أخيه بالباطل، فالصلح وإن كان في الظاهر صحيحا، لكنه في حق من علم كذب نفسه باطل في الباطن يحاسب به عند الله عز وجل، ويتعلق حق خصمه بذمته، وقد ثبت في الحديث: (الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما)

قال المصنف: (ومن كان له حق على رجل لا يعلمان قدره فاصطلحا عليه جاز)

صورة ذلك أن يكون لزيد على عمر مبلغ من المال وكلاهما مقر بهذا، ولكنهما يجهلان قدر هذا المال، فهنا إذا اصطلحا على شيء معين بينهما جاز، لأن الحق لا يعدوهما، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والحنابلة، واستدل الجمهور بما أخرجه ابو داود من حديث أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما: (استهما وتوخيا الحق، وليحلل أحدكما صاحبه).

ولأن هذا إسقاط حق فصح ولو مجهولا، ولأنه إذا أجزنا الصلح في المعلوم الواضح، فمن باب أولى في المجهول الذي لا بينة عليه والنزاع فيه أشد.

وذهب الشافعية إلى عدم جواز مثل هذا لأنه صلح على مجهول، قالوا والصلح فرع عن البيع فكما لا يصح بيع المجهول فكذلك الصلح عليه، قال ابن قدامة (المغني 4/318): " إن سلمنا كونه بيعا , فإنه يصح في المجهول عند الحاجة بدليل بيع أساسات الحيطان , وطي الآبار , وما مأكوله في جوفه".

والأقرب ما ذهب إليه الجمهور

أمين بن منصور الدعيس
11-03-03 ||, 06:46 AM
الدرس الخامس والعشرون


باب الوكالة

قال المصنف: (وهي جائزة في كل ما تجوز النيابة فيه)

الوكالة بفتح الواو وكسرها اسم مصدر بمعنى التوكيل ، أي التفويض تقول وكلت أمري إلى الله، أي فوضته إليه واكتفيت به ، وتطلق أيضا بمعنى الحفظ، قال تعالى: (حسبنا الله ونعم الوكيل) أي الحفيظ .

وشرعا: تفويض جائز التصرف مثله في الحياة في أمر معلوم تدخله النيابة .

وجائز التصرف هو المكلف الرشيد كما تقدم، وقيدناها بالحياة لنخرج الوصية فإنها توكيل بعد الموت، وعقد الوكالة يكون في المعاملات المالية وغيرها، كالنكاح والطلاق وغيرها.

والوكالة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، فأما الكتاب فقوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) وهذا نوع وكالة .

وأما السنة فما ثبت في البخاري من حديث عروة بن الجعد رضي الله عنه قال: أن النبي صلى الله عليه و سلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.

وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (المغني 5/51): " أجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة . ولأن الحاجة داعية إلى ذلك ; فإنه لا يمكن كل واحد فعل ما يحتاج إليه , فدعت الحاجة إليها".

مسألة: أركان الوكالة هي:

الصيغة : ما تنعقد به الوكالة من الألفاظ أو ما يقوم مقامها.

الموكل : وهو صاحب الحق .

الوكيل : وهو النائب عن صاحب الحق .

الموكل به : وهو الحق الذي يقبل النيابة .

قال المصنف: (إذا كان الموكل والوكيل ممن يصح ذلك منه)

فلا بد في الوكالة أن يكون كل من الموكل والوكيل ممن يصح منهما عقد الوكالة، ويشترط في الموكل لصحة الوكالة منها:

1) أن يكون جائز التصرف، وهو كما تقدم المكلف الرشيد

2) أن يكون ممن يملك فعل ما وكل بـه، سواء كان يملك ذلك بنفسه من جهة أحقية الملك، أو بولاية على غيره كالوصي والولي، قال ابن قدامة (5/51): " وكل من صح تصرفه في شيء بنفسـه وكـان ممـا تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلاً كان أو امرأة ، حراً كان أو عبداً ، مسلماً كـان أو كافرا"ً .

أما الوكيل فيشترط فيه:

1) أن يكون جائز التصرف .

2) أن يكون معلوما معينا غير مجهول.

3) و أن يكون ممن يصح منه مباشرة ما وكِّل به، فلا يجوز على سبيل المثال أن توكل امرأة في تزويج أخرى لأنها لا يصح منها مباشرة مثل ذلك.

قال المصنف: (وهي عقد جائز تبطل بموت كل واحد منهما وفسخه لها وجنونه)

الأصل في عقد الوكالة أنه عقد جائز، وهذا محل إجماع في الجملة بين أهل العلم، فيحق لأي من الطرفين فسخه متى شاء، قال ابن قدامة (المغني 5/71): " الوكالة عقد جائز من الطرفين , فللموكل عزل وكيله متى شاء , وللوكيل عزل نفسه ; لأنه إذن في التصرف , فكان لكل واحد منهما إبطاله , كما لو أذن في أكل طعامه، وتبطل أيضا بموت أحدهما , أيهما كان , وجنونه المطبق . ولا خلاف في هذا كله فيما نعلم"

قال المصنف: (والحجر عليه لسفهه)

فمتى ما حجر على الوكيل أو الموكل لسفه بطل عقد الوكالة، لأن المحجور عليه لسفه لا يملك التصرف، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم في الجملة.

قال المصنف: (وكذلك الشركة، والمساقاة، والمزارعة، والجعالة،والمسابقة)

أي وكذلك الحكم كل عقد جائز كالشركة والمساقاة والمزارعة والجعالة والمسابقة تنفسخ بالموت وبالجنون وبفسخ أحد الطرفين له، وسيأتي الكلام على هذه العقود في مواضعها.

قال المصنف: (وليس للوكيل أن يفعل إلا ما تناوله الإذن لفظاً أو عرفاً)

وهذا محل اتفاق بين أهل العلم لأن الإنسان ممنوع من التصرف في حق غيره وإنما أبيح لوكيله التصرف فيه بإذنه، فيجب اختصاص تصرفه فيما تناوله إذنه إما لفظا كأن يقول بع ثوبي بعشرة، فهذا إذن لفظي فليس له أن يبيعه بدون العشرة بحال، وإما عرفا كأن يقول بع لي بيتي وكان العرف يقتضي عند الناس أنه إذا قال مثل هذا لم يشمل البيع الأثاث في البيت فليس له أن يبيع الأثاث.

قال المصنف: (وليس له توكيل غيره)

فليس للوكيل أن يوكل غيره، وهذا معنى متفق عليه في الجملة بين فقهاء المذاهب الأربعة، وهنا سأكتفي بنقل كلام صاحب العدة فقد أحسن التقسيم، وكفانا مؤنته، قال رحمه الله (العدة شرح العمدة 1/246): الوكيل يخلو من ثلاثة أحوال :

أحدها: أن ينهاه الموكل عن التوكيل فلا يجوز له ذلك رواية واحدة لأن ما نهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجز له كما لو لم يوكله.

الثاني: أذن له في التوكيل فيجوز له رواية واحدة؛ لأنه عقد أذن له فيه، فكان له ذلك كما لو أذن له في البيع، ولا نعلم في هذين خلافا.

الثالث: أطلق الوكالة فلا يخلو من ثلاثة أحوال :

أحدها: أن يكون العمل مما يرتفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة، فإنه يجوز له التوكيل فيها؛ لأنها إذا كانت مما لا يفعله الوكيل بنفسه عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة به فيه.

الحال الثاني: أن يكون عملا لا يرتفع عن مثله إلا أنه عمل كثير لا يقدر الوكيل على فعله جميعه؛ فإنه يجوز له التوكيل فيه أيضا لما ذكرنا.

الحال الثالث: أن يكون مما لا يرتفع عنه الوكيل ويمكنه عمله بنفسه فليس له أن يوكل فيه؛ لأنه لم يأذن له في التوكيل، ولا تضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه عنه، ولأنه استئمان فإذا استأمنه فيما يمكنه النهوض به لم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة، وعنه له أن يوكل فيه لأن الوكيل يملك التصرف بنفسه فيملكه بنائبه كالملك، وكما لو وكله فيما لا يتولى مثله بنفسه"

والظاهر والعلم عند الله أن الحالة الثالثة الأخيرة التي ذكر المصنف فيها رواية عن أحمد بالجواز يترجح فيها القول بعدم الجواز، وهو اختيار ابن قدامة؛ لأن ظاهر الحال يدل على أن للموكل قصدا معتبرا في توكيله الوكيل بعينه دون غيره، فلا يصار إلى غيره إلا بإذنه، إن قياسه على المالك فيه نظر إذ المالك يتصرف في ملكه كيف شاء أصالة بخلاف الوكيل.

أمين بن منصور الدعيس
11-03-06 ||, 07:09 AM
الدرس السادس والعشرون


قال المصنف: (ولا الشراء من نفسه ولا البيع لها)

فلا يجوز للوكيل أن يشتري من نفسه ولا أن يبيع لها ، وهذا محل اتفاق في الجملة بين المذاهب الأربعة، لأن الوكيل متهم في عدم استقصاء الثمن ومجاملة نفسه، ولأن المتعارف في البيع بيع الرجل على غيره لا على نفسه فتحمل الوكالة عليها.

قال المصنف: (إلا بإذن موكله)

فإن أذن له موكله جاز له البيع والشراء من نفسه، لأن الحق للموكل فمتى ما أذن في ذلك فالأمر إليه، ولأن التهمة حينئذ منتفية، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية والحنابلة.

وذهب الحنفية إلى المنع من ذلك ولو أذن فيه الموكل، وذلك لمضادة مقصود البيع والشراء من شخص واحد، قال ابن قدامة (المغني 5/69): " وقولهم : إنه يتضاد مقصوده في البيع والشراء . قلنا : إن عين الموكل له الثمن , فاشترى به , فقد زال مقصود الاستقصاء , فإنه لا يراد أكثر مما قد حصل , وإن لم يعين له الثمن , تقيد البيع بثمن المثل , كما لو باع الأجنبي".

قال المصنف: (وإن اشترى لإنسان ما لم يأذن له فيه فأجازه جاز وإلا لزم من اشتراه)

أي لو تعدى الوكيل فاشترى للموكل ما لم يأذن له فيه ثم أجازه الموكل جاز ذلك، وإن لم يجزه لزم المشتري، وهذا فرع عن مسألة تصرف الفضولي، ولأهل العلم في هذه المسألة قولان في الجملة: القول الأول: أن تصرفه بيعا أو شراء غير صحيح حتى لو أجازه المالك بعد ذلك، وهذا مذهب الشافعية و الحنابلة في الجملة وإن كانوا يستثنون صورا يجيزون فيها تصرف الفضولي، واستدل اصحاب هذا القول:

ما أخرجه الخمسة من حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه قال : قلت: يا رسول الله يأتيني الرجل فيسألني عن البيع ليس عندي ما أبيعه منه ، ثم أبتاعه من السوق؟ فقال: (لا تبع ما ليس عندك). وبما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن جده أن النبي عليه الصلاة و السلام قال( لا يحل سلف و بيع، و لا شرطان في بيع، ولا بيع ما ليس عندك) أخرجه الخمسة. قالوا وبيع الفضولي من جملة بيع الإنسان ما ليس عنده.

القول الثاني: أن البيع صحيح ومعلق على إجازة المالك، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والمالكية، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وشيخنا العثيمين، واستدلوا بما ثبت في البخاري من حديث عروة بن الجعد البارقي رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه و سلم أعطاه دينارا يشتري له به شاة، فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان لو اشترى التراب لربح فيه.

ثم إن مثل هذا لا ضرر فيه على المالك إما أن يكون له فيه مصلحة ونفع فيكون من باب التعاون على البر والتقوى من جهة أن المشتري اشترى ما يظن فيه مصلحة أخيه، أو لا يكون له فيه مصلحة فلا غرم عليه إذ الأمر معلق بإجازته.

قال المصنف: (والوكيل أمين لا ضمان عليه فيما يتلف إذا لم يتعد)

اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن الوكيل أمين لا ضمان عليه إلا أن يتعدى أو يفرط، لأنه نائب عن المالك في اليد والتصرف , فكان الهلاك في يده كالهلاك في يد المالك , ولأن الوكالة ملاحظ فيها الإرفاق والإعانة فإذا أوجبنا الضمان فيها نفرنا عنها، وتحاشاها الناس.

قال المصنف: (والقول قوله في الرد والتلف ونفي التعدي)

أي أن القول قول الوكيل في رده للمال أو موكل به، أو في تلفه، أو في نفيه للتعدي إذا ما ادعى عليه الموكل أن تعدى أو فرط، ووجه ذلك أن الوكيل أمين، وقد رضيه الموكل ابتداء فالقول قوله، إلا أن يثبت الموكل ما ادعاه ببينة فحيئذ يقبل قوله، وإلا فالأصل قول الوكيل.

وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، فيما إذا كانت الوكالة بغير جعل، أما إن كانت بجعل فالمسألة محل خلاف، بل المشهور من مذهب الحنابلة أنه إن كانت الوكالة بجعل لم يقبل قول الوكيل فيما سبق إلا ببينة.

قال المصنف: (وإذا قضى الدين بغير بينة ضمن إلا أن يقضيه بحضرة موكله)

فلو وكله الموكل في قضاء دين عليه فقضاه ولم يشهد، ثم أنكر صاحب الدين ضمن الوكيل لتفريطه في عدم أخذ البينة على قضاء الدين، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، وإن كان الحنفية يقيدون الضمان في هذه الحالة بما إذا نص الموكل على الإشهاد وأخذ البينة، إما إذا لم ينص على ذلك للوكيل لم يضمن.

قوله: (إلا أن يقضيه بحضرة موكله) فحينئذ لا ضمان على الوكيل، لأن حضور الموكل وعدم طلبة للبينة دليل على رضاه بذلك.

قال المصنف: (ويجوز التوكيل بجعل وبغيره)

تجوز الوكالة بجعل وبغير جعل، فتصح الوكالة مقابل أجر معين، وتصح تبرعا بلا أجر، وجواز ذلك محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، قال ابن قدامة (المغني 5/56): " ويجوز التوكيل بجعل وغير جعل ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكل أنيسا في إقامة الحد , وعروة في شراء شاة , وعمرا وأبا رافع في قبول النكاح بغير جعل، وكان يبعث عماله لقبض الصدقات , ويجعل لهم عمالة، ولهذا قال له ابنا عمه : لو بعثتنا على هذه الصدقات , فنؤدي إليك ما يؤدي الناس , ونصيب ما يصيبه الناس يعنيان العمالة" .

قال المصنف: (فلو قال بع هذا بعشرة فما زاد فلك صح)

هذاهو المشهور من مذهب الحنابلة، وفي الإنصاف (5/403): "قال الإمام أحمد رحمه الله : هل هذا إلا كالمضاربة ؟ واحتج له بقول ابن عباس يعني أنه أجاز ذلك وهو من مفردات المذهب"

وجمهور أهل العلم على المنع من هذه الصورة للجهالة في القدر الزائد على ما حده الموكل.

أمين بن منصور الدعيس
11-03-11 ||, 07:55 PM
الدرس السابع والعشرون


باب الشركة

الشركة بكسر فسكون , كنعمة أو بفتح فكسر , ككلمة - ويجوز مع الفتح أيضا إسكان الراء - اسم مصدر شرك , كعلم : يقال : شرك الرجل الرجل في البيع والميراث يشركه شركا وشركة , خلط نصيبه بنصيبه , أو اختلط نصيباهما ..

واصطلاحا: اجتماع في استحقاق أو تصرف .

والشركة جائزة بالكتاب ، والسنة ، والإجماع ، فأما الكتاب في قوله تعالى: (وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم) والخلطاء هم الشركاء .

وأما من السنة فما ثبت في المسند من حديث السائب بن أبي السائب المخزومي ، أنه كان شريك النبي في أول الإسلام في التجارة ، فلما كان يوم الفتح ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : مرحبا بأخي وشريكي ، لا يداري ولا يماري

وفي الحديث القدسي عند أبي داود من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه –عنه صلى الله عليه وسلم: إن الله يقول : (أنا ثالث الشريكين ، ما لم يخن أحدهما صاحبه ، فإذا خانه خرجت من بينهما).

وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 5/3): "وأجمع المسلمون على جواز الشركة في الجملة، وإنما اختلفوا في أنواع منها".

وقال الكمال ابن الهمام (فتح القدير (6/153): " التعامل بها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم وهلم جرا متصل لا يحتاج فيه إلى إثبات حديث بعينه؛ فلهذا لم يزد المصنف على ادعاء تقريره صلى الله عليه وسلم عليها"

أنواع الشركة:

الشركة على نوعين:

1- شركة أملاك: وهي أن يجتمع إثنان فأكثر في استحقاق مال معين بشراء أو هبة أو إرث أو غير ذلك، فيكون كل واحد منهما مختصا في نصيبة ليس للآخر التصرف فيه، كما لو كانا شركاء في دار، أو في منفعة عبد ونحوه.

2- شركة عقود: وهي أن يجتمع إثنان فأكثر في تصرف من بيع أو عمل، وهي المقصودة هنا من كلام المصنف.

الشريكان يشترط فيهما:

1- أن يكونا جائزي التصرف.

2- وأن يكونا من أهل التوكيل والتوكل ، لأن كل واحد من الشريكين ينفذ تصرفه في حصته بحكم الأصالة وفي حصة شريكه بحكم الوكالة .


قال المصنف: (وهي على أربعة أضرب)

أي شركة العقود على أربعة أضرب.

قال المصنف: (شركة العنان)

العنان بكسر العين من عنان الفرس وسميت بذلك من جهة أن الشريكين يتساويان في المال والتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فتكون أعنتهما سواء، وجواز شركة العنان محل إجماع بين أهل العلم، قال ابن قدامة (5/10): " وهي جائزة بالإجماع ، ذكره ابن المنذر وإنما اختلف في بعض شروطها".

قال المصنف: (وهي أن يشتركا بماليهما وبدنيهما)

فيشترك كل واحد منهما بماله وبعمله، فينفذ تصرف كل واحد منهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه.

قال المصنف: ( وشركة الوجوه: وهي أن يشتركا فيما يشتريان بجاهيهما)

سميت شركة الوجوه لأنهما يشتركان بلا مال وإنما في ربح ما يشتريان في ذممهما بجاههما ، وثقة التجار بهما، فمبنى شراكتهما على ما يشتريان بثمن مؤجل بما لهما من جاه عند الناس، وهذا النوع من الشركة يقول بمشروعيته الحنفية والحنابلة، خلافا للشافعية والمالكية، ومن قال بالجواز استدل بالبراءة الأصلية، وبأن الحاجة داعية إليها عند تعذر رأس المال.

وفي شركة الوجوه يكون كل واحد منهما وكيلا عن صاحبه في التصرف، وفي نفس الوقت كفيلا وضمينا له فيما يشتري في ذمته، والملك بينهما يكون على ما شرطاه أثلاثا أو أرباعا أو غير ذلك، ولو زاد نصيب أحدهما عن الاخر، ولا يشتطر لصحتها عند القائلين بها ذكر جنس ما يشتريانه ، ولا قدره ولا وقت الشركة فلو قال أحدهما للآخر : كل ما اشتريت من شيء فبيننا وقال له آخر : كذلك صح العقد.

قال المصنف: (والمضاربة: وهي أن يدفع أحدهما إلى الآخر مالاً يتجر فيه ويشتركان في ربحه)

المضاربة لغة: مأخوذة من الضرب في الأرض ، وهو السفر للتجارة ، قال تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله)، وهذه تسمية أهل العراق، وهي التسمية الجارية في كتب الحنفية والحنابلة، وأما أهل الحجاز فيسمونها القراض او المقارضة، وهي التسمية الجارية في كتب المالكية والشافعية، من القرض وهو القطع لأن رب المال اقتطع من ماله جزءً للعامل.

ومشروعية المضاربة محل إجماع بين أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 5/16): " أجمع أهل العلم على جواز المضاربة في الجملة . ذكره ابن المنذر".

قال المصنف: (وشركة الأبدان: وهي أن يشتركا فيما يكسبان بأبدانهما من المباح إما بصناعة أو احتشاش أو اصطياد كما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (اشتركت أنا وسعد وعمار يوم بدر، فجاء سعد بأسيرين ولم آت أنا وعمار بشيء)

جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية والحنابلة على جواز شركة الأبدان، ، واستدلوا بما ذكره المصنف رحمه الله من حديث عبد الله بن مسعود المروي في سنن أبي داود وغيره، في صريح في جواز مثل هذه الصورة من الشراكة، ولكن الحديث متكلم ، وضعفه الألباني.

كما استدلوا بالبراءة الأصلية وأن الأصل في المعاملات الإباحة حتى يثبت المنع، وذهب الشافعية إلى المنع من شركة الأبدان، معللين ذلك بأنها شركة على غير مال، ولأن الغرر فيها حاصل بحيث قد يعمل أحدهما ويحصل شيئا والأخر يعمل ولا يحصل شيئا

قال المصنف: (والربح في جميع ذلك على ما شرطاه)

فما اتفق عليه الشريكان من نسبة للأرباح عمل بها في جميع ما تقدم من شركة وجوه أو مضاربة أو أبدان أو عنان، وسواء كانت نسبة الربح موافقة لرأس المال أو أكثر، فلا مانع عند الحنابلة من أن تكون نسبة ربح أحد الشريكين أكثر من نسبة رأس ماله، فلا تلازم بين رأس المال والربح وإنما هو على ما اتفقا، واستدلوا لذلك بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (المسلمون على شروطهم)، ولأن الحق لا يعدوهما، وجمهور أهل من المالكية والشافعية والحنفية في الجملة على أن الربح يكون على قدر المالين ، ومحل الخلاف المتقدم فيما عدا المضاربة فقد قام الإجماع على أن الربح فيهما لا يكون على قدر المالين.

قال المصنف: (والوضيعة على قدر المال)

قال ابن قدامة (المغني 5/22) : " يعني الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله , فإن كان مالهما متساويا في القدر , فالخسران بينهما نصفين , وإن كان أثلاثا , فالوضيعة أثلاثا . لا نعلم في هذا خلافا بين أهل العلم....والوضيعة في المضاربة على المال خاصة , ليس على العامل منها شيء ; لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال , وهو مختص بملك ربه , لا شيء للعامل فيه , فيكون نقصه من ماله دون غيره ; وإنما يشتركان فيما يحصل من النماء".

قال المصنف: (ولا يجوز أن يُجعل لأحدهما دراهم معينة ولا ربح شيء معين)

ما ذكره المصنف هنا محل إجماع بين اهل العلم فلا يجوز في الشراكة أن يحدد أحد الشريكين للآخر مبلغا معينا كربح، أو يشترط حصة مشاعة كالنصف بالإضافة لمبلغ مقطوع كأن يقول لي نصف الربح وعشرة دراهم، وكذلك لو اشترط ربح شيء معين كأن يكونا شريكين في عقارين فيقول لي ربح أحد العقارين، أو ربح إحدى السيارتين.

قال ابن قدامة (5/23): "قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا شرط أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة".

ومستند هذا الإجماع ما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قـال : كنـا أكثر الأنصار حقلاً ، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه ، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه ، فنهانا عن ذلك ، وأما الورق فلم ينهنا.

ثم إن شرط مثل هذا قد يصير الربح كله لأحد الشريكين دون الآخر، أو يصير ربحا كثيرا فاحشا لأحدهما، وللآخر ربحا قليلا يجحف بحقه.

مسألة: مما تقدم يعلم أن ماتقوم به بعض البنوك في حساباتها الاستثمارية من ضمان ربح محدد ليس من قبيل المضاربة في شيء، وإنما هو في الحقيقة من سبيل القرض بفائدة، إذ رأس المال والربح مضمونان للمساهم.

قال المصنف: (والحكم في المساقاة والمزارعة كذلك)

أي كذلك من جهة الربح والخسارة فلا يجوز أن يحدد فيها ربحا معينا غير مشاع، وتكون الوضيعة فيها على قدر المال، وسيأتي الكلام على المساقاة والمزارعة في بابهما.

قال المصنف: (وتجبر الوضيعة من الربح)

أي أن الوضيعة وهي الخسارة تحسم من الربح ولا يتعرض لرأس المال إلا إذا لم يبق من الربح شيء تجبر به الخسارة، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 5/33): " ومتى كان في المال خسران , وربح , جبرت الوضيعة من الربح , سواء كان الخسران والربح في مرة واحدة , أو الخسران في صفقة والربح في أخرى , أو أحدهما في سفرة والآخر في أخرى ; لأن معنى الربح هو الفاضل عن رأس المال , وما لم يفضل فليس بربح . ولا نعلم في هذا خلافا".

قال المصنف: (وليس لأحدهما البيع بنسيئة ولا أخذ شيء من الربح إلا بإذن الآخر)

وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، ووجه ذلك أن الأصل في الشراكة أنه ليس لأحد الشريكين التصرف في مال الشركة تصرفا يضر بالآخر إلا بإذنه، ومعلوم أن البيع نسيئة قد يضر بالشريك، ثم إن الأصل في البيوع عدم الأجل، فلزمه أن يستأذن شريكه.

وكذلك أخذ شيء من الربح فيه مضرة بالشريك إلا أن يأذن له فيه.

أمين بن منصور الدعيس
11-03-15 ||, 05:37 AM
الإخوة الكرام في الملتقى بما أننا أنهينا تقريبا مدارسة نصف كتاب البيوع تقريبا، فآمل من الإخوة إبداء رأيهم هل الطريقة التي جرينا عليها في السبعة وعشرين درسا السابقة مناسبة وتحصل بها الفائدة، وماهي الملاحظات عليها حتى يمكن تداركها إن أمكن، وإن كان هناك اقتراح لطريقة جديدة في عرض الدروس، ولكم جزيل الشكر.

أم طارق
11-03-15 ||, 07:09 AM
بارك الله فيكم ونفعنا بعلمكم
الطريقة ممتازة
وأقترح عليكم - إن لم يكن هناك مشقة- تلوين العناوين والأدلة القرآنية بألوان مختلفة حتى تصبح أسهل في القراءة والانتقال من نقطة لأخرى
وبعد انتهائكم - لو تكرمتم -يمكنك عمل فهرس للموضوعات في مشاركة واحدة فتذكروا اسم الباب أو الفصل والرابط حتى يسهل على الباحث الوصول إلى المبحث الذي يريد
وجزاكم الله خيرا

سلوى
11-03-15 ||, 08:34 AM
بارك الله فيكم أستاذنا الفاضل وأثابكم خيراً
وأسأل الله أن ينفعنا منكم العلم النافع
متابعة

أمين بن منصور الدعيس
11-03-16 ||, 07:25 AM
الدرس الثامن والعشرون

باب المساقاة والمزارعة


المساقاة هي: دفع شجر له ثمرة مأكولة إلى من يقوم بسقيه ويعمل على مصلحته بجزء مشاع معلوم من الثمرة .

المزارعة هي: دفع أرض وحب لمن يزرعه ويقوم عليه بجزء مشاع معلوم منه .

ويدل على مشروعيتها ماثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

وفقهاء المذاهب الأربعة متفقون على جواز المساقاة والمزارعة في الجملة، والخلاف حاصل فيما تكون عليه المزارعة والمساقاة.

قال المصنف: (تجوز المساقاة في كل شجر له ثمر)

هذه هو المشهور من مذهب جمهور أهل العلم وهو أشتراط كون الشجر الذي تكون عليه المساقاة مثمرا، واستدلوا لذلك بما تقدم من حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع.

قال ابن قدامة (المغني 5/227): " وأما ما لا ثمر له من الشجر , كالصفصاف والجوز ونحوهما , أو له ثمر غير مقصود , كالصنوبر والأرز , فلا تجوز المساقاة عليه . وبه قال مالك , والشافعي . ولا نعلم فيه خلافا ; لأنه ليس بمنصوص عليه , ولا في معنى المنصوص , , ولأن المساقاة إنما تكون بجزء من الثمرة , وهذا لا ثمرة له , إلا أن يكون مما يقصد ورقه أو زهره كالتوت والورد , فالقياس يقتضي جواز المساقاة عليه ; لأنه في معنى الثمر , لأنه نماء يتكرر كل عام , ويمكن أخذه والمساقاة عليه بجزء منه , فيثبت له مثل حكمه".

مسألة: خص الشافعية في الجديد من مذهبهم جواز المساقاة بالنخل والكرم دون غيرها، بل حتى المزارعة قالوا لا تصح إلا أن يكون بين النخل بياض فتصح المزارعة عليه مع المساقاة على النخل، بشرط اتحاد العامل، وعسر إفراد النخل بالسقي، واستدلوا لذلك بظاهر حديث ابن عمر وقالوا إنما عاملهم النبي صلى الله عليه وسلم على النخل فقط، وأما العنب فقالوا يقاس على النخل بجامع وجوب الزكاة فيهما وتأتي الخرص فيهما أيضا.

وأجاب الجمهور بأن عموم حديث ابن عمر يدخل فيه كل شجرة لها ثمر، ثم إنه ما من بلد إلا وفيهما من الثمار غير النخل مما تدعوا الحاجة إلى المساقاة فيه، بل حاجة بعض الأشجار إلى المساقاة فوق حاجة النخل، وأيضا هذا الذي جرى عليه عمل الناس من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين إلى الآن، وهذا القول هو القديم من مذهب الشافعي، واختاره النووي.

قال المصنف: (بجزء من ثمره مشاع معلوم ، والمزارعة في الأرض بجزء من الزرع)

فلا بد أ ن تكون المساقاة والمزارعة مقابل جزء مشاع معلوم من الثمرة أو الزرع للعامل فلا يصح أن تكون بجزء معين غير مشاع كأن تكون المساقاة أو المزارعة على آصاع معينة، أو على ثمر نخلات معينة مما حصلت عليه المساقاة، لاحتمال أن لا يحصل شيء فيما عينه له من النخلات، واشتراط أن تكون المساقاة على جزء مشاع معلوم يدل عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه قـال : كنـا أكثر الأنصار حقلاً ، فكنا نكري الأرض على أن لنا هذه ولهم هذه ، فربما أخرجت هذه ولم تخرج هذه ، فنهانا عن ذلك ، وأما الورق فلم ينهنا.

قال المصنف: (سواء كان البذر منهما أو من أحدهما لقول ابن عمر: (عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع وثمر)، وفي لفظ: (على أن يعتملوها من أموالهم))

هذا الذي ذكره المصنف من أنه لا يشترط أن يكون البذر في المزارعة من رب المال، أو من العامل، بل من أيهما كان البذر جاز ذلك، وكذلك لو كان منهما جميعا، وهذا القول رواية في مذهب الإمام أحمد وبها قال المالكية، واستدلوا بما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله عنه في معاملة أهل خيبر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد عنه أن أعطى أهل خيبر البذور، ولا شرط ذلك عليهم، بل ظاهر رواية: (أن يعتملوها من أموالهم) أن البذر كان منهم لا منه صلى الله عليه وسلم، وهذا القول هو اختيار شيخنا العثيمين.

والرواية الثانية في مذهب الحنابلة وهي المشهور من المذهب أن كون البذر من رب الأرض شرط في صحة المزارعة، ووجه ذلك أنهم قاسوا المزارعة على المضاربة، من جهة أنهم جعلوا البذر كأنه رأس المال فلا بد أن يكون من رب المال.

وأجيب عن ذلك بعدم التسليم لأنه لو كان البذر شبيها برأس المال في المضاربة لكان الواجب أن يرجع العامل البذر لرب المال ثم يقتسمان ما يخرج بعد ذلك، ولا قائل به.

قال المصنف: (وعلى العامل ما جرت العادة بعمله)

أي ما جرت العادة بعمله في المساقاة والمزارعة من الحرث والتلقيح السقي وإصلاح طرق الماء والحصاد ونحو ذلك مما يحصل به صلاح الثمر أو الزرع، لأن العامل ملزم بالحفاظ على رأس المال المبذول من رب المال، ومرجع ما يلزم العامل هو ما كان عليه العرف والعادة الجارية بين الناس، وهذا جريا على قاعدة العادة معتبرة.

وهذا القول هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة، وذهب الحنفية إلى التفريق بين ما كان قبل ظهور الثمرة فهو على العامل كالتلقيح والسقي، وما كان بعد ظهور الثمرة كالجذاذ والحفظ فعليهما.

قال المصنف: (ولو دفع إلى رجل دابة يعمل عليها وما حصل بينهما جاز على قياس ذلك)

وهذا القول من مفردات مذهب الحنابلة، واستدلوا بأنها عين تنمى بالعمل عليها ; فصح العقد عليها ببعض نمائها ; كالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة، والمساقاة والمزارعة عقود شركة مستقلة بذاتها فجاز القياس عليها، فعلى هذا القول لو دفع رجل إلى آخر سيارة ليعمل عليها وما نتج بينهما جاز.

وذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية ، والشافعية إلى المنع من ذلك من جهة كون ذلك إجارة بمجهول، والأصل المنع من الإجارة بالمجهول، وأما المساقاة والمزارعة فهي إجارة بمجهول وجاءت الرخصة فيها للحاجة فلا يقاس عليها، ثم إن في هذه المعاملة نوع غرر إذ قد لا يحصل العامل شيئا أو يحصل يسيرا يغبن بقسمته مع مالك السيارة.

أمين بن منصور الدعيس
11-03-19 ||, 07:09 AM
الدرس التاسع والعشرون


باب إحياء الموات
قال المصنف: (وهي الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك)
الإحياء في اللغة جعل الشيء حيا, والموات –بفتح الميم والواو- مشتقة من الموت وعرفها المصنف بأنها الأرض الداثرة التي لا يعرف لها مالك، والمراد بالداثرة أي التى لا يكون فيها أثر لحياة بزرع ونحوه ولا ملك كعمارة وغيرها، فتكون خالية عما يدل على الحياة والملك.
وبعضهم عرفها بأنها: الأرض المنفكة عن الاختصاصات ، وملك معصوم، فلا تدخل تحت ملك أحد وليست من المرافق العامة للمسلمين.
قال المصنف: (فمن أحياها ملكها)
فمتى ما أحيا هذه الأرض ببناء أو زرع ونحوه ملكها، والاتفاق قائم على مشروعية إحياء الموات، وعلى أن من أحيا أرضى ميتة فهي له، قال ابن قدامة (المغني 5/328): "وعامة فقهاء الأمصار على أن الموات يملك بالإحياء , وإن اختلفوا في شروطه"
يدل على ذلك ما ثبت عند الترمذي وغيره من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من أحيا أرضاً ميتة فهي له).
قال المصنف: (وإحياؤها عمارتها بما تتهيأ به لما يراد فيها كالتحويط عليها وسوق الماء إليها إن أرادها للزرع وقلع أشجارها وأحجارها المانعة من غرسها وزرعها)
المصنف هنا ذكر أن إحياء الأرض يكون بعمارتها بما تتهيأ له، فإن كان غرض المحيي الزراعة فيعمرها بسوق الماء وقلع الأشجار ونحوهه، وإن كان يريدها للسكنى فالتحويط عليها والبناء، فعلى كلام المصنف يختلف الإحياء بحسب غرض المحيي من الإحياء، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة، وبها قال الشافعية.
والمشهور من مذهب الحنابلة، والحنفية، والمالكية أن الإحياء لا يختلف باختلاف غرض المحيي بل كل ما يحصل به الإحياء من تحويط أو حفر بئر ونحوها يكون إحياء للأرض ولا يختلف ذلك بغرض المحيي من الأرض، ويدل على ذلك عموم حديث: (من أحيا أرضا ميتة فهي له)، وكذلك ما ثبت عند أبي داود وغيره من حديث جابر مرفوعا: (من أحاط حائطا على أرض فهي له)، وهذا عام سواء أرادها للزرع أو السكنى أو غيره، فعلى هذا يقال ما تعارف الناس عليه بأنه إحياء عمل به، وعليه يختلف الإحياء باختلاف الزمان والمكان.
قال المصنف: (وإن حفر فيها بئراً فوصل إلى الماء ملك حريمه)
جمهور أهل العلم على أن حفر البئر في الموات طريقة من طرق الإحياء للأرض، وإن كانوا يختلفون في بعض الشروط الموجبة لذلك، كما أنهم متفقون على أن البئر في الأرض الموات يكون له حريم، وحريم الشيء ما حوله من حقوقه ومرافقه، سمي بذلك لأنه يحرم على غير مالكه أن يستبد الانتفاع به، ولكن اختلفوا في قدر هذا الحريم الذي يكون للبئر.
قال المصنف: (وهو خمسون ذراعاً من كل جانب إن كانت عادية وحريم البئر البدائي خمسة وعشرون ذراعاً)
البئر العادية هي البئر القديمة التي حفرت ثم طمرها الرمل فأعيد بعد ذلك حفرها، وسميت عادية نسبة لعاد من جهة قدم الزمان لا من جهة أنها منسوبة لقوم عاد حقيقية، والبئر البديء هي التي ابتديء حفرها ولم تكن محفورة من قبل.
وقد اختلف أهل العلم في حريم كل نوع من هما، فالمشهور من مذهب الحنابلة التفريق بين البئر العادية والبئر البديء، فحريم العادية خمسون ذراعا من كل جانب والبديء خمسة وعشرون ذراعا من كل جانب، وهذا من مفردات مذهب الحنابلة، واستدلوا لذلك بما أخرجه الدارقطني من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (حريم البئر البدي خمسة وعشرون ذراعا، وحريم البئر العادية خمسون ذراعا). والصحيح في الحديث ان من مراسيل سعيد بن المسيب وليس مرفوعا.
وذهب الحنفية إلى أن حريم البئر أربعون ذراعا من كل جانب ولم يفرقوا بين العادية والبديء، واستدلوا بما أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حريم البئر أربعون ذراعا من حواليها كلها لأعطان الإبل و الغنم). والحديث حسنه الألباني.
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا تقدير لحريم البئر وإنما مرجع ذلك الحاجة وما جرى عليه العادة والعرف.

أمين بن منصور الدعيس
11-03-20 ||, 08:45 AM
الدرس الثلاثون


باب الجعالة

قال المصنف: (وهي أن يقول من رد لقطتي أو ضالتي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا فمن فعل ذلك استحق الجعل؛ لما روى أبو سعيد أن قوماً لدغ رجل منهم فأتوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: هل فيكم من راق؟ فقالوا: لا حتى تجعلوا لنا شيئا، فجعلوا لهم قطيعا من الغنم، فجعل رجل منهم يقرأ بفاتحة الكتاب ويرقي ويتفل حتى بريء، فأخذوا الغنم، وسألوا عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (وما يدريكم أنها رقية؟ خذوا واضربوا لي معكم بسهم))

الجعالة – بتثليث الجيم – لغة :مأخوذة من الجعل ،وهي ما يعطاه الإنسان على أمر يفعله.

واصطلاحاً هي: أن يجعل جائز التصرف شيئاً معلوماً لمن يعمل له عملاً معلوماً أو مجهولاً مدة معلومة أو مجهولة

ومثال ذلك أن يقول: من أحضر لي ضالتي فله ألف ريال، أو نبى لي حائطا فله ألف ريال، وهكذا.

مشروعية الجعالة:

ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى إباحة عقد الجعالة، واستدلو لذلك بالدليل من الكتاب والسنة والمعقول، فأما الكتاب فقوله تعالى: (ولمن جاء به حمل بعير)، أي لمن جاء بصواع الملك حمل بعير، وقد كان حمل البعير عندهم معلوما، والأصل عند جماعة من أهل العلم أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت في شرعنا ما يمنعه، وحتى عند من لا يقول بمثل هذه القاعدة يكون هذا الدليل مما يستأنس به في الجملة.

وأما السنة فما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه الذي ذكره المصنف، وأيضا ما ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم حنين: (من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه).

وأما من جهة المعقول فقد قال ابن قدامة (المغني 6/20): " ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك , فإن العمل قد يكون مجهولا , كرد الآبق والضالة ونحو ذلك , ولا تنعقد الإجارة فيه , والحاجة داعية إلى ردهما , وقد لا يجد من يتبرع به , فدعت الحاجة إلى إباحة بذل الجعل فيه, مع جهالة العمل ; لأنها غير لازمة , بخلاف الإجارة"

وذهب الحنفية في المشهور من مذهبهم إلى عدم جواز الجعالة في الجملة ، واستدلوا على المنع بأن في الجعالة ترددا بين الوجود والعدم فقد يحصل ما جعلت له الجعالة وقد لا يحصله، ثم إن الجعالة لم توجه إلى معين يقبل العقد فانتفى العقد، فحاصل ما استدلوا به أن عقد الجعالة متضمن للغرر.

ولكن الصواب ما ذهب إليه الجمهور لقوة أدلتهم، وأما الغرر الذي استدلوا به فلا تأثير له لأن الغرر المؤثر هو ما لا تدعوا الحاجة إليه أما ما دعت الحاجة إليه كالجعالة فلا بئس به.

مسألة: عقد الجعالة مفارق لعقد الإجارة من وجوه عدة منها:

الأول : صحة الجعالة على عمل مجهول يعسر ضبطه وتعيينه كرد مال ضائع .

الثاني : صحة الجعالة مع عامل غير معين .

الثالث : كون العامل لا يستحق الجعل إلا بعد تمام العمل .

الرابع : لا يشترط في الجعالة تلفظ العامل بالقبول .

الخامس : الجعالة عقد غير لازم والإجارة لازمة.

مسألة: عقد الجعالة عقد جائز

الأصل في الجعالة أنها عقد جائز ولا خلاف في ذلك في الجملة بين القائلين ، ومن هنا يمكن أن نقول إن فسخ عقد الجعالة لا يخلو من حالين:

1- أن يكون الفسخ من العامل قبل تمام عمله فهنا لا يستحق شيئا لأن الفسخ من قبله ، ولأنه لم يأت بما شُرط الجعل له.

2- أن يكون الفسخ من الجاعل، وهذا لا يخلو من حالين:

الأولى: أن يكون ذلك قبل شروع العامل في العمل فلا يستحق العامل شيئاً ، لأنه لم يؤد شيئا يستحق بموجبه الجعل أو جزء منه.

الثانية: أن يكون بعد شروع العامل في العمل، فاختلف أهل العلم على أقوال: :

الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى جواز الفسخ ولو كان العامل قد شرع في العمل، لأن عقد الجعالة عقد جائز فلمن شاء منهما الفسخ، ويستحق العامل أجرة المثل نظير ما قام به من عمل.

الثاني: ذهب المالكية إلى أن عقد الجعالة يلزم الجاعل بشروع العامل في العمل، لأن في فسخه للجعالة تضييعا لعمل العامل.

الثالث: ذهب بعض أهل العلم وهو اختيار شيخنا العثيمين إلى أن للجاعل فسخ الجعالة في هذه الحالة ، ويكون للعامل نسبة من الجعل بقدر عمله، فلو أنجز خمس العمل كان له خمس الجعالة وهكذا.

قال المصنف: (ولو التقط اللقطة قبل أن يبلغه الجعل لم يستحقه)
وذلك لأن الواجب في اللقطة ردها إلى صاحبها، ولا يجوز أخذ الأجر على واجب.

أمين بن منصور الدعيس
11-03-26 ||, 09:36 AM
الدرس الحادي والثلاثون


باب اللقطة

اللقطة – لغة - بضم اللام وفتح القاف كهُمَزة : الشيء الملتقط أي المأخوذ من الأرض .

وشرعا: مال أو مختص ضل عن ربه .

فأما الحيوان الملتقط فيسمى ضالة .

والأصل في مشروعيتها ما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق ؟ فقال : (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة ، فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك ، فإن جاء طالبها يوما من الدهر فادفعها إليه ، وسأله عن ضالة الإبل ؟ فقال ما لك وما لها ؟ فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها وسأله عن الشاة فقال : خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).

والوكاء : الخيط الذي يشد به المال في الخرقة، والعفاص : الوعاء الذي هي فيه المال .

قال المصنف: (هي على ثلاثة أضرب:

أحدها: ما تقل قيمته فيجوز أخذه والانتفاع به من غير تعريف، لقول جابر: رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به).

ذكر المصنف هنا النوع الأول من أنواع اللقطة وهي اللقطة اليسيرة التافهة التي لا تتبعها همة أوساط الناس، وجواز أخذ هذا النوع من اللقطة والانتفاع به من غير تعريف محل إجماع بين أهل العلم، وإن كانوا يختلفون في قدر اليسير الذي هذا حكمه، قال ابن قدامة (المغني 6/6): " ولا نعلم خلافا بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به".

ويدل على ذلك ما ذكره المصنف من حديث جابر رضي الله عنه الثابت في سنن أبي داود وغيره، كما يدل عليه ما ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم بتمرة في الطريق فقال : (لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها). ولم يذكر تعريفا لها فدل على أن اليسير مثل هذا ينتفع به ولا يعرف.

قال المصنف: (الثاني: الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوها فلا يجوز أخذها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال: (مالك ولها ؟ دعها معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتى يأتيها ربها))

ذكر المصنف هنا النوع الثاني من أنواع اللقطة وهي ضالة الحيوان الذي يمتنع بنفسه من صغار السباع كالإبل والخيل ونحوه مما يمتنع عن صغار السباع، والامتناع يكون بأمور:

‌أ. بكبر الجثة كما في الإبل والبقر والخيل.

ب. بالطيران كالطيور

ج. بالسرعة والعدو كالظباء.

د. بنابها كالفهد والقرد والهر ونحوه.

فمثل هذه الحيوانات لا يخوز التقاطها وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وبه قال الشافعية والمالكية في الجملة، وإن كان لهم تفصيل في جواز التقاطها في القرى دون الصحراء وفي حكم التقاطها في الصحراء للحفظ لا للتملك، وطلبا للاختصار أعرضنا عن هذه التفاصيل، ولكن من حيث الأصل هم لا يجوزون التقاط مثل هذا النوع.

واستدل أصحاب هذا القول بما ذكره المصنف من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه الثابت في الصحيحين، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/365): " وظاهر الحديث العموم، أنه لا يجوز التعرض لها، تترك حتى يجدها ربها، لكن إذا رجعنا إلى أصول الشريعة قلنا: إنه إذا كان يخشى عليها من قطاع الطرق، ففي هذه الحال له أن يأخذها إن لم نقل بالوجوب، ويمكن أن يؤخذ هذا من الحديث، وهو قوله: «حتى يجدها ربها» فإن هذا التعليل يشير إلى أنه إذا كانت في مكان يخشى أن يأخذها قطاع الطرق، فإنه يلتقطها ولا بأس؛ لأنه في هذه الحال يغلب على الظن أن صاحبها لا يجدها ".

وذهب الحنفية في المشهور من مذهبهم إلى أنه يندب التقاط البهيمة الضالة وتعريفها، ولا فرق في ذلك بين ما يمتنع عن صغار السباع وبين ما لا يمتنع، والحديث ظاهر في الرد على ما ذهبوا إليه.

قال المصنف: (ومن أخذ هذا لم يملكه ولزمه ضمانه)

أي أن من اخذ هذا النوع من الضالة لا يملكه بعد تعريفه، ويلزمه ضمانه إن تلف، لأنه غير مأذون له في التقاطه، وكل ما ترتب على غير المأذون فهو مضمون، وبتعديه بالتقاطه لا تكون يده يد أمانة.

قال المصنف: (ولم يبرأ إلا بدفعه إلى نائب الإمام)

فلا يبرأ بإرجاع الضالة إلى مكانها، وإنما بدفعها إلى الإمام أو نائبه لأنهم المسؤلون عن حفظ مثل هذه الضوال، وهذا طبعا فيما إذا لم يكن يعرف صاحب الضالة، أما إن كان يعرفه فلا يبرأ إلى بدفعها إليه.

قال المصنف: (الثالث: ما تكثر قيمته من الأثمان والمتاع والحيوان الذي لا يمتنع من صغار السباع فيجوز أخذه)

هذا هو القسم الثالث من أقسام اللقطه وهو ما له قيمة من أثمان أو متاع أو حيوان لا يمتنع من صغار السباع، وتتعلق به همة أوساط الناس فليس من التافهات التي لا يلتفت لها، فمثل هذا جواز أخذه محل اتفاق بين أهل العلم من حيث الجملة، وهذا طبعا في حق من يأمن نفسه عليها، أما من كان لا يأمن نفسه على اللقظه فيخشى أن يضيعها أو يتملكها بدون تعريف فمحل خلاف بين أهل العلم هل يلتقطها أولا .

ومما يدل على مشروعية اللاتقاط في حق من يأمن نفسه، ما ثبت في الصحيحين من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه، وسأله عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).

مسألة: أيهما افضل في حق من يأمن على نفسه ويقوى على تعريف اللقطة أخذها أو تركها؟

المشهور من مذهب الحنابلة أن الأفضل له تركها؛ " لأن في الالتقاط تعريضا بنفسه لأكل الحرام , وتضييع الواجب من تعريفها , وأداء الأمانة فيها , فترك ذلك أولى , وأسلم".

وذهب الشافعية إلى أن الأفضل له التقاطها، لأن ذلك من البر، ومن القيام بحق الأخوة الإسلامية، وإلى هذا مال شيخنا العثيمين.

أمين بن منصور الدعيس
11-03-30 ||, 08:17 AM
الدرس الثاني والثلاثون


قال المصنف: (ويجب تعريفه حولاً، في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد في أوقات الصلوات)

اتفقت المذاهب الأربعة في الجملة إلى أن اللقطة تعرف سنة كاملة، وهذا في الجملة وإلا فإن الحنفية لهم في المسألة تفصيل فيفرقون بين ما كان قيمته عشرة دراهم فأكثر يعرف سنة، وما دون ذلك يعرف أياما بقدر ما يرى أنه حصل به التعريف.

والقصد أن جمهور أهل العلم على أن اللقطة تعرف سنة كاملة، واستدلوا لذلك بحديث زيد بن خالد المتقدم وفيه: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة).

قال المصنف: (فمتى جاء طالبه فوصفه دفعه إليه بغير بينة)

هذا هو المشهور من مذهب المالكية والحنابلة، وأنه متى ما جاء من يصف اللقطه بصفاتها لزم المتلقط دفع اللقطة إليه سواء غلب على ظنه صدقه أو لم يغلب، واستدلوا بحديث زيد بن خالد الجهني وفيه: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه). فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع اللقطة إليه بمجرد الوصف، ولم يذكر طلب البينة، ولو كانت شرطا لذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن قدامة (المغني 6/14): "ولأن إقامة البينة على اللقطة تتعذر ; لأنها إنما سقطت حال الغفلة والسهو , فتوقيف دفعها منع لوصولها إلى صاحبها أبدا , وهذا يفوت مقصود الالتقاط , ويفضي إلى تضييع أموال الناس , وما هذا سبيله يسقط اعتبار البينة فيه , كالإنفاق على اليتيم".

وذهب الحنفية والشافعية إلى أن الملتقط لا يلزمه رد اللقطة لمن ادعاها بمجرد الوصف، فلا يجبر على دفعها له إلا ببينة، لكن إن غلب على ظنه صدق من الواصف للقطه جاز دفعها إليه ولو بدون بينة، إلا اشتراط البينة مال شيخنا العثيمين، واستدل أصحاب هذا القول بما ثبت عنه صلى الله عليه صلى وسلم: (البينة على المدعي، واليمين على من أنكر).

وأجيب عنه بأن اللقطه هنا لا منكر فيها حتى نطلب البينة، ولا مدعي لها غير من وصفها، ومن جهة أخرى النبي صلى الله عليه وسلم جعل الوصف للقطه في مقام البينة.

قال المصنف: (وإن لم يعرف فهو كسائر ماله، ولا يتصرف فيه حتى يعرف وعاءه ووكاءه وصفته)

أي إن لم يعرف صاحب اللقطة بعد تعريفها سنة كاملة فإنه يتملكها وتصير كسائر ماله ، ولكن بعد أن يحفظ أوصافها ويضبطها، وهذا مذهب جمهور أهل العلم واستدلوا بحديث زيد بن خالد الجهني المرفوع وفيه: (اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة فإن جاء صاحبها وإلا فشأنك بها ).

وذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز تملك اللقطة بعد التعريف والانتفاع بها إلا لمن كان فقيرا فله أن ينتفع بها، واستدلوا بما ثبت عند أبي داود من حديث عن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب فإن وجد صاحبها فليردها عليه وإلا فهو مال الله عزوجل).

وقالوا كل ما أضيف إلى الله فإنما يتملكه من يستحق الصدقة، وأجيب بأن هذه الدعوى لا دليل عليها، فكل ما في الأرض من مخلوقات فإنها تضاف إلى الله خلقا وتملكا، قال تعالى: (وآتوهم من مال الله الذي آتاكم).

قال المصنف: (، فمتى جاء طالبه فوصفه دفع إليه أو مثله إن كان قد هلك)

أي فمتى جاء طالب اللقطة بعد الحول فوصفها للملتقط دفعها إليه إن كانت في يده، وأما إذا كان قد أنفقها وتصرف فيها يدفع مثلها إن كانت مثليه أو قيمتها يوم ملكها إن كانت متقومة.

قال المصنف: (وإن كان حيواناً يحتاج إلى مؤنة، أو شيئاً يخشى تلفه فله أكله قبل التعريف أو بيعه ثم يعرفه ، لما روى زيد بن خالد قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال: (إعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه، وسأله عن الشاة فقال: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب))

أشار المصنف هنا إلى أن اللقطة إن كانت حيوانا يحتاج إلى مؤنة من إطعام وسقاء ونحوه، أو كانت طعاما يخشى تلفه كفاكهة يخشى تلفها ونحوه، فإنه مخير بين أمرين :

الأول: أن يأكل الحيوان أو الطعام ثم يعرفه بعد ذلك، فإن وجد صاحبه ضمنه له.

الثاني: أن يبيعه ثم يعرفه فإن جاء صاحبه دفع له قيمته.

ودليل ذلك ما ذكره من حديث زيد بن خالد الجهني، ووجه الشاهد قوله في الشاة: (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب).

فجعل الشاة له في الحال لأن في إبقائها إضاعة للمال بالإنفاق في علفها وسقيها، وقيس على ذلك ما يخشى تلفه فإنه إذا جاز أكل الشاة التي هي محفوظة بنفسها ولا تفسد فمن باب أولى ما يفسد.

قال المصنف: (وإن هلكت اللقطة في حول التعريف من غير تعد فلا ضمان فيها)

هذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، قال ابن قدامة (المغني 6/14): "لا أعلم في هذا خلافاً" فمتى ما تلفت اللقطة في أثناء الحول بغير تعد ولا تفريط من الملقتط لم يضمنها لأن يده يد أمانة وقد أخذ اللقطة بإذن من الشارع دون تعد منه.

إما إن كان تلفها بعد الحول ضمن على المذهب على كل حال لأنها قد دخلت في ملكه، فأصبحت من ضمانه سواء كان تلفها بتعد منه أو تفريط أو دون ذلك.

وذهب جماعة من اهل العلم إلى أنه لا يضمن إلا بالتعدي والتفريط ولو بعد الحول، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/374): " هذا هو الأقرب؛ لأن الرجل دخلت في ملكه قهراً عليه بغير اختياره، فهي في الحقيقة كأنها ما زالت في ملك صاحبها إذا كان لا يريده".

أسامه يحيى هاشم
11-04-01 ||, 10:47 PM
بارك الله فيك أخي أمين على جهودك ...
وزادك علماً وشرفاً .

أمين بن منصور الدعيس
11-04-04 ||, 07:22 AM
الدرس الثالث والثلاثون
فصل في اللقيط

قال المصنف: (هو الطفل المنبوذ)
اللقيط فعيل بمعنى مفعول كجريح بمعنى مجروح، وفي الاصطلاح عند الحنابلة: هو طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ أو ضل .
والنبذ عادة يكون في الصغير الذي لا يستطيع المشي كالأطفال في المهد، وأما الضال فيكون فيمن هو أكبر من ذلك، فالمذهب أن اللقيط يشمل المنبوذ والضال، وذهب شيخنا العثيمين إلى أن الضال لا يكون لقيطا وإنما الواجب تعريفه، قال رحمه الله (الشرح الممتع 10/384): "قوله: «أو ضل» أي: أو ضاع، وهذا في الحقيقة فيه نظر ظاهر، فإذا علمنا أن هذا الطفل له خمس سنوات أو ست سنوات وقد ضاع عن أهله، وهو الآن يصيح يبحث عنهم، فهل يمكن أن نقول: إن هذا لقيط يأخذه الإنسان ويجعله عنده؟ لا، هذا يشبه اللقطة، بمعنى أنه يجب أن يبحث عن أهله، وهذا يقع كثيراً في مواسم الحج والعمرة...وظاهر كلام المؤلف: أن من وجده أخذه على أنه لقيط، ولكن هذا فيه نظر ظاهر، فالصواب إذاً أن اللقيط طفل لا يعرف نسبه ولا رقه نبذ فقط، ولا نقول: أو ضل، بل نقول: إن الضال يُبحث عن أهله. "
وجمهور أهل العلم على أن التقاط اللقيط واجب على الكفاية، لأنه من التعاون على البر والتقوى الداخل في قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)، ثم إ ن فيه حفظا له وإحياء لنفسه كإطعام المضطر، وإعانة الغريق.
وذهب الحنفية إلى أنه مندوب ما لم يغلب على ظنه هلاكه لو لم يرفعه ففرض كفاية.
قال المصنف: (وهو محكوم بحريته)
أي أن الأصل في اللقيط أنه حر يحكم بحريته وهذا قول عامة أهل العلم إلا النخعي، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه قائلا (المغني 6/35): " أجمع عوام أهل العلم على أن اللقيط حر"
ومستند ذلك أن الأصل في الآدميين الحرية , فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا , وأما الرق فهو أمر عارض، فمتى ما لم يوجد معارض للحرية فإنها هي الأصل.
قال المصنف: (وإسلامه)
أي أن اللقيط يحكم بإسلامه، وهذه المسألة على أقسام:
أولا: أن يوجد اللقيط في دار الإسلام فهذه الصورة اتفق أهل العلم في الجملة على أنه يحكم بإسلام اللقيط، ولو كان فيها أهل ذمة تغليبا للدار، واستثنوا ما لو كانت الدار دار إسلام ولكن لا مسلم فيها وكل من فيها أهل ذمة فقالوا لا يحكم بإسلامه.
ثانيا: أن يوجد اللقيط في دار كفر فلا يخلو من حالين:
1- أن لا يكون في هذه الدار مسلم، فيحكم بكفره.
2- أن يكون في هذه الدار مسلم كالأسير والرقيق والتاجر ونحوه فالمشهور من مذهب الحنابلة أن يحكم بكفره تغليبا للدار، وذهب الشافعية إلى أنه يحكم بإسلامه تغليبا لجانب الإسلام ولأن الإسلام يعلو ولا يعلى عليه.
3- أن يكون في هذه الدار مسلمون كثر ولكن لا زالت الدار دار كفر فهنا المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة أنه يحكم بإسلامه.
قال المصنف: (وما وجد عنده من المال فهو له)
فمتى ما وجد مع اللقيط مال في فراشه أو ثيابه ونحوه فهو للقيط، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأنه حر يملك وله يد صحيحة، ويرث ويورث كالبالغ.
قال المصنف: (وولايته لملتقطه إذا كان مسلماً)
أي أن ولاية اللقيط والقيام عليه يكون للملتقط بشرط أن يكون مسلما، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، ويدل على ذلك ما أخرجه مالك في الموطأ عن ابن شهاب عن سنين أبي جميلة رجل من بني سليم : أنه وجد منبوذا في زمان عمر بن الخطاب قال : فجئت به إلى عمر بن الخطاب فقال : ما حملك على اخذ هذه النسمة فقال : وجدتها ضائعة فأخذتها فقال له عريفه : يا أمير المؤمنين إنه رجل صالح فقال له عمر : اكذلك ؟ قال : نعم فقال عمر بن الخطاب : إذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته.
قال الألباني: وهذا إسناد صحيح.
قال المصنف: (عدلا)
فلا بد أن يكون الملتقط عدلا حتى يقر اللقيط في يده لأنه هو الذي يؤتمن على حفظ اللقيط، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعية، والحنابلة، ولم يشترط الحنفية والمالكية عدالة الملتقط.
قال المصنف: (ونفقته في بيت المال إن لم يكن معه ما ينفق عليه)
وهذا محل إجماع بين أهل العلم، فلا تجب نفقة اللقيط على الملتقط، قال ابن المنذر (المغني 6/37): "أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم , على أن نفقة اللقيط غير واجبة على الملتقط" ، ويدل على هذا الإجماع حديث عمر المتقدم.
قال المصنف: (وما خلفه فهو فيء)
أي ما خلف اللقيط من مال ولا وارث له يكون فيئا لبيت المال، لأن أسباب الميراث إما نسب أو نكاح أو ولاء ولا شيء منها في الملتقط فلا يرثه، وهذا مذهب عامة أهل العلم.
وذهب جماعة من اهل العلم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا العثيمين إلى أن اللقيط إن لم يخلف وارثا فميراثه لملتقطه، واستدلوا بما أخرجه ابو داود في سننه من حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المرأة تحرز ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عنه).
والحديث ضعفه الألباني.
قال المصنف: (ومن ادعى نسبه ألحق به)
أي أن من ادعى نسب اللقيط ولا منازع له في ذلك ألحق به بلا بينة، وهذا قول جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة، لأن في ذلك نفعا محضا للطفل من جهة اتصال نسبه، ولا مضرة فيه على غيره, ثم إن الشارع يتشوف لإلحاق النسب.
وذهب المالكية في المشهور من مذهبهم إلى أنه لا يلحق بمدعي نسبه إلا ببينة.
قال المصنف: (إلا إن كان كافراً ألحق به نسباً لا ديناً)
فإن ادعى نسب اللقيط كافر ألحق به عند جمهور أهل العلم في النسب للمنفعة المحضة له بثبوت النسب، وتشوف الشارع لذلك، وعدم المنازع، أما من جهة الدين فلا يلحق به لأنه محكوم بإسلامه، ولا حاجة لإثبات رقه أو كفره.
وهذا فيما إذا لم يقم بينة على أنه ولده فإن أقام البينة على أنه ولده ولد على فراشه لحق به في النسب والدين عند الجمهور في الجملة.
قال المصنف: (ولم يسلم إليه)
أي وإن ألحقنا اللقيط بالكافر المدعي لنسبه وأثبتنا له النسب بذلك إلا أن ذلك لا يعني أن نسلمه له، فلا يكون له الحق في حضانته لأنه ليس أهلا لكفالة مسلم، ثم إنه لا تؤمن فتنته عن الإسلام، وتكون نفقة اللقيط في بيت المال .

أمين بن منصور الدعيس
11-04-06 ||, 08:45 AM
الدرس الرابع والثلاثون

باب السبق


السبْق والسباق لغة : مصدر سابق إلى الشيء سبقه وسباقا , أسرع إليه . والسبق : التقدم في الجري , وفي كل شيء , تقول : له في كل أمر سبقة , وسابقة , وسبق . وله سابقة في هذا الأمر : إذا سبق الناس إليه . يقال : تسابقوا إلى كذا واستبقوا إليه . والسبَق - بالتحريك - : ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل وفي النضال فمن سبق أخذه.

مشروعية السبق:

السبق جائز بالسنة والإجماع، أما السنة فما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع ، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. قال موسى بن عقبة : من الحفياء إلى ثنية الوداع ستة أميال أو سبعة أميال .

وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 9/368): "أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة".

قال المصنف: (تجوز المسابقة بغير جعل في الأشياء كلها)

المسابقة على قسمين إما أن تكون على عوض أو بغير عوض، وهنا المصنف ذكر القسم الأول وهو ما كان على غير عوض وهذه تجوز في كل أمر مباح كالمسابقة على الأقدام أو السفن أو الرمي أو الكرة أو غيرها، يدل على ذلك ما ثبت في سنن أبي داود عن عائشة رضي الله عنها : أنها كانت مع النبي صلى الله عليه و سلم في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: (هذه بتلك السبقة).

وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صارع ركانة فصرعه.

وفي صحيح مسلم سابق سلمة بن الأكوع في يوم ذي قرد رجلا من الأنصار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم .

قال المصنف: (ولا تجوز بجعل إلا في الخيل والإبل والرمي، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر))

شرع المصنف في الكلام على القسم الثاني من أقسام المسابقة وهو ما إذا كانت المسابقة بعوض، وهذا القسم متفق على جوازه من حيث الأصل، وإنما الخلاف فيما تجوز فيه المسابقة بعوض وما لا تجوز فيه، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم:

القول الأول: ذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إلى أنه لا تجوز المسابقة بعوض إلا في النصل والخف والحافر ، قال في المغني (9/369) : "المراد بالنصل هنا : السهم ذو النصل ، وبالحافر : الفرس ، وبالخف : البعير . عبر عن كل واحد منها بجزء منه يختص به".

واستدلوا بما أخرجه أهل السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: (لا سبق إلا في نصل، أو خف ، أو حافر).

ولأن هذه الثلاثة مما يحتاج إليه في الجهاد فحث على المسابقة فيه.

وأضاف الحنفية إلى ذلك المسابقة على الأقدام لما ورد من مسابقة عائشة له صلى الله عليه وسلم، ومن أهل العلم من ألحق بهذه الثلاثة كل ما كان معيناً على الجهاد فجوزوا المسابقة فيه بعوض، كالمصارعة، والرمي بالبنادق ، والدبابات ، والطائرات ، ونحو ذلك .

وألحق شيخ الإسلام ابن تيميه بذلك أيضا المسابقات العلمية ، قياسا على الثلاثة المذكورة في الحديث من جهة أنها من الجهاد فالجهاد كما يكون بالسيف والسنان يكون كذلك بالعلم والبيان، وقد قال تعالى : (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين) فسمى الله مجاهدة المنافقين جهاداً مع أنها تكون بالعلم والبيان.

ويدل على ذلك أيضا أن أبا بكر راهن كفار قريش في انتصار الروم على الفرس ، ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك .

القول الثاني : ذهب بعض أهل العلم إلى جواز المسابقة بعوض في سائر الأمور المباحة من غير تخصيص بالأمور الثلاثة المذكورة في الحديث أو ما شابهها ، وهذا القول قال به بعض المالكية فيما إذا كان العوض من غير المتسابقين، قال الشيخ خالد المصلح في كتابه الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي: "حكى هذا القول في مواهب الجليل (3/393)، وحاشية العدوي على مختصر خليل (3/156) نقلاً عن الزناتي قال: "واختلف فيمن تطوع بإخراج شيء للمتصارعين والمتسابقين على أرجلهما أو على حماريهما أو على غير ذلك مما لم ترد به السنة بالجواز والكراهة".

وقد نقل الدسوقي في حاشيته على الشرح الكبير (2/210)، والصاوي في بلغة السالك (1/787)، قول الزناتي هذا لكنه جعل القولين هما التحريم والكراهة. والذي يظهر أن نقل الدسوقي أقرب إلى الصواب؛ لموافقته المشهور من مذهب المالكية قال في عقد الجواهر الثمينة (1/511-512) عند كلامه على رواية"لا سبَق إلا في خف أو حافر": "ولا يلحق بهما غيرهما بوجه، إلا أن يكون بغير عوض".

وحمل أصحاب هذا القول النهي في الحديث على نفي الكمال أي لا سبق أولى من السبق في هذه الأمور الثلاثة ، ثم إن هذه الصورة ليس فيها محظور الميسر والقمار، من كون المتسابقين دائرين بين الغنم والغرم، فإن العوض من غير المتسابقين، فالمتسابقون دائرون بين المغنم والسلامة.

والحقيقة أن ظواهر الأدلة وقول عامة أهل العلم يؤيد القول الأول، ولكن إن نظرنا إلى واقعنا المعاصر وعموم البلوى بمثل هذه المسابقات فهل يمكن أن نقول بالقول الثاني؟

المسألة عندي مشكلة، ولا أجسر على مخالفة قول عامة أهل العلم، فأنتظر من إخواني في الملتقى الإفادة.

قال المصنف: (فإن كان الجعل من غير المستبقين جاز وهو للسابق منهما)

الجعل المبذول في المسابقة لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون من غير المستبقين، أو من أحدهما، أو من كليهما.

والمصنف هنا ذكر الحالة الأولى وهي فيما إذا كان الجعل من غير المستبقين، وهذا جائز باتفاق الفقهاء في الجملة، ويكون الجعل أو العوض للسابق منهما.

قال المصنف: (وإن كان من أحدهما فسبق المخرج أو جاءا معاً أحرزه ولا شيء له سواه ، وإن سبق الآخر أخذه )

هذه الحالة الثانية وهي فيما إذا كان الجعل من أحد المتسابقين، فمثل هذا أيضا جائز باتفاق الفقهاء، فمتى سبق مخرج العوض أحرز العوض، وإن سبق الآخر أحرزه، وإن تساويا بقي العوض عند المخرج.

قال المصنفك (وإن أخرجا جميعاً لم يجز، إلا أن يُدخلا بينهما محللاً يكافئ فرسه فرسيهما أو بعيره بعيريهما أو رميه رمييهما ؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن من أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار))

هذه هي الحالة الثالثة وهي فيما إذا كان العوض من المتسابقين، وقد اختلف أهل العلم في جوازها على قولين:

القول الأول: عدم جواز ذلك وعليه المذاهب الأربعة، فهو من جملة القمار والميسر المحرم ; لأن كل واحد منهما لا يخلو من أن يغنم أو يغرم .

إلا أن الجمهور من الحنفية، والشافعية، والحنابلة، أجازوا هذه الصورة بشرط وجود المحلل -وهو شخص ثالث لم يدفع شيئا، بل لو كانوا خمسين وكل واحد منهم دفع إلا واحدا يكون هو المحلل- فهنا حكموا بالجواز واستدلوا بما ذكره المصنف من حديث أبي هريرة المخرج في السنن أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من أدخل فرساً بين فرسين وهو لا يأمن من أن يسبق فليس بقمار، ومن أدخل فرساً بين فرسين وقد أمن أن يسبق فهو قمار).

وذهب المالكية إلى أنه حتى مع وجود المحلل لا تجوز مثل هذه الصورة، لاحتمال فوز من دفع العوض فيكون العوض قد رجع إليه.

القول الثاني: جواز هذه الصورة ولو مع عدم وجود المحلل وبها قال ابن القيم ونقل الجواز عن شيخه ابن تيمية ، وضعفوا حديث أبي هريرة ، ولأن ظاهر رهان أبي بكر لكفار قريش يدل على جواز مثل هذا فإنه لم يكن فيه محلل، وكان العوض من الطرفين، وإلى هذا ذهب شيخنا العثيمين.

قال المصنف: (وإن سبق أحدهما أحرز سبقه وأخذ سبق صاحبه)

وهذا محل اتفاق عند القائلين بجواز مثل هذه الصورة.

قال المصنف: (ولا بد من تحديد المسافه وبيان الغاية وقدر الإصابة وصفتها وعدد الرشق وتكون المسابقة في الرمي على الإصابة لا على البعد)

هذا كله محل اتفاق في الجملة، من جهة أن المقصد من المسابقة معرفة الأسبق، ولا يمكن معرفته إلا بتحديد مثل هذه الأمور.

أمين بن منصور الدعيس
11-04-09 ||, 08:34 AM
الدرس الخامس والثلاثون


باب الوديعة

الوديعة فعيلة من ودَع الشيء إذا تركه , إذ هي متروكة عند المودَع , وقيل : مشتقة من الدَّعة , فكأنها عند المودع غير مبتذلة للانتفاع , وقيل من ودَع الشيء إذا سكن , فكأنها ساكنة عند المودَع

واصطلاحاً : تطلق الوديعة على الشيء المودَع ، كما تطلق أيضا على العقد نفسه ، وعلى هذا المعنى الثاني يكون تعريف عقد الوديعة هو: توكيل في الحفظ تبرعا.

والوديعة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)، وقوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته).

وأما السنة فما ثبت عند أبي داود وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (أد الأمانة إلى من ائتمنك ، ولا تخن من خانك). كما يدل عليه ما روي عنه صلى الله عليه وسلم: أنه كانت عنده ودائع فلما أراد الهجرة أودعها عند أم أيمن ، وأمر عليا أن يردها على أهلها. حسنه الألباني.

وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 6/300): " أجمع علماء كل عصر على جواز الإيداع والاستيداع , والعبرة تقتضيها , فإن بالناس إليها حاجة , فإنه يتعذر على جميعهم حفظ أموالهم بأنفسهم , ويحتاجون إلى من يحفظ لهم".

وعقد الوديعة عقد جائز من الطرفين فيحق لأي منهما فسخه دون إذن الآخر

قال المصنف: (وهي أمانة لا ضمان فيها على المودَع ما لم يتعد)

الوديعة أمانة في يد المودَع لا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، واستدلوا لذلك بأن الله سماها أمانة في قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها).، ثم إن المستودع يحفظ الوديعة تبرعا فلو ألزمناه بالضمان لامتنع الناس عن قبول الودائع، وذلك فيه مضرة على الناس لحاجتهم للوديعة.

قال المصنف: (وإن لم يحفظها في حرز مثلها أو مثل الحرز الذي أمر بإحارازها فيه أو تصرف فيها لنفسه أوخلطها بما لا تتميز منه أو أخرجها لينفقها ثم ردها أو جحدها ثم أقر بها أو كسر ختم كيسها أو امتنع من ردها عند طلبها مع إمكانه ضمنها)

جميع هذه الصورة التي ذكرها المصنف مشتركة في كون المستودَع فرط فيها في حفظ الوديعة أو تعدى، فيلزمه الضمان فيها، فالأصل أن المستودَع متى ما تعدى أو فرط ضمن، قال ابن قدامة (المغني 6/300): " فأما إن تعدى المستودع فيها , أو فرط في حفظها , فتلفت , ضمن , بغير خلاف نعلمه ; لأنه متلف لمال غيره , فضمنه , كما لو أتلفه من غير استيداع".

قال المصنف: (وإن قال: ما أودعتني ثم ادعى تلفها أو ردها لم يقبل منه)

الأصل أن القول في ثبوت الوديعة وردها قول المودَع لأنه أمين، وهذه المسألة فرع عن هذا الأصل فإذا قال المودَع للمودِع ما أودعتني قُبل قوله إلا أن تكون بينة للمودِع.

وهنا المصنف ذكر المسألة التالية: لو قال المودع ما أودعتني ثم ادعى التلف أو الرد فهل يقبل قوله في التلف والرد؟

هذه المسألة على المذهب لها حالان:

الأولى: أن يدعي تلفا أو ردا سابقين لجحوده، فيكون مثلا جحدها يوم الخميس ثم ادعى بعد ذلك أنها تلفت يوم الأربعاء أو أنه ردها للمودِع، فالمشهور من مذهب الحنابلة أنه لا يقبل قوله، ولو أقام البينة على الرد أو التلف، لأنه بجحده الوديعة في البداية زال عنه وصف الأمانة فلا يقبل قوله بعد ذلك بالتلف أو الرد، ولأن هذه البينة منافية لما أقر به أولا من جحود العارية، فكيف ينفيها ثم يدعي الرد أو التلف.

وذهب الشافعية والحنفية إلى أنه إن أقام البينة على الرد أو التلف قبل قوله، قالوا لاحتمال أن يكون جحوده الأول نسيانا، وإليه مال شيخنا العثيمين ولكن قال يعزر لكذبه وخيانته.

الثانية: أن يدعي تلفا أو ردا بعد الجحد، فيكون مثلا جحدها يوم الخميس ثم ادعى بعد ذلك أنها تلفت يوم الجمعة، فالمشهور من مذهب الحنابلة أن قوله يقبل ببينة، قالوا لاحتمال حدوث الوديعة بعد الجحد وحينئذ فلا منافاة بين جحوده وبين البينة التي تشهد بالتلف بعد الجحود.

قال المصنف: (وإن قال: مالك عندي شيء ثم ادعى ردها أو تلفها قبل)

وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم لأن دعواه الرد أو التلف هنا لا تنافي قوله: مالك عندي شيء. لجواز أن يكون أودعه، ثم تلفت بغير تفريط أو تعد، أو ردها فلا يكون له عنده شيء حينئذ.

قال المصنف: (والعارية مضمونة وإن لم يتعد فيها المستعير)

أشار المصنف هنا إلى مسألة العارية هل هي مضمونة على المستعير مطلقا فتكون يده يد ضمان، أو يده يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولم يفرد المصنف رحمه الله العارية بباب كامل واكتفى بالإشارة إلى هذه المسألة، وقبل أن نخوض في هذه المسألة نشير إلى بعض المسائل بالنسبة للعارية:

أولا: تعريف العارية

العارية لغة : – بتخفيف الياء وتشديدها – من العري وهو التجرد ، سميت بذلك لتجردها من العوض .

واصطلاحا: إباحة نفع عين تبقى بعد استيفائها-أي المنفعة- ليردها – أي العين- على مالكها .

ثانيا: مشروعية العارية:

والعارية مندوب إليها في حق المعير، ومباحة في حق المستعير، والدليل على ندبيتها الكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: (ويمنعون الماعون)، روي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: العواري . وفسرها ابن مسعود فقال : القدر والميزان والدلو . كما أنها داخلة في عموم قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى).

وأما السنة فما أخرجه الترمذي من حديث أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (العارية مؤداة ، والدين مقضي ، والمنحة مردودة ، والزعيم غارم) .

ومما يدل عليها ايضا ما أخرجه أبو داود وغيره من حديث صفوان بن أمية رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم استعار منه أدرعا يوم حنين ، فقال : أغصبا يا محمد ؟ قال : (بل عارية مضمونة) .

وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (المغني 5/128): " أجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها , ولأنه لما جازت هبة الأعيان , جازت هبة المنافع , ولذلك صحت الوصية بالأعيان والمنافع جميعا"

وعودا على كلام المصنف نقول قد اختلف أهل العلم في العارية هل يد المستعير فيها يد ضمان أو يده يد أمانة على قولين:

القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن يد ا لمستعير يد ضمان مطلقا سواء فرط وتعدى أو لم يفرط ولم يتعد، واستدلوا بما جاء في حديث صفون بن أمية: ( بل عارية مضمونة)، وبما أخرجه ابو داود وغيره من حديث الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه). ثم إنه قبض العين لحظ نفسه ونفعها فيكون ضامنا بخلاف الوديعة فإنما قبضها لحظ صاحبها، وكل من قبض عينا لحظ نفسه ضمن وهذه القاعدة عند الشافعية والحنابلة.

القول الثاني: أن يده يد أمانة فالعارية في يده أمانة لا يضمنها إلا بالتعدي أو التفريط، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والمالكية، واستدلوا بما روي عنه صلى الله عليه وسلم عند البيهقي والدارقطني : (ليس على المستعير غير المغل ، ضمان).

ولكن هذا لا يصح رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم، قال الدارقطني (سنن الدارقطني 3/41): "وإنما يروى عن شريح القاضي غير مرفوع"، وقال البيهقي (سنن البيهقي 6/91): " المحفوظ عن شريح القاضي من قوله" .

كما استدلوا بما جاء في بعض روايات حديث صفوان المتقدم بلفظ: (بل عارية مؤداة)، ثم إن المستعير قبض العارية بإذن المالك فتكون أمانة كالوديعة، وكل من قبض عينا بإذن المالك فيده فيها يد أمانة، وهذه هي القاعدة عند الحنفية، والمالكية، وسواء قبضها بإذنه لحظ نفسه كما في العارية أو حظ صاحبها كما في الوديعة.

وأجابوا عن رواية: (بل عارية مضمونة) على أنها محمولة على ما إذا شرط المعير على المستعير الضمان فحينئذ يكون ضامنا بالشرط لا بأصل عقد العارية.

القول الثالث: اختار شيخنا العثيمين أن المستعير يده يد أمانة حتى لو شرط المعير الضمان لم يضمن المستعير كسائر الأمناء لا يضمنون ولو شرط عليهم الضمان.

أمين بن منصور الدعيس
11-04-13 ||, 08:33 AM
الدرس السادس والثلاثون


كتاب الإجارة

الإجارة في اللغة اسم للأجرة، وهي كراء الأجير وهي بكسر الهمزة , وهو المشهور، وحكي الضم بمعنى المأخوذ وهو عوض العمل , ونقل الفتح أيضا , فهي مثلثة ، والإجارة مشتقة من الأجر وهو العوض ، ومنه سمي الثواب أجراً.

وأما في الاصطلاح فهي: عقد معاوضة على تمليك منفعة بعوض .

مشروعية الإجارة:

الإجارة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب ففي قوله تعالى: (فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن) .وقوله: (ياأبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين) .

وأما السنة فما ثبت عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (قال الله عز وجل : ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة ; رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره)، كما يدل مشروعيتها فعله صلى الله عليه وسلم وتقريره .

وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (5/250): " أجمع أهل العلم في كل عصر وكل مصر على جواز الإجارة , إلا ما يحكى عن عبد الرحمن بن الأصم أنه قال : لا يجوز ذلك ; لأنه غرر . يعني أنه يعقد على منافع لم تخلق وهذا غلط لا يمنع انعقاد الإجماع الذي سبق في الأعصار , وسار في الأمصار , والعبرة أيضا دالة عليها ; فإن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان , فلما جاز العقد على الأعيان , وجب أن تجوز الإجارة على المنافع , ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك , فإنه ليس لكل أحد دار يملكها , ولا يقدر كل مسافر على بعير أو دابة يملكها , ولا يلزم أصحاب الأملاك إسكانهم وحملهم تطوعا , وكذلك أصحاب الصنائع يعملون بأجر , ولا يمكن كل أحد عمل ذلك , ولا يجد متطوعا به , فلا بد من الإجارة لذلك".

أنواع الإجارة:

إجارة أعيان : كتأجير البيوت والسيارات والأمتعة ونحوها.

إجارة أعمال :كاستئجار الخدم وأرباب الصناعات والحرف على أعمال معينة.

قال المصنف: (وهي عقد على المنافع لازم من الطرفين لا يملك أحدهما فسخها)

الإجارة عقد على المنافع لا على الأعيان؛ لأن ما يستوفى بعقد الإجارة هو المنفعة لا العين، والإجارة لازمة من الطرفين المستأجر والمؤجر باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة، فلا يملك أحدهما فسخها إلا برضى الآخر، يدل على ذلك عموم قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود)، ولأنها عقد معاوضة كالبيع فتكون لازمة مثله.

قال المصنف: (ولا تنفسخ بموته)

لا تنفسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين عند جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة، ومن أدلة ذلك ما ساقه البخاري حيث قال في صحيحه: "باب ما إذا استأجر أرضا فمات أحدهما" ثم قال تحت هذا الباب: "وقال ابن سيرين ليس لأهله أن يخرجوه إلى تمام الأجل، وقال الحكم والحسن وإياس بن معاوية تمضى الإجارة إلى أجلها، وقال ابن عمر أعطى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر بالشطر فكان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه و سلم وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددا الإجارة بعد ما قبض النبي صلى الله عليه و سلم"

ثم إن عقد الإجارة عقد لازم فلا يفسخ مع بقاء المعقود عليه وسلامته، وهو هنا المنفعة المستأجرة، ثم إن حق المستأجر في المنفعة وحق المؤجر في عوض الإجارة من الحقوق المعتبرة، فتنتقل إلى الورثة كغيرها من الحقوق.

وذهب الحنفية أن الإجارة تنفسخ بموت أحد المتعاقدين إذا كان قد عقد الإجارة لنفسه، لأن المؤجر بطل ملكه بموته فيبطل عقده، ولأن ورثة المستأجر لا عقد لهم مع المؤجر حتى ينتقل الحق لهم.

والأقرب ما ذهب إليه الجمهور.

قال المصنف: (ولا جنونه)

فلا تنفسخ الإجارة بجنون أحد المتعاقدين، وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.

قال المصنف: (وتنفسخ بتلف العين المعقود عليها أو انقطاع نفعها)

وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، لأنه بتلف العين لا يمكن استيفاء المنفعة المعقود عليها في عقد الإجارة، وكذلك لو انقطع النفع لأنه هو المعقود عليه فبانقطاعه زال المعقود عليه.

قال المصنف: (وللمستأجر فسخها بالعيب قديماً كان أو حادثاً)

أي وللمستأجر فسخ الإجارة إذا وجد في العين المؤجرة عيبا لم يكن يعلمه عند العقد، وسواء كان هذا العيب قديما، أو حادثا، فإن حدث العيب بعد استيفاء جزء من المنفعة انفسخ العقد في الباقي، لأن المنافع في الإجارة لا يحصل قبضها إلا شيئا فشيئا.

وهذا الذي تقدم محل اتفاق بين المذاهب الأربعة في الجملة، قال ابن قدامة (المغني 5/264): " إذا اكترى عينا , فوجد بها عيبا لم يكن علم به , فله فسخ العقد , بغير خلاف نعلمه".

قال المصنف: (ولا تصح إلا على نفع معلوم ، إما بالعرف كسكنى دار، أو بالوصف كخياطة ثوب معين، أو بناء حائط، أو حمل شيء إلى موضع معين، وضبط ذلك بصفاته أو معرفة أجرته)

اتفق أهل العلم على أنه يشترط في الإجارة العلم بالمنفعة، لأنها هي المعقود عليها، ولأن جهالتها مفضية للنزاع والخصومة، فالواجب معرفتها والعلم بها سواء كان ذلك عن طريق العرف، أو الوصف، أو غيره، فالقصد أنه لا بد لصحة عقد الإجارة من أن تكون المنفعة معلومة.

وكذلك يشترط لصحة عقد الإجارة معرفة الأجرة، وهذا كسابقه محل اتقاق بين أهل العلم، لما في جهالته من النزاع والخصومة.

قال المصنف: (وإن وقعت على عين فلا بد من معرفتها)

وهذا أيضا كسابقه محل اتفاق بين المذاهب الأربعة.

قال المصنف: (ومن استأجر شيئاً فله أن يقيم مقامه من يستوفيه بإجارته أو غيرها إذا كان مثله أو دونه)

من استأجر شيئا فله أن يقيم غيره مقامه ليستوفي المنفعة المؤجرة، وسواء كان ذلك بدون أجرة أو بأجرة، لأنه ملك المنفعة فجاز له التصرف فيها، وهذ محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة في الجملة، ولكن شرط ذلك أن يكون الثاني مثل الأول أو دونه في استيفائه للمنفعة، أما إن كان أكثر فلا، مثاله لو أجره شقة للسكنى، فأقام غيره مقامه في الشقة وأعطاه إياها ليجعلها ورشة فمثل هذا لا يصح لأن فيه تعديا على المؤجر وتجاوزا للمنفعة التي وقع العقد عليها.

أم طارق
11-04-14 ||, 12:12 AM
الأستاذ الفاضل أمين
لقد قمت بوضع فهرس للدروس التي تقدمونها في هذا الموضوع
حتى يسهل على القارئ الوصول إلى المبحث الذي يريد بالضغط على عنوانه
وهذا رابط الفهرس
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
فإن كانت عندكم أية ملاحظات أو تعديلات أفيدونا بها
وجزيتم خيراً

أمين بن منصور الدعيس
11-04-15 ||, 01:00 PM
الأخت ام طارق سلمك الله
جهد مبارك، ويعجر اللسان عن التعبير عن عظيم الشكر والامتنان لهذا الاهتمام بهذه المادة المتواضعة، أسأل الله عز وجل أن يجزيك خيرا، وأن يجعل ذلك في ميزان حسناتك.

أمين بن منصور الدعيس
11-04-15 ||, 03:09 PM
الدرس السابع والثلاثون


قال المصنف:( وإن استأجر أرضاً لزرع فله زرع ما هو أقل منه ضرراً)

هذا فرع عما تقدم من جواز أن يقيم مقامه في الإجارة بشرط أن يكون مثله أو دونه، فأشار هنا إلى أن من استأجر أرضا لزرع شيئا فله أن يرزع ما هو أقل منه ضررا، فمثلا من استأجر أرضا لزرع الذرة فله أن يزع بدلا عنها النعناع ونحوه، لكن ليس لمن استأجر أرضا لزارعة النعناع أن يزرع فيها الذرة لأنها أكثر ضررا في الأرض من النعناع.

قال المصنف: (فإن زرع ما هو أكثر منه ضرراً أو يخالف ضررُه ضررَه فعليه أجرة المثل)

هذا الذي ذكره المصنف هنا من لزوم أجرة المثل رواية في مذهب الحنابلة، فمثلا لو استأجر الأرض لزراعة النعناع بمبلغ 100 ريال، فزرع فيها الذرة نقول كم أجرة المثل لزراعة هذه الأرض بالذرة فإن قيل إن أجرة زراعة الذرة 200 نلزمه بدفعها ولا نلتفت للمسمى الذي سمي لزراعتها بالنعناع.

والمذهب أن له المسمى بالإضافة إلى أجرة المثل للزيادة فعلى المثال الأول له 100 ريال وهي المسماه لزراعتها بالنعناع، ثم ينظر القدر الزائد بزراعة الذرة كم أجرة مثله لو زرع ذرة فيكون له أجرة المثل فلو قيل أجرة المثل لهذه الزيادة في الضرر 50 ريالا أعطيها.

قال المصنف: (وإن استأجر إلى موضع فجاوزه أو لحمل شيء فزاد عليه فعليه أجرة المثل للزائد وضمان العين إن تلفت)

لو استأجر دابة ونحوها تحمله إلى موضع معين فجاوز ذلك الموضع فعليه أجرة لمثل للقدر الزائد من المسافة كما أنه يضمن الدابة لو تلفت لأنه معتد بالزيادة على ما تم العقد عليه، فتكون يده يد ضمان بتعديه.

قال المصنف: (وإن تلفت من غير تعد فلا ضمان عليه)

إن تلفت العين المؤجرة بغير تعد ولا تفريط من المستأجر لم يضمن، لأن يدل المستأجر يد أمانة لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط وهذا محل اتفاق بين أهل العلم في إجارة الأعيان، أما إجارة الأعمال فهذه يأتي الكلام عليها في المسألة القادمة.

قال المصنف: ( ولا ضمان على الأجير الذي يؤجر نفسه مدة بعينها فيما يتلف في يده من غير تفريط)

شرع المصنف هنا في الكلام على الضمان بالنسبة لإجارة الأعمال، وأشار إلى الأجير الخاص وأنه لا يضمن، ولا بد أن تعلم أن إجارة الأعمال الأجير فيه على قسمين:

الأول: الأجير الخاص، وهو من يُستأجر على مدة معينة، ويستحق الأجر بتسليم نفسه في المدة، فتكون منافعه في مدة عقد الإجارة مستحقة للمستأجر، كالموظفين في الشركات، أو كمن استأجر عاملا في بناء لمدة شهر مثلا، أو الخادمة تستأجر لمدة معينة، وهذا النوع لا بد فيه من تحديد مدة الإجارة، وليس للأجير الخاص أن يعمل لغير مستأجره إلا بإذنه، ولا يمنع الأجير الخاص من أداء المفروض عليه من صلاة وصوم , بدون إذن المستأجر، واختلف في السنن هل له أن يؤديها أو لا.

والأجير الخاص أمين لا يضمن ما جنت يده خطأ إلا بالتعدي أو التفريط، وهذا محل اتفاق بين أهل العلم.

الثاني: الأجير المشترك هو الذي يقع العقد معه على عمل معين، فيتقبل العمل من أكثر من شخص في وقت واحد، كالخياط الذي يخيط لكل أحد، والمكنيكي الذي يتقبل السيارات ويصلحها من كل أحد ، فلا بد في هذا النوع من بيان نوع العمل ولا يلزم ذكر المدة، وتضمين الأجير المشترك بالتعدي والتفريط محل اتفاق بين أهل العلم، ولكن محل الخلاف فيما تلف بفعله من غير التعدي أو التفريط هل يضمنه أم لا؟

القول الأول: ذهب الشافعية، وهو قول لأبي حنيفة إلى أن يد الإجير المشترك يد أمانة فلا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط لأنه أخذ المال بإذن صاحبه فهو مؤتمن عليه، وهو اختيار شيخنا العثيمين، قال رحمه الله (الشرح الممتع 10/83): "الصحيح أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط".

القول الثاني: ذهب المالكية في قول لهم إلى أن يد الأجير المشترك يد ضمان مطلقا،سواء كان التلف منه أو من غيره ،وسواء تعدى أو فرط أو لم يتعد ولم يفرط ، واستدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم في السنن من حديث سمرة رضي الله عنه: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) ضعفه الألباني ، ولأن الأجير المشترك عادة مظنة الإهمال والتفريط فمن المصلحة تضمينه مطلقا.

القول الثالث: ذهب الحنابلة، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله مطلقا، وكذلك ما كان بفعل غيره وأمكنه دفعه ولم يفعل، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو من غير فعله ولا يمكنه دفعه، واستدلوا بما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهم من أنهم كانوا يضمنون الأجير المشترك، ولأن لأن الأموال والأنفس لا يشترط في ضمانها القصد.

قال المصنف: (ولا على حجام أو ختان أو طبيب إذا عرف منه حذق في الصنعة ولم تجن أيديهم)

قال ابن قدامة (المغني 5/312): "وجملته أن هؤلاء إذا فعلوا ما أمروا به , لم يضمنوا بشرطين :

أحدهما: أن يكونوا ذوي حذق في صناعتهم , ولهم بها بصارة ومعرفة ; لأنه إذا لم يكن كذلك لم يحل له مباشرة القطع , وإذا قطع مع هذا كان فعلا محرما , فيضمن سرايته , كالقطع ابتداء .

الثاني: أن لا تجني أيديهم , فيتجاوزوا ما ينبغي أن يقطع فإذا وجد هذان الشرطان . لم يضمنوا ; لأنهم قطعوا قطعا مأذونا فيه , فلم يضمنوا ; سرايته , كقطع الإمام يد السارق , أو فعل فعلا مباحا مأذونا في فعله , أشبه ما ذكرنا .

فأما إن كان حاذقا وجنت يده , مثل أن تجاوز قطع الختان إلى الحشفة , أو إلى بعضها , أو قطع في غير محل القطع , أو يقطع الطبيب سلعة من إنسان , فيتجاوزها , أو يقطع بآلة كالة يكثر ألمها , أو في وقت لا يصلح القطع فيه , وأشباه هذا , ضمن فيه كله ; لأنه إتلاف لا يختلف ضمانه بالعمد والخطأ , فأشبه إتلاف المال , ولأن هذا فعل محرم , فيضمن سرايته , كالقطع ابتداء وكذلك الحكم في النزاع , والقاطع في القصاص , وقاطع يد السارق . وهذا مذهب الشافعي , وأصحاب الرأي , ولا نعلم فيه خلافا" .

قال المصنف: (ولا على الراعي إذا لم يتعد)

فلا يضمن الراعي ما تلف من الماشية بغير تعد منه أو تفريط، لأنه أمين عليها كالمودع، ولأنها عين قبضها بحكم الإجارة كالعين المستأجرة لا تضمن إلا بالتعدي أو التفريط، قال ابن قدامة (المغني (5/317): "لا نعلم فيه خلافا إلا عن الشعبي".

قال المصنف: (ويضمن القصار والخياط ونحوهما ممن يستقبل العمل ما تلف بعمله دون ما تلف من حرزه)
أشار المصنف هنا إلى الأجير المشترك وذكر أنه يضمن ما تلف بعمله دون ما تلف من حرزه، وهذا هو المشهور من مذهب الحنابلة، وقد تقدم الكلام على الخلاف في تضمينة من عدمه قريبا.

أمين بن منصور الدعيس
11-04-18 ||, 07:41 AM
الدرس الثامن والثلاثون


باب الغصب

قال المصنف: (وهو استيلاء الإنسان على مال غيره بغير حق)

الغصب لغة: هو أخذ الشيء ظلما وقهرا.

واصطلاحا ما ذكره المصنف، والغصب محرم بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، أما الكتاب ففي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم)، وأما السنة ففي مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث جابر المتفق عليه : (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم ، كحرمة يومكم هذا ، في بلدكم هذا في شهركم هذا)، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث سعيد بن زيد المتفق عليه: (من أخذ شبرا من الأرض ظلما , طوقه من سبع أرضين)، وما أخرجه الدارقطني من حديث حنيفة الرقاشي رضي الله عنه مرفوعا: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).

وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة (المغني 5/139): " أجمع المسلمون على تحريم الغصب في الجملة, وإنما اختلفوا في فروع منه"

قال المصنف: (من غصب شيئاً فعليه رده)

من غصب شيئا فالواجب عليه رد بعينه إلى صاحبه إن كانت عينه قائمة موجوده، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل العلم يدل على ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث السائب بن يزيد عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا ، ومن أخذ عصا أخيه فليردها) .

وبما روي عنه صلى الله عليه وسلم عند أبي داود من حديث الحسن ، عن سمرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)

قال المصنف: (وأجرة مثله إن كان له أجرة مدة مقامه في يده)

هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية من أن الغاصب يضمن منفعة المغصوب مدة بقائه في يده، فعلى هذا إن كان المغصوب مما يؤجَّر وتصح إجارته ضمن الغاصب أجرة مثله مدة بقائه في يده، سواء انتفع الغاصب به أو لم ينتفع، وسواء كان المغصوب منه ينتفع من المغصوب قبل الغصب أو لا.

قال المصنف: (وإن نقص فعليه أرش نقصه)

الأرش هو فرق ما بين قيمة العين كاملة وقيمتها ناقصة، فعلى هذا لو كانت قيمة العين المغصوبة قبل غصبها 100 ريال، وبعد غصبها ونقصها تكون قيمتها 50 ريالا، فتتبين أن الغصب أنقصها نصف قيمتها، فحينئذ ننظر كما قيمتها بلا عيب ونقص في السوق يوم ردها فلو كانت قيمتها 200 ريال، نلزمه برد العين وأن يدفع معها 100 ريال.

وموجب تضمينه ذلك أن يد الغاصب يد ضمان مطلقا، وذلك بسبب تعديه بالغصب، وقد ثبت عند أبي داود وغيره من حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ليس لعرق ظالم حق).

قال المصنف: (وإن جنى فأرش جنايته عليه)

وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، فلو كان المغصوب عبدا فجنى هذا العبد جناية حال غصبه، فإن أرش الجناية يضمنه الغاصب، لأن يده يد ضمان مطلقا.

قال المصنف: (سواء جنى على سيده أو أجنبي)

أي أن الغاصب يضمن ما جنى العبد حال غصبه، سواء كانت جنايته على أجنبي أي على غير سيده، أو كانت على سيده، فلو فرض أن الغاصب سلط العبد المغصوب على سيده المغصوب منه فجنى على سيده، ضمن حينئذ الغاصب هذه الجناية، فلا يلتفت إلى كون الجناية على سيد العبد؛ لأن يد الغاصب يد ضمان.

قال المصنف: (وإن جنى عليه أجنبي فلسيده تضمين من شاء منهما)

أي لو جنى غير الغاصب على العبد حال غصبه فلسيده أن يضمن من شاء من الغاصب أو الجاني، فإن ضمن الجاني أرش الجناية لم يرجع الجاني على على الغاصب، وإن ضمن الغاصب أرش الجناية رجع بها على الجاني لأن مستقر الضمان في الجناية على الجاني.

قال المصنف: (وإن زاد المغصوب رده بزيادته سواء كانت متصلة أو منفصلة)

إن زاد المغصوب في فترة الغصب رده الغاصب بزيادته سواء كانت الزيادة متصلة أو منفصلة، وهذا محل اتفاق في الجملة بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأن الزيادة نماء ملك صاحبها، وأما الغاصب فهو متعد ولا يد له عليها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (ليس لعرق ظالم حق).

قال المصنف: (وإن زاد ونقص رده بزيادته وضمن نقصه سواء زاد بفعله أو بغير فعله)

أشار المصنف هنا إلى مسألة ضمان زوائد المغصوب هل يضمنها الغاصب لو تلفت أم لا، مثال ذلك ما لو غصب الغاصب شاة فزادت زيادة متصلة كالسمن أو منفصلة كالولد، ثم هزلت أو هلك الولد هل يضمن الغاصب ذلك هذا النقص أو التلف للزيادة، هذا محل خلاف بين أهل العلم:

الأول: المشهور من مذهب الشافعية والحنابلة أنه يضمن ذلك، لأنها نماء المغصوب فهي منه، ولأنها حصلت في يده فيضمنها بالتلف والنقص كما يضمن أصلها فيده يد ضمان مطلقا، وهو اختيار شيخنا العثيمين.

الثاني: ذهب الحنفية إلى أن ن زوائد المغصوب سواء أكانت متصلة أم منفصلة أمانة في يد الغاصب, لا تضمن إلا بالتعدي , أو بالمنع بعد طلب المالك، واستدلوا بأن حقيقة الغصب أنه إزالة ليد المالك بوضع يد الغاصب على المغصوب، وهذه الزوائد لم تثبت يد المالك عليها أصلا.

أما المالكية فلهم تفصيلات في هذه المسألة وتفاريق أعرضت عنها اختصارا.

قال المصنف: (فلو نجر الخشبة باباً أو عمل الحديد إبراً ردهما بزيادتهما وضمن نقصهما إن نقصا، ولو غصب قطناً فغزله، أو غزلاً فنسجه، أو ثوبا فقصره، أو فصله وخاطه، أو حباً فصار زرعاً، أو نوى فصار شجراً، أو بيضاً فصار فراخاً فكذلك، وإن غصب عبداً فزاد في بدنه أو بتعليمه ثم ذهبت الزيادة رده وقيمة الزيادة)

كل هذه المسائل متفرعة عما تقدم من القول بضمان الغاصب لزوائد المغصوب، وقوله: (أو ثوبا فقصره) يعني أو ثوبا غسله، فقصر الثوب هنا معناه غزله، ومنه سمي القصار الذي يغسل الثياب قصاراً.

قال المصنف: (وإن تلف المغصوب أو تعذر رده فعليه مثله إن كان مكيلاً أو موزوناً وقيمته إن لم يكن كذلك)

لو تلف المغصوب أو تعذر رده لزم رد مثله إن كان مثليا، أو قيمته إن كان متقوما، وهذا المعنى محل اتفاق في الجملة بين فقهاء المذاهب الأربعة، وإن كانوا يختلفون في تحديد المثلي والمتقوم.

والمشهور من مذهب الحنابلة أن المثلي هو كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة، وما عدا ذلك فهو متقوم على المذهب ولو كان له مثيل وشبيه.

واختار شيخنا العثيمين أن المثلي ماله مثيل أو مشابه، ولم لم يكن مكيلا أو موزونا، ويدل هذ القول ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: أهدت بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم طعاما في قصعة فضربت عائشة القصعة بيدها فألقت ما فيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:( طعام بطعام وإناء بإناء).

ومعلوم أن الطعام والإناء ليسا من المكيلات ولا من الموزونات.

قال المصنف: (ثم إن قدر على رده رده وأخذ القيمة)

أي لو أن الغاصب تعذر عليه المثل فإنه يلزمه القيمة، فإن دفع القيمة للمغصوب منه، ثم بعد ذلك تأتى له المثل فإنه يدفعه إلى المغصوب منه ويأخذ القيمة التي دفعها، لأن المالك أخذ القيمة على سبيل العوض عن ملكه فإذا رجع إليه ملكه، ردها كما لو لم يكن أخذ شيئا.

أمين بن منصور الدعيس
11-04-20 ||, 08:06 AM
الدرس التاسع والثلاثون


قال المصنف: (وإن خلط المغصوب بما لا يتميز منه من جنسه فعليه مثله منه)

فلو غصب صاع بر وخلطها الغاصب بصاعي بر عنده مماثلة للصاع المغصوب في الجودة فإنه من المعلوم أنه نصيب كل واحد منهما لا يمكن تمييزه فحينئذ يُلزم الغاصب بمثل ما غصب يخرجه من المخلوط، فنقول له أخرج من الثلاثة آصاع صاعا واحدة، ولا يلزمه أن يخرج الصاع من غير المخلوط، قال الفقهاء لأنه قدر على رد بعض ماله إليه مع رد المثل في الباقي , فلم ينقل إلى بدله في الجميع ; كما لو غصب صاعا فتلف بعضه .

قال المصنف: (وإن خلطه بغير جنسه فعليه مثله من حيث شاء)

من خلط مغصوبا بغير جنسه على وجه لا يتميز لزمه مثل المغصوب من حيث شاء فلا يلزم أن يخرجه من المخلوط، فلو غصب زيت ذرة وخلطه بزيت سمسم لزمه مثل زيت الذرة من حيث شاء ، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة وهو مذهب الشافعية، لأنه تعذر رد عينه فأشبه ما لو أتلفه.

والمشهور من مذهب الحنابلة، أنهما يكونان شركاء بقدر ملكيهما، فينظر فيباع الزيت وينظر كم يقدر نصيب صاحب زيت الذرة ويعطاه، والأقرب والعلم عند الله ما ذكر المصنف، لأن الغاصب متعد ويده يد ضمان وهذا الخلط اشبه ما لو أتلف العين فنلزمه بالمثل، ثم إنه قد يكون للمغصوب غرض في العين المغصوبه لا يحصله بالمال الذي سيعطاه.

مسألة: لو خلط المغصوب بما يتميز كما لو خلط برا مغصوبا بشعير فماذا يلزمه؟

المشهور من مذهب الحنابلة أن الغاصب يلزمه تخليص البر ولو غرم أضعاف قيمته، لأنه متعد وظالم وليس لعرق ظالم حق، قال شيخنا العثمين (الشرح الممتع 10/171): "لو قال الغاصب: الآن أنا خلطت البر بالشعير، والبر الذي خلطته خمسة أصواع، وأنا أعطيك أيها المالك عشرة أصواع، فهل يجبر المالك أو لا؟ يقولون: لا يجبر، بل يقال: خَلِّص البر ولو دفع أكثر من مثله.

وهذا في الحقيقة من جهة قد نقول: إنه قول جيد؛ لأن في ذلك ردعاً للغاصبين، فإذا علم الغاصب أنه سوف يضمن إلى هذا الحد فإنه لا يغصب، وإن نظرنا إلى أن فيه إضراراً، وقد قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: (لا ضرر ولا ضرار) قلنا: هنا يتوجه القول بأن المغصوب منه يجبر على قبول مثل بره الذي غُصِب، ويعد البر الآن كالتالف، وإذا أتلف شخص براً ضمنه بمثله، فالمسألة فيها تردد، وحينئذٍ ننظر في مسألة القضاء والحكم بين الغاصب والمغصوب منه ـ إلى المصلحة، فإذا رأى القاضي أن من المصلحة أن يُلزِم الغاصِبَ بتخليص مال المغصوب منه فليفعل، وإن رأى العكس فلا حرج؛ لأن المضارة في هذا واضحة".

قال المصنف: (وإن غصب أرضاً فغرسها أخذَ بقلع غرسه وردها وأرش نقصها وأجرتها)

فلو غصب الأرض وغرسها لزمه ثلاثة أمور على المشهور من مذهب الحنابلة والشافعية:

الأول: أن يقلع ما غرس إن طلب صاحب الأرض ذلك.

ثانيا: أن يرد مع الأرض أرش نقصها وهو فرق ما بين قمتها سليمة من الغرس والحفر الذي أضر بتربتها وقيمتها بعد ذلك.

ثالثا: أن يدفع أجرة الأرض هذه الفترة، فينظر ما هي أجرة المثل لمن استأجر أرضا مثلها ليغرسها ويدفع ذلك المبلغ.

وظاهر كلام المصنف أنه يجبر على قلع الغرس ولو لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح في هذا الأمر سوى مضارة الغاصب، قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/152): "إذا علمنا أنه ليس له غرض إلا المضارة، وأن صاحب الأرض يريد أن يبنيها على هذه الصفة، أو يريد أن يغرسها بهذا النوع من الشجر، لكن يريد أن يضار بالغاصب ويكلفه، فهنا نمنعه، ونقول: ليس لك أن تجبر الغاصب على إزالة البناء أو الغراس، والدليل:

أولاً: قول النبي صلّى الله عليه وسلّم: (لا ضرر ولا ضرار)، وهذا لا شك أنه أضر صاحبه وأضر بنفسه أيضاً.

ثانياً: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن إضاعة المال ، وهذا فيه إضاعة مال عليهما جميعاً، أما على الغاصب فواضح، وأما على المالك؛ فلأنه يريد أن ينشئ هذا البناء من جديد، وكان البناء أو الغراس موجوداً، فقد أضاع المال، وسيخسر مرة ثانية بإنشائه".

قال المصنف: (وإن زرعها وأخذ الغاصب الزرع ردها وأجرتها)

فلو زرع الغاصب الأرض وحصدها ولم يدر صاحب الأرض الزرع فيها، لزم الغاصب دفع أجرة مثلها، بالإضافة إلى أنه يضمن ما نقص من الأرض بأرشه.

قال المصنف: (وإن أدرك الزرع مالكها قبل حصاده خير بين ذلك وبين أخذ الزرع بقيمته)

لو أدرك صاحب الأرض الزرع قبل أن يحصده الغاصب خير بين أن يترك الزرع للغاصب حتى وقت الحصاد مقابل أن يدفع مثل أجرة الأرض وأرش نقصها، وبين أن يأخذ الزرع من الغاصب بقيمته، فينظر كم قيمت الزرع الآن ويدفعه للغاصب، وهذا الذي ذكره المصنف رواية في المذهب.

والمشهور من مذهب الحنابلة أنه مخير بين أمرين إما أن يترك الزرع للغاصب بأجرته، وإما أن يأخذه بنفقته لا بقيمته، فينظر كم أنفق الغاصب من البذر ومؤنة الغرس والسقي والحرث فيدفع له، وهذا القول هو الأقرب يدل عليه ما ثبت عند أبي داود من حديث رافع بن خديج رضث الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته).

قال المصنف: (وإن غصب جارية فوطئها وأولدها لزمه الحد وردها ورد ولدها ومهر مثلها وأرش نقصها وأجرة مثلها)

من غصب جارية وأولدها لزمه ستة أمور:

الأول: حد الزنا، لأنه وطئها بغير نكاح ولا شبهة نكاح.

الثاني: رد الجارية لأنها ملك للمغصوب منه.

الثالث: رد الولد لأنه نماء ملك غيره، وهو السيد، ولأن الولد للفراش وفراش الجارية هنا السيد، أما الغاصب فهو زان.

الرابع: مهر مثلها سواء كانت مطاوعة له أو كان وطئها مكرهة، قالوا كما لو قطع منها عضوا بإذنها يضمن.

الخامس: أرش نقصها، فينظر كم نقصت بالجماع فلو كانت بكرا ينظر كم فرق ما بين قيمتها بكرا وقيمتها ثيبا فيدفعه.

السادس: أجرة مثلها، فينظر كم أجرة مثلها في مدة الغصب فيدفعها.

قال المصنف: (وإن باعها فوطئها المشتري وهو لا يعلم فعليه مهرها وقيمة ولدها إن أولدها, وأجرة مثلها, ويرجع بذلك كله على الغاصب)

إذا باع الغاصب الجارية فوطئها المشتري وهو لا يعلم كونه مغصوبة لزم المشتري خمسة أمور:

الأول: رد الجارية لأنها ملك للمغصوب منه.

الثاني: مهر مثلها.

الثالث: أرش نقصها.

الرابع: قيمة ولدها إن كان أولدها، لأن الوطء هنا كان بشبهة فالولد حر منسوب للمشتري وليس ولد زنا، ولكن يلزمه قيمة مثله لأنه فوت رقه على السيد.

الخامس: أجرة مثلها مدة بقائها عنده.

ثم يرجع بذلك كله على الغاصب لأنه غره ببيع ما لا يملك.

أمين بن منصور الدعيس
11-04-25 ||, 08:25 AM
الدرس الأربعون


باب الشفعة

قال المصنف: (وهو استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها)

الشفعة في اللغة مُشْتقَّةٌ من الزّيادة لأن الشفيعَ يضم المَبيع إلى ملكه فيشْفَعُه به كأنَّه كان واحداً وِتْرا فصار زَوْجا شَفْعا، والشافعُ هو الجاعلُ الوِتْر شَفعاً.

وفي الاصطلاح ما ذكره المصنف من كونها استحقاق الإنسان انتزاع حصة شريكه من يد مشتريها.

والشفعة مشروعة بالسنة والإجماع، أما السنة فما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق ، فلا شفعة) وفي رواية أخرى عن مسلم: ( قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل شركة لم تقسم أو حائط ، لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك ، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به).

وأما الإجماع فقال ابن قدامة (المغني 5/178): "قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم , فيما بيع من أرض أو دار أو حائط . والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه , وتمكن من بيعه لشريكه , وتخليصه مما كان بصدده من توقع الخلاص والاستخلاص , فالذي يقتضيه حسن العشرة , أن يبيعه منه , ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه , وتخليص شريكه من الضرر , فإذا لم يفعل ذلك , وباعه لأجنبي , سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه . ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم , فإنه قال : لا تثبت الشفعة ; لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك , فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه , لم يبتعه , ويتقاعد الشريك عن الشراء , فيستضر المالك . وهذا ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله"

قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/92): " لما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر : بالقسمة تارة وانفراد كل من الشريكين بنصيبه , وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك ; فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي , وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان ; فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي , ويزول عنه ضرر الشركة , ولا يتضرر البائع ; لأنه يصل إلى حقه من الثمن , وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد " .

أركان الشفعة:

1- الشفيع وهو الشريك الذي له حق الشفعة.

2- المشفوع عليه وهو البائع.

3- المشفوع فيه وهو الشقص .

قال المصنف: (ولا تجب إلا بشروط سبعة: أحدها: البيع، فلا تجب في موهوب، ولا موقوف)

اتفق فقهاء المذاهب الأربعة من حيث الجملة على أن يكون الشقص المشفعوع فيه منتقلا بعوض , وأما المنتقل بغير عوض فلا شفعة فيه، سواء كان الانتقال فيه بغير عوض قهريا كالميراث، أو اختياريا كالصدقة , والوصية , والوقف ، والموهوب, فلو وهب نصيبه لشخص، أو وقف نصيبه فلا شفعة فيه، واستدلوا بأن الأخبار الواردة في الشفعة إنما وردت في البيع، ولأن الشفيع يأخذ بمثل الثمن الذي انتقل به إلى المشتري وهذا لا يتأتى إلا بالبيع.

قال المصنف: (ولا عوض خلع ولا صداق)

هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة والحنفية أنه لا شفعة في عوض الخلع والصداق، فلو خالعت المرأة زوجها بأن دفعت له مقابل الخلع نصيبها من ارض مشتركة بينها وبين غيرها، أو جعل الرجل نصيبه من الشقص صداقا في زواجه لم تثبت الشفعة، لعدم وجود العوض الذي يمكن أن يأخذ الشفيع به لو طالب بالشفعة، فالعوض في الخلع هو الطلاق، وفي الصداق البضع.

وذهب المالكية والشافعية، وهو رواية عن أحمد إلى ثبوت الشفعة في عوض الخلع والصداق قياسا على البيع بجامع أن في كل منهما معاوضة، وعند الشافعية الشفيع الشقص بمهر مثلها سواء زاد عن قيمته أو نقص لأن البضع متقوم وقيمته مهر المثل.

وعلى هذه الرواية عند الحنابلة يأخذ الشقص بقيمته، وهو اختيار شيخنا العثيمين، قال رحمه الله (الشرح الممتع 10/234): "الذي نرى أنه كلما خرج الشقص بالاختيار فإن للشريك أن يأخذ بالشفعة، سواء كان العوض مالياً أو غير مالي، فإن كان العوض مالياً فواضح أنه يأخذه بعوضه، وإن كان غير مالي قُدِّر بقيمته في السوق".

قال المصنف: (الثاني: أن يكون عقاراً أو ما يتصل به من الغراس والبناء)

اتفقت المذاهب الأربعة في المشهور من مذهبها إلى الشفعة لا تثبت إلا في العقار أو ما يتصل به من توابه كالغراس والبناء فلا تثبت في المنقولات، واستدلو لذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث جابر رضي الله عنه قال: (قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم , فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة)، ووقوع الحدود وتصريف الطرق لا يكون في المنقول، وبما أخرجه البيهقي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا شفعة إلا في دار أو عقار) ضعفه الألباني.

كما استدلوا بأن الشفعة مشروعة لرفع الضرر، وهو متحقق وكثير في العقار.

وذهب جماعة من أهل العلم إلى ثبوت الشفعة في المنقولات وهذا القول رواية عن مالك وأحمد، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وهو اختيار شيخنا العثيمين، واستدلوا على ذلك بما رواه البخاري عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم: ( قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم) وهذا العموم متناول للعقار والمنقول، ولا يعترض عليه بما استدل به الجمهور، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/94): " وأما الآثار فقد جاءت بهذا وهذا , ولو قدر عدم صحتها بالشفعة في المنقول فهي لم تنف ذلك , بل نبهت عليه كما ذكرنا"

ثم إن الضرر اللاحق بالشريك في المنقول أكبر وأشد منه في العقار الذي يقبل القسمه، والشارع إنما شرع الشفعة لدفع الضرر ، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/94): " الأصل عدم انتزاع ملك الإنسان منه إلا برضاه لما فيه من الظلم له والإضرار به , فأما ما لا يتضمن ظلما ولا إضرارا بل مصلحة له بإعطائه الثمن فلشريكه دفع ضرر الشركة عنه ; فليس الأصل عدمه , بل هو مقتضى أصول الشريعة , فإن أصول الشريعة توجب المعاوضة للحاجة والمصلحة الراجحة , وإن لم يرض صاحب المال , وترك معاوضته ها هنا لشريكه مع كونه قاصدا للبيع ظلم منه وإضرار بشريكه فلا يمكنه الشارع منه , بل من تأمل مصادر الشريعة ومواردها تبين له أن الشارع لا يمكن هذا الشريك من نقل نصيبه إلى غير شريكه وأن يلحق به من الضرر مثل ما كان عليه أو أزيد منه مع أنه لا مصلحة له في ذلك"

أمين بن منصور الدعيس
11-04-30 ||, 08:29 AM
الدرس الحادي والأربعون


قال المصنف: (أن يكون شقصاً مشاعاً فأما المقسوم المحدود فلا شفعة فيه؛ لقول جابر: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة))

اشترط جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة أن يكون المشفوع فيه شقصا مشاعا غير محدد، مثاله رجلان مشتركان في أرض لكل واحد منهما النصف منها غير محدد ولكنه مشاع في الأرض بدون تحديد لجهة من الأرض لأحدهما والآخرى للآخر، فمثل هذه فيها الشفعة، أما إذا كانت قسمت وحددت بحيث قيل هذه الجهة لفلان وهذه للآخر وحددت معالمها فلا شفعة فيها، وعليه فلا شفعة للجار على جاره لأن القسمة قد حصلت، ومحصل القول في هذه المسألة أن العلماء اختلفوا في الجار هل له أن يشفع في نصيب جاره على أقوال:

القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الشفعة إنما تكون في المشاع الذي لم يقسم فلا شفعة للجار على جاره، واستدلوا بما ذكره المصنف من حديث جابر أنه صلى الله عليه وسلم قالك : (فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة), فإذا كان الشريك لا تثبت له الشفعة عند وقوع الحدود وتصريف الطرق فمن باب أولى الجار الملاصق.

القول الثاني: ذهب الحنفية إلى أن الشفعة تجب لكل شريك في حق من حقوق المبيع سواء كان الشقص مشاعا أو غير مشاع، وللجار الملاصق، واختار هذا القول ابن حزم، واستدلوا بأدلة منها:

1- ما اخرجه ابو داود من حديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بشفعته ينتظر بها إن كان غائبا, إذا كان طريقهما واحدا) .

وأجاب الجمهور بأن في سند الحديث عبد الملك بن أبي سليمان وقد تكلم فيه شعبة وأحمد، بل قال أحمد: هذا حديث منكر.

ومن أهل العلم من صحح الحديث كالترمذي والألباني، وعلى القول بصحته أجيب عنه بأن المراد بالجار في الحديث الشريك، وهو استعمال معروف في لغة العرب، قال ابن القيم (إعلام الموقعين 2/99): «وجه هذا الإطلاق-أي إطلاق الشريك على الجار- المعنى والاستعمال, أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه , فهما جاران حقيقة, وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران , ولذا سميت الزوجة جارة كما قال الأعشى : أجارتنا بيني فإنك طالقة.

فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. وقال حمل بن مالك : كنت بين جارتين لي» (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)

2- كما استدلوا بما رواه البخاري عن أبي رافع رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الجار أحق بسقبه).

قال ابن حجر (فتح الباري 4/438): «والسقب بالسين المهملة وبالصاد أيضا ويجوز فتح القاف وإسكانها القرب والملاصقة.... وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا؛ لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك، والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار على من ليس بمجاور، فعلى هذا فيتعين تأويل قوله أحق بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك» (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)

القول الثالث: ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم إلى أن الشفعة تثبت للجار إذا كانت هناك مرافق أو منافع مشترك بينه وبين جاره كالبئر والطريق المغلق ونحو ذلك ، واستدلوا بما تقدم من حديث جابر: (الجار أحق بشفعة جاره ، ينتظر بها ، وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا)، فمفهومه أنه إن لم يكن طريقهما واحد فلا شفعة، وقالوا هذا المفهوم موافق لمنطوق : ( إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة).

وهذا القول وسط تجتمع به الأقوال.

قال المصنف: (الرابع: أن يكون مما ينقسم فأما ما لا ينقسم كالبئر والحمام ونحوهما فلا شفعة فيه)

هذا هو الشرط الرابع من شروط الشفعة وهو أن يكون المشفوع فيه مما يقسم فما لا ينقسم كالبئر ونحوه لا شفعة فيه، وهذا هو المشهور من مذهب المالكية، والشافعية، والحنابلة، لأن إثبات الشفعة فيما لا ينقسم يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة، وقد يمتنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع، وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها .

ومذهب الحنفية إلى أن الشفعة تثبت في العقار سواء قبل القسمة أم لم يقبلها . واستدلوا على ذلك بعموم حديث جابر قال: (قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة في كل ما لم يقسم)، ولأن الشفعة إنما شرعت لدفع الضرر اللاحق بالشركة والضرر بالشركة فيما لا ينقسم أبلغ من الضرر بالعقار الذي يقبل القسمة، فالنص على الشفعة في ما لم يقسم في الحديث فيه تنبيه على ثبوت الشفعة فيما هو أبلغ ضررا وهو ما لا يقسم.

ثم إنه إذا كانا شريكين في عين من الأعيان , لم يكن دفع ضرر أحدهما بأولى من دفع ضرر الآخر فإذا باع نصيبه كان شريكه أحق به من الأجنبي , إذ في ذلك إزالة ضرره مع عدم تضرر صاحبه , فإنه يصل إلى حقه من الثمن ويصل هذا إلى استبداده بالمبيع فيزول الضرر عنهما جميعا.

قال المصنف: (الخامس: أن يأخذ الشقص كله، فإن طلب بعضه سقطت شفعته)

هذا هو الشرط الخامس من شروط الشفعة وهو أخذ الشقص كله وإلا بطلت الشفعة فلو قال الشريك سأشفع في نصف شقصك الذي تريد بيعه سقطت شفعته فإما أن يأخذه كله أو يتركه كله، وهذا محل اتفاق بين أرباب المذاهب الأربعة، بل حكي فيه الإجماع ، لأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري بتبعيض الصفقة عليه، والضرر لا يدفع بضرر مثله، كما أن القاعدة " ما لا يقبل التبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كله , وإسقاط بعضه كإسقاط كله ".

قال المصنف: (ولو كان له شفيعان فالشفعة بينهما على قدر سهامهما)

فلو كان الشقص بين ثلاثة زيد وخالد وعمرو، لزيد النصف، ولخالد الثلث، ولعمرو السدس. فباع زيد نصيبة فالشعفة تكون على قدر السهام فإذا أراد خالد وعمرو الشفعة دفع خالد قيمة ثلث الشقص وعمرو قيمة السدس.

وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة؛ لأنه حق يستحق بسبب الملك فيسقط على قدره كالأجرة.

وذهب الحنفية ورواية عن أحمد إلى أن الشفعة تكون بقدر رؤوسهما ففي المثال السابق تكون الشفعة بين خالد وعمرو نصفين؛ لأن كل واحد منهما يأخذ الكل لو انفرد فإذا اجتمعوا تساووا .

قال المصنف: (فإن ترك أحدهما شفعته لم يكن للآخر إلا أخذ الكل أو الترك)

فلو كان للبائع شريكان فترك أحدهما الشفعة لزم الآخر أخذ كل الشقص أو تركه، قال ابن قدامة (المغني 5/211): "

إذا كان الشقص بين شفعاء , فترك بعضهم , فليس للباقين إلا أخذ الجميع أو ترك الجميع , وليس لهم أخذ البعض . قال ابن المنذر : أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على هذا ....لأن في أخذ البعض إضرارا بالمشتري , بتبعيض الصفقة عليه , والضرر لا يزال بالضرر , لأن الشفعة إنما تثبت على خلاف الأصل دفعا لضرر الشريك الداخل , خوفا من سوء المشاركة ومؤنة القسمة , فإذا أخذ بعض الشقص , لم يندفع عنه الضرر , فلم يتحقق المعنى المجوز لمخالفة الأصل , فلا تثبت"

قال المصنف: (السادس: إمكان أداء الثمن فإن عجز عنه أو عن بعضه بطلت شفعته)

الشرط السادس من شروط الشفعة أداء الشفيع ثمن الشقص المبيع كاملا بمثل ما اشتراه المشتري، وهذا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة، لأن الشفعة إنما ثبتت لدفع الضرر فإذا عجز الشفيع عن الثمن أو بعضه أضر بالبائع، والضرر لا يزال بالضرر .

قال المصنف: (وإذا كان الثمن مثلياً فعليه مثله وإن لم يكن مثلياً فعليه قيمته)

وهذا محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، على القاعدة عند الفقهاء في الغصب والضمان وغيره من الأبواب من ضمان المثلي بمثله، والقيمي بقيمته، ومتى ما تعذر المثل صرنا للقيمة.

قال المصنف: (وإن اختلفا في قدره ولا بينة لهما فالقول قول المشتري مع يمينه)

وبه قالت المذاهب الأربعة في الجملة، فمتى ما اختلف الشفيع والمشتري في قدر الثمن ولا بينة لأحدهما فالقول قول المشتري بيمينة، لأن المشتري هو العاقد فهو أدرى بالثمن، ولأن الشقص في يده وملكه فلا يخرج من يده بمجرد الدعوى بلا بينة، قال ابن قدامة (المغني 5/205): " فإن قيل : فهلا قلتم : القول قول الشفيع ; لأنه غارم ومنكر للزيادة , فهو كالغاصب والمتلف والضامن لنصيب شريكه إذا أعتق ؟ قلنا : الشفيع ليس بغارم ; لأنه لا شيء عليه , وإنما يريد أن يملك الشقص بثمنه , بخلاف الغاصب والمتلف والمعتق".

الدرَة
11-05-02 ||, 08:30 PM
عفوا فضيلة الأستاذ : مالمراد بالشقص ؟
وجزاكم الله خيرا

أمين بن منصور الدعيس
11-05-03 ||, 07:27 AM
عفوا فضيلة الأستاذ : مالمراد بالشقص ؟
وجزاكم الله خيرا
الأخت الفاضلة الدرة:
الشقص هو الجزء من الشيء، فعندما أقول للشفيع أخذ الشقص المبيع من الأرض، معناه أن له أخذ الجزء المبيع من الأرض، فالشقص هنا يراد به الجزء الذي باعه الشريك .

أمين بن منصور الدعيس
11-05-03 ||, 07:52 AM
الدرس الثاني والأربعون


قال المصنف: (السابع: المطالبة بها على الفور ساعة يعلم فإن أخرها بطلت شفعته)

ذكر المصنف الشرط السابع من شروط الشفعة وهي أن تكون على الفور فحق المطالبة بالشفعة يكون على الفور فإن تراخى لغير عذر بطلب الشفعة، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية، والشافعية، والحنابلة، واستدلوا بما أخرجه ابن ماجة من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الشفعة كحل العقال) ضعفه الألباني .

كما استدلوا بأنه خيار لدفع الضرر عن المال , فكان على الفور , كخيار الرد بالعيب , ولأن إثباته على التراخي فيه ضرر على المشتري لعدم استقرار ملكه على المبيع، مما يجعله يخشى عمارته ونحوه خشية أخذه منه.

وذهب المالكية إلى أن حق الشفعة على التراخي ولا يسقط إلا بما يدل على الرضا من عفو أو مطالبة بالقسمة، لأن الأصل أن كل من ثبت له حق فإنه لا يسقط إلا بما يدل على رضاه لأن هذا حق شرعي ، ثم إن هذا الخيار لا ضرر في تراخيه , فلم يسقط بالتأخير، ووجه عدم الضرر أن المشتري وإن أحدث فيه ما أحدث من عمارة ونحوها فله قيمتها إن أخذ الشفيع بالشفعة.

قال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 10/251): "القول الراجح الذي يتعين الأخذ به أن يقال: هي على التراخي لا تسقط إلا بما يدل على الرضا.

فإذا قال المشتري: إلى متى أنتظر، ما أدري متى يرضى أو لا يرضى؟ ففي هذه الحال نضرب له أجلاً مناسباً، فيقال للشريك الذي له الشفعة: لك ثلاثة أيام، أو لك يومان، أو لك أربعة أيام، حسب الحال؛ لأننا لو قلنا: لك إلى شهرين أو ثلاثة حتى ترضى، صار في ذلك ضرر على المشتري".

قال المصنف: (إلا أن يكون عاجزاً عنها لغيبة أو حبس أو مرض أو صغر فيكون على شفعته متى قدر عليها)

هذا التفريع بناء على القول بأن الشفعة على الفور، وجملة القول أن القائلين بالفور في طلب الشفعة متفقون على أن الشفيع يعذر بتأخير الطلب إن وجد منه العذر الموجب لذلك، وإن كانوا يختلفون في الأعذار الموجبة لذلك.

قال ابن قدامة (المغني 5/191): "هذا الخيار يثبت لإزالة الضرر عن المال , فتراخي الزمان قبل العلم به لا يسقطه , كالرد بالعيب , ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر , في أنه إن طالب على الفور استحق , وإلا بطلت شفعته , وحكم المريض والمحبوس وسائر من لم يعلم البيع لعذر حكم الغائب ; لما ذكرنا".

فالحاصل أن المعذور في طلب الشفعة متى ما زال العذر فله بعد ذلك حق المطالبة بالشفعة، فإن عاد الغائب الذي لا يعلم بالشفعة ، أو خرج المحبوس أو كبر الصبي جاز لهم المطالبة بالشفعة.

قال المصنف: (إلا أنه إن أمكنه الإشهاد على الطلب بها فلم يشهد بطلت شفعته)

صورة هذه المسألة أن يكون الشفيع غائبا فبلغه بيع شريكه وهو في مجلس فيه من يمكنه إشهادهم على طلبه الشفعة فإنه يلزمه إشهادهم حينئذ على طلبه الشفعة فيقول: إشهدوا أني شافع، فإن سكت ولم يشهد كان مقصرا وسقطت شفعته كما لو ترك الطلب بالشفعة مع حضوره.

قال المصنف: (فإن لم يعلم حتى تبايع ثلاثة فأكثر فله مطالبة من شاء منهم)

الأصل أن تصرف المشتري في المبيع قبل أخذ الشفيع بالشفعة صحيح نافذ، لأنه ملكه ومن ضمانه فصح تصرفه فيه.

فعلى هذا في المسألة التي ذكرها المصنف لو أن المشتري باع المبيع لثان وباعه الثاني لثالث فللشفيع أخذ المبيع من أيهم شاء فإن شاء أخذه من المشتري الأول فينفسخ العقد الثاني والثالث، أو الثاني فينفسخ العقد الثالث، أو الثالث فلا ينفسخ شيء من العقود.

قال المصنف: (فإن أخذ من الأول رجع عليه الثاني بما أخذ منه والثالث على الثاني)

فلو كان المشتري الأول أخذ الأرض بعشرة ثم باعها على الثاني بعشرين، ثم باعها الثاني على الثالث بثلاثين، فإن الشفيع إذا أخذ من الأول دفع إليه عشرة ورجع الثاني على الأول بعشرين، والثالث على الثاني بثلاثين، فإن أخذ بالثاني رجع الثالث على الثاني بثلاثين، فإن أخذ بالثالث دفع إليه الثلاثين ولم يرجع على أحد.

قال المصنف: (ومتى أخذه وفيه غرس أو بناء للمشتري أعطاه الشفيع قيمته إلا أن يختار المشتري قلعه من غير ضرر فيه)

متى ما غرس أو بنى المشتري في الشقص المبيع فإن الشفيع إذا أخذ بالشفعة لزمه أن يدفع للمشتري قيمة ما غرس أو بنى إلا أن يختار المشتري أن يقلع الغرس أو يهدم البناء بشرط أن لا يكون في ذلك ضرر على الأرض ، وهذا القول رواية في مذهب الحنابلة اختارها المصنف.

فعلى هذا لو كان قلعُ الأرض أو هدم البناء يحدث ضررا في الأرض لزم المشتري أخذ القيمة وليس له القلع أو الهدم، لأن في ذلك مفسدة وجلب المصلحة مقدم على درء المفسدة، ثم إن في ذلك مضارة للشفيع لأن المشتري إذا دُفعت له القيمة لا يستفيد شيئا من القلع أو الهدم، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.

وذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم أن للمشتري القلع أو الهدم وإن كان في ذلك ضرر على الشفيع لأن البناء والغراس ملكه وله التصرف فيه.

قال المصنف: (وإن كان فيه زرع أو ثمر باد فهو للمشتري مبقى إلى الحصاد أو الجذاذ)

إذا أخذ الشفيع ا لشقص بالشفعة وكان في الأرض زرع أو ثمر قد بدا فهو للمشتري يبقى في الأرض حتى حصاده أو جذاذه، وبهذا قال جمهور أهل العلم؛ لأن ضرر الشفيع ببقاء الثمر والزرع لا يدوم، ولا أجرة على المشتري ; لأنه زرعه في ملكه , ولأن الشفيع اشترى الأرض وفيها زرع للبائع , فكان له مبقى إلى الحصاد بلا أجرة كما لو اشترى أرضا في غير المشفوع .

قال المصنف: (وإن اشترى شقصاً وسيفاً في عقد واحد فللشفيع أخذ الشقص بحصته)

صورة المسألة التي ذكرها المصنف هنا هي أن يشتري المشتري من البائع ما فيه الشفعة وما ليس فيه الشفعة بعقد واحد، كما لو اشترى سيفا وشقصا، فإن السيف لا شعفة فيه ، فحينئذ للشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن وهذا هو مذهب جمهور أهل العلم، قال ابن قدامة (المغني 5/202): " السيف لا شفعة فيه , ولا هو تابع لما فيه الشفعة , فلم يؤخذ بالشفعة , كما لو أفرده , وما يلحق المشتري من الضرر – يقصد ابن قدامة بذلك ضرر تبعيض الصفقة على المشتري- فهو ألحقه بنفسه , بجمعه في العقد بين ما تثبت فيه الشفعة وما لا تثبت , ولأن في أخذ الكل ضررا بالمشتري أيضا ; لأنه ربما كان غرضه في إبقاء السيف له , ففي أخذه منه إضرار به من غير سبب يقتضيه" .

أمين بن منصور الدعيس
11-05-10 ||, 07:45 AM
الدرس الثالث والأربعون


كتاب الوقف

قال المصنف: (وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة)

الوقف في اللغة : بمعنى الحبس .

وفي الشرع : تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة .

والمراد بالأصل هنا كل ما يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه كالدور والأراضي والمعدات ونحوها، والمراد بالمنفعة : الغلة الناتجة عن ذلك الأصل كالثمرة والأجرة ونحوها.

حكم الوقف:

الوقف من حيث الأصل مندوب إليه، يدل على ذلك السنة وإجماع أهل العلم، فأما السنة ففي أدلة كثيرة منها:

1- ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). والوقف داخل في الصدقة الجارية.

2- ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن عمر اصاب أرضا من أرض خيبر فقال: يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أصبت أرضا بخيبر لم أصب مالا قط أنفس عندي منه فما تأمرني، فقال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها). قال: فتصدق بها عمر على أن لا تباع ولا توهب ولا تورث في الفقراء وذوي القربى والرقاب والضيف وابن السبيل لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف غير متمول ولا متأثل مالا.

3- ما ثبت عند الترمذي من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: هل تعلمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قدم المدينة وليس بها ماء فقال: (من يشتري بئر رومة فيجعل فيها دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة). فاشتريتها من صلب مالي.

قال المصنف: (ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائماً مع بقاء عينها كالمزارع والبيوت ونحوها)

وهذا الذي ذكره المصنف محل اتفاق بين أهل العلم، فكل ما جاز بيعه وكان مما ينتفع به مع بقاء عينه جاز وقفه، يدل على ذلك ما ثبت في حديث وقف عمر رضي الله عنه لأرضه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يحبس أصلها ويتصدق بها أي بما يخرج منها.

قال المصنف: (ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين)

فعلى هذا لا يجوز وقف ما ينتفع به مع ذهاب عينه كالطعام والدراهم ونحوها، وهذا قول الشافعية، والحنابلة، لأن الوقف هو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة ووقف مثل هذه الأمور لا يدخل في هذا الحد، وذهب جماعة من أهل العلم وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا العثيمين إلى جواز وقف مثل ذلك، وكذلك اجاز اللحنفية والمالكية صورا من ذلك كوقف النقود على القرض، ووقف الطعام عند مالك، واستدلوا بقياس ذلك على وقف الماء فإن وقف الماء قد ثبت عن السلف، مع أنه لا ينتفع به إلا مع ذهاب عينه.

قال المصنف: (ولا يصح إلا على بر أو معروف ، مثل ما روي عن عمر أنه قال: يا رسول الله إني أصبت مالاً بخيبر لم أصب مالاً قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه ؟ قال: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفي القربى وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم صديقاً غير متمول فيه))

فلا بد في الوقف معنى التقرب لله بأن يكون على جهة بر كالفقراء والمساكين والغزاة والحج وكتب العلم ونحوه أو على معروف كالأقارب والعلماء ونحو ذلك؛ لأن الوقف في أصله قربة وطاعة فلا بد من وجود هذا المعنى في الموقوف عليه.

قال المصنف: (ويصح الوقف بالقول والفعل الدال عليه ، مثل أن يبني مسجداً ويأذن في الصلاة فيه، أو سقاية ويشرعها للناس)

ذهب جمهور أ هل العلم في الجملة إلى أن والوقف يحصل بالقول أو بالفعل الدال عليه مع القرائن فلا يشترط في حصول الوقف القول، فعلى هذا من بنى مسجدا وأذن في الصلاة في صار وقفا للفعل والقرينة الدالة على ذلك حيث أذن للناس بالصلاة فيه، ومثله من حوط ارضا وإذن للناس في الدفن فيها صارت مقبرة، وكذلك من جعل سقاية وشرعها وأباحها للناس ونحو ذلك، قال ابن قدامة (المغني 5/351): " فيه دلالة على الوقف, فجاز أن يثبت به , كالقول , وجرى مجرى من قدم إلى ضيفه طعاما , كان إذنا في أكله , ومن ملأ خابية ماء على الطريق , كان تسبيلا له , ومن نثر على الناس نثارا , كان إذنا في التقاطه , وأبيح أخذه . وكذلك دخول الحمام , واستعمال مائه من غير إذن مباح بدلالة الحال . وقد قدمنا في البيع أنه يصح بالمعاطاة من غير لفظ , وكذلك الهبة والهدية , لدلالة الحال , فكذلك هاهنا".

وذهب الشافعية في الجملة إلى أن الوقف لا يصح إلا باللفظ، على قاعدتهم في سائر التمليكات، وقد تقدم فيما سبق أنه لا يصححون بيع المعاطاة لضعف دلالة المعاطاة عندهم.

قال المصنف: (ولا يجوز بيعه إلا أن تتعطل منافعه بالكلية فيباع ويشتري به ما يقوم مقامه، والفرس الحبيس إذا لم يصلح للغزو بيع واشترى به ما يصلح للجهاد، والمسجد إذا لم ينتفع به في مكانه بيع ونقل إلى مكان ينتفع به)

ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والحنابلة، ومثلهم المالكية -وإن كانوا يخصونه بالمنقول دون العقار- إلى أن الوقف إذا تعطلت منافعه بالكلية -كمسجد يرحل عنه أهل الحي بحيث لا يصلي فيه أحد، والفرس يوقف للغزو يضعف بحيث لا يصلح للغزو- جاز بيعه وشراء ما يقوم مقامه فيباع المسجد ويجعل ثمنه في مسجد آخر، ويباع الفرس ويجعل ثمنه في فرس يصلح للجهاد وهكذا، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.

واستدلوا بما روي ما روي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى سعد , لما بلغه أنه قد نقب بيت المال الذي بالكوفة , أن انقل المسجد الذي بالتمارين , واجعل بيت المال في قبلة المسجد , فإنه لن يزال في المسجد مصل .

فنقل عمر لبيت المال بمحضر من الصحابة ودون نكير، فدل على جواز نقل الوقف من مكانه وإبداله بمكان آخر وهذا معنى البيع، ولأنه لا يمكن استبقاء الوقف والحفاظ على غرض الموقف إلا بذلك، قال ابن قدامة (المغني 5/369): " وجمودنا على العين مع تعطلها تضييع للغرض . ويقرب هذا من الهدي إذا عطب في السفر , فإنه يذبح في الحال , وإن كان يختص بموضع , فلما تعذر تحصيل الغرض بالكلية , استوفي منه ما أمكن , وترك مراعاة المحل الخاص عند تعذره ; لأن مراعاته مع تعذره تفضي إلى فوات الانتفاع بالكلية , وهكذا الوقف المعطل المنافع".

وذهب الشافعية من حيث الجملة إلى أن الوقف لا يباع ولو تعطلت منافعه، استدلوا بما تقدم من حديث عمر مرفوعا: (إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها غير أنها لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث)، وقالوا ما لا يجوز بيعه مع بقاء منافعه من باب أولى لا يجوز بيعه مع تعطل المنافع.

مسألة: هل يجوز بيع الوقف مع عدم تعطل منافعه ونقله إلى ما هو أفضل منه؟

الذي عليه جماهير أهل العلم أن الوقف ما دامت منافعه فيه لم تتعطل، فإنه لا يجوز بيعه ونقله لما هو أفضل منه وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى جواز مثل ذلك، واختاره شيخنا العثيمين، واستدلوا بما ثبت في السنن من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رجلا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت لله إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: (صل هاهنا)، ثم أعاد عليه، فقال: (صل هاهنا)، ثم أعاد عليه، فقال: (شأنك إذن). فكما جاز صرف النذر وهو التزام بطاعة إلى ما هو أفضل منه فكذلك الوقف.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 4/155): " إذا تعطل نفع الوقف فإنه يباع ويشترى بثمنه ما يقوم مقامه في مذهب أحمد وغيره , وهل يجوز مع كونه فعلا أن يبدل بخير منه فيه قولان في مذهبه , والجواز مذهب أبي ثور وغيره , والمقصود أنه حيث جاز البدل هل يشترط أن يكون في الدرب أو البلد الذي فيه الوقف الأول أم يجوز أن يكون بغيره إذا كان ذلك أصلح لأهل الوقف , مثل أن يكونوا مقيمين ببلد غير بلد الوقف وإذا اشترى فيه البدل كان أنفع لهم لكثرة الربع ويسر التناول , فيقول : ما علمت أحدا اشترط أن يكون البدل في بلد الوقف الأول , بل النصوص عند أحمد وأصوله وعموم كلامه وكلام أصحابه وإطلاقه يقتضي أن يفعل في ذلك ما هو مصلحة أهل الوقف . فإن أصله في هذا الباب مراعاة مصلحة الوقف , بل أصله في عامة العقود اعتبار مصلحة الناس , فإن الله أمر بالصلاح ونهى عن الفساد وبعث رسله بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها . وقال موسى لأخيه هارون : (اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين) . وقال شعيب : (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت) . وقال تعالى : (فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون). وقال تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون , ألا إنهم هم المفسدون) . وقد جوز أحمد بن حنبل إبدال مسجد بمسجد آخر للمصلحة , كما جوز تغييره للمصلحة , واحتج بأن عمر بن الخطاب أبدل مسجد الكوفة القديم بمسجد آخر ".

وقال شيخنا العثيمين (الشرح الممتع 11/60): " لكن في هذه الحال يجب أن يمنع من بيعه أو إبداله إلا بإذن الحاكم؛ لأنه قد يتعجل الموقوف عليه، ويقول: أبيعه لأنقله إلى ما هو أفضل، ويكون الأمر على خلاف ظنه، فلا بد من الرجوع إلى الحاكم ـ يعني القاضي ـ في هذه الحال؛ لئلا يتلاعب الناس بالأوقاف ".

قال المصنف: (ويرجع في الوقف ومصرفه وشروطه وترتيبه وإدخال من شاء بصفة وإخراجه بها إلى لفظ الواقف وكذلك الناظر فيه والنفقة عليه)

اتفق أهل العلم في الجملة على ما ذكره المصنف فمرد مصرف الوقف وما فيه من شروط وصفات وناظر ونفقة كل ذلك لما شرطه الواقف، ومن القواعد التي ذكرها أهل العلم القاعدة المشهورة: "شرط الواقف كنص الشارع"، والبعض يعبر: "نص الواقف كنص الشارع"، وليس مراد أهل العلم إطلاق ذلك بحيث يعتبر في نص الواقف ما في نص الشارع من جهة وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منه ولو كان باطلا.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية (الفتاوى الكبرى 5/429): " قول الفقهاء نصوص الواقف كنصوص الشارع , يعني في الفهم والدلالة لا في وجوب العمل".

وبالغ ابن القيم في إنكار هذه اللفظة فقال (إعلام الموقعين 1/238): " من العجب العجاب قول من يقول : إن شروط الواقف كنصوص الشارع , ونحن نبرأ إلى الله من هذا القول , ونعتذر مما جاء به قائله , ولا نعدل بنصوص الشارع غيرها أبدا , وإن أحسن الظن بقائل هذا القول حمل كلامه على أنها كنصوص الشارع في الدلالة , وتخصيص عامها بخاصها , وحمل مطلقها على مقيدها , واعتبار مفهومها كما يعتبر منطوقها , وأما أن تكون كنصوصه في وجوب الاتباع وتأثيم من أخل بشيء منها فلا يظن ذلك بمن له نسبة ما إلى العلم , فإذا كان حكم الحاكم ليس كنص الشارع , بل يرد ما خالف حكم الله ورسوله من ذلك , فشرط الواقف إذا كان كذلك كان أولى بالرد والإبطال".

قال المصنف: "فلو وقف على ولد فلان ثم على المساكين كان للذكر والأنثى بالسوية إلا أن يفضل بعضهم فإذا لم يبق منهم أحد رجع إلى المساكين"

صورة المسألة أن يقول هذا الوقف على أولادي أو أولاد فلان ثم على المساكين، فحينئذ يدخل في الأولاد الذكر والأنثى ، لأن هذا هو الأصل، فإن الولد يطلق على الذكر والإنثى لقوله تعالى (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين)،

كما أنه يستوي في هذه الحالة الذكر والأنثى قال ابن قدامة (المغني 5/329): "لأنه تشريك بينهم , وإطلاق التشريك يقتضي التسوية , كما لو أقر لهم بشيء , وكولد الأم في الميراث حين شرك الله تعالى بينهم فيه , فقال : { فهم شركاء في الثلث } . تساووا فيه , ولم يفضل بعضهم على بعض . وليس كذلك في ميراث ولد الأبوين وولد الأب , فإن الله تعالى قال : { وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين } . ولا أعلم في هذا خلافا" .

قال المصنف: (ومتى كان الوقف على من يمكن حصرهم لزم استيعابهم به والتسوية بينهم إذا لم يَفْضُل بعضهم)

وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، فلو قال الواقف ريع هذه الدار على طلبة العلم في هذا الجامع ، وكان بالإمكان حصرهم لزم استيعابهم والتسوية بينهم ما لم يفضل بعضهم على بعض، لأن لفظ الواقف يقتضي ذلك وقد أمكن الوفاء به فوجب العمل بمقتضاه .

قال المصنف: (وإن لم يمكن حصرهم جاز تفضيل بعضهم على بعض)

وهذا محل اتفاق بين أهل العلم، فلو قال ريع هذا البيت وقف على المساكين، ففي هذه الحاله لا يلزمه تعميمهم لأنه لا يمكن تعميم جميع المساكين، كما أنه في هذه الحال يجوز أن يفضل بعض المساكين على بعض فيعطي بعضهم أكثر من بعض لأنه إذا جاز حرمان بعضهم فمن باب أولى أن يجوز تفضيل بعضهم على بعض.

قال المصنف: (وتخصيص واحد منهم به)

فمتى ما لم يكن حصر الموقوف عليهم كما في المثال السابق، جاز الاقتصار على أحدهم ، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية والحنابلة، واستدلوا بالقياس على الزكاة فإن الله عز وجل قال: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)، ولم يجب تعميم جميع الفقراء والمساكين بل يجزئ أن نعطي واحدا منهم.

وذكر الشافعية أنه لو وقف على قبيلة لزمه ثلاثة منهم، وهو وجه عند الحنابلة.

سالم سعيد سعد
11-05-11 ||, 05:18 PM
شيخنا الفاضل قولكم (القول الثالث: ذهب الحنابلة، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله مطلقا، وكذلك ما كان بفعل غيره وأمكنه دفعه ولم يفعل، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو من غير فعله ولا يمكنه دفعه، واستدلوا بما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهم من أنهم كانوا يضمنون الأجير المشترك، ولأن لأن الأموال والأنفس لا يشترط في ضمانها القصد، واختار هذا القول شخنا العثيمين.
لعل اختيار الشيخ كما نقلت ادنه في الزاد انه لا يضمن الا بالتفريط كالاجير الخاص فقد قال الشيخ رحمه الله تعالى (قوله: «ما تلف بفعله» ولو خطأ، لأنه ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم ضمنوه مطلقاً[(34)]، وثانياً: لأن العمل مضمون عليه؛ لأنه قدر نفعه بالعمل، فإذا أخطأ ولم يؤد العمل الذي هو مضمون عليه لزمه الضمان.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يضمن ما تلف بفعله خطأ؛ لأنه مؤتمن، فلا فرق بينه وبين الأجير الخاص، فكما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف بفعله خطأ فكذلك هذا؛ إذ لا فرق فكل منهما مؤتمن.
وقيل: ما تلف بفعله الذي يفعله هو بنفسه اختياراً يضمنه، وأما ما كان بغير إرادته كالزلق وشبهه فلا يضمنه، ولكن الصحيح أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط، والعمل على ما مشى عليه المؤلف.) ولعل المساله تراجع اكثر لتحرير كلام الشيخ نفعنا الله والمسلمين بعلمكم

سالم سعيد سعد
11-05-11 ||, 07:33 PM
شيخنا الكريم اذا طولب الغاصب بالمثل لتلف العين وكانت العين التلفة طبقا مستعملا قديم ومثله في السوق الان جديدا اكثر بكثير من ثمن هذا الطبق التالف لو قيم قبل التلف فهل يلزم الغاصب بشرائه وهل يطالب صاحب الطبق بالفرق في السعر جزاكم الله خيرا وغفر لكم

سالم سعيد سعد
11-05-11 ||, 07:45 PM
غفر الله لك لو غصب شخص ارضا وحفر فيها بئرا ثم ردها الى صاحبها فهل له ان يهدم البئر اذا رفض صاحب الارض وهل يدفع صاحب الارض تكلفة حفر البئر للغاصب ام ليس للغاصب حق وكذلك لو غرس غرسا نافعا بها . جزاكم الله خير الجزاء واسكنكم الفردوس من الجنه

أمين بن منصور الدعيس
11-05-12 ||, 05:16 PM
شيخنا الفاضل قولكم (القول الثالث: ذهب الحنابلة، وصاحبا أبي حنيفة إلى أن الأجير المشترك يضمن ما تلف بفعله مطلقا، وكذلك ما كان بفعل غيره وأمكنه دفعه ولم يفعل، ولا يضمن ما تلف من حرزه أو من غير فعله ولا يمكنه دفعه، واستدلوا بما روي عن عمر وعلي رضي الله عنهم من أنهم كانوا يضمنون الأجير المشترك، ولأن لأن الأموال والأنفس لا يشترط في ضمانها القصد، واختار هذا القول شيخنا العثيمين.
لعل اختيار الشيخ كما نقلت ادنه في الزاد انه لا يضمن الا بالتفريط كالاجير الخاص فقد قال الشيخ رحمه الله تعالى (قوله: «ما تلف بفعله» ولو خطأ، لأنه ورد عن بعض الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ أنهم ضمنوه مطلقاً[(34)]، وثانياً: لأن العمل مضمون عليه؛ لأنه قدر نفعه بالعمل، فإذا أخطأ ولم يؤد العمل الذي هو مضمون عليه لزمه الضمان.
وقال بعض أهل العلم: إنه لا يضمن ما تلف بفعله خطأ؛ لأنه مؤتمن، فلا فرق بينه وبين الأجير الخاص، فكما أن الأجير الخاص لا يضمن ما تلف بفعله خطأ فكذلك هذا؛ إذ لا فرق فكل منهما مؤتمن.
وقيل: ما تلف بفعله الذي يفعله هو بنفسه اختياراً يضمنه، وأما ما كان بغير إرادته كالزلق وشبهه فلا يضمنه، ولكن الصحيح أنه لا ضمان مطلقاً إذا لم يتعد أو يفرط، والعمل على ما مشى عليه المؤلف.) ولعل المساله تراجع اكثر لتحرير كلام الشيخ نفعنا الله والمسلمين بعلمكم

بارك الله فيك على التنبيه ما ذكرته بارك الله فيك هو الصحيح بعد المراجعة ، فعلى هذا يكون اختيار شيخنا العثيمين موافقا لمذهب الشافعية، وبإذن الله سيتم تصحيح الخطأ.

أمين بن منصور الدعيس
11-05-12 ||, 06:08 PM
شيخنا الكريم اذا طولب الغاصب بالمثل لتلف العين وكانت العين التلفة طبقا مستعملا قديم ومثله في السوق الان جديدا اكثر بكثير من ثمن هذا الطبق التالف لو قيم قبل التلف فهل يلزم الغاصب بشرائه وهل يطالب صاحب الطبق بالفرق في السعر جزاكم الله خيرا وغفر لكم
الظاهر والعلم عند الله أنه في هذه الحالة يلزمه القيمة، لأن المثل هنا متعذر، إذ المثلية ليست معتبرة بالإسم فقط وإنما أيضا بالوصف، فنقول ينظر كم قيمة الطبق مستعملا الآن فيضمن قيمته لصاحبه، وإن اصطلاحا على أن يشتري الغاصب الجديد ويدفع له المغصوب منه الفرق فلا بأس به، وطبعا جيمع ما تقدم إنما هو على القول الراجح من أن المثلي هو ما كان له مثل، أما على المذهب فالطبق ليس من المثليات لأن المثلي المذهب كل مكيل أو موزون يصح السلم فيه وليس فيه صناعة مباحة

أمين بن منصور الدعيس
11-05-12 ||, 06:26 PM
غفر الله لك لو غصب شخص ارضا وحفر فيها بئرا ثم ردها الى صاحبها فهل له ان يهدم البئر اذا رفض صاحب الارض وهل يدفع صاحب الارض تكلفة حفر البئر للغاصب ام ليس للغاصب حق وكذلك لو غرس غرسا نافعا بها . جزاكم الله خير الجزاء واسكنكم الفردوس من الجنه
للغاصب أن يهدم البئر ولكن اشترط جماعة من أهل العلم أن يكون له غرض صحيح في ذلك مثل أن يخاف سقوط أحد فيها فيضمه، أما إن لم يكن له غرض صحيح سوى أن يضار صاحب الأرض فليس له ردمها، ويدفع له صاحب الأرض نفقة الحفر، وكذلك لو غرس الأرض غرسا نافعا قال الفقهاء يلزمه قلعها بطلب صاحب الأرض ولو لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح، والصواب أنه إن لم يكن لصاحب الأرض غرض صحيح لم يلزم الغاصب بالقلع.
وكذلك قال الفقهاء للغاصب قلع الغرس ولو بذل صاحبه قيمته والصواب أنه إن لم يكن له غرض صحيح في القلع وإنما أراد مضارة صاحب الأرض لزمه قبول القيمة ولا يقلع الغرس.

سالم سعيد سعد
11-05-13 ||, 12:56 AM
جزاك الله خيرا ياشيخنا وانا من المتابعين باذن الله لها الشرح المبارك اسال الله ان يغفر لكم ويبارك لكم في وقتكم

أمين بن منصور الدعيس
11-05-15 ||, 08:04 AM
الدرس الرابع والأربعون


باب الهبة

قال المصنف: (وهي تمليك المال في الحياة بغير عوض)

عرف المصنف الهبة بأنها : تمليك المال في الحياة بغير عوض .

فخرج بقوله : تمليك : العارية فهي إباحة انتفاع ، وبقوله:( في الحياة ) خرج الوصية فهي تمليك بعد الموت، وبقوله : (بغير عوض) : البيع.

ويمكن أن يضاف على تعريف المصنف زيادة: على وجه التبرع. فيكون التعريف تمليك المال في الحياة على وجه التبرع.

وإنما احتجنا لزيادة هذا القيد لنخرج النفقة الواجبة فإنها تمليك للمال في الحياة بغير عوض ولكنها ليست على وجه التبرع وإنما على وجه الإلزام، كنفقة الرجل على أولاده.

واعلم أن المال المخرج على وجه التبرع يشمل ثلاثة أمور:

الهبة ، والصدقة، والهدية.

فإن كان مقصوده الثواب في الآخرة فهي الصدقة، وإن كان مقصوده التودد فهي الهدية، وإن كان لا يقصد شيئا مما سبق فهي العطية والهبة، والقصد أن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة.

حكم الهبة:

الهبة والهدية مندوب إليهما من حيث الأصل بدلالة الكتاب والسنة وإجماع أهل العلم، فأما الكتاب فقوله تعالى : (فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئا).

وأما السنة فما أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدور).

وفي البخاري عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها)

وأما الإجماع فنقله غير واحد من أهل العلم ففي تبيين الحقائق (5/91): "وهي - أي الهبة - مشروعة مندوب إليها بالإجماع".

قال المصنف: (وتصح بالإيجاب والقبول والعطية المقترنة بما يدل عليها)

ما ذكره المصنف هنا محل اتفاق بين فقهاء المذاهب الأربعة في الجملة فتصح الهبة بالإيجاب والقبول بأن يقول

وهبتك أو ملكتك أو أعطيتك أو أي لفظ يدل على مثل هذا المعنى، والقبول بأن يقول : قبلت أو رضيت أو نحو هذا إذا لم يوجد قبض.

كما تصح الهبة بالمعاطاة المقترنة بما يدل على الهبة فمتى ما دفع الهبة إلى الموهوب له وأخذها صحت الهبة إذا كان العرف جار بذلك، ولذا كان صلى الله عليه وسلم يهب ويوهب له وكذلك الصحابة رضي الله عنهم ولم ينقل عنهم إيجاب ولا قبول، فدل على أن المعاطاة والتفرق عن تراض يكون كافيا في صحة الهبة.

قال المصنف: (وتلزم بالقبض)

ذهب جمهور أهل العلم إلى أن الهبة لازمة بالقبض ليس للواهب الرجوع فيها في الجملة، ووقع الخلاف بينهم في لزومها بالعقد فقط قبل القبض:

القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والشافعية، والحنابلة إلى أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض فللواهب الرجوع فيها ما لم تقبض، واستدلوا بأن هذا القول مروي عن الخلفاء الراشدين ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعا، وفي المغني لابن قدامة (5/379): "قال المروذي : اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي , أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة".

واستدلوا بما أخرجه البيهقي وغيره عن عائشة رضي الله عنها: أن أبا بكر رضي الله عنه , نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية فلما مرض , قال : يا بنية , ما أحد أحب إلي غنى بعدي منك , ولا أحد أعز علي فقراً منك وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا , ووددت أنك حزتيه أو قبضتيه , وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختاك , فاقتسموا على كتاب الله عز وجل. صححه الألباني.

القول الثاني: ذهب المالكية إلى أن الهبة تلزم بمجرد العقد واستدلوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: (ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه)، ولأنه تبرع فلا يعتبر فيه القبض كالوقف والوصية.

القول الثالث: من أهل العلم من ذهب إلى جواز الرجوع في الهبة قبل القبض ولكن مع الكراهة جمعا بين الأدلة فالجواز أخذه مما روي عن الصحابة، والكراهة من عموم حديث ابن عباس.

قال المصنف: (ولا يجوز الرجوع فيها إلا الوالد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لأحد أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده))

ذهب جمهور أهل العلم من المالكية، والشافعية، والحنابلة إلى تحريم رجوع الواهب في الهبة، واستثنوا من ذلك الأب فيما يهب لولده، واستدلوا على التحريم بما تقدم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وبما أخرجه أبو داود من حديث ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده).

كما استدلوا بما أخرجه أبو داود من حديث عمرو عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن لي مالا وولدا، وإن والدي يحتاج مالي، قال: (أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم).

وذهب الحنفية إلى أن الواهب له الرجوع في هبته، إلا أن يكون وهبها لذي رحم محرم، واستدلوا بما ثبت عن عمر رضي الله عنه قال: "من وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب منها".

وبأن الهبة لذي الرحم المحرم صلة رحم فليس له الرجوع فيها، وحملوا النهي في حديث ابن عباس على الكراهة لا على التحريم.

وقد أجاب الجمهور عما روي عن عمر بأنه اجتهاد منه خالفه فيه غيره، فقد روي خلافه عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهم.

قال المصنف: (والمشروع في عطية الأولاد أن يسوى بينهم)

لا خلاف بين أهل العلم في مشروعية واستحباب التسوية بين الأولاد في الهبة والعطية إلا أن الخلاف وقع بينهم في وجوب التسوية من عدمها:

القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية إلى استحباب ذلك وعدم وجوبه، واستدلوا بما ثبت في الصحيحين من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أشهد أني قد نحلت النعمان كذا و كذا من مالي ، فقال صلى الله عليه وسلم: ( أكل بنيك قد نحلت ما نحلت النعمان ؟). قال : لا ، قال : (فأشهد على هذا غيري) . ثم قال : (أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ؟) . قال : بلى، قال : (فلا إذن) .

ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم أذن في الإشهاد على هذه العطية ولو كانت حراما لما أذن في الشهادة عليها.

كما استدلوا بما تقدم من حديث عائشة رضي الله عنها وأن أباها نحلها نحلة دون سائر إخوتها.

القول الثاني: ذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى وجوب التسوية في الهبة والعطية بين الأولاد، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا العثيمين، واستدلوا بما تقدم من حديث النعمان بن بشير فإن في بعض رواياته في الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشهدني على جور)، والجور الظلم ولا يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بالشهادة على الظلم، وفي رواية أخرى: (وإني لا أشهد إلا على حق), وفي رواية: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم)، فمثل هذا يدل على أن قوله صلى الله عليه وسلم : (أشهد على هذا غيري)، لم يرد به الإذن في الإشهاد وإنما أراد به التهديد والتوبيخ على حد قوله صلى الله عليه وسلم في قصة بريرة: (خذيها واشترطي لهم الولاء).

وأما ما استدل به الجمهور من حديث عائشة فيحمل على أن تلك العطية كانت برضى بقية إخوتها، أو يقال غاية ما فيه أنه اجتهاد منه رضي الله عنه وظاهر النصوص تعارضه، ثم إنه بالاستقراء وجدنا أن مثل هذه العطايا إن لم يعدل فيها كانت مدعاة إلى التباغض بين الأبناء وقطيعة الرحم.

قال المصنف: (على قدر ميراثهم ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))

تقدم الاتفاق على مشروعية واستحباب العدل بين الأولاد في العطية وقد اختلف أهل العلم فيما يحصل به العدل بينهم:

القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية، والمالكية، والشافعية إلى أن العدل بينهم يكون بالتسوية في الهبة والعطية فلا يفرق بين الذكر والأنثى، واستدلوا بما جاء في رواية النسائي من حديث النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هل لك بنون سواه)، قال: نعم، قال: (سو بينهم).

القول الثاني: ذهب الحنابلة في المشهور من مذهبهم إلى أن العدل يكون بأن يعطى الأبناء على قدر ميراثهم للذكر مثل حظ الأنثيين، واستدلوا بأن هذه القسمة هي التي ارتضاها الله في الميراث فهي أولى من غيرها، وأما ما ورد من التسوية في حديث النعمان فحملوه على أنه قضية عين يتطرقها الاحتمال، كأن يكون ولده كلهم ذكورا .

سالم سعيد سعد
11-05-17 ||, 09:34 PM
قاعدة ان النهي في العقود اذا كان راجع لحق الله فهو باطل واذا كان راجع لحق الادمي فهو مخير فيه غفرالله لكم هل هذه القاعده مستقيمه وافادتنا ببعض التطبيقات ان صحت جزاكم الله خيرا

أمين بن منصور الدعيس
11-05-18 ||, 07:58 AM
قاعدة ان النهي في العقود اذا كان راجع لحق الله فهو باطل واذا كان راجع لحق الادمي فهو مخير فيه غفرالله لكم هل هذه القاعده مستقيمه وافادتنا ببعض التطبيقات ان صحت جزاكم الله خيرا
الأخ سالم سلمه الله:
حقيقة كقاعدة عامة لا أستطيع أن أعطيك فيها قولا فصلا إلا أن تسعفنا بنقول فيها، ولكن من حيث العموم لو أردنا تطبيق ما ذكرت على المشهور من مذهب الحنابلة فإن ما ذكرت يحصل فيه نوع انخرام، فعلى سبيل المثال:
1- البيع عند نداء الجمعة لا يصح على المذهب، وهنا النهي لحق الله.
2- بيع الرجل على بيع أخيه لا يصح على المذهب مع أنه النهي فيه لحق الآدمي.
ولكن بعض أهل العلم ومنهم شيخنا العثيمين يميل إلى قاعدة أخرى، وهي أن النهي إن كان عائدا على ذات المنهي عنه أو شرطه فيكون حينئذ النهي مقتضيا للفساد، وإن لم يكن عائدا على ذات المنهي عنه ولا شرطه لم يقتض الفساد، وقد قال رحمه الله في كتابه الأصول من علم الأصول: "قاعدة المذهب في المنهي عنه هل يكون باطلاً أو صحيحاً مع التحريم؟ كما يلي:
1 - أن يكون النهي عائداً إلى ذات المنهي عنه، أو شرطه فيكون باطلاً.
2 - أن يكون النهي عائداً إلى أمر خارج لا يتعلق بذات المنهي عنه ولا شرطه، فلا يكون باطلاً.
ثال العائد إلى ذات المنهي عنه في العبادة: النهي عن صوم يوم العيدين.
ومثال العائد إلى ذاته في المعاملة: النهي عن البيع بعد نداء الجمعة الثاني ممن تلزمه الجمعة.
ومثال العائد إلى شرطه في العبادة: النهي عن لبس الرجل ثوب الحرير، فستر العورة شرط لصحة الصلاة، فإذا سترها بثوب منهي عنه، لم تصح الصلاة لعود النهي إلى شرطها.
ومثال العائد إلى شرطه في المعاملة: النهي عن بيع الحمل، فالعلم بالمبيع شرط لصحة البيع، فإذا باع الحمل لم يصح البيع لعود النهي إلى شرطه.
ومثال النهي العائد إلى أمر خارج في العبادة: النهي عن لبس الرجل عمامة الحرير، فلو صلى وعليه عمامة حرير، لم تبطل صلاته؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات الصلاة ولا شرطها.
ومثال العائد إلى أمر خارج في المعاملة: النهي عن الغش، فلو باع شيئاً مع الغش لم يبطل البيع؛ لأن النهي لا يعود إلى ذات البيع ولا شرطه".

سالم سعيد سعد
11-05-18 ||, 10:02 AM
قال ابن قدامة رحمه الله في "المغني" (4/149) : " فإن خالف وعقد , فالبيع باطل ; لأنه منهي عنه , والنهي يقتضي الفساد . ويحتمل أنه صحيح ; لأن المحرّم هو عرض سلعته على المشتري , أو قوله الذي فسخ البيع من أجله , وذلك سابق على البيع , ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر , فالبيع المحصل للمصلحة أولى , ولأن النهي لحق آدمي , فأشبه بيع النجش . وهذا مذهب الشافعي " انتهى
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : " وقوله : ( ويبطل العقد ) نص على بطلان العقد ، لأن بعض أهل العلم يقول : إن العقد صحيح ، لأن النهي هنا لا يعود إلى ذات المعقود عليه ، وإنما يعود إلى أمر خارج وهو العدوان على المسلم فيكون العقد حراما ، ولكنه صحيح . ويدل على ذلك أن هذا الذي باع على بيع أخيه لو أذن له الذي بيع على بيعه لكان العقد صحيحا ولا شيء فيه ، فإذاً يكون التحريم غير عائد إلى ذات المنهي عنه ، ويكون العقد صحيحا مع الإثم .
ولكن القول بالمذهب من باب السياسة ويمنع العدوان على الناس ، فيكون قولا جيدا " انتهى من "الشرح الممتع" (8/206

-ابن قدامة: وخطبة الرجل على خطبة أخيه في موضع النهي محرمة، فإن فعل فنكاحه صحيح، نص عليه أحمد فقال لا يفرق بينهما.
وانا نقلت عن ابن قدامه ليس لتحرير القول بالتفريق بين ان يكون النهي لحق الله وان يكون لحق المخلوق ولكن اقصد ان اهذا القول له اصل غفر الله لكم وبارك فيكم

سالم سعيد سعد
11-05-19 ||, 01:48 PM
استاذنا الفاضل مساله بين المنافع هل لها ضوابط وشروط لاني لا اتصور الفائده التي تعود على البائع والمشتري من هذه الصوره جزاك الله خيرا واسكنك جناته

أمين بن منصور الدعيس
11-05-21 ||, 07:52 AM
استاذنا الفاضل مساله بين المنافع هل لها ضوابط وشروط لاني لا اتصور الفائده التي تعود على البائع والمشتري من هذه الصوره جزاك الله خيرا واسكنك جناته
بيع المنافع حقيقته هو عقد الإجارة وضوابطه ضوابط الإجارة، وكون العلماء يقولون الإجارة بيع منافع، هذا من جهة كونها داخلة في معنى البيع العام وهو المبادلة، لا في معناه الاصطلاحي المخصوص والمتعارف عليه.

أمين بن منصور الدعيس
11-05-21 ||, 07:54 AM
الدرس الخامس والأربعون


قال المصنف: (وإذا قال لرجل: أعمرتك داري أو هي لك عمرك فهي له ولورثته من بعده)

شرع المصنف في الكلام على العمرى وهي من جملة أنواع الهبات.

تعريفها:

قال ابن حجر (فتح الباري5/238): "العمرى بضم المهملة وسكون الميم مع القصر وحكى ضم الميم مع ضم أوله وحكى فتح أوله مع السكون مأخوذ من العمر...لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية فيعطي الرجل الدار ويقول له أعمرتك إياها أي أبحتها لك مدة عمرك فقيل لها عمرى لذلك".

واصطلاحا: جعل المالك شيئا يملكه لشخص آخر عمر أحدهما.

وصورة العمرى أن يقول الرجل : أعمرتك داري هذه , أو هي لك عمري , أو مدة حياتك , أو ما حييت , أو نحو هذا.

حكمها:

العمرى جائزة في قول عامة أهل العلم وعليه المذاهب الأربعة في الجملة ، يدل ذلك ما ثبت في صحيح مسلم عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: ( من أعمر رجلا عمرى له ولعقبه)، ولا يشكل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم أيضا من حديث جابر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ( أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه ). فإن النهي هنا وارد كما ذكر ابن قدامة على سبيل الإعلام لهم إنكم إن أعمرتم أو أرقبتم يعد للمعمر والمرقب , ولم يعد إليكم منه شيء .

وبعد اتفاق المذاهب الأربعة كما تقدم على مشروعية العمرى حصل بينهم الخلاف في كون العمرى تمليك عين أو منفعة على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى إنها تمليك عين في الحال , وتنتقل إلى المُعمر له واستدلوا بما تقدم من حديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (أمسكوا عليكم أموالكم , ولا تفسدوها , فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه)، وفي لفظ : (قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرى أنها لمن وهبت له) .

القول الثاني: ذهب المالكية إنه ليس للمعمَر فيها إلا المنفعة فإذا مات عادت إلى المعمِر , لما روى يحيى بن سعيد عن عبد الرحمن بن القاسم قال : سمعت مكحولا يسأل القاسم بن محمد عن العمرى ما يقول الناس فيها ؟ فقال القاسم : ما أدركت الناس إلا على شروطهم في أموالهم وما أعطوا . ولأن التمليك لا يتأقت كما لو باعه إلى مدة فإذا كان لا يتأقت حمل قوله على تمليك المنافع ; لأنه يصلح توقيته .

قال المصنف: (وإن قال: سكناها لك عمرك فله أخذها متى شاء)

إذا قال : سكنى هذه الدار لك عمرك , أو اسكنها عمرك . أو نحو ذلك , فقد ذهب جمهور اهل العلم إلى أن مثل هذا تمليك منفعة وهي السكنى ، وإنما الخلاف في جواز رجوعه عن ذلك قبل موته أو لا؟

القول الأول: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن له أن يرجع لأن مثل هذا هو في الحقيقة هبة منافع، ومن المعلوم أن المنافع إنما تستوفى بمضي الزمان، فلا تكون لازمه إلا فيما قبضه منها واستوفاه بالسكنى فليس ذلك بعقد لازم ; وهذا جار على قاعدة الجمهور من أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض.

القول الثاني: ذهب المالكية إلى أنه ينتفع بسكناها مدة حياته، فإذا مات رجعت إلى ربها، فتكون هبة للمنافع لازمة بالعقد مدة حياته، وهذا فرع عن قول المالكية بلزوم الهبة بمجرد العقد وتقدم.




باب عطية المريض

(تبرعات المريض مرض الموت المخوف ومن هو في الخوف, وكالواقف بين الصفين عند التقاء القتال, ومن قدم ليقتل, وراكب البحر حال هيجانه, ومن وقع الطاعون ببلده, إذا اتصل بهم الموت, حكمها حكم الوصية في ستة أحكام)

العطية هي التبرع بالمال في مرض الموت حال الحياة، وأما الوصية الإيصاء بالمال بعد الموت، وهما يتفقان في جملة من الأمور ويختلفان في جملة منها، وسيذكر المصنف هنا أوجه الشبه بين عطية المريض مرض الموت، وبين الوصية.

قال المصنف: (أحدها: أنها لا تجوز لأجنبي بزيادة على الثلث، ولا لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة، لما روي أن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم النبي صلى الله عليه وسلم فجزأهم أثلاثاً فأعتق اثنين وأرق أربعة)

هذا الذي ذكره المصنف من أن عطية المريضة تشابه الوصية في كونها لا تجوز لأجنبي بزيادة عن الثلث -والمراد بالأجنبي هنا غير الوارث- ولا للوراث إلا بإجازة الورثة محل اتفاق بين المذاهب الأربعة، يدل عليه ما ذكره المصنف من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه في صحيح مسلم.

ووجه الدلالة أن النبي صلى الله عليه عليه وسلم لم يجز له إلا الثلث فقط، وإذا كان لم يجز له العتق مع سرايته وتشوف الشارع له، فغيره من العطايا من باب أولى، ولأن مثل هذا العطية هي في حال الظاهر منها الموت، فكانت كالوصية .

قال المصنف: (الثاني: أن الحرية تجمع في بعض العبيد بالقرعة إذا لم يف الثلث بالجميع للخبر)

صورة ذلك أن يعتق في مرضه المخوف عدة عبيد له، فوجدنا أن ثلث ماله لا يفي بإعتاقهم جميعا فحينئذ نقتصر على بعض دون بعض لما تقدم من حديث عمران بن حصين، ولأن الغرض من العتق تخليص الرقبة وهذا لا يحصل بتشقيصها وتبعيضها، واستخدمنا القرعة على القاعدة المعروفة بأنه عند تزاحم الحقوق ولا مرجح يصار للقرعة.

وذهب الحنفية إلى أن الحرية تجزأ بينهم على السوية إذا لم يف الثلث، فيعتق من كل عبد مقدار ما يخصه من الثلث، وأما الحديث فقالوا هو مخالف للقياس.

وقول الجمهور أسعد بالدليل.

قال المصنف: (الثالث: أنه إذا أعتق عبداً غير معين أو معيناً فأشكل أخرج بالقرعة)

لو أعتق في مرض موته عبدا غير معين كأن يقول أحد عبيدي حر، أو معينا فأشكل كما لو قال عبدي زيد حر وله عبدان كلاهما اسمه زيد ففي هذه الحالة نخرج من يعتق بالقرعة، لأن العبيد جميعا تساووا في الاستحقاق ولا مرجح إلا القرعة، كما يدل عليه ظاهر حديث عمران بن حصين المتقدم فإن النبي صلى الله عليه وسلم استخدم القرعة في تمييز المستحق للعتق.

سالم سعيد سعد
11-05-24 ||, 02:31 PM
جزاك الله خيرا وغفرا لك على هذا الجهد والفائده

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:40 PM
بارك الله فيــــــــــكم و حعل كا هذا في ميزان حسناتكم

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:41 PM
جزاكم الله ألف خير ونشكلاكم جزيل الشكر...

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:42 PM
شكراا لكم على هذه المعلومات القيمة

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:43 PM
شكراا لكم

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:45 PM
ربّــــــــــي يسّر ةلا تعسّر وتمّم بالخيرات يا فتّــــــــاح يــــا عليــــــم
جزاكم الله خيراااااااااااااا

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:47 PM
شكراا لكم نحن دائما ننتظر مواضيعكم القيمة

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:48 PM
الله يبارك فيكم

فاطمة الجزائر
11-05-27 ||, 01:49 PM
شكرا لكم

عبدالله عامر العامري
11-05-28 ||, 01:18 PM
وفقكم الله ونفع بكم

شريف محمد بشارات
11-05-31 ||, 08:18 AM
السلام عليكم أخي أمين

جزيت الجنة يا صاحب الهمة والمنة

عبدالله بن حمد العامر
11-05-31 ||, 01:19 PM
جهد موفق باذن الله تشكرون عليه
لكن حبذا لو تختصروا في ذكر الخلاف باشارة موجزة بارك الله فيكم

فاطمة الجزائر
11-06-03 ||, 05:38 PM
بارك الله فيك

أمنة محمد سعيد
11-07-06 ||, 11:12 AM
أتقدم بالشكر إلى من بادر في هذا الموضوع
وانا واجهتني صعوبة في دراسة منهج كتاب البيوع مع أني كنت بشوق كبير جدا إلا أن أتعلمه وبعد أن قرأت هذه المدارسة أحسست بأني بدأت أفهم فاشكركم جزيل الشكر على هذا الموضوع الجد نافع ومفيد

عمار محمد عبد الله
12-05-29 ||, 10:55 AM
تعقيب على ما يتعلق ببيع أنموذج المتماثل "وإلى ذلك ذهب الشافعية في الجملة، لما في ذلك من الغرر."
بل المشهور من مذهب الشافعية الجواز ، قال النووي في المنهاج:"وتكفي رؤية بعض المبيع إن دل على باقيه كظاهر الصبرة، وأنموذج المتماثل"
قال في مغني المحتاج :"أي المتساوي الأجزاء كالحبوب، فإن رؤيته تكفي عن رؤية باقي المبيع فلا بد من إدخاله في المبيع، ولا يشترط خلطه في المبيع قبله".(2/358)
وقال الغمرواي في السراج الوهاج:"وتكفي رؤية أنموذج المتماثل بضم الهمزة والميم وفتح الذال ما تسميه التجار بالعينة فتكفي رؤية عينة مثل الحبوب والأدهان عن رؤية باقي المبيع ولا بد من إدخالها في المبيع أما إذا لم يدخلها بأن قال بعتك من هذا النوع من الحنطة مثلا مائة أردب فلا يصح البيع إلا إذا قال منها هذه العينة فليتفطن لهذا"(ص176)
فالظاهر والله أعلم أنهم يجوزونه في الجملة ولا يمنعونه
"