المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : شرح متن الورقات لأبي المعالي رحمه الله تعالى للشيخ الصقعبي حفظه الله تعالى



انبثاق
10-12-10 ||, 01:45 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
شرح متن الورقات..
شرحه فضيلة الشيخ/خالد بن إبراهيم الصقعبي...حفظه الله تعالى..
درجة الطلاب: (مبتدئون).





*ملاحظات/
1/يتألف شرح المتن كاملا من 56 درسا متفاوتة في الطول..وعليه،فينتهي تنزيل شرح المتن إن شاء الله تعالى خلال سنة تقريبا..
2/هذه الدروس هي نقل من مذكرة فرغت من أشرطة درس الشيخ ولم تراجع من قبله –حفظه الله تعالى- وقد أذن في تنزيل الدرس هنا جزاه الله خير الجزاء،ولذا فلست أستنكف ابتداء عن أن أقول: (رب مبلغ أوعى من سامع)،وإنما أبغي نفع نفسي ابتداء..

..........


الدرس الأول
بسم الله الرحمن الرحيم


*مؤلف هذا الكتاب:
هو شيخ الشافعية:أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني،نسبة إلى جوين من نواحي نيسابور.
ولد سنة 419هـ عليه رحمة الله تعالى،وتفقه على والده في صباه،ورحل إلى بغداد ثم إلى مكة وجاور بها 4 سنين فلقب بإمام الحرمين،ثم ذهب إلى المدينة فأفتى ودرس،ثم عاد إلى نيسابور،فبنى له الوزير (المدرسة النظامية) فدرَّس فيها،وكان يحضر دروسه أكابر العلماء،وكان أبو المعالي في بداية أمره على مذهب أهل الكلام في باب الأسماء والصفات من المعتزلة والأشاعرة،لكنه رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة،وقد صرح هو بذلك عليه رحمة الله تعالى.
مات سنة 478 هـ في نيسابور.
وله عدة مؤلفات في أصول الدين والفقه والخلاف وأصول الفقه.
هذه نبذة مختصرة عن هذا العالم عليه رحمة الله تعالى.


*ونحتاج إلى مقدمات قبل أن ندخل في هذا الفن،


المقدمة الأولى/المراد بأصول الفقه:

المراد بأصول الفقه عند السلف:هو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشرعية.وهذه من فوائده.
والقواعد على نوعين:
قاعدة مباشرة مثل:الماء يتوضأ به
وقواعد عامة،وهذه يدخل في نطاقها مسائل كثيرة،مثل قولهم: (الأمر يقتضي الوجوب).
وبهذا فأصول الفقه ليس علم غاية،وإنما هو علم وسيلة،أي:وسيلة إلى إدراك الأحكام الشرعية.
-وعلماء الأصول يشتغلون بأربعة مباحث:

المبحث الأول:الأحكام الشرعية بقسميها:

-القسم الأول/أحكام شرعية تكليفية،وهي خمسة:الواجب،المندوب،المحر م،المكروه،المباح.
-القسم الثاني/أحكام شرعية وضعية:السبب،المانع،الشرط، الفساد،الإعادة،القضاء،الر خصة،العزيمة.

المبحث الثاني:الأدلة الشرعية،ويقسمها علماء الأصول إلى قسمين:

1/الأدلة المتفق عليها: وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
والقياس:من الأدلة المتفق عليها عند الجمهورخلاف قول ابن حزم رحمه الله تعالى فهو يرى أن القياس ليس بحجة،وهذا ليس بصحيح؛لسببين:
أ-لتظافر الأدلة على الإحتجاج بالقياس من الكتاب والسنة.
ب-لقلة القائلين بقول ابن حزم.
فهم يشتغلون بالأدلة المتفق عليها من حيث:حجيتها-الطرق المثبتة لهذه الأدلة-ولذلك اشتغلوا بالآحاد والمتواتر.
2/الأدلة المختلف فيها:مثل قول الصحابي،والاستحسان،وكذلك ماهو ضد الاستحسان،والمصالح المرسلة ، ومثل العرف والعادة وغير ذلك.

المبحث الثالث:كيفية الاستفادة من الأدلة:

أي:كيف يستفيد طالب العلم من الدليل الذي أمامه؟
أي:الطرق التي نستخرج منها الأحكام والأدلة.
فعلماء الأصول يبحثون في كيفية الاستفادة من الدليل،وهذا يقوم على المباحث اللغوية من حيث اللفظ المنطوق والمفهوم،فالمنطوق هو ما نطق به،والمفهوم : ما يفهم من الحديث أو الدليل.
ومن خلال معرفة ألفاظ اللغة،مثل المجاز والحقيقة والظاهر والمبين والمجمل وغيرها.
وكذلك في كيفية الاستفادة من الأحكام،ولذلك يبحثون في معرفة التعارض بين الأدلة، والترجيح.
على أنه ينبغي أن يعلم أن الأدلة الشرعية في أصلها ليس فيها تعارض،ولكن التعارض يقع في ذهن الفقيه أو المشرع،إما لقلة الفهم للمسألة أو لقلة العلم،ولذلك يقول ابن خزيمة: (ليس في سنة النبي صلى الله عليه وسلم حديثان متعارضان،ومن وجد شيئا من ذلك...

المبحث الرابع:يبحثون في حال المستفيد من الأحكام:

مثال:من هو المقلد؟ومن هو المستدل؟


*وعلم أصول الفقه هو علم أصول الشريعة كلها وليس الفقه فقط،لكن إضافته للفقه من باب التغليب،لكون اكثر المسائل الأصولية تعمل في الفقه،لذلك أضيف إلى الفقه تغليبا..


...................

أ.هـ ر1

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
10-12-10 ||, 01:46 AM
بارك الله فيك وجزاك وجزى الشيخ خيرا.

انبثاق
10-12-13 ||, 03:48 PM
(الدرس الثاني)

*المقدمة الثانية/أهمية أصول الفقه:

يظهر ذلك من خلال الأمور التالية:
1. أن أصول الفقه من العلوم الشرعية التي يتقرب بها العبد إلى الله عز وجل؛فهو من العلوم المساعدة.
2. أنه يساعد على استنباط الأحكام الشرعية،يعني كيفية الاستنباط وطرق الاستنباط.
3. أن فيه توضيح منهج كل إمام من الأئمة وعالم من العلماء،فالإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهم الله تعالى لما اتفقوا في الأصول كانت فتاويهم في الفروع قريبة،بخلاف الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى،وفائدة معرفة هذا الأمر:الإعذار للمخالف لأنه يبني فتواه على قاعدة أصولية.
4. أنه يربي في طالب العلم الملكة الفقهية في النظر والاستدلال والمناقشة،وهذا ليس في علم الأصول لوحده،وإنما هذا في الأصول مع الإكثار من الفروع.
5. بدراسة علم الأصول تتبين عظمة هذه الشريعة،لأنها قامت على قواعد وأسس متينة،بخلاف المذاهب الباطلة فإنها قامت على شفا جرف هار فانهار بها في نار جهنم.
6. ولهذا يقول ابن بدران رحمه الله تعالى: (واعلم أنه لايمكن للطالب أن يعتبر فقيهامالم تكن له دراية في الأصول ولو قرأ الفقه سنين وأعوام...ثم يقول: ومن ادعى غير ذلك كان كلامه جهلا ومكابرة)ا.هـ.

*وإنما أطلقوا على أصول الفقه (أصول)؛لأنه يقعِّد ولايعطي لطالب العلم الحكم مباشرة،يعني:علم أصول الفقه هذا يقعد قواعد،لايعطي الحكم مباشرة كالمسائل الفرعية.

*المقدمة الثالثة/من هو أول من صنف في أصول الفقه:

القول الراجح –مع الخلاف الذي يذكره علماء التشريع- أن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى محمد بن إدريس المتوفى سنة 204هـ هو من ألف كتابا مستقلا في أصول الفقه.
نتنبه لقولنا: (كتابا مستقلا) لأن ذكر بعض القواعد الأصولية شتاتا،يعني متفرقة في بعض الكتب،هذا وُجِدَ قبل الإمام الشافعي،فعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى وبعض أتباعه،كان عنده رحمه الله بعض القواعد الأصولية لكنها شتات،غير مجموعة و(بعض أتباعه) كأبي يوسف ومحمد بن الحسن .
وكتاب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى هو كتاب (الرسالة) وقد بين في هذا الكتاب حجية الكتاب والسنة والإجماع والقياس.
ثم عرج على ذكر البيان والمبيِّن والمبيَّن والإجمال والإطلاق والتقييد والعموم والخصوص وغيرها.
يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (لم نعرف العام والخاص حتى جاء الإمام الشافعي).
وكلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى محمول على التقعيد إلى عام وخاص لا على التنزيل،لأن التنزيل على الفروع يعرفه الإمام أحمد،وضوابط العموم والخصوص كانت معروفة حتى في عهد الصحابة.

المقدمة الرابعة/العلوم التي يستفيد منها الأصوليون:

علماء الأصول استمدوا علم الأصول من ثلاثة علوم:
أولا:علم أصول الدين،وهو العقيدة.
والسبب في ذلك:أن إيجاب الأحكام من الأدلة متوقف على وجود الله عز وجل،وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم،وصحة الخبر عنهما.

ومما يحسن التنبيه إليه في هذه المسألة:
أن كثيرا من الأصوليين من غير أهل السنة والجماعة يقولون:عن علم الأصول مستمد من علم الكلام وعلم اللغة العربية،وأهل السنة والجماعة يقولون:إنه مستمد من علم العقيدة –أو:من أصول الدين- وعلم اللغة العربية والأحكام.لماذا؟
لأن كلمة (علم الكلام) إن كانوا يقصدون بها العقيدة،فنقول:هذا لفظ بدعي لم يطلقه أهل السنة والجماعة على العقيدة،فالصحيح أنه مستمد من علم العقيدة.
أمر آخر يجب أن نعلمه:هو أن لعلم العقيدة أثر فعال في علم الأصول.

...................
ا.هـ ر2.

انبثاق
10-12-17 ||, 10:54 PM
(الـــــــدرس الثــــــــالث)

ثانيا:علم اللغة العربية؛لأن الشريعة جاءت بلغة العرب،ولذلك لابد لفهم الخطاب الشرعي من فهم اللغة العربية التي نزل بها الشرع.
لذا فقد اهتم الأصوليون ومباحثها التي يستفيدون منها في إخواج الأحكام من الأدلة.لماذا؟
لأن الدلالات والمباحث اللغوية لها ثمرة عظيمة في التغاير والاختلاف في الأحكام الشرعية،ولذلك يرى العلماء الأصوليون أنه لابد لطالب العلم أن يكون عنده قدر من العلم في هذا الجانب حتى يستطيع أن يستخرج به الأحكام،لذلك هناك مباحث بحثها أهل اللغة بشكل مبسط، فاشتغل بها الأصوليون،وقعدوا لها من جديد وبحثوها مباحث أوسع من أهل اللغة حتى أصبح علماء اللغة عالة عليهم،يرجعون إلى علماء الأصول في هذه المباحث،وذلك مثل:
حروف المعاني ودلالاتها (من،إلى،على،في) ونحو ذلك.
العلوم التي لم يستوفها النحويون واشتغل فيها الأصوليون وقعدوها مثل علم الدلالة من الألفاظ،يعني من حيث العموم والخصوص والأمر والنهي والإطلاق والتقييد والحقيقة والمجاز،هذه يبحثها النحويون لكن لم يستوفوا البحث فيها،فاشتغل فيها علماء الأصول حتى أصبح أهل اللغة في هذه المباحث عيالا على أهل الأصول يستفيدون منهم ويرجعون إليهم.
مثال على فائدة هذه الدلالات اللغوية واستقاء الأحكام منها:
نجد بعض حروف المعاني لها أكثر من معنى،قد تفوق العشرة،وأحيانا نجد أن الخلاف في فهم معنى الشريعة مبني على معرفة هذا الحرف..
مثال: قوله تعالى"وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به"
الواو في قوله تعالى"والراسخون" لها إطلاقات كثيرة جدا:
منهم من قال:إنها استئنافية
ومنهم من قال:إنها للعطف
ومنهم من قال: إنها للمعية
فما نوع الواو هنا؟لأن الخلاف في نوعها يبنى عليه الحكم،فلما اختلفوا في معنى الواو اختلفوا في الحكم الناتج عن ذلك.
مثال آخر: قوله تعالى"وامسحوا برؤوسكم " الباء لها معان كثيرة،أحيانا تأتي للسببية وأحيانا للإلصاق وأحيانا للتبعيض.
الشافعية هنا لما قالوابأن معنى الباء:التبعيض،يرون أنه لابأس من مسح بعض الرأس،قال بعضهم:يكفي مسح ثلاث شعرات فقط،واختلفوا في المقدار الواجب.
والذين قالوا : إن الباء للإلصاق،قالوا إن المعنى على تقدير: (وامسحوا ملصقين أيديكم برؤوسكم) ولم يتعرض هل هو الرأس كله او بعضه،قالوا:والأصل أن المقصود بالرأس كله - إذا أُطْلِق-.
ثالثا: علم الأحكام (علم الحلال والحرام) أو:علم الفقه؛لأنه لابد للمؤصِّل أن يكون عنده جملة من الفروع(أي جملة من الأحكام الفرعية) لماذا؟
حتى إذا ذكر هذه القاعدة الأصولية يمثل لها وويقعد لها بالتمثيل والتطبيق،ولذلك فإن الذي يذكر قواعد أصولية بدون تمثيل أو تطبيق تكون القواعد جامدة ميتة,ولذلك انتزع علماء الأصول بعض المسائل الفرعية ووضعوها في الأصول على سبيل التمثيل والتطبيق.
هذه ثلاثة علوم يستفيد منها الأصوليون,.
...
مسألة/ما حكم تعلم علم أصول الفقه؟
قال بعض أهل العلم:إن تعلمه فرض كفاية كالفقه،وقالوا:بأنه من جملة العلوم الشرعية التي إذا أهملتها الأمة بمجموعها أثمت الأمة جميعا..
وعلى هذا قالوا بأن تعلمه فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.
القول الثاني:قال به ابن عقيل من الحنابلة،قال:إن تعلمه فرض عين.وهذا قول شاذ ليس بصحيح،لأنه لم يقل أحد بفرضية علم حتى علم العقيدة مثلا وهو أهم من الأصول.
لكن ابن مفلح رحمه الله تعالى في كتابه أصول الفقه قال يعتذر لابن عقيل عن قوله بالفرضية: (قصد ابن عقيل أن ذلك في حق المجتهد بالمسائل الشرعية،ولنه لايمكن أن يستفيد من علمه ولاأن يفيد منه إلا أن يكون عالما بالأصول).
قد يكون لهذا وجه،إذا قلنا أن علم الأصول سنة أو فرض كفاية،فلا شك أنه فيمن هو أعلى منه منزلة يكون أقوى.
...
مسألة/أيهم نتعلم أولا:الفقه أم أصول الفقه؟
المسألة على خلاف:
قال بعض أهل العلم:الأَوْلى أن يتعلم الأصول أولا؛لأن أصل الشيء قبل فرعه،فمثال:البناء ،لاتبنى الجدر قبل أن توضع لها قواعد،وهذا قاله ابن عقيل،نسبه إليه ابن تيمية رحمه الله تعالى،وقال به بعض الأصوليين،ومنهم بعض الحنابلة،وعلة ذلك:أن الفروع لاتدرك إلا بأصولها.
القول الثاني:قال به بعض العلماء كأبي يعلى رحمه الله تعالى:يجب أن يتعلم الفقه أولا.لماذا؟
لأن الذي لايتعلم الفروع يستحيل أن يتعلم الأصول،وهذا له وجه قوي،لأن الذي لايعرف بعض الفروع هذا حلال وهذا حرام،فتفكيره أضعف من إدراك الأصول.
والراجح هو قول وسط في هذه المسألة:أن الإنسان يتعلم جملة غالبة من الفروع ثم يتعلم الأصول،لماذا؟
لأمرين:
-أن تعلم الفروع مما لابد منه للأعمال.
-أن تعلم جملة من الفروع يكون فيه ترويض وتدريب وتعود لدراسة الأصول.
...
مسألة/أهم المدونات في علم الأصول:
أهم كتاب في الأصول هو كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
*أهم الكتب على المذاهب:
أ- من كتب الحنفية:
كتاب أصول السرخسي.
كتاب تقويم الأدلة للدبوسي.
أصول الكرخي
رحمهم الله تعالى.
ب-من كتب المالكية:
أحكام الأصول،لأبي الوليد الباجي.
شرح تنقيح الأصول للقرافي.
رحمهما الله تعالى.
ج-من كتب الشافعية:
البرهان للجويني.
المستصفى للغزالي.
المحصول للرازي.
البحر المحيط للزركشي.
رحمهم الله تعالى.
د-من كتب الحنابلة:
أشهرها:كتاب روضة الناظر،وهذا هو المقرر في الجامعة الآن،ولكنه ليس بأ...الكتب لأمور:
1.لأن ابن قدامة مؤلف روضة الناظر لم يؤلف الكتاب استقلالا،وإنما هو اختصار للمستصفى للغزالي.
2.أن الكتاب فيه إبهام وغموض وصعوبة عبارة.
3.غير مرتب ترتيبا علميا.
شرح الكوكب المنير:وهذا سهل العبارة.
أصول الفقه لابن مفلح.
كتاب التمهيد.
كتاب العدة لأبي يعلى.
رحمهم الله تعالى.
...
وقبل أن ندخل في المتن نأخذ تعريفا لكتاب الورقات على عجل:
هو من كتب المتون سهل العبارة واضحها،اختار الإمام الجويني رحمه الله تعالى عدم الإكثار من الخلاف والمناقشة ،ولذلك كان في ورقات قليلة حاويا لمعظم المسائل،ولذلك اهتم بهذا الكتاب كثير من العلماء،حتى إنه قيل إن له ثمانون شرحا،وخاصة في القرنين الثامن والتاسع،ففيهما كثر كلام الناس في قضية تعلم العلم الشرعي بالتجريد والتأصيل،واشتغلوا بالحواشي والهوامش وشروح الكتب والتعليقات فقط.
من شروحه:
1.شرح جلال الدين المحلي،شرح مبسط.
2.كتاب الشرح الصغير لأحمد بن قاسم العبادي...وغيرها من الشروح.
والله تعالى أعلم

......................... ......


ا.هـ ر3.

انبثاق
10-12-21 ||, 07:55 PM
(الدرس الرابع)
بدأ الإمام ببسم الله ،ولم يذكر(الحمد لله) وهذا محمول على أمرين:
1/أن البسملة مقتضية لمعنى الحمد،فقوله: (بسم الله الرحمن الرحيم) متضمن لمعنى الحمد والثناء على الله عز وجل.
2/قيل إنه تركه اختصارا،لأن الأصل في الكتاب أنه من المختصرات.
ثم قال رحمه الله تعالى: (هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه،وذلك مؤلف من جزءين مفردين)
(هذه) يشير باسم الإشارة إلى ما بين أيدينا من الأوراق التي كتب فيها هذا العلم،والإشارة تعود إلى الأوراق،وإذا عادت إلى الأوراق يكون قوله (هذه ورقات) صحيح لايحتاج إلى إضمار،وعلى هذا مشى أكثر الشراح؛لأن اللفظ بدون إضمار أولى.
وقال بعضهم:فيه إضمار،قالوا: (هذه) إشارة إلى المعاني والألفاظ التي أوجدها في الورقات.
وقوله: (ورقات) جمع ورقة وهي التي تكتب فيها الكلمات.
قال سيبويه وغيره:إن (ورقات) جمع مؤنث سالم،والأصل في جموع السلامة:التقليل،فهو جمع قلة،وجمع الكثرة أن يقال: (أوراق)،وإن قال بعضهم في جموع السلامة أنها من جموع الكثرة.
قال الشراح:وصفها بأنها (ورقات) بناء على أن الجمع جمع قلة لأمرين:
1/لحقيقة قلتها/فهذا الكتاب قليل بالنسبة لغيره،فلو كتب المتن بخط اليد فلا يصل إلى 3 و4 ورقات تقريبا بالخط العادي.
2/التقليل من عدد الورقات لمعني،هو: تنشيط الهمم واستثارتها لمعرفة هذه الورقات،فطول المتن أحيانا يبعث في الإنسان الكسل،واستخدام التقليل لتنشيط النفوس،وهذا أمر ورد في كتاب الله عز وجل في أكثر من موضع لهذا الغرض: "أياما معدودات" ، قال الفقهاء:إن قوله معدودات لتقليلها حتى يبعث في النفس الهمة والجد في استغلال هذه الأيام القليلة المعدودة.
قال المصنف: (تشتمل)
الاشتمال معناه:الاحتواء والتضمن،احتواء وتضمن معرفة علم الأصول..فهي صفة للورقات..أي أن صفة هذه الورقات:اشتمالها على هذه المعرفة..
(على معرفة) المعرفة عند أهل الأصول: هي إدراك الشيء على ما هو عليه..فإذا عرف الإنسان الشيء معرفة حقيقية بالصورة المطابقة لذاته سميت هذه معرفة.
مثلا:لو سئل انسان عن الشرك فقال في تعريفه:أن تجعل لله ندا وهو خلقك،نقول:هذا عرف الشيء معرفة حقيقية.
الجهل:هو إدراك الشيء على غير ماهو عليه.
والعلماء رحمهم الله تعالى لايفرقون بين العلم والمعرفة إلا بفرق واحد،سواء أقلت:علمت أو عرفت فليس بينهما إلا فرق واحد.
ماهو؟
أن المعرفة مكتسبة،أي أن المعرفة بالشيء تكون مسبوقة بجهل هذا الشيء،يعني:إنسان تعلم معلومة جديدة كان جاهلا بها،فأخبر بها،فتكون هذه معرفة.
أما العلم فهو قديم،يعني أن الشيء موجد عنده قبل ثم أخبر به،فهذا لايسمى معرفة وإنا يسمى علما.
وعلى هذا:الأصل عدم التفريق بين العلم والمعرفة..فلو أعطي الإنسان مسألة وقيل له علمت أو عرفت فإن المعنى واحد؛لأنهما من الألفاظ المترادفة،إذا افترقا دلَّا على معنى واحد،كالإيمان والإسلام،حيث الإسلام يعني الأعمال الظاهرة و الإيمان يعني الأعمال الباطنة،هنا إذا اجتمعا في اللفظ يفترقان في المعنى والعكس بالعكس.أي إذا افترق اللفظ اجتمع المعنى،فيدل كل منهما على الآخر إذا اقتصر على ذكر أحدهما،وقد جاءت المعرفة في القرآن ويراد بها العلم كقوله تعالى:"مما عرفوا من الحق" أي:مما علموا.
قلنا:بأن المعرفة يسبقها جهل،وأما العلم فقديم،لذلك فإن الله تعالى يوصف بأنه عليم،ولا يوصف بأنه عارف..

....................
ا.هـ ر4

انبثاق
10-12-28 ||, 02:25 PM
(الدرس الخامس)
قوله: (على معرفة فصول)
الفصول:جمع فصل،وهو الحاجز بين الشيئين،أقول:هذا فاصل بين هذا وهذا،بمعنى أنه حاجز بينهما،ولذلك سميت فصول السنة فصولا؛لأن الواحد منها يحجز بين الاثنين،فمثلا: نقول فصل الربيع،لأنه يفصل بين الشتاء والصيف.
وأهل العلوم إذا أطلقوا (فصل،فإنما يريدون بذلك: (الفصل العلمي) الذي يفصل بين قسمين آخرين،أي:يفصل بين مجموعة مسائل يجمعها جنس واحد أو نوع واحد،والجنس أخص من النوع؛لأن الجنس أدق،ولذلك جرت العادة عند السلف على هذا المنوال،وهو أنهم يقسمون الكتاب إلى فصول،مثلا: (كتاب الصلاة،كتاب الصوم...الخ) يقسمونه إلى أبواب،مثلا: (باب شروط الصلاة) ثم يجعلون الأبواب مقسمة إلى فصول ، مثلا (فصل استقبال القبلة) والفصل قد يجعلونه مباحث،ولذلك يقال: فصل وفيه أربعة مباحث،وبعض الأحيان يقسمونه إلى مطالب.
مثال:
المبحث الأول/وفيه مطلبان،ثم يأتي بعده بعض المسائل.
بعضهم قد يتجاوز فيذكر الكتاب ثم الفصل والمسائل،وبعضهم قد يتوسع فيقسم إلى كتاب ،ويقسم الكتاب إلى أبواب والأبواب إلى فصول والفصول إلى مباحث والمباحث إلى مطالب والمطالب إلى مسائل.،وهكذا.
قال المصنف: (وذلك مؤلف من جزءين مفردين)
(ذلك) يعود إلى أصول الفقه.
ويجب أن نعرف أولا أن أصول الفقه يُعَرَّف باعتبارين:
الأول/ باعتبار أنه اسم مركب من قسمين:
1-أصول
2-الفقه
فيكون تعريفه تعريفا إضافيا،أي الذي يميزه إضافة الفقه إلى الأصول،فلا يمكن أن نعرف ما النتائج من أصول الفقه حتى نعرف كلمة (أصول) لوحدها وكلمة (فقه) لوحدها،وهذا يسمى تعريفا إضافيا.
الاعتبار الثاني/التعريف اللغوي،يعني يتبادر إلى أذهاننا كلمة أصول الفقه باعتبار أنها علم على أية حال.
والمؤلف-رحمه الله تعالى- عرف الأصول بهذين التعريفين جميعا: (الإضافي،واللغوي) فبدأ اولا بتعريف أصول الفقه بالتعريف الإضافي،ولذلك قال: (وذلك مؤلف من جزءين مفردين) المراد :أصول وفقه،إشارة إلى أنه يريد أن يعرفه تعريفا إضافيا.وعلى هذا فلا بد أن يعرف أولا كلمة (أصول) ثم يعرف كلمة(الفقه) ثم يعرف تعريفا عاما يجمعهما.
(مؤلف) أي:مركب
(من جزءين مفردين)أي أن (أصول) مفرد و(فقه)مفرد،فتقابل جزءين مفردين،والمفرد عند النحاة -كما نعلم-قسيم المثنى والجمع(زيد،زيدان،زيدون)مف رد،مثنى،جمع،وهذا ليس هو المقصود هنا.
وإنما المراد هنا،أنه أريد بالمفرد:ضد المركَّب،لأن أهل البلاغة يقولون:إن الكلام مركب أو مفرد،فعندهم(زيد،زيدان،زيد ون) مفرد لأنها كلمة واحدة،فيطلقون المفرد على الكلمة الواحدة،بغض النظر عن كونها مفردا أو مثنى أو جمعا،أما المركب عندهم فهو ما يكون بكلمتين أو أكثر كأن نقول: (دار حسين) فهذا عندهم مركب لماذا؟لنه من كلمتين.
فالمصنف يقصد من قوله:(مفردين) أنه ضد المركب.أي أنه: كلمة واحدة(أصول) وكلمة واحدة)فقه) ولو كان المقصود كما عند النحاةلكانت (أصول) جمعا.
ولذلك تعريف المركب عند ...:هو الذي لايتم جزؤه على جزء معناه،وإنما لابد أن يؤتى بالجزء الآخر.
بمعنى أنك إذا أتيت بجزء المركب،لايدل على نصف المعنى،فكلمة أصول تدل على نصف المعنى لكنها لاتدل على نصفه الآخر،كذلك كلمة(الفقه) نصف المعنى لكنها لاتدل على نصف كلمة (أصول الفقه) فالمعنى لايتم إلا بذكرهما جميعا.
قال رحمه الله تعالى: (فالأصل ما يبنى عليه غيره) هذا تعريف للأصل في اللغة،أي أن الأصل في اللغة هو:ما يبنى عليه غيره،سواء أكان حسيا أو معنويا.أي:أساس كل شيء ومصدره ، يعبر عنه بأصله،فأقول لك/ما أصل هذا المسجد؟ الجواب:قواعده. لأنه يبنى على هذه القواعد غيرها من الجدر والسقف والأعمدة،هذه الأعمدة والسقف والجدران مبنية على هذه القواعد،هذا أصل حسي.
ولذلك عبر عن الفرع فقال: (والفرع ما يبنى على غيره) ولاحاجة لنا في تعريف الفرع لأن الكلام على الأصل،لكن لبيان الأصل،حتى يتضح الأصل،فالفرع والأصل قسيمان.
إذن مثال الأصل الحسي:القاعدة في البناء.
والمعنوي:كقولنا:المسألة تقوم على الدليل،الدليل يسمى أصلا،لماذا؟
لننا عتمدنا عليه في الحكم،والمصنف رحمه الله تعالى عرف الأصل في اللغة ولم يعرفه في الشرع،ثم عرف الفقه في الاصطلاح ولم يعرفه في اللغة.
على كل،الأصل في الاصطلاح يطلق على إطلاقات كثيرة منها:
1/الدليل: يسمى أصلا،مثلا في كتاب البيوع يقولون:الأصل في البيع قوله تعالى: "وأحل الله البيع وحرم الربا" لما وجد هذا الدليل قامت المسألة فهو اصل المسألة التي قامت عليه.
2/القاعدة المستمرة.
فالقواعد المستمرة التي لاتختلف أبدا تسمى أصلا،نقول مثلا: الأمر يقتضي الوجوب.هذا أصل.
3/الراجح:إذا قلنا مثلا:إن الأصل في البيع الحل،فمعناه أن الراجح في البيع الحل،والأصل في المياه الطهارة مثلا،يعني أن الراجح في المياه أن الأصل فيها الطهارة.
4/الاستصحاب،مثلا نقول: الأصل في الأشياء الطهارة/كما قال السعدي رحمه الله تعالى في منظومة القواعد الفقهية(والأصل في مياهنا الطهارة***والأرض والثياب والحجارة) هذا هو الأصل،فنستصحب بقاء الطهارة في هذه الأشياء،ولانغير حتى ياتي الدليل الناقل للاستصحاب.
5/القياس،والمقصود بذلك/ الذي يقاس عليه يسمى : أصلا.
لأن القياس حتى يكون صحيحا يبنى على أربعة أشياء:
أصل،فرع،علة جامعة بينهما،حكم .
صورة القياس/أن يكون حكم الأصل قد ثبت بدليل من الكتاب أوالسنة،والفرع مسكوت عنه،وبينهما علة جامعة،فيقاس الفرع على الأصل،ويطلق الأصل بمعنى:المقيس عليه.
يعني مثلا:
عندنا الآن المخدرات لم ينص عليها،هذا فرع،
والخمر محرم بيِّن،هذا الأصل.
بين هذا الأصل وفرعه علة جامعة بينهما هي الإسكار.
فيحرم الفرع كالأصل.
فأصبح الأصل مقيسا عليه،ولذلك الأصل في الاصطلاح قد يطلق في القياس(فالمخدرات فرع مع أنها أشد خطورة،والعلة الجامعة الإسكار).

................
ا.هـ.ر5

انبثاق
11-01-01 ||, 03:23 PM
(الدرس السادس)
قال رحمه الله تعالى: (والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد)
هذا تعريف الفقه اصطلاحا.
أما الفقه في اللغة فهو الفهم مطلقا،قال الله تعالى:"قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول" أي:لانفهمه
وقال عز وجل:"فمال هؤلاء القوم لايكادون يفقهون حديثا" أي:لايفهمونه
وقال سبحانه:"ولكن لاتفقهون تسبيحهم"أي:لاتفهمون ذلك.
كما قال عز وجل:"وإن من شيء غلا يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم" وهل هذا التسبيح حقيقي أم مجازي؟
من أهل العلم من قال:إن التسبيح مجازي،ومعناه:أن وجود هذه المخلوقات دليل على تنزيه الله تعالى ، ولكن الصحيح أن تسبيح الجمادات تسبيح حقيقي كماقال تعالى :"وإن منشيء إلا يسبح بحمد ولكن لاتفقهون تسبيحهم" أي:لاتفهمونه.
وتعريف الفقه لغة بالفهم مطلقا هو الراجح في اللغة والله أعلم.
لأن هناك من قال:بأن تعريف الفقه في اللغة هو فقه الأشياء الدقيقة فقط،
يعني/على المعنى الأول فقه الأشياء مطلقا دقيقة وغير دقيقة,
أما على المعنى الثاني،ففه الأشياء المشتركة بين العقلاء فقالوا:لايصح تسميتها فقها،مثلا لو قيل:الربا محرم،والدليل على ذلك قول الله تعالى:"وأحل الله البيع وحرم الربا" نقول بأن هذا فقه لأنه ليس كل أحد يدرك ذلك،ولكن حينما نقول مثلا:السماء فوقنا والأرض تحتنا فعلى القول الثاني،قالوا: هذا لايسمى فقها لماذا؟لأن معرفة ذلك قدر مشترك بين العقلاء.
لكن الصحيح هو القول الول وأن الفقه في اللغة هو الفقهم مطلقا.
قال: (الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد) هذا تعريف الفقه مطلقا في الإصطلاح.
تقدم تعريف (المعرفة) ولكنه أضافها هنا إلى الأحكام،فليست كلمة مطلقة.
(الأحكام) جمع حكم،وهو في اللغة: المنع ،ولذا سمي القضاء حكما،لماذا؟قالوا:لن القاضي بحكمه يمنع الخصمين من غير الذي افترض لهما.
والحكم اصطلاحا،يعني مطلقا وليس في الاصطلاح لاشرعي: إضافة أمر لأمر او نفيه عنه، بمعنى أن يكون لدينا أمر فإذا أضفنا إليه شيئا أو نفينا عنه شيئا كان ذلك منا حكما عليه.
لو قلنا مثلا:البيع،ولم نحكم عليه بشيء،هذا لايسمى حكما،لكن عندما نقول:يجوز البيع الآن أضفنا إليه الجواز،هذا يسمى حكما، أو نفيه عنه،حتى النفي يكون حكما،فلو قلنا مثلا:الربا. هذا ليس حكما،لكن إذا قلنا:الربا لايجوز،الربا حرام،هذا حكم؛لأننا نفينا عنه الجواز.
*والحكم لايخلو من أربعة أمور:
1/أن يكون الحكم شرعيا،مثل:يجوز البيع ولايجوز الربا.هذا حكم شرعي.
2/قد تكون الأحكام عادية،كقولنا مثلا:الخبز مشبع،فهذا ثبت لنا بالعادة المستقرة ولم يثبت بالعقل،النفي في الأحكام العادية مثل:من لايسير لايصل،وهذا استقر بالعادة عند الناس أن من لايسير لايصل!
3/الحكم قد يكون عقليا،مثل:الواحد نصف الإثنين،هذا يدرك بالأحكام العقلية.
4/قد يكون الحكم لغويا،مثل:ذهب زيدٌ،فزيد واجب الرفع هذا إثبات حكم،أو نفيه عنه،نقول:زيد لايجوز نصبه.
فأراد الجويني رحمه الله تعالى من طالب العلم ان يتصور أن أصول الفقه لايبحث في كل الأحكام حينما قال: (معرفة الأحكام الشرعية) يعني:لايبحث في الأحكام العادية ولا بالأحكام العقلية ولا بالأحكام اللغوية،يعني:أخرج العقليات واللغويات والعاديات،وأبقى لك الحكم الشرعي.
*فائدة/على طالب العلم أن يكون عنده سعة بال لهذه التعريفات لأن علماء الأصول إذا اشتغلوا بشيء اشتغلوا بتعريف مفرداته،مايتركون شاردة ولاواردة إلا ويعرفونها.
قال: (معرفة الأحكام الشرعية)
فما هو الحكم الشرعي؟
هو خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا.
بمعنى آخر:اللفظ الذي يرد به الخطاب الشرعي الذي يتعلق بأفعال المكلفين،هو الحكم،أما الأخبار كإخباره سبحانه عن نوح ولوط عليهما السلام هذه لاتسمى أحكاما،هذه ليست أحكاما.
فأهلية التكليف والتأهيل لخطاب الله تعالى والمحاسبة،هذه لاتكون إلا للمكلفين،ولذلك كانوا هم المخاطبين،وأضاف الأفعال إليهم (المتعلق بأفعال المكلفين) وليس متعلقا بأفعال الخلق.
مانوع هذا الخطاب؟
(اقتضاء أو تخيير أو وضع)
ما معنى هذه الأشياء؟
الاقتضاء/ هو الطلب الذي يطلب من لامكلفين.والذي يطلب من المكلفين أربعة أنواع:
الواجب:مطلوب فعله
المندوب:مطلوب فعله
المحرم:مطلوب تركه
المكروه:مطلوب تركه
(او تخييرا) أي:العبد مخير هل يفعله أو لايفعله،وهذا هو المباح.
فقوله: (اقتضاء أو تخييرا) يشمل الأحكام التكليفية الخمسة(الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح)
(أو وضعا)
الوضع:هو الجعل
بمعنى:أن يجعل شيئا سببا لشيء أو شرطا له أو علة أو مانعا ولذلك يتبين أن أنواع الوضع هي السبب والشرط والعلة والمانع
*فالفقهاء عليهم رحمة الله تعالى يقسمون الحكم الشرعي إلى قسمين:
القسم الأول/الحكم التكليفي:يشمل(الواجب والمندوب والمحرم والمكروه والمباح) هذه أحكام تكليفية.
القسم الثاني/الحكم الوضعي: ويشمل (لسبب والشرط والعلة والمانع)وأدخل بعضهم مع الأحكام الوضعية: (البطلان والصحة والفساد والأعادة والقضاء والرخصة والعزيمة)
قال: (والفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد)
يعني أن الفقه يتناول الأحكام التي طريقها الاجتهاد،أما الأحكام التي ليس فيها اجتهاد فهذه لاتسمى فقها،فتخرج منه مسائل العقيدة؛لأن أصول العقيدة لا اجتهاد فيها،وعلى هذا لاتدخل في هذا التعريف.
وقوله : (التي طريقها الاجتهاد) فيه نظر؛لأن هناك مسائل طريقها الاجتهاد وليست من الفقه،وهناك مسائل لاتحتاج إلى اجتهاد وهي من الفقه.إذن كيف نجيب عن قول المصنف: (التي طريقها الاجتهاد)
نقول:لعله أراد بذلك : على سبيل التغليب،أي:التي طريق أغلبها الاجتهاد.
ومبدأ التغليب،أي:بيان الحكم الغالب،مبدأ شائع عند الفقهاء وهو معروف.
ثم قال: (والأحكام الشرعية سبعة:الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل)
هذا ن حكمان وضعيان من الأحكام الةضعية وليسا من الأحكام التكليفية كما تقدم.
ولذلك قال الناظم: ولم يفرق بين الأحكام التكليفية والوضعية وإنما جمعهما.
*الخلاصة في الأحكام الشرعية أنها على نوعين:
الأول: أحكام تكليفية،وهي ما طلب من الناس سواء كان أمرا أونهيا وسواء أكان على سبيل الإيجاب أو الاستحباب أم غير ذلك،والمباح يعتبر تكليفا على اقل اعتقاد.
الثاني:أحكام وضعية،وهذه لاتتعلق بأمر ولابنهي وإنما تتعلق بإصدار قرار شرعي على الفعل هل هو صحيح أم فاسد؟
مثلا/عقد النكاح:قد يكون صحيحا أو يكون فاسدا أو باطلا،وكذلك البيع هناك بيوع صحيحة وهناك بيوع فاسدة،فهي أحكام وضعية لأنها حكم على أعمال الإنسان،ومن أشهر أمثلتها/عقود الوكالة والبيوع وسائر المعاملات.
*وتقسيم الأحكام إلى هذين القسمين من المباحث التي يعتمد عليها لبيان شمولية الشريعة ومعرفة أحوال الناس،لأن الحكم الوضعي هو تطبيق للحكم التكليفي أحيانا،يعني:يحكم على الشيء أنه فاسد إذا خالف الحكم التكليفي فيقال:هذا العقد صحيح لأنه استوفيى الشروط،وعكسه الباطل،يعني نحكم على الشيء أنه خالف الشريعة،وهذا المبحث له علاقة بفهم الواقع فلا يمكن الحكم على أي شيء إلا بعد معرفته ومعرفة حكمه فعلم بذلك ان هذا التقسيم يدل على شمولية وسعة الشريعة الإسلامية فلله الحمد والمنة.
والله تعالى أعلم.
...
*كيف دخل المصنف في الأحكام وقد وعدنا ان يعرف أصول الفقه بتعريفه اللقبي،فكيف أقحم مسائل الأحكام الشرعية؟
نقول:لأن من عادة أهل الأصول أنهم إذا عرَّفوا شيئا اشتغلوا بتعريف مفرداته ثم يشتغلون بما يشمل عليه هذا التعريف،ولهذا لما قال: (والفقه معرفة الأحكام الشرعية) عرف المعرفة وعرف الأحكام والاجتهاد ليوضح التعريف ويذكر أحكام مفرداته ولذلك سيتكلم عن الفهم والعلم والمعرفة كل هذه جرها كلمة (معرفة) ولذلك لن يتكلم عن التعريف الثاني اللقبي لأصول الفقه إلا في ص39 تقريبا.
....
*موضع النجمات تقديم وتأخير بتصرف مني حتى لاينقطع تسلسل الكلام.

.......................
ا.هـر6

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-01-01 ||, 03:27 PM
بارك الله فيك وجزاك الله خيرا، ونفع بهذه الورقات في سجلات الأجر عند الله عز وجل، وما عند الله خير وأبقى.

انبثاق
11-01-02 ||, 08:21 PM
بارك الله فيك وجزاك وجزى الشيخ خيرا.


بارك الله فيك وجزاك الله خيرا، ونفع بهذه الورقات في سجلات الأجر عند الله عز وجل، وما عند الله خير وأبقى.

آمين وإياكم يا فضيلة الشيخ..
ولكم بمثل ما دعوتم وزيادة،إذ لكم فضل بعد الله في استفادتي من هذه الدروس.

انبثاق
11-01-07 ||, 07:43 AM
(الدرس السابع)

فال المصنف رحمه الله تعالى: (أقسام الأحكام التكليفية.فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه)
هذا تعريف الواجب في الاصطلاح،بمعنى:أن كل شيء يثاب على فعله شرعا،ويعاقب على تركه فهذا هو الواجب.
ولكننا لو تأملنا هذا التعريف لوجدناه تعريفا غير صحيح للواجب،وإنما هو حكم الواجب في لاحقيقة،لأنه لو قيل لنا ماحكم الواجب؟
لقلنا بأن الواجب هو ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه.
فعلى هذا:ماذكره المصنف رحمه الله تعالى هذا تعريف حكمي،فالمصنف رحمه الله تعالى عرف لنا الواجب تعريفا حكميا،فلم يصور لنا الواجب تصويرا صحيحا،والتعريف لابد أن يكون تصويرا للشيء.
فلو قيل لأحدنا:عرف الصلاة؟لقيل: هي ما يثاب على فعلها ويعاقب على تركها،هذا حقيقة بيان لحكم الصلاة.
ولذلك التعريف السهل للواجب عند الأصوليين : هو ما طلب الشارع فعله طلبا جازما.
فالأمر عند العرب ينقسم إلى قسمين/
1/الأمر الجازم.
2/الأمر غير الجازم.
والواجب نوعه من النوع اللازم،ولذلك كان مستحقا للعقوبة لما خالف هذا الأمر.
وهذا هو التعريف الصحيح للواجب.
قوله: (ما طلب الشارع فعله) يخرج من هذا:ما طلب الشارع تركه وهو المحرم والمكروه؛لأن الشارع طلب تركهما لافعلهما.
*ويخرج المباح أيضا؛ لأن المباح لم يطلب فعله،وإنما خير بين فعله وتركه،فهو غير مطلوب أصلا لا بالفعل ولا بالترك.
وقولنا: (طلبا جازما) يخرج به : المندوب؛لأن المندوب مطلوب فعله طلبا غير جازم.
#مسألة: (الفرض والواجب)
ما الفرق بين الفرض والواجب؟هل هما بمعنى واحد أم بينهما فرق؟
القول الأول:أن الفرض والواجب مترادفان عند الفقهاء، يعني كل واحد منهما يدل على الآخر،سواء أقلنا هذا واجب أو هذا فرض فهما بمعنى واحد.
هذا على مذهب الشافعي ومالك وأحمد رحمهم الله تعالى،فكل من الفرض والواجب يطلق على الآخر.
القول الثاني: قول الحنفية،فالحنفية رحمهم الله تعالى يفرقون بين الواجب والفرض،يعني: كل من الواجب والفرض طلب الشارع فعله طلبا جازما فما الفرق بينهما إذا عند الحنفية؟
قالوا بأن الفرق: باعتبار الدليل المثبت للحكم.
قال الحنفية:إن كان الدليل الذي ثبت به الحكم دليلا قطعيا فإننا نسميه فرضا،وإن كان ثابتا بدليل ظني فإننا نسميه واجبا.
وعلى هذا فعند الحنفية: الفرض آكد من الواجب.
الدليل الظني:كخبر الآحاد،والقراءة الشاذة عند من يقول بحجيتها أو القياس؛ لن القياس عند الحنفية من الأدلة الظنية كما سيأتي.
مثال القراءة الشاذة: قراءة عائشة رضي الله عنها"حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر"،وكذلك قراءة ابن مسعود رضي الله عنه:"فصيام ثلاثة أيام متتابعات" في كفارة اليمين،وكذلك قراءة ابن عباس رضي الله عنهما:"وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا".
فالفرض آكد من الواجب عند الحنفية.
والجمهور مع كونهم يسمونه فرضا أو واجبا، اللفظان مترادفان ،فهذا لايعني أنهم يقولون إن الواجبات بمنزلة واحدة،فالواجبات متفاوتة..منها ما هو أعظم في التشريع،مثلا: الصلاة واجبة ، وإعفاء اللحية كذلك،لكن ترك الصلاة كفر،وحلق اللحية ليس بكفر ولكنه كبيرة من كبائر لاذنوب.
وعلى هذافكونهما واجبان لايعني أنهما في منزلة واحدة وإنما التسمية باعتبار أنهما مطلوبان طلبا جازما.
#سؤال: ما اثر التفريق بين الفرض والواجب عند الحنفية؟
قالوا بأن أثر الفرق عند الحنفيين يبرز من وجهين:
الوجه الأول/
أن منكر الفرض الذي ثبت بدليل قطعي يكفر،ومنكر الواجب مبتدع ويفسق لكن لا يخرج من الملة، وهذا مرجعه إلى الدليل؛ لأن القطعي لاشبهة فيه قالوا:فمن جحده فقد جحده عنادا واستكبارا فحظه الكفر، بينما الذي يثبت بالظن وهو الواجب فقالوا بأن هذا مورد شبهة، فقد يكون مشتبها عليه وواردا عليه على غير المورد الذي أراده الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم فلذلك قالوا بأنه لايكفر بذلك.
بينما الجمهور يقولون: لافرق ، كل من صح عنده الحكم بدليل صحيح سواء أكان قطعيا أو زنيا فإنه يكفر بجحوده؛ لأن الاعتقاد أعظم من باب الأعمال، كيف هذا؟
يعني:قد يحلق الإنسان لحيته وهو يعتقد وجوب الإعفاء،فهذا فاسق، ولكن لو أنكر وجوب إعفاء اللحية وقد استبان له الدليل وظهر،فهذا يكفر بذلك لأنه رد شيئا مما جاء به الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم سواء أكان دليله قطعيا أو ظنيا؛ لن الذي تعبدنا بالدليل القطعي هو الذي تعبدنا بالدليل الظني،ولذلك الجمهور يقولون: كل من ثبت له الحكم ثم جحده كفر بذلك، ومن اشتبه عليه واجتهد فيه وهو من أهل الاجتهاد ورآى أنه غير واجب فإنه لا يكفر،بل الجمهور لايبدعونه أيضا.
الوجه الثاني/
أنه إذا كان في عبادة وترك فيها شيئا فرضا،قال الحنفية:تبطل العبادة بذلك،لكنه لو ترك واجبا فإنها لاتبطل لكنه يأثم، يرون أنه يأثم فقط لأنه تساهل بذلك وهذا رقة في الدين.
مثال ذلك: عند الحنفية يقولون بأن قراء الفاتحة في الصلاة واجبة؛ لأنها ثبتت عندهم بدليل ظني،ولذلك يرون أنه إذا لم يقرأ الفاتحة في صلاته فإنهم يرون أن صلاته صحيحة،نعم هو يأثم بذلك وربما يلاقي الله تعالى على صورة سيئة،ولكن صلاته صحيحة لماذا؟ تقعيدا على قولهم (إن تارك الواجب إذا كان وسط عبادة فعبادته لاتبطل)،وقراءة الفاتحة ثبتت بخبر واحد وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم:"لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب".
لكن قالوا: إن حكم القراءة في الصلاة ولو آية هذا فرض؛ لأن هذا ثبت الأمر به بدليل قطعي، لقوله تعالى:"فاقرؤوا ما تيسر من القرآن" فعلى هذا لو لم يقرأ شيئا، لا الفاتحة ولا غيرها فحكم صلاته: باطلة عند الحنفية، لكنه لو ترك قراءة الفاتحة عند الحنفية وقرأ ولو آية والحدة من القرآن،مثلا قرأ:"مدهآمتان" فصلاته صحيحة.وهذا عجيب.
وهذا يبين شيئا من مسألة: اثر الاختلاف في المسائل الفرعية بناء على التقعيد في الأصول،هذا من الآثار،وعلى هذا: من يقرأ مثلا في الفروع وقرأ مثلا قول الحنفية هذا يتعجب،فكيف يرون أن ترك الفاتحة لاتبطل به الصلاة بينما عدم قراءة آية واحد يبطل الصلاة؟!
فيفهم من ذلك:أن اختلاف أهل العلم رحمهم الله تعالى في المسائل الفرعية مبني على اختلافهم في المسائل الأصولية.
ولا شك أن الراجح في هذه المسألة –والله أعلم- هو قول الجمهور وهو أن الفرض والواجب بمعنى واحد وأنهما من الألفاظ المترادفة.
#مسألة: ما هي الألفاظ التي إذا وردت في الشرع دلت على الوجوب؟
وهذه الألفاظ نستفيد منها في ترجيح حكم على حكم لو حصل في المسألة خلاف.
1/فعل الأمر (افعل) كقوله تعالى:"أقم الصلاة" هذا فعل أمر،يدل على الوجوب مباشرة على القول الراجح،سواء أكان مفردا "أقم" أم مثنى "أقيما" او جمعا "أقيموا".
2/المصدر الذي ينوب عن فعل الأمر، كقوله تعالى: "فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب"
ضرب:مفعول مطلق ناب عن فعل الأمر،أصل الجملة: فإذا لقيتم الذين كفروا فاضربوهم ضرب الرقاب.
3/الفعل المضارع المقترن باللام، مثل قول الله تعالى:"لينفق" ينفق:فعل مضارع،فإذا جاءت قبله اللام دلت على الحث والطلب كما في قوله تعالى:"ثم ليقطع".
4/أن يبين أن هذا الأمر متحتم ولازم، كقوله تعالى: "كان على ربك حتما مقضيا" أي:أمرا واجبا.
5/أن يخبر الله سبحانه وتعالى أنه مكتوب علينا، كما في قوله تعالى"يآيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام" وكما في قوله تعالى:"كتب عليكم القتال وهو كره لكم" وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم:"خمس صلوات كتبهن الله" أي: فرضهن.فإذا أخبر الله تعالى انه مكتوب فهذا يدل على الوجوب.
6/الإخبار بأن الله تعالى قضاه وقدره، كما قال سبحانه وتعالى:"وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين غحسانا" أي: أوجبه ةأمر به.
7/أن يتوعد على تركه،فإذا توعد على ترك أمر: دل على وجوبه؛ لأنه لايتوعد على ترك مندوب ولا على ترك مباح، كما قال سبحانه وتعالى:"فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا" لماذا "غيا" ؟ لأنهم أضاعوا الصلاة،فدل على وجوبها.
هذه هي الألفاظ التي إذا وردت في الشرع دلت على الوجوب.
وعلى هذا إذا كان طالب العلم يقرأ القرآن ومر عليه فعل الأمر (افعل) أو المصدر الذي ينوب عن فعل الأمر...

والله تعالى أعلم.

........................

ا.ه.ر7

انبثاق
11-01-08 ||, 10:34 PM
الدرس الثامن

قال المصنف: (والمندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه، والمباح ما لايثاب على فعله ولا يعاقب على تركه)
المندوب في اللغة: المدعو إليه؛ لأن الندب في اللغة من الدعاء،على حد قول الشاعر:
لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا
أي لا يسألون أخاهم حين يدعوهم إلى هذا.
والمندوب في اللغة الأصل أن نقول: المندوب إليه، ما نقول المندوب فقط، ولكن حذف الجار والمجرور، قالوا:للاختصار وللعلم به وإنما قلنا: إن الأصل أن يقال (المندوب إليه) لأن الواجب لا يحتاج إلى إضمار، لكن المندوب يقال: مندوب إليه أي المندوب إلى فعله؛ لأنه مما يعدى بحرف الجر فلا بد من وجوده.
في الاصطلاح: عرفه المؤلف بقوله: (ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه) وهذا كما سبق في تعريف الواجب أن هذا من باب التعريف بالحكم،يعني هذا تعريف حكم المندوب ، وليس تعريفا له.
أما التعريف الصحيح فيقال: المندوب هو ما طلب الشارع فعله طلبا غير جازم.
فهو يفارق الواجب من جهة واحدة، وهي أن الواجب طلب الشارع فعله طلبا جازما، والمندوب طلب الشارع فعله لكن طلبا غير جازم، يعني الواجب طلب الشارع فعله على وجه اللزوم،وهنا طلب الشارع فعله على سبيل غير اللزوم، يعني ليس لازما،
ويخرج بقولنا (ما طلب الشارع فعله) يخرج من ذلك: المباح؛ لأن المباح ماخير الأطفال بين فعله وتركه،ولم يطلب الشارع فعله إنما الإنسان مخير فيه،كذلك يخرج المحرم والمكروه؛لأن كلا منهما طلب الشارع تركه وليس فعله.
# مسألة: ما هي الألفاظ التي تدل على الندب،أي: التي إذا جاءت في القرآن ولاسنة دلت على أن هذا الفعل مندوب يعني مستحب؟
1/قال الفقهاء: إن أصل كلمة (افعل) يعني فعل الأمر،أنها من ألفاظ الوجوب،كلمة (افعل) أيضا تدل على الندب لكن بشرط: أن يقترن فعل الأمر هذا بدليل آخر يصرفه من الوجوب إلى الندب، فإذا أتت كلمة (افعل ) لوحدها لانستفيد منها إلا الوجوب لا الندب، ولا نستفيد منها الندب إلا إذا وجد صارف يصرفه من الوجوب للندب.
مثال ذلك:
أن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم صحابته بشيء ثم يتركه مرة، فتركه مرة لايدل على النسخ كما يتوهم البعض،فالنسخ كما يقول العلماء ثقيل،ويجب على المجتهد العالم أن يحرص حرصا شديدا ألا يذهب إلى النسخ يعني لايقول هذا الحديث منسوخ،لماذا؟
لأن من شأن العالم المجتهد أن يعمل الدليل قدر الإمكان،أي:يستفيد من الدليل بقدر الإمكان، ولذلك قالوا:إن الشيء إذا أمر به النبي صلى الله عليه وسلم ثم تركه مرة فهذا يدل على أنه سنة،أي: مندوب مع أنه أمر به،ما الذي صرفه من الوجوب إلى الندب؟ الدليل، ما هو الدليل؟ كونه تركه مرة؛ فلو كان واجبا لما تركه النبي صلى الله عليه وسلم.
مثال ذلك: قوله تعالى:"يآأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه"
الآن كلمة "فاكتبوه" هذا فعل أمر،لو لم يرد في الكتابة إلا هذه الآية لفهمنا أن كتابة الدين واجبة،لكن لما علمنا من حال النبي صلى الله عليه وسلم على ضوء الأحاديث المتواترة سواء في بيعه وشرائه ووصيته للصحابة بالشراء وأنهم يشترون ولا يكتبون دل ذلك على أنه ليس بواجب، لأنه لايكون واجبا ويتركه النبي صلى الله عليه وسلم،حاشاه عليه الصلاة والسلام بأبي هو وأمي،حتى إن بعض الفقهاء قالوا:إن قوله تعالى"فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته" قالوا: هذا تحويل من الوجوب إلى الندب،لماذا؟
لأنه تعالى قال:"فليؤد" ولم يفل:(ليكتباه) وإنما أمر بالأداء فقط.
2/من الألفاظ التي تدل على الندب:أن يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الفعل سنة.
كقول النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان:"فرض الله عليكم صيامه،وسننت لكم قيامه" هذا يدل على أن القيام مندوب وليس بواجب.
# مسألة: المندوب يسميه الأصوليون مندوبا،ويسميه الفقهاء: سنة.
فإذا قرأت في كتب الفقه قولهم (سنة) فإنهم يريدون المندوب.
أهل العقيدة إذا أطلقوا لفظ السنة لايريدون بها الاصطلاح الفقهي،وإنما يريدون بها ما يقابل البدعة،وعندما يقال: فلان سني،فليس المراد أنه يكثر النوافل وإنما المراد انه ليس من المبتدعة،ويقولون مثلا: سنة النبي صلى الله عليه وسلم يقصدون بها الموافق للشريعة؛لأنهم في باب العقائد: الذي لايوافق الشريعة من البدعة،ولذلك حملوا قول ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله عز وجل:"يو تبيض وجوه وتسود وجوه" قال: تبيض وجوه أهل السنة وتسود وجوه أهل البدعة،فجعل السنة في مقابل البدعة،وهذا هو الإطلاق المتعارف عند علماء العقيدة (أن السنة تكون في مقابل البدعة).
*المندوب يسمى: سنة و يسمى مستحب،ويسمى تطوعا ويسمى نافلة ويسمة فضيلة وإحسانا.والمشهور من الألفاظ هو المندوب والسنة،ثم يأتي المستحب والتطوع،وأما قوله (فضيلة وإحسانا) ليسا بمشهورين.
# مسألة: أنواع المندوب:
المندوب على قسمين:
1/السنة المؤكدة............2/السنة غير المؤكدة.
ما ضابط كل منهما؟
قالوا:السنة المؤكدة هي:
التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم وواظب عليها ولم يتركها أبدا إلا لعذر،مثل: ركعتي الفجر والوتر وكذلك العقيقة عند من قال إنها سنة والعيد والكسوف عند من قال إنها سنة على خلاف فيهما هل هما سنة أو واجب، نحن كما قلنا في أصول الفقه نمثل، لسنا نبين أحكاما شرعية،فلتتنبه، نحن نمثل تمثيلا على قول قد يكون مرجوحا.
أما ضابط السنة غير المؤكدة:
فهي التي أمر بها النبي صلى الله عليه وسلم ،ولكن علم من أحواله أنه لايواظب عليها دائما،يعني يتركها أحيانا ويفعلها أحيانا أخرى،كصلاة أربع ركعات قبل العصر مثلا،والركعتان اللتان قبل المغرب،أيضا سنة القدوم من السفر،هذه كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها تارة ويتركها تارة.

يتبع بعون الله تعالى.

انبثاق
11-01-14 ||, 04:04 PM
# مسألة/ إذا بدأ الإنسان في المندوب فهل يلزمه الإتمام ويحرم عليه القطع، أو أن له أن يتم وله أن يقطع؟
مثلا: إنسان شرع في نافلة، لما كبِّر، نقول: هل هذا الإنسان مخير بين قطع هذه النافلة وإتمامها،أم أنه لاخيار له بها، أي أنه بعد أن تلبس بها أصبحت واجبة؟
مثل لو صام الإنسان نفلا ، هل لابد إذا شرع في الصيام أن يتم الإنسان صومه أم أنه مخير؟
هذا على خلاف:
القول الأول: الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة قالوا: بأن الذي يشرع في النافلة مخير، له أن يواصل وله أن يقطع
وخالف في ذلك وهو القول الثاني الحنفية،قالوا: بأن هذا الشيء الأصل أنه مندوب مستحب لكن لما شرع فيه تحتم عليه وأصبح واجبا عليه وليس له خيار في قطعه.
والجمهور الذين قالوا بأنه مخير، لايقولون بذلك على الإطلاق،وقالوا بأن كثرة قطع النوافل دليل على رقة في الدين والأولى بالمؤمن ألا يفعل ذلك،قالوا: بأنه لو فعله لحاجة فإنه لايأثم،فكما أنه ابتداء له الفعل والترك فإنه إذا شرع له الفعل والترك؛ لأن الأصل الفعل أو الترك.
دليل الجمهور:
1/حديث أم هانيء رضي الله تعالى عنها كما رواه الإمام أحمد وأبو داوود والترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصائم المتطوع أمير نفسه إن شاء صام وإن شاء أفطر"
قوله: (إن شاء صام) يعني: استمر
(وإن شاء أفطر) أي : قَطَع
قالوا : هذا يدل على أن النافلة تسمى تطوعا (الصائم المتطوع) فقالوا:إن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر أنه في صوم النافلة يكون الإنسان مخيرا بين الإتمام والقطع، قالوا : فإذا جاز هذا في الصوم فقد جاز في سائر العبادات.
2/ قالوا: قبل مباشرة هذا الفعل فلإنسان مخير بين الفعل والترك ، كذلك بعد المباشرة فالإنسان مخير بين ذلك ، يعني لا أحد يستطيع أن يقول: إن صيام النفل واجب، لماذا؟ استصحابا للأصل ، وهو: أن اللإنسان مخير في التطوع ، قالوا: يجب علينا أن نستصحب هذا الأصل وهو أنه مندوب فيه، يعني : لم يتغير من الحكم شيء قبل الشروع فيه أو بعد ، هكذا قالوا.

أدلة الحنفية:
يستدلون بعمومات أدلة ليست نصا في المسألة ولعل هذا مما يضعف أدلتهم ، من أدلتهم:
1/ قالوا: عن الله تعالى نهانا عن إبطال الأعمال لقوله عز وجل "ولا تبطلوا أعمالكم"، فقالوا: إن قطع الصلاة بعد الشروع فيها إبطال –على مذهبهم- فقالوا: هذا يكون منهيا عنه ، قالوا: وليس هناك معنى للنهي عن الإبطال إلا لكونها قد انتقلت إلى الوجوب.
أجاب الجمهور:
1/بأن المراد بقوله تعالى: "ولاتبطلوا أعمالكم" ليس المراد : عدم قطعها ، وإنما المراد : عدم إبطالها بالرياء؛لأن العمل قد تبقى صورته –نسأل الله العافية- ويحبط بالمراءاة ، كما لو تصدق إنسان بـ 50 أو 60 ريالا رياء وسمعة ، صورته باقية ، ولكن العمل حابط .
2/ وقالوا : لنفرض أن هذه الآية نص في النهي عن القطع ، قالوا: إلا أننا نستثني منه المندوب بالدليل ، يعني : لو قلنا إن الآية تدل على النهي عن إبطال العمل بالقطع كما قال الحنفية ، فإننا نستثني من ذلك المندوب ، لماذا؟ قالوا : للدليل ، ما هو الدليل؟ قالوا : إن قول الله عز وجل "ولا تبطلوا أعمالكم" دليل عام لكل الأعمال ، وقوله "الصائم المتطوع أمير نفسه" استثناء ، ولذلك قالوا: نُعْمِل العموم وهو أنه لا يجوز إبطال الأعمال إلا التطوع ، فعلى هذا يرون أن حديث أم هانيء مخصِّصٌ.
2/من أدلة الحنفية –تعليل- :قالوا :إن العبادة إذا شرع فيها الإنسان أصبحت حقا لله عز وجل ، وحق الله تعالى يجب أن يصان عن الإبطال.
وهذا تعليل وجيه جدا ، والحنفية هم أئمة التعليل عند أهل السنة والجماعة ، تعليلهم قوي ، لو لم يرد إلا هذا الدليل لكان مقنعا ، لكن يجاب عن ذلك –وهذا يستفاد منه في قضية الجمع بين الأدلة والمتعارضات- هذا التعليل صحيح نعم ، ولكن نقول: إننا لاننظر لهذا التعليل ، لماذا؟ لأنه في مقابلة النص ، ما هو النص؟ النص : حديث أم هانيء.
وهذه قاعدة: (إذا تعارض الدليل والتعليل فإنه يقدم الدليل) والعقول إذا تعارضت مع النقول دل ذلك على فساد العقول. *
وعلى ذلك ، فالراجح في المسألة : أن النفل يستمر نفلا حتى بعد اشروع فيه.

- ما ثمرة الخلاف بين الفريقين؟

لأنه لو لم يكن فيه ثمرة لكان ذلك لجاجا وخصومة ، والخلاف الذي ليس له ثمرة لايعد خلافا ةإنما يعد اختلافا.
- الثمرة الأولى : الجمهور يقولون : إذا شرع فيها استمرت نافلة، والحنفية يقولون : إذا شرع في النافلة انتقلت إلى واجبة.
- الثمرة الثانية : الجمهور قالوا : إذا قطعها لايأثم .
والحنفية قالوا : إذا قطعها يأثم بقطعها لأنه قطع واجبا ، ويجب عليه القضاء .
يعني : لو كبر الإنسان للوتر ثم قطعها فقد اشتغلت ذكته يجب عليه الإعادة زيأثم على الترك؛لأنها انتقلت إلى واجبة عند الحنفية.
الجمهور قالوا:لو قطعها لايعيد ولايجب عليه القضاء
لكن هناك نوعان من العبادات استثناها الجمهور بالنص , وقالوا :إذا شرع فيهما وجبا ، وهما : الحج والعمرة ؛ لأنهما خارجان عن الدليل : "الصائم المتطوع أمير نفسه" فهذا عام في كل النوافل إلا الحج والعمرة ؛ لقوله عز وجل : "وأتموا الحج والعمرة لله" فدل على أنه إذا شرع في الحج والعمرة وجب الإتمام ؛ لأن قوله "وأتموا" غير (افعلوا).
- ما الفرق بينهما ؟
الفرق هو أن الفعل يكون الأمر به قبل الابتداء ، والأمر بالإتمام يكون بعد الابتداء ،و لذلك الإنسان إذا حج نافلة لو فعل مفسدا كلجماع قبل التحلل الأول، هناك قول من يرى أنه يقضيه من العام القادم ؛ لأنه لما تلبس بالنافلة انتقل إلى واجب في الحج والعمرة.
......................... .......................
*وعلى هذا ما يكتبه بعض المستصحفين في الصحف ، الذين لايعرفون من الشريعة إلا رسومها ، أما أنهم لو كانوا من الطير لكانوا رخما ، ولو كانوا من الحيوانات لكانوا حمرا ، هذا الوصف الذي ينطبق عليهم ، رخم الطيور لاتقع إلا على الجيف ، وحمر الحيوانات بالنسبة لغبائهم ، فنجد هؤلاء المستصحفين وأنصاف الكتاب يعللون بأقيستهم الفاسدة وعقولهم الباطلة الممجوجة ، وجنوا على لاشريعة جناية لايعلم مداها إلا الله تعالى ، وكل هذا تحت مسمى أنه ليس في الإسلام رجال دين ، ونحن نقول : صدقتم ، ولكن فيه علماء دين ، يذبون عنه ويوضحون مشكله ويبينون متشابهه ، فهل يفقه هؤلاء لامستصحفون مثل هذه القضايا وهذه القاواعد الجميلة ؟! هل يفقهون أن العقول إذا تعارضت مع النقول دل ذلك على ضياع العقول وليس النقول .. إذا تعارض النص مع العقل دل ذلك على فساد العقل ، وإذا توافقا دل ذلك على صحة العقل، ولكن كثيرا ما يقيسون بأقيستهم لافاسدة ويعللون بتعليلاتهم الممجوجة والله تعالى المستعان .
والله تعالى أعلم.

...................

ا.هـ ر8

انبثاق
11-01-16 ||, 05:32 PM
الدرس التاسع
قال المصنف رحمه الله تعالى : (والمباح ما لايثاب على فعله ولايعاقب على تركه)
هذا هو تعريف المؤلف للمباح , وقد سلك المؤلف رحمه الله في هذا التعريف المسلك الذي ارتضاه في تعريف الأحكام التكليفية كلها ، وهو كما تقدم تعريفه باعتبار حكمه مع أنه تقدم أن هذا التعريف فيه نظر.
الإباحة في اللغة : هي الإعلان ، نقول : باح فلان بسره ، أي : أعلنه .
ويطلق المباح ويراد به : المأذون في فعله ، كأن تقول : أبحت لك أن تأكل من ثمر بستاني ، أو : أبحت لك أن تدخل داري ، أي : أذنت لك بهذا الفعل .
والإباحة في المعنى الإصطلاحي –لو تأملت – مأخوذة من المعنى الثاني وهو : الإذن ؛ لأن المباح في الأصل مأذون في فعله وفي تركه ، ولذلك سمي مباحا.
وعلى هذا فالمباح باعتبار الحقيقة لا الحكم هو : ما خير الشارع بين فعله وتركه.
والمراد بذلك : أن الشارع ليس له فيه أمر جازم ، لابطلب فعل ولا بطلب ترك ، وليس له أيضا أمر بطلب غير جازم بفعل ولا بغير فعل ، وإنما أبيح من حيث المعنى الللغوي في الفعل والترك وجعل الشارع الفعل وعدمه إلى خيرة المكلف ، ولذلك خيَّره أن يفعله أو لا يفعله.
لكن انتبه/
كونه خيره هل يفعل أو لا يفعل ، ليس له معنى إلا أنه لا يترتب عليه إثابة ولاعقوبة ، لأن معنى التخيير : أن يكون عديم الأثر من حيث الإثابة ومن حيث العقاب ، لأنه لو كان يترتب عقاب على الفعل أو على الترك لما كان مخيرا ، وكذلك لو كان يترتب عليه إثابة بفعله أو تركه لما كان مخيرا أيضا.
فالتعريف الصحيح أن يقال : (ما خير لاشارع بين فعله وتركه) هذا تعريف باعتبار ذاته.
وتعريف المؤلف بقوله : (والمباح ما لايثاب على فعله ولا يعاقب على تركه) مع أنه تعريف بالحكم إلا أنه تعريف قاصر ، لماذا؟
قال : (ما لايثاب على فعله) ، هنا سؤال : هل يثاب على تركه؟
لا ، لايثاب على تركه ، إذا تعريفه ناقص.
ثم قال : (ولا يعاقب على تركه) هنا ايضا سؤال : هل يعاقب على فعله؟
لا ، لايعاقب على فعله .
إذا كان الأولى بالمصنف أن يقول : (ما لايثاب على فعله وتركه ، ولايعاقب على فعله وتركه)
هذا التعريف الأصح ، لماذا؟ لأن الإثابة والمعاقبة مرتبطة بالفعل والترك جميعا ، وهو قد ربط الإثابة بالفعل وربط عدم المعاقبة بالترك.
فقول المصنف : (ولا يعاقب على تركه) قد يدخل فيه المندوب ؛ لأنه لايعاقب على تركه.
والمباح لما كان الإنسان مخيرا في فعله كانت لا تتعلق فيه أحكام أبدا ، ما يتعلق به حكم أدبا لا بالترك ولا بالفعل ،فتكون الصور أربعا:
1/ عدم الإثابة على الفعل (هذه ذكرها المصنف)
2/ عدم المعاقبة على الفعل (هذه ما ذكرها المصنف)
3/ عدم المعاقبة على الترك (هذه ذكرها المصنف)
4/ عدم الإثابة على الترك.
فتكون الصور أربعا ، لو اختلفت واحدة من هذه الصور الأربع لم يكن مخيرا ، ولذلك الأجمع في التعريف بالحكم أن نقول: (ما لايثاب على فعله وتركه ، ولايعاقب على فعله وتركه).

يتبع إن شاء الله تعالى.

انبثاق
11-01-17 ||, 04:27 PM
# مسألة : ماهي ألفاظ الإباحة ؟ أي : ما هي الألفاظ التي إذا جاءت في القرآن والسنة دلت على الإباحة؟
جاءت في القرآن والسنة ألفاظ كثيرة تدل على الإباحة ، منها:
1/ لفظ (افعل) إذا صُرف من الوجوب إلى الإباحة ، دل على الإباحة ، يعني : لفظ (افعل) هو في الأصل من ألفاظ الوجوب ، لكن وجد صارف صرفه من الوجوب إلى الإباحة.
كقول الله تعالى : "وكلوا واشربوا ولا تسرفوا" فالأمر (كلوا واشربوا) الأصل أنه للوجوب ، ولكن لما قال : ولاتسرفوا ، دل على أن الأول مأذون فيه ، يعني الأكل والشرب ، وأن الثاني هو المنهي عنه (ولا تسرفوا) ولذلك : (لاتسرفوا) هذه للتحريم ، (وكلوا واشربوا) للإباحة ، وإنما انتقل من الوجوب للإباحة للقرينة الصارفة.
2/ النص على الحل :
يعني : أن تأتي الآية أو الحديث بالنص على الحل ، كقوله عز وجل :"اليوم أحل لكم الطيبات" وقوله :"فكلوا واشربوا مما رزقكم الله حلالا طيبا" وقوله :"وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم" وقوله :"أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم".
ومن السنة : قوله صلى الله عليه وسلم :"أحل لنا ميتتان ودمان" وهكذا مشتقات حلل كلها ، أحل أو حل أو حلال ونحو ذلك
3/ نفي الإثم عن المكلف:
كما في قوله تعالى:"فلا إثم عليه" إذا نفي الأثم دل على الإباحة.
4/ نفي الحرج:
وهذا يدل على إباحة الفعل لمن نفي عنه الحرج ، سواء أكان نفي الحرج عن الأمة كلها أو لفئة معينة من الناس ، كما في قول الله تعالى :"ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج..."الخ ، فإنها تدل على إباحة عدم خروج هؤلاء إلى الجهاد استثناء من غيرهم.

[ وكل نفي حرج في الشريعة يدل على أنه مباح إلا ما دل الدليل على عدمه]
كما في قوله عز و جل :"وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة"
لو لم ترد إلا هذه الآية لدل على أن القصر مباح ، لكن جاءت الأدلة الأخرى من قوله عليه الصلاة والسلام أو فعله أو أمره على أنه سنة أو واجب على الخلاف المشهور ، والصحيح : أن أقل أحوال الكراهة ، يعني: يكره الإتمام في السفر ، مع أن الحنفية قالوا : يحرم الإتمام في حال السفر ، ولذلك فعلى المرأة إذا صلت في سفر في شقة أو في بيتها ولم تصل مع الإمام أن تقصر الصلاة ، وعلى هذا نقول : نفي الحرج يدل على الإباحة إلا إذا جاء دليل آخر يبين أن نفي الحرج لعدم الوجوب فقط .
5/ الاستصحاب:
يعني باستصحاب الأصل ، أي إن الله تعالى لما أخبرنا أن الأصل بأن كل ما خلقه على الأرض مباح لنا كما قال تعالى :"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" دل على أنها مباحة يجوز استعمالها وأكلها وشرب مشروبها ...الخ هذا هو أصلها ، إلا إذا دل دليل على أن هذا الشيء واجب أو مكروه أو مندوب أو محرم ، يعني : الأصل في الأشياء التي خلقها الله تعالى أنها مباحة، وعلى هذا ننتبه :
إن الناقل لأي شيء من معطيات الحياة من الإباحة إلى حكم آخر يحتاج إلى دليل.
يعني : قد يتنازع الناس على نوع من أنواع الجبن مثلا ، فيقول : هذا الجبن فيه شحم خنزير ، من المطالب بالدليل ؟
المطالب هو المحرِّم ، لماذا؟ لأن الأصل أن هذا الشيء مباح ؛ لأن هذا استصحاب للأصل ، والله سبحانه وتعالى امتن علينا فقال:"هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا" ولا يمتن الله تعالى على عباده إلا بشيء مباح ، هذا هو الأصل ، ولذلك عندما تقرأ كتاب الأطعمة في الفقه تجد أنهم جعلوا ضوابط للحيوانات المحرمة ما جعلوا ضوابط للحيوانات المباحة ، دليل على أن الباقي كله مباح ، ولذلك الذي يطالب بالدليل هو الناقل من الحل إلى الندب أو الكراهة أو إلى الوجوب أو إلىى التحريم.
ما الدليل على أنه مباح؟
الدليل : عدم الدليل ؛ لأننا سنستصحب أصل هذه المنافع ، والأصل فيها الإباحة ، والقول بأنها واجبة أو مندوبة أو محرمة هذا لا بد من دليل ينقلها عن الإباحة التي هي الأصل.
ولذلك لا يستحسن للإنسان أن يسأل عن كل مسألة بعينها ، مثلا يقول: اعطني دليلا على جواز لبس النظارة مثلا، لا .
يجب أن يقول : أعطني دليلا على تحريمها .
لأن الدليل عندنا : استصحاب الأصل ، والأصل فيها الإباحة.
وأيضا : العقل السليم يدل على أن الشيء إذا ثبت على صورة معنية ، الأصل بقاؤه واستمراره حتى يأتي المغيِّر.
يتبع إن شاء الله تعالى.
......................... .......................

أبو عبد الله المصلحي
11-01-17 ||, 08:44 PM
بارك الله فيكم.
وزادكم علماً وعملا.
فوائد نافعات، وتاصيلات واضحات.
مجهودٌ كبير ، وعملٌ بالشكر جدير.

انبثاق
11-01-18 ||, 06:59 AM
وفيكم بارك الله تعالى شيخي الكريم..
آمين ، ولكم بمثل.

انبثاق
11-02-21 ||, 12:39 AM
مسألة : حكم المباح.
المباح في أصله لا أجر فيه ولاعقاب ، لماذا ؟
لأننا قلنا إنه لايثاب على فعله وتركه ولا يعاقب على فعله و تركه ، ومن هذا استخلصنا أنه لاأجر فيه ولا عقاب ، ولكن انتبه يا طالب العلم :
قد يؤجر الإنسان على فعل مباح ويعاقب على فعله ؛ لأمر خارج ، كيف ذلك؟
قال الفقهاء : إذا كان المباح وسيلة إلى مقصود شرعي أخذ بحكمه ، وهذا ما يعبر عنه بقولهم : ((الوسائل لها أحكام المقاصد)).
فالمباح : إذا كان وسيلة لقربة ، أي يتوصل به إلى عبادة ، فإنه يأخذ حكمها ، وهذا يشترط فيه النية الصادقة للقربة ، أما إذا جاء به هكذا فإنه لايؤجر عليه ، وهذا أمر مهم جدا ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لاهجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" لماذا خص النية ؟
لأن النية ، خاصة في المباحات ، إذا غفل الإنسان عن هذا الشيء يفوته أجور كثيرة ، لأن الإنسان إذا فعل مباحا واستحضر به أن يتوصل به إلى عبادة فإنه يكون قربة بنفسه .
مثلا : هذا إنسان نام مبكرا ، وحكم النوم مبكرا:مباح ، ولكنه إذا استحضر النوم مبكرا لأنه يقوم إلى الصلاة نشيطا فإن هذا النوم يتحول إلى عبادة ويثاب عليه ، وهذا باب عظيم جدا يجب أن يدركه الإنسان في الأمور غير التوقيفية (التوقيفية : أي التي جاء النص عليها).
الأمور التوقيفية التي ورد فيها لانص ووقف فيها الشارع الأحكام على مقاصدها ، لايجوز أن تستخدم فيها المباحات وسائل للعبادات.
ولكن في غير التوقيفية ، مثلا :وسائل الدعوة ، الآن نسمع الخرط الكثير، هل هي توقيفية أو غير توقيفية ؟
ويتنازع كثير من الناس في هذه الوسائل.
نسأل هذا القائل : ما المراد بقولك توقيفية؟
إذا كان يقصد بقوله توقيفية : أنه لا يفعلها إلا على الصورة التي فعلها النبي صلى الله عليه وسلم كالصلاة والزكاة ، هذا غير صحيح ؛ لأن الصلوات والزكوات هذه جاء بها النص، منتهى منها هذه ، ونحن نتكلم عن وسائل الدعوة ، فإذا كان يقصد بقوله توقيفية : أن الدعوة لاتمارس إلا على الطريقة التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم فهذا لايصح ؛ لأن مثل هذا يناقض نفسه ، كيف؟ النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤلف كتبا وهذا يؤلف كتبا ويدعو عن طريقها ، كذلك الشريط ، واستخدام الهاتف في الدعوة ، والسيارة والأجهزة الحديثة .
وإن قصد بقوله توقيفية : أنها عبادة وأنه لايجوز التوصل إلى هذه العبادة بطريقة محرمة ولا مكروهة ، نقول : نعم ، وبناء على هذا ينظر في الوسيلة ، فالغاية ربما لاتبرر الوسيلة ،يعني : بعض الناس ربما يدعو بوسيلة محرمة ، مثلا : ربما ترى على فلانة من الناس تقصيرا فتذكر أنها رأت فيها رؤيا غير طيبة وهي كاذبة في ذلك ، ولما قيل لها في ذلك قالت : لعلها ترتدع ! هذا لايجوز.
لأننا هنا قلنا إن وسائل الدعوة توقيفية ، بمعنى أنه لا يدعى بوسيلة محرمة ولا مكروهة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" من تحلم حلما كلف أن يعقد بين شعيرتين يوم القيامة وليس بفاعل" .
المباح : لاشك أنه من الأمور الشرعية ، لكن ليس المقصود بذلك أنه تكليف ، وإنما هو من الأمور الشرعية باعتبار أنه لايخرج فاعله عن طور المسمى الشرعي ، فعلى هذا نقول: كل وسيلة إذا كانت تؤدي إلى مقصد شرعي فإن الإنسان يثاب على ذلك.
وقد رأينا من يقتصر على ركوب الإبل ، هذا من الحمق والجهل ؛ لأنه ثبت أنه ليس لامراد بالشرعية ألا يفعل إلا مثل ما فعلوا ، يعني : مثلما فعلوا في العبادات التوقيفية كالصلوات والزكوات ، لا ، وإنما المراد بالشرعية ، أي: المأذون بها شرعا وإن تعددت الطرق وتنوعت ، وهذا ملحق في باب المباح قد يغفل عنه الكثير من طلبة العلم المشتغلين في الدعوة ، ويجب على الإنسان أن يستحضر النية .
والسعدي عليه رحمة الله تعالى قال :
وسائل الأمور كالمقاصدِ *** ......................... .......
أي :الوسيلة تأخذ حكم المقصد ،يعني : إذا خرجت إلى طلب العلم ، الأصل بخروجك ومشيك من جملة المشي العادي، لكن لما كنت تتوصل به إلى طلب العلمأثبت له حكم المقصد ، وكذلك الرجوع إذا استحضرت، ولذلك الناظم السعدي رحمه الله تعالى في القواعد الفقهية قال :
.....................*** واحكم بهذا الحكم للزوائد
الزوائد : هي الرجوع من العبادة وهذا من فضل الله تعالى لكن يحتاج منا أن نستحضر النية.
أيضا قد يتحول المباح إلى محرم ويأثم صاحبه ، المشي كما قلنا على الرجل أنه مباح ،لكن لو مشى الإنسان ونقل خطاه من أجل أن يسرق أو ذهب ليقتل بغير وجه حق أو يزني فهذا يكون محرما.
۞فالمشروع يطلق باعتبارين :
الأول :يطلق باعتبار الواجب والمندوب ، فهما المشروعان ، وضدهما غير المشروع بل هو منهي عنه كالمحرم والمكروه.
الثاني : يطلق المشروع باعتبار المأذون فيه مطلقا ، سواء أكان واجبا أو مندوبا أو مباحا .
وإضافة المشروع إلى الشريعة ليست إضافة تشريف وإنما إضافة إلى أنه يبنى عليه أحكام.
والله تعالى أعلم .

انبثاق
11-02-26 ||, 04:24 PM
الدرس العاشر
قال المصنف : (والمحظور : مايثاب على تركه ويعاقب على فعله)
سماه المؤلف المحظور وهو من أسماء المحرم ، كما أن المباح يسمى (مباح ، طلق ، مأذون فيه) والواجب يسمى (اللازم ، الواجب ، الفرض) والمندوب يسمى (السنة ، التطوع ، النافلة) ، كذلك المحرم له عدة أسماء منها : المحظور كما قال المصنف رحمه الله ، وعلى هذا من سئل عن محرم فقال إنه محظور أو محرم صح ذلك ، واللفظ الأشهر هو المحرم .
والمحرم / مأخوذ في اللغة من المنع والحد ، يقال : حرَّم كذا أي : منعه.
أيضا يطلق في اللغة بمعنى الحد ، كقولهم :حريم البئر كذا ، أو حريم الأرض كذا،أي حدها الذي لا يجوز أن تأتيه ،هذه كلها من إطلاقات اللغة ، ومن ذلك سمي الحرم حرما ؛ لأنه تمنع فيه بعض التصرفات التي لا تمنع في غيره ، كتنفير الصيد وقطع حشيشه ونحو ذلك ؛لأن الحرم له خاصية من حيث نوع العبادة وفضيلتها وكذلك أيضا له خاصية من ناحية أنه يجوز في غيره من الأفعال ما يمنع فيه ولذلك سمي حرما لكونه محترما.
أما في الاصطلاح ، فالمؤلف رحمه الله تعالى كسابقه في الأحكام التكليفية عرفه بالحكم فقال : (والمحظور ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله )
التبرج مثلا يقال ما حكمه ؟
يقال : إن المرأة تثاب على تركه وتعاقب على فعله، والربا والسرقة مثلا ونحوه.
وعلى هذا فوقل المصنف هذا ، الصحيح أنه بيان لحكم المحظور وليس تعريفا في الاصطلاح .
لكن تعريف أهل الأصول له باعتبار حقيقته : هو ما طلب الشارع تركه طلبا جازما ، أو على وجه اللزوم.
وقوله : (ما طلب الشارع تركه ) يخرج به :
1/ما طلب الشارع فعله ، وهو الواجب والمندوب.
2/ مالم يطلب الشارع فعله وهو الإباحة ، لأن المباح يخير فيه الإنسان ، لم يطلب منه فعله ولا تركه.
أما قولنا : (على وجه اللزوم)
يخرج به المكروه ؛ لأنه كما سيأتي طلب الشارع تركه طلبا غير جازم .
وعلاوة على أن المصنف عرف بالتعريف الحكمي ، فإن هذا التعريف بالحكم فيه نظر بوجه ، من أي وجه؟
أما من حيث أن افنسان يعاقب على فعل المحرم فهذا صحيح ، ومن المعلوم أن الإنسان يعاقب على فعل المحرم لأن من سمات المحظور أن يعاقب على فعله ، هذا الأصل ، ويخرج بذلك : الخطأ والإكراه والنسيان ، هذه استثناءات.
لكن الذي فيه نظر : هل يثاب على تركه مطلقا؟ وهنا سؤال.
هذا مما اختلف فيه الفقهاء رحمهم الله تعالى، فقال بعضهم : إن ترك المحرم يثاب عليه مطلقا ، يعني دائما الإنسان يثاب إذا لم يزن ولم يسرق ولم يشرب الخمر .
وبعضهم قال : لا ، لايثاب على فعله دائما ، وإنما هذا يختلف بحسب الدواعي والمؤثرات.
وقالوا : الإنسان الذي ليس في قلبه حب للمعصية ولا مؤثر ، بل لو عرض عليه ذلك لاستقبحه ، مثل بعض الناس لا يمكن يشرب الخمر ، لو عرض عليه وقيل إنه مباح ما شربه ، يعني ما في نفسه داع لهذه المعصية ، فهذا على القول الثاني : لايؤجر ، قالوا : لأنه كف عن الحرام بطبعه، لكن الذي لديه داع ودافع لهذه المعصية لكنه يجاهد نفسه على تركها ، قالوا : هذا هو الذي يؤجر . مثلا : الآن كثير من النساء ترى جمال بعض العباءات المحرمة ، وهذا في الحقيقة ملحظ تربوي ، يعني أحيانا نغالط أنفسنا حين يقال : بأن هذه العباءة ليس فيها جمال ، فتعيش الفتاة في صراع لأنها ترى الجمال بعينها ، نقول : فيها جمال ، لكن المرأة إذا تركتها مع وجود الداعي إليها وجاهدت نفسها على ذلك ، تكون أعظم أجرا من المرأة التي لو قيل لها : البسيها ، ما لبستها.
وهذا لا شك تشهد له الأدلة الشرعية الدالة على أن المعصية قد تعظم مع قلة الداعي إليها ، لا شك أن إثمه أعظم من إثم غيره ، ولذلك نقول أيضا : بالنسبة للطاعة ، فالذي يجاهد نفسه للطاعة قالوا : بأنه يكون أعظم أجرا من الذي اعتاد فعل الطاعة وسهلت عنده ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم تحقيقا لهذا المعنى : "عجب ربك من شاب ليست له صبوة" كذلك المرأة الفتاة ، لماذا عجب الله عز وجل ؟
لأن الشاب مظنة الغواية والفساد والشهوة ، فيحتاج إلى مجاهدة للطاعة وعدم المعصية أكثر من الشيخ الكبير ، كذلك البنت عندها من دواعي التفلت أكثر من غيرها ، فالمرأة الكبيرة قد لا يستهويها النمص مثلا ، أو العجوز لبس العباءة المتبرجة ؛ لأن الداعي لمثل هذه الأشياء قد ضمر عندها ، لكن الفتاة قد تكون هذه الدواعي عندها أكثر من غيرها ، ولذلك عجب الله من هذا الصنف ، ولذلك عد النبي صلى الله عليه وسلم الشاب بأنه ممن يستظل بظله يوم لا ظل إلا ظله (شاب نشأ في طاعة الله).
وذكر الرجال في الحديث : "ورجل قلبه معلق بالمساجد..."
يقول ابن حجر : ذكر الرجال لامفهوم له بل ويشترك النساء معهم فيما ذكر.
ولذلك في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة في صحيح مسلم قال:" ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم : شيخ زان كبير ، يعني صحيح لو كان شابا يعاقب ، لكن إثم الشيخ الكبير أعظم ، لماذا ؟لأن دافع الشهوة عنده أقل من الشاب ، قال : "وملك كذاب" لأن الملك لا يحتاج إلى أن يكذب فهو لا يخاف من أحد ، لايخاف إلا من الله ، فكونه يكذب يدل على محبته الوالغة لهذه المعصية "وعائل مستكبر" والعائل هو الفقير ، فقير ويتكبر ، يعني لو كان غنيا صحيح أن الكبر محرم ، لكنه من الفقير أقبح لأنه ليس عنده داع لهذا ولذلك كان إثم هؤلاء أعظم ، وإن كان الشاب الزاني يحاسب على زناه وغير الملك إذا كان كذابا فإنه يحاسب ، والغني يحاسب على تكبره ، لكنه كان أعظم في حال هؤلاء لعدم وجود الداعي لهذه المعصية.
لذلك قال الفقهاء : بناء على هذا ، وإن كان المحظور يثاب على تركه ، لكن الإثابة تختلف بحسب الداعي والشهوة والمؤثر ، لكن لوعلم من حال إنسان أنه لو قدر على هذه المعصية لفعلها ، لو قدر على الزنا لفعله ، فهذا لا يثاب ، الذي منعه هو عدم القدرة ، ولأنه لا يستطيع أو لايجد ، فهذا لا يؤجر على تركه مع تركه ، لماذا ؟ لعدم الوازع للانكفاف عن المعصية والمجاهدة ، هذا مافيه وازع إيمان أصلا لكن ما قدر على هذا ، فهذا معصوم بعدم القدرة ، وعلى هذا مسكينة من تتمنى قيادة المرأة للسيارة ، هي الآن ما تثاب على الترك وهذا من الحرمان ، وهي لم تقدها ، لأنها تتمنى ذلك ، فهي معصومة بعدم القدرة.

*مسألة : ألفاظ التحريم :
1/صيغة النهي :
(لاتفعل) ، كما في قول الله تعالى : "يأيها الذين ءامنوا لاتأكلوا الربا أضعافا مضاعفة" فالنهي كما تقدم للتحريم ، والأصل في النهي أنه للتحريم.
2/ لفظ (التحريم ) :
مثل : (حرم ، يحرم ، حُرّم) وغيرها من المشتقات ، هذه تدل على الحرمة كما في قول الله تعالى : "وأحل الله البيع وحرم الربا" وقوله :"حرمت عليكم أمهاتكم" وقوله :"وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما".
3/إذا جاء البيان بأن هذا الشيء منهي عنه :
كما في قول الله تعالى : "إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربيى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي" فهذا يدل على أن حكمها محرم.
والنبي صلى الله عليه وسلم قال :"كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها" فكونه أذن لهم بعد النهي دل على أن النهي يفيد التحريم.
4/بيان أن هذا الشيء لا يحل :
كقول الله تعالى :"لايحل لكم أن ترثوا النساء كرها" وقوله تعالى :"فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره" أي :محرمة عليه، وكما في قول النبي صلى الله عليه وسلم :" لايحل مال امريء مسلم إلا بطيبة من نفسه" يعني أنه محرم على غيره.*
5/ ترتيب العقوبة على الفعل :
لأننا قلنا في الواجب : ترتيب الأجر على الفعل ، فلو أن هذا لم يذكر أنه حلال ولا حرام ولا مكروه ولا أنه مباح ولا مندوب ، لكن بين الله له عقوبة سواء أكانت في الدنيا أو في الآخرة أو بهما معا ، فإن ذلك يدل على حرمة هذا الشيء كما في قول الله تعالى :"الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" هذه عقوبة دنيوية.
فاعل المباح وفاعل الواجب لا يمكن أن يعاقب وكذلك فاعل المندوب والمكروه ، فدل على أن ذلك محرم,
مثال العقوبة الأخروية : قول الله تعالى :"إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا" هذا كله يدل على أنه محرم ، وصف بالظلم وأنهم يأكلون في بطونهم نارا وأنهم سيصلون سعيرا، هذه تدل على أن فاعل ذلك ارتكب محرما.
وكما في قوله تعالى : "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" هذه عقوبة دلت على تحريم الربا...الخ المهم أنه إذا ترتبت عقوبة على الفعل فهذا يدل على أن هذا الفعل محرم ، وهذا باب يجب أن يذكره طالب العلم حين منازلة العامة، فبعض النساء مثلا تقول : هات دليلا على أن النمص محرم ، نقول لها : لعن النبي صلى الله عليه وسلم النامصة ، وهذا يدل على أنه محرم ، وعلى هذا : إذا ترتب على الشيء عقوبة في الدنيا أو في الآخرةأو بهما معا أو بلعن أو بطرد من رحمة الله أو ان الله لا يكلم فاعل ذلك أو لايزكيه أو وصفه بالظلم أو بالفسق فإن هذا يدل على أنه سبحانه حرم ذلك ، نعلم أن هذا الشيء محرم ، فيجب على طالب العلم أن يفهم الضزابط التي تدل على التصور في الأحكام ، ولهذا عمدنا إلى ذكر بعض الألفاظ حتى يعرف طالب العلم إذا قرأ كتاب الله تعالى أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ، ويتصور الضوابط العلمية اللفظية التي تدل على أن هذا مباح وهذا واجب أو مندوب أو ما اشبه ذلك.
---------------
*هذه الألفاظ نحتاجها في الرد على العلمانيين والمنافقين الذين جعلوا الشرع كأنه جدار قصير كل يستطيع أن يتقافزه ، أما أنهم لو كانوا من الطيور لكانوا رخما كما قال أهل العلم ولو كانوا من الحيوانات لكانوا حمرا يهرفون بما لا يعقلون ويتكلمون فيما لايحسنون ، يقولون : ليس في الإسلام رجال دين ، نقول : نعم ، ولكن فيه علماء دين يبينون ، فهم دائما يقولون : هذا ما ورد فيه لفظ تحريم ، وهم يعتقدون أن التحريم إنما يجب أن يكون نصا بلفظ (حرم) لأنهم لايعرفون الألفاظ ، ولذلك هذه الألفاظ مهمة ليعرف طالب العلم أن هذا الشيء محرم إذا جاء بلفظ أو بآخر.

والله تعالى أعلم.

ا.هـ.ر10
......................... .........

انبثاق
11-05-09 ||, 11:18 PM
الدرس الحادي عشر
أقسام المحرم قسمين :
1/ المحرم لذاته 2/ المحرم لغيره

أولا : المحرم لذاته :
هو ما حكم الشارع بتحريمه ابتداء ، بمعنى : أنه أول ما جاء الحكم الشرعي له وهو على صيغة التحريم ، لما فيه من المفسدة الظاهرة ، ولذلك كان محرما لذاته ، يعني بنفسه ، كالأمور الكبيرة جدا كالربا والزنا وأكل مال اليتيم والشرك والسحر والنمص والكفر ونحوه ، هذا محرم بذاته ، أي : التحريم ليس لأمر خارج ، وإنما لذات الفعل ، أي أن ذات الفعل أصله قبيح ، وفيه ضرر على العبد ، ولذلك حرمه الله عز وجل.

ثانيا : المحرم لغيره :
هو الذي يكون مشروعا بأصله ، أي أن أصله مشروع ، لكن احتف به أمر نقله من الحل إلى الحرمة ، يعني أصله مشروع إما على سبيل الإباحة ولكن احتف به أمر نقله إلى الحرمة .
مثال : البيع
أصله حلال لقوله عز وجل : "وأحل الله البيع وحرم الربا " فالبيع الأصل أنه حلال ، لكن البيع الذي فيه غرر أو جهالة هذا محرم ليس لذاته وإنا لغيره ؛لأن البيع أصله مشروع ، لكن لما احتف به الغرر نقله من الإباحة إلى الحرمة.
لو أخذنا مثالا : البيع بعد النداء الثاني من يوم الجمعة محرم لذاته أو لغيره؟
نرجع للأصل في الحكم وهو أن البيع مباح لكن لما كان بعد النداء الثاني انتقل إلى الحرمة ، وهذا يسمى محرم لغيره.
لكن الزنى أصله حرام ، والربا والسحر هذه محرمة لذاتها ، وأما المحرم لغيره فهو ما كان أصله مباحا ، لكن يحتف به أمر ينقله إلى الحرمة ، مثل الصلاة بالثوب المغصوب أو الدار المغصوبة ، الأصل في الصلاة أنها مشروعة بل هي ركن لكن لما كان المكان أو الثوب مغصوبا انتقل هذا الأمر من المشروعية إلى الحرمة، وعلى هذا قالوا: المحرم على قسمين :
1/ محرم لذاته
2/ محرم لغيره.
لكن النتيجة : أنهما سواء : أي كل منهما وصف أنه محرم ، فيأخذان أحكام التحريم سواء أكان محرما بالنص كقوله تعالى "وحرم الربا" أو كان بوصف عارض كالصلاة بالثوب المغصوب أو الأرض المغصوبة والتيمم بالتراب المغصوب ونحوه ، لكن الفرق بينهما هذا ما سننظر فيه بعد المكروه إن شاء الله تعالى.

المكروه

قال المصنف رحمه الله تعالى : (والمكروه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله)
هذا التعريف كما قلنا في الأحكام التكليفية السابقة أنه تعريف بالحكم كما تقدم ، وقلنا في الواجب وفي المحرم وفي المندوب وفي المباح أن المصنف عرفه حكما ، كيف تعريف حكما ؟
يعني لو سئلنا عن حكم المكروه لقلنا : إنه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله.
وهو في اللغة : مأخوذ من الكريهة ، وهي الشدة في الحرب .
اما افي الاصطلاح : فهو ما طلب الشارع تركه طلبا غير جازم
قوله : (ما طلب لاشارع تركه)
يتفق في هذه الجزئية مع المحرم ، أي كل منهما طلب الشارع تركه ، لكن المحرم طلب الشارع تركه طلبا جازما أما المكروه فقد طلب الشارع تركه طلبا غير جازم ، أي: ليس على صيغة الإلزام والإجبار ، وإنما فيه سعة ، فهو ليس كالمحرم في كونه جازما ، ولذلك الفرق بين الجزم وغيره : أن الجزم يعاقب على الفعل كالمحرم فهو يعاقب على فعله ،/ أما غير الجزم فلا يعاقب على الفعل وإنما يثاب على الامتثال ، لماذا؟
لأنه طُلب منه الترك ولكن لم يعاقب على عمله ؛ لأنه لم يُطلب منه طلبا جازما .
ولذلك ياطالب العلم : المندوب والمكروه فيهما نوع تخيير لكن ليس مطلقا كالمباح ؛ لأن المباح (ما خير الإنسان بين فعله وتركه ) أما المندوب (طلب الشارع فعله طلبا غير جازم) أما المكروه (طلب الشارع تركه طلبا غير جازم).
نريد أن نعرف الفرق بين الجزم وغيره .
فالجزم يعاقب على الفعل كالمحرم ، وغير الجزم لا يعاقب على فعله ، ولذلك قال المصنف : (المكروه : ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله)
ولذلك في غير الجزم ما نقول بأنه يعاقب على الفعل ، وإنما نقول بأنه يثاب على الامتثال ، لماذا؟
لأنه طلب منه الترك ، ولايعاقب على الفعل لأنه لم يطلب منه طلبا جازما

والمكروه والمندوب فيهما نوع تخيير ، لكن ليس تخيير مطلقا كالمباح ، وإنما هناك أولوية وأفضلية لهما ،
المكروه / الأولوية والأفضلية في الترك.
المندوب / الأولوية والأفضلية في الفعل.
من هنا أصبح فيهما نوع تخيير مع أن عدم المطبق ليس ملوما ، يعني إذا لم يترك المكروه ولم يفعل المندوب فإنه لا يلام من هنا .
*وجه الشبه بين المندوب والمكروه والمباح:
أن المندوب ليس ملوما على تركه
والمكروه ليس ملوما على فعله
وهذا وجه الشبه : أن فيهما نوع تخيير وفيهما نوع مفارقة فإنه بالنسبة للمندوب فإن فاعله يثاب عليه ويمدح ، والمكروه : الذي يتركه بنية الترك يكون ممدوحا ، ولذلك قالوا : بأن تعريف المؤلف هذا ليس بالإطلاق
وإنما باستحضار النية بالترك للتعبد لأنه لو ترك المكروه لكونه ليس من عادته فعل ذلك أو لارغبة له فيه قالوا : ه ذا لا يثاب على تركه مطلقا وإنما يثاب عليه لو تركه عمدا بطلب التعبد، أي : يتعبد أن هذا الأمر غير محمود شرعا، ومن هذا نعلم أن المندوب والمكروه فيهما نوع تخيير ، فهما يشبهان المباح من جهة ويفارقانه من جهة.

#الحنفية يسمون المكروه كراهة تنزيه لماذا؟
لأن المكروه عند الحنفيين على نوعين :
1/ مكروه كراهة تحريم :
2/ مكروه كراهة تنزيه :
وهو الذي يقابل المكروه عند الجمهور سواء بسواء ، وهو المكروه الذي طلب الشارع تركه طلبا غير جازم.
يسمون هذا : المكروه كراهة تنزيه (الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله).
وإذا قال الحنفيون أن هذا مكروه كراهة تنزيه ، فإنهم يقصدون به ما عبر عنه المؤلف وهو الذي معنا ، ولكن إن قالوا : مكروه كراهة تحريم ،فإنهم جعلوا المكروه التحريمي مقابل المحرم ، قسيما للمحرم ، أي مثله ،والمحرم عند الحنفية على نوعين :
1/ محرم بدليل قطعي
2/محرم بدليل ظني.
فقالوا : الثابت بدليل قطعي -يقصدون القرآن والمتواتر من السنة والإجماع-.
أما القسم الثاني المحرم بدليل ظني ، كالمحرم بالسنة غير المتواترة ، مثلا بالآحاد ، وبالقياس ونحو ذلك .
وكلاهما ممتنع، قالوا : بأن الثابت تحريمه بدليل قطعي يسمى محرم ، أ/ا الثابت تحريمه بدليل ظني يسمى مكروه كراهة تحريم .
يعني كلاهما لا يجوز عمله ، لكن من حيث عظم الذنب قالوا : بأن المحرم بدليل قطعي اشد. هذا الفرق الأول .
الفرق الثاني : أن المحرم بدليل قطعي يكفر منكر تحريمه عند الحنفية ،لأنه ثابت بدليل قطعي ، والمكروه كراهة تحريم قالوا لا يكفر بذلك ؛ لأنه ثابت بدليل ظني لاحتمال وجود الشبهة.

وعلى هذا تعرف أن فتوى العلماء في قضايا التكفير وعدم التكفير مبني على قواعد أصولية ليس من عندهم.

*مسألة :
إطلاق المكروه وإرادة المحرم حتى عند أهل السنة والجماعة,.
هنا يرد بعض أسئلة خاصة ممن يقرؤون في كتب العقيدة ، وأحيانا بعض الأئمة يطلق لفظ الكراهة على أعمال شركية ، لذلك ينبغي أن نعرف مصطلحات أهل العلم قبل أن نقرأ في كتبهم ،فالإمام احمد له مصطلحات ، أي : ألفاظ يستخدمها ،فبعض العلماء يطلق المكروه ويريد به المحرم ،و الإمام أحمد رحمه الله تعالى يستخدم في بعض الأحيان لفظة : (هذا مكروه) أو : لاأرغبه ، أو : لاتميل إليه نفسي ، وقد يتصور الإنسان أنه أراد بها الكراهة المعروفة : (ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله) وهذا غير صحيح ، وغ،ما يريد به التحريم.
مثلا : في كتاب الروض ، باب صفة العمرة : ذكر أنه قال : (الطواف على قبور الصالحين مكروه ) هذا يدل على أنه محرم ، الذي لا يعرف إلا هذه الأحكام الخمسة (المندوب الواجب المحظور المباح المكروه) قد يتصور أنه مكروه وليس محرما ، ومسائل هذه كثيرة جدا ، مثل :مسائل الإمام أحمد لابنه عبد الله ، ومسائل الإمام أحمد للخلال ، ومسائل الإمام أحمد لأبي بكر عبد العزيز ،وكذلك للبغوي ونحو ذلك
هذا القول للإمام أحمد ومثله كثير يحمل على وجهين:
الوجه الأول : أن هذا الإطلاق قبل تقرير المصطلحات ، أي : الاتفاق عليها (مكروه مندوب واجب محرم مباح)
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يستخدمون الكراهية بالمعنى اللغوي أي أنه يكره ويذم ، ما يقولون بأنه محرم أو مكروه بل يريدون به المكروه المكروه ، وهو دائر في دائرة التعريف المراد شرعا ، أما أن يقصدبه التحريم أو الكراهة ، فهذا على الوجه الأول لم يشتغل به حتى الآن ، وهو محمول على أنه أطلق لفظ الكراهة باعتبار أنه مذموم شرعا. لأنه قال : حتى المكروه مذموم شرعا ، ولول لم يذم شرعا لما طلب وجعل الأولى أن يترك ، وهذا هو المحمل القوي الذي يجب أن يحمل عليه كلام الإمام أحمد رحمه الله تعالى ، لذلك لا يجوز أن يقول مسلم أن الإمام أحمد يقول أن الطواف بالقبور مكروه ، بالمعنى الاصطلاحي المعروف (أنه يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله) لا يقول به مسلم فضلا عن طالب العلم الذي يعرف منهج الإمام أ؛مد.
الوجه الثاني : قد يحمل هذا على قضية التورع عن الجزم بإطلاق الوجوب والحرمة ، لذلك إذا كان الشيء مقبولا في الشرع قال : الأولى أن يفعله أو يحبه ، أو يعجبني ، هذه الألفاظ يستخدمه االإمام احمد رحمه الله تعالى تورعا حتى لا يوجب على الناس مالم يكن واجبا عليهم .
وكذلك لو سئل عن شيء عكسه قال : الأولى تركه ، أو : هو مكروه / أ, لا أحبه ،،أو لاتميل إليه نفسي أو الأحوط ألا يفعل أو نحو ذلك .
لكن الظاهر حمله على الوجه الأول ، وهو أن قول الإمام أ؛مد قبل تقرير المصطلحات ، ولذلك ياطالب العلم إذا قرأت من كتب الإمام أحمد رحمه الله تعالى فتنبه لمثل هذه المصطلحات.

من هذا يتبين أهمية طلب العلم عن طريق الشيخ والمعلم لأنه من كان شيخه كتابه كان خطؤه أكثر من صوابه ، ومن هنا رزئت الأمة بأنصاف المتعلمين الذين أخذوا الأمور بظاهرها ، ومابليت الأمة ورزئت إلا من أنصاف المتعلمين الذي قرؤوا شيئا في الكتب وشرقوا وغربوا في الفتيا في التبديع وفي التكفير والتفقسيق أمور كثيرة يندى لها الجبين .
ماذا يقول طالب العلم إذا مر بمثل هذه المصطلحات إذا لم يكن لديه شيخ يعلمه ويبين له هذا الأمر .
ولا يقصد بذلك ألا يطلب العلم عن طريق الكتاب ولكن يجب ألا يستعجل بالفهم احيانا، وقد يكون خطأ مطبعيا.

انتهى ر 11
والله تعالى أعلم.

الدرَة
11-05-09 ||, 11:44 PM
بارك الله لك في علمك ونفعك به أختي الفاضلة