المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مدارسة لكلام أهل العلم في مصطلح "الاستدلال"



د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-19 ||, 09:29 PM
سبق أن أنزلنا – بعون الله وتوفيقه – موضوعا بعنوان "نتائج واقتراحات كتاب "الاستدلال عند الأصوليين" لـ د. أسعد الكفراوي.
وأودعناه "قسم التقارير العلمية والنتائج الفقهية"
وانظره على هذا الرابط:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
وسنتذاكر في هذا الموضوع بعض ما ذكر في الكتاب المذكور من تحديد "مصطلح "الاستدلال" عند جماعة أهل العلم
وسنفصل هذا الموضوع على ثلاثة مقاطع:
1- الحدود التي عليها مدار تعاريف أهل العلم لـ "الاستدلال"
2- مصطلح الاستدلال عند الشافعي.
3- الاستدلال عند إمام الحرمين.


أولاً:
الحدود التي عليها مدار تعاريف أهل العلم لـ "الاستدلال":

ذكر د. أسعد الكفراوي في كتابه "الاستدلال عند الأصوليين" أن حدود أهل العلم لمصطلح "الاستدلال" ترجع إلى ثلاثة تعاريف:
الأول: تعريف الجويني.
والثاني: تعريف الآمدي.
والثالث: تعريف القرافي.
وزدت عليها حدا رابعا:
وهو تعريف الإمام الماوردي رحمه الله.

التعريف الأول:
عرف الجويني الاستدلال بأنه:
معنى مشعر بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه والتعليل المنصوب جار فيه.

التعريف الثاني:
قال القرافي في تنقيح الفصول بأن "الاستدلال" هو:
محاولة الدليل المفضي إلى الحكم الشرعي من جهة القواعد لا من جهة الأدلة المنصوبة.

التعريف الثالث:
وقال الآمدي في تعريفه "للاستدلال":
هو عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا.

التعريف الرابع:
نقل السمعاني عن الماوردي تعريفه لـ "الاستدلال" بأنه:
طلب الحكم بالاستدلال بمعاني النصوص.

ثم ناقش د. أسعد هذه الحدود مناقشة مفصلة ثم قال:
يتضح بالنظر إلى تلك التعريفات أنها من قبيل الرسوم التي تتكلم عن خصائص المعرف أكثر مما تتكلم عن ذاتياته، ويمكن أن نعرف الاستدلال حدا بقولنا:
"هو بناء حكم شرعي على معنى كلي من غير نظر إلى دليل تفصيلي"

وقد ذكر د. أسعد الكفراوي نتائج دراسته حيال تعاريف أهل العلم لـ "الاستدلال" بعد محاولته استقصاءها، وهي ملاحظات لا ترد على التعاريف الأربعة التي سبق سياقها:
فقال:
لو نظرنا في هذه التعاريف نظرة فاحصة لوجدنا أمورا وفروقا تميزها عن بعضها، منها ما يلي:
1- أن بعض الأصوليين عرفوا الاستدلال بتعريفات عامة تماثل المعنى اللغوي له وهو طلب الدليل، أو طلب دلالة الدليل، أو النظر في الدليل.
قلت:
وأنا أتفق مع د. أسعد في هذه النتيجة لاسيما المعنى الأول فكثير من الأصوليين يفسرون الاستدلال بالمعنى اللغوي الذي هو طلب الدليل، وهذا ظاهر جدا من حيث اللغة ومن حيث استعمالات الفقهاء والأصوليين لهذا المصطلح.

2- أن بعضهم عرفه بأحد أنواعه وهو القياس المنطقي :
وهو ترتيب أمور معلومة يلزم من تسليمها تسليم المطلوب.
وخرَّج د. أسعد هذا التعريف: بأنه حصل قبل استقرار الاصطلاحات الأصولية.
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-19 ||, 09:34 PM
ثانياً: مصطلح الاستدلال عندالشافعي رحمه الله:

قال الزركشي في البحر المحيط:
واعلم أن هذا – يعني الاستدلال – اصطلاح حادث، وقد كان الشافعي رحمه الله يسمي القياس استدلالا لأنه فحص ونظر، ويسمى القياس استدلالا لوجود التعليل فيه"
قال د. الكفراوي:
تجدر الإشارة إلى أن الشافعي لم ينص على هذا صراحة، وإنما هو مؤدى كلامه في الرسالة؛ إذ جعل القياس والاجتهاد شيئا واحدا، وبين أنه لا بد لكل نازلة من حكم لازم أو دلالة موجودة على الحكم، فإذا كان فيها حكم معين وجب اتباعه، وإذا لم يكن هناك حكم معين: طلب الدلالة عليه بالاجتهاد، والاجتهاد عنده عام يشمل الاستدلال والاستنباط إذ يتوقف الأمر فيهما على عمل المجتهد وهو المستدل.
قلت: من المناسب الآن نقل كلام الشافعي بنصه:
قال الشافعي في الرسالة([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n1)):
قال:
فما القياس: أهو الاجتهاد أم هما متفرقان؟
قلت:
هما اسمان لمعنى واحد.
قال:
فما جماعهما؟
قلت:
كل ما نزل بمسلم فقيه حكم لازم أو على سبيل الحق فيه دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه حكم اتباعه.
وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس
قال د. الكفراوي:
ما ذكره الشافعي في الرسالة في أن الاجتهاد والقياس شيء واحد وعليه فإن الاجتهاد عند الشافعي هو عين الاستدلال، وإن كان الزركشي لم يرتضي كونهما بمعنى واحد.

([1]) الرسالة - (ص 477)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-19 ||, 10:01 PM
3- الاستدلال عند إمامالحرمين أبي المعالي الجويني:

تمهيد:
يقول د. أسعد الكفراوي:
" الجويني في البرهان هو أول من أفرد مصطلح "الاستدلال" بالكلام وميزه عن غيره".
ولكن آثرت في هذا المبحث أن نتدارس كلام الجويني بشكل مباشر من كتابه البرهان، وذاك لأنه أيسر بالنسبة لي لأن الكتاب موجود في الشاملة وموافق للمطبوع
وحتى أتحاشى من الرجوع المتكرر إلى الكتاب حتى أتأكد من سياق الجويني لأن د. أسعد الكفراوي تصرف في العبارة، وإن لم يظهر لي أي خلل فيما صنع.
ولأن الجويني قد أفرد مبحث "الاستدلال" بكتاب مستقل ووسع الكلام عليه جدا وساق الخلاف فيه والأدلة.
ولأن هذا المبحث في اعتقادي الخاص يشكل ركيزة أساسية في بناء الجويني الدلالي، والتميز الذي وقع له فيه كان من خلال نظره التأصيلي التجريدي منتساوقا مع البناء الفروعي التطبيقي، وسنرى خلال هذا المبحث انتظام هذين المسلكين لدى الجويني في تقريره لهذه الأصل.
وقد تأكدت من اطراد الجويني في اعتباره لهذا الأصل من الجهة التطبيقية عندما اطلعت على كتابه "نهاية المطلب في دراية المذهب" بعد أن رأى النور أخيرا.
ومن هذا الأصل استطاع الجويني أن يبذر لعلم "المقاصد" في تربة صالحة، وأحسن من بعده تلميذه الغزالي في استنبات هذا العلم وإيضاحه.
وإن كنت لا أتفق مع الجويني في تفاصيل هذا المبحث إلا أن إحكام هذا المبحث من شأنه أن يحل بعض العقد التي تنتاب كلام الجويني أو من جرى مجراه.
ومن الأسباب التي نسيت أن ذكرها في أهمية هذا المبحث:
هو أن الجويني رحمه الله – حسب رأيي القاصر – اعتبر معنىً غلطاً، وقد كرَّره كثيرا، وبنى عليه كثيرا من الأحكام والأصول، وهو أن ألفاظ النصوص بل ومعانيها – كما نص بنفسه على ذلك - لا تفيان بالحوادث والوقائع
وأنهما لا يشكلان عشر معشار الشريعة
وأنهما كذلك كالغرفة من البحر....
وله مأخذ له وجهته....
وسأشير عند مباحثة هذه المسألة إلى سبب الخطأ عند الجويني رحمه الله مع ذكر استدراك أهل العلم له في هذا المأخذ.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-19 ||, 10:12 PM
قال الجويني في البرهان:



الكتاب الرابع :

كتاب الاستدلال القول في الاستدلال([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 1))



اختلف العلماء المعتبرون والأئمة الخائضون في الاستدلال:
وهو معنى مشعر بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه والتعليل المنصوب جار فيه.

1- فذهب القاضي([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 2)) وطوائف من متكلمي الأصحاب:
إلى رد الاستدلال وحصر المعنى فيما يستند إلى أصل.
2- وأفرط الإمام إمام دار الهجرة مالك بن أنس في القول بالاستدلال فَرُأِيَ:
يثبت مصالح بعيدة عن المصالح المألوفة والمعاني المعروفة في الشريعة.
وجرَّه ذلك:
إلى استحداث القتل
وأخذ المال
بمصالح تقتضيها في غالب الظن وإن لم يجد لتلك المصالح مستندا إلى أصول ثم لا وقوف عنده بل الرأي رأيه ما استند نظره وانتقض عن أوضار التهم والأغراض
3- وذهب الشافعي ومعظم أصحاب أبي حنيفة رضي الله عنهما إلى :
اعتماد الاستدلال وإن لم يستند إلى حكم متفق عليه في أصل.
ولكنه:
لا يستجيز النأي والبعد والإفراط.
وإنما يسوغ:
تعليق الأحكام بمصالح يراها شبيهة بالمصالح المعتبرة وفاقا وبالمصالح المستندة إلى أحكام ثابتة الأصول قارة في الشريعة.
ثم عاد الوجيني ولخَّص هذه الأقوال، فقال:
فالمذهب إذا في الاستدلال ثلاثة:
أحدها: نفيه والاقتصار على اتباع كل معنى له أصل.
والثاني: جواز إتباع وجوه الاستصلاح والاستصواب قربت من موارد النص أو بعدت إذا لم يصد عنها أصل من الأصول الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع.
والمذهب الثالث: هو المعروف من مذهب الشافعي التمسك بالمعنى وإن لم يستند إلى أصل على شرط قربه من معاني الأصول الثابتة.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــ

([1]) البرهان في أصول الفقه - (ج 2 / ص 721)

([2]) يعني القاضي أبا بكر بن الطيب الباقلاني المالكي، والجويني له عناية بالغة بالقاضي المالكي حتى لخص كتابه "الإرشاد" في أصول الفقه، وهو معروف باسم "التخليص".

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-19 ||, 10:30 PM
ثم انتقل إمام الحرمين إلى ذكر الأدلة :
فنقل عن القاضي وهو النافي لـ "الاستدلال" دليلين اثنين:
الدليل الأول:
انحصار الأدلة في الكتاب والسنة والإجماع والقياس على أحدها،والاستدلال قسم لا يشهد له أصل من الأصول الثلاثة وليس يدل لعينه دلالة أدلة العقول على مدلولاتها فانتفاء الدليل على العمل بالاستدلال دليل انتفاء العمل به.
الدليل الثاني: أن المعاني إذا حصرتها الأصول وضبطتها المنصوصات كانت منحصرة في ضبط الشارع وإلا اتسع الأمر ورجع الشرع إلى اتباع وجوه الرأي واقتفاء حكمة الحكماء فيصير ذوو الأحلام بمثابة الأنبياء ولا ينسب ما يرونه إلى ربقة الشريعة.
وهذا ذريعة في الحقيقة إلى إبطال أبهة الشريعة ومصير إلى أن كلا يفعل ما يراه ثم يختلف ذلك باختلاف الزمان والمكان وأصناف الخلق وهو في الحقيقة خروج عما درج عليه الأولون .
قلت: وخلاصة ما نقله الجويني عن أدلة القاضي في نفيه الاستدلال هو:
1- انحصار أدلة الشرع في الأصول الثلاثة أو القياس عليها، والاستدلال خارج عنها.
2- هو أن ضبط الشارع يقتضي أن تنحصر المعاني في الأصول وفي ضبط النصوص وإلا آل الأمر إلى التفلت من أحكام الشريعة.
ثم ناقش الجويني أدلة القاضي أبي بكر الباقلاني بلسان الشافعي فقال:
وأما الشافعي فقال:
إنا نعلم قطعا أنه لا تخلو واقعه عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على ما سنقرِّره في كتاب الفتوى.
والذي يقع به الاستقلال هاهنا:
أن الأئمة السابقين لم يخلوا واقعه على كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى ولو كان ذلك ممكنا لكانت تقع وذلك مقطوع به أخذا من مقتضى العادة وعلى هذا علمنا بأنهم رضي الله عنهم استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق بانبساطها على الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح متشوف إلى ما سيقع ولا يخفى على المنصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن حكم الله وإلى ما لا يعرى عنه.
فإذا تبين ذلك بنينا عليه المطلوب وقلنا:
لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما اتسع باب الاجتهاد فإن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر ولو لم يتمسك الماضون بمعان في وقائع لم يعهدوا أمثالها لكان وقوفهم عن الحكم يزيد على جريانهم وهذا إذا صادف تقريرا لم يبق لمنكري الاستدلال مضطربا.
ثم عضد الشافعي هذا بأن قال:
من سبر أحوال الصحابة رضي الله عنهم وهم القدوة والأسوة في النظر لم ير لواحد منهم في مجالس الاشتوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فإذا ثبت اتساع الاجتهاد واستحال حصر ما اتسع منه في المنصوصات وانضم إليه عدم احتفال علماء الصحابة تطلب الأصول أرشد مجموع ذلك إلى القول بالاستدلال.
ومما يتمسك به الشافعي رضي الله عنه أن يقول:
إذا استندت المعاني إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست الأصول وأحكامها حججا وإنما الحجج في المعنى ثم المعنى لا يدل بنفسه حتى يثبت بطريق إثباته وأعيان المعاني ليست منصوصة وهي المتعلق فقد خرجت المعاني عن ضبط النصوص وهي متعلق النظر والاجتهاد ولا حجة في انتصابها إلا تمسك الصحابة رضي الله عنهم بأمثالها وما كانوا يطلبون الأصول في وجوه الرأي فإن كان الاقتداء بهم فالمعاني كافية وإن كان التعلق بالأصول فهي غير دالة ومعانيها غير منصوصة
ومن تتبع كلام الشافعي:
لم يره متعلقا بأصل ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة فإن عدمها التفت إلى الأصول مشبها كدأبه إذا قال: طهارتان فكيف يفترقان ولا بد في التشبيه من الأصل كما سنجري في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى.
وأما ذكره القاضي من المسلك الأول:
ففي طرد كلام الشافعي ما يدرؤه.
ولو قيل:
لم يصح في النقل عن واحد طرد القياس على ما يعتاده بنو الزمان من تمثيل أصل واستثارة معنى منه وربط فرع به لكان ذلك أقرب مما قال القاضي.
وأما ما ذكره:
من خروج الأمر عن الضبط والمصير إلى انحلال ورد الأمر إلى آراء ذوي الأحلام فهذا إنما يلزم مالكا رضي الله عنه ورهطه إن صح ما روى عنه كما سنقيم الآن واضح الرأي على أبي عبد الله مالك رضي الله عنه أولا حتى إذا انتجز ضممنا النشر وأنهينا النظر وأتينا بمسلك اليقين والحق المبين مستعينين بالله تعالى وهو خير معين.
يتبع....

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 12:44 AM
سنحاول تلخيص كلام الجويني:
خلاصة ما نقله الجويني عن أدلة القاضي في نفيه الاستدلال هو:
1- انحصار أدلة الشرع في الأصول الثلاثة أو القياس عليها، والاستدلال خارج عنها.
2- هو أن ضبط الشارع يقتضي أن تنحصر المعاني في الأصول وفي ضبط النصوص وإلا آل الأمر إلى التفلت من أحكام الشريعة.

نقل الجويني عن الشافعي أنه بالقطع: لا تخلو واقعه عن حكم الله تعالى معزو إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم على ما سنقرِّره.
قال أبو فراس:
لاحظ أن الجويني ينسب استيعاب الأحكام إلى شريعة محمد صلى الله عليه وسلم لا إلى النصوص.
وسيأتي ما يفيد هذا من كلام الجويني وهو مبحث جدير بالبحث والدراسة في كلام الجويني.
لكن من خلال تتبع كلام الجويني يتضح لي ما يلي:
1- أن الجويني رحمه الله يقطع باستيعاب الشريعة للحوادث، وينسب هذا إلى الشافعي.
2- صرَّح الجويني أن النصوص ألفاظها ومعانيها لا تفي بعشر معشار الشريعة وأن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر.
وقد قال في معرض إخراجه الظاهرية من جملة أهل العلم:
"وأيضا فإن معظم الشريعة صدر عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بالعشر من معشار الشريعة فهؤلاء ملتحقون بالعوام وكيف يدعون مجتهدين ولا اجتهاد عندهم وإنما غاية التصرف التردد على ظواهر الألفاظ."([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 1))
3- لعل مقصود الجويني من عدم استيعاب معاني النصوص للوقائع والحوداث هو معانيها المباشرة من غير النظر إلى تعديتها، والتمسك بعللها.
4- من كثرة إحالات الجويني إلى كتاب الاجتهاد وكتاب الفتوى مضموما إليه ما سبق من استيعاب الشريعة للحوادث، لا النصوص
يتضح لنا بادئ ذي بدء أن الجويني له نظران إلى الأدلة:
أ*- أن ألفاظ النصوص ومعانيها متناهية بخلاف الوقائع والأحداث فإنها غير متناهية.
ب*- أن استيعاب الشريعة للأحكام لا بد له مع النظر إلى النصوص إلى عمل المجتهد واستعمال آلته وأدواته لاستخراج الحكم الشرعي وبه يتحقق الاستيعاب الشرعي للأحكام.
_________
لما انتهى الجويني من تقرير رأيه في عدم استيعاب النصوص للحوداث، وأن الاستيعاب إنما يقع بالنظر إلى متسع الشريعة التي يعمل فيها المجتهدون أدواتهم الاجتهادية في النص انتقل إلى تقرير المعنى الثاني الذي يقصده:
وهو أن الأئمة السابقين لم يخلو واقعة من حكم، على كثرة المسائل وازدحام الأقضية والفتاوى عن حكم الله تعالى.
ـــــــــــــــ
فلما قرَّر الجويني هاتين المقدمتين وهما:
1- عدم استيعاب النصوص للأحكام والحوادث.
2- أن الأئمة أوعبوا ولم يخلو واقعة من حكم مع كثرتها وازدحامها.
ــــــــــــــــ
انتقل إلى تقرير النتيجة التي يريد أن يتوصل إليها وهي، إثبات "الاستدلال" وهو إثبات الحكم من غير النظر إلى النص...
فقال:
علمنا بأنهم – أي الأئمة السابقين - استرسلوا في بناء الأحكام استرسال واثق بانبساطها على الوقائع متصد لإثباتها فيما يعن ويسنح متشوف إلى ما سيقع ولا يخفى على المنصف أنهم ما كانوا يفتون فتوى من فتوى من تنقسم الوقائع عنده إلى ما يعرى عن حكم الله وإلى ما لا يعرى عنه.
_____________________
ثم قال:
"فإذا تبين ذلك بنينا عليه المطلوب وقلنا:
لو انحصرت مآخذ الأحكام في المنصوصات والمعاني المستثارة منها لما اتسع باب الاجتهاد."
وهذا يؤكد ما سبق وهو أنه يعتبر اتساع الشريعة إنما تحصل إذا أعمل المجتهد آلته ، فهو يقول: النصوص: ألفاظها ومعانيها لو كانت تفي بالحوادث والوقائع لما كان باب الاجتهاد متسعا، وإنما كان قاصرا لأن النصوص بشمولها قد استغنت عن عمل المجتهد.
ثم قال:

فإن المنصوصات ومعانيها المعزوة إليها لا تقع من متسع الشريعة غرفة من بحر ولو لم يتمسك الماضون بمعان في وقائع لم يعهدوا أمثالها لكان وقوفهم عن الحكم يزيد على جريانهم وهذا إذا صادف تقريرا لم يبق لمنكري الاستدلال مضطربا.
قلت:
وبهذا يتبين أن مبنى دليل الاستدلال عند الجويني يقف على تحصيل المقدمات السابقة.
وقبل أن نجاوز هذا المبحث نحب أن نورد هنا بعض تعقبات أهل العلم على الجويني في طريقته التي سلكها في عدم وفاء النصوص للوقائع والحوادث وإنما يكون متسع الشريعة باتساع الاجتهاد والنظر.
يقول ابن تيمية رحمه الله في كتابه "التسعينية" وهو يتعقب الجويني:
ولقلة علمه - يقصد الجويني - بالكتاب والسنة وكلام سلف الأمة يظن أن أكثر الحوادث ليس في الكتاب والسنة والإجماع ما يدل عليها.
وإنما يعلم حكمها بالقياس، كما يذكر ذلك في كتبه.
ومن كان له علم بالنصوص ودلالتها على الأحكام علم أن قول أبي محمد بن حزم وأمثاله أن النصوص تستوعب جميع الحوادث أقرب إلى الصواب من هذا القول، وإن كان في طريقة هؤلاء من الإعراض عن بعض الأدلة الشرعية ما قد يسمى قياسا جليا، وقد يجعل من دلالة اللفظ، مثل فحوى الخطاب والقياس في معنى الأصل وغير ذلك، ومثل الجمود على الاستصحاب الضعيف، ومثل الإعراض عن متابعة أئمة الصحابة ومن بعدهم ما هو معيب عليهم.وكذلك القدح في أعراض الأئمة.
لكن الغرض:
أن قول هؤلاء في استيعاب النصوص للحوادث وأن الله ورسوله قد بين للناس دينهم، هو أقرب إلى العلم والإيمان الذي هو الحق، ممن يقول: إن الله لم يبين للناس حكم أكثر ما يحدث لهم من الأعمال، بل وكلهم فيها إلى الظنون المتقابلة والآراء المتعارضة.
ولا ريب أن هذا سببه كله :
ضعف العلم بالآثار النبوية والآثار السلفية، وإلا فلو كان لأبي المعالي وأمثاله بذلك علم راسخ، وكانوا قد عضوا عليه بضرس قاطع، لكانوا ملحقين بأئمة المسلمين، لما كان فيهم من الاستعداد لأسباب الاجتهاد، ولكن اتباع أهل الكلام المحدث والرأي الضعيف للظن، وما تهوى الأنفس، ينقص صاحبه إلى حيث جعله الله مستحقا لذلك، وإن كان له من الاجتهاد في تلك الطريقة ما ليس لغيره، فليس الفضل بكثرة الاجتهاد، ولكن بالهدى والسداد....."([2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 2))
أحب أن أشير فقط:
إلى أن ابن تيمية رحمه الله يرى أن مذهب الظاهرية في استيعاب ألفاظ النصوص للوقائع والحوداث هو أقرب إلى الحق من قول الجويني....
وقد أشار ابن تيمية رحمه الله في بعض كتبه أن الصواب هو أن النصوص بألفاظها تفي جمهور الوقائع والحوادث، أما معاني النصوص فهي تستغرقها بلا ريب ولا مين.
وقال تلميذه ابن القيم في إعلام الموقعين:
"فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها ، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها ؟ ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده ، وسبب هذا كله خفاء ما جاء به على من ظن ذلك وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله له أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به ، واستغنوا به عما ما سواه ، وفتحوا به القلوب والبلاد ، وقالوا : هذا عهد نبينا إلينا ، وهو عهدنا إليكم ، وقد كان عمر رضي الله عنه يمنع من الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشية أن يشتغل الناس به عن القرآن ، فكيف لو رأى اشتغال الناس بآرائهم وزبد أفكارهم وزبالة أذهانهم عن القرآن والحديث ؟ فالله المستعان
وقد قال الله تعالى : { أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون } وقال تعالى : { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين } وقال تعالى : { يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين } وكيف يشفي ما في الصدور كتاب لا يفي هو وما تبينه السنة بعشر معشار الشريعة ؟"
وقال الشوكاني في إرشاد الفحول:
"وقد تكلف إمام الحرمين الجويني في البرهان لدفع هذا فقال: إن منكري القياس ليسوا من علماء الأمة ولا من حملة الشريعة فإن معظم الشريعة صدرت عن الاجتهاد والنصوص لا تفي بعشر معشار الشريعة انتهى وهذا كلام يقضي من قائله العجب فإن كون منكري القياس ليسوا من علماء الأمة من أبطل الباطلات وأقبح التعصبات ثم دعوى أن نصوص الشريعة لا تفي بعشر معشارها لا تصدر إلا عمن لم يعرف نصوص الشريعة حق معرفتها."
قلت:
وهنا يتبين سبب إخراج الجويني للظاهرية من جملة أهل العلم، وهو يتلخص في أمرين:
1- هو أن الظاهرية يدعون شمول ألفاظ النصوص، بينما الجويني لا يقول حتى بشمول معانيها.
2- أن الظاهرية يمعنون من مجاوزة النص إلى الاجتهاد، وفي المقابل فإن الجويني إنما تتسع الشرعية عنده بعمل المجتهدين.
وبهذا يظهر البون الشاسع بين الجويني وبين أهل الظاهرية مما أوجب منه منافرتهم.


تنبيه: ما سبق لا يعني بحال إسقاط "الاستدلال" وإنما هي مناقشة للجويني في إحدى مقدماته التي بنى عليها هذا الدليل، وهو عدم إيعاب النصوص بألفاظها ومعانيها للوقائع والحوادث.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــ
([1]) البرهان في أصول الفقه - (ج 2 / ص 536)

([2]) التسعينية (3/925)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 01:10 AM
نواصل سياق بقية كلام الجويني، قال رحمه الله:
ثم عضد الشافعي هذا بأن قال:
من سبر أحوال الصحابة رضي الله عنهم وهم القدوة والأسوة في النظر لم ير لواحد منهم في مجالس الاشتوار تمهيد أصل واستثارة معنى ثم بناء الواقعة عليه ولكنهم يخوضون في وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول كانت أو لم تكن فإذا ثبت اتساع الاجتهاد واستحال حصر ما اتسع منه في المنصوصات وانضم إليه عدم احتفال علماء الصحابة تطلب الأصول أرشد مجموع ذلك إلى القول بالاستدلال.
قلت:
ما سبره عن أحوال الصحابة يكفي في التدليل على الاستدلال
أما ما ذكره بعد ذلك من :
1- اتساع الاجتهاد.
2- واستحالة حصر ما اتسع من الاجتهاد في المنصوصات.
فسبق في المشاركة السابقة تناوله بإسهاب.

ثم قال رحمه الله:
ومما يتمسك به الشافعي رضي الله عنه أن يقول:
إذا استندت المعاني إلى الأصول فالتمسك بها جائز وليست الأصول وأحكامها حججا
وإنما الحجج في المعنى
ثم المعنى لا يدل بنفسه حتى يثبت بطريق إثباته
وأعيان المعاني ليست منصوصة وهي المتعلق فقد خرجت المعاني عن ضبط النصوص وهي متعلق النظر والاجتهاد
ولا حجة في انتصابها إلا تمسك الصحابة رضي الله عنهم بأمثالها وما كانوا يطلبون الأصول في وجوه الرأي فإن كان الاقتداء بهم فالمعاني كافية وإن كان التعلق بالأصول فهي غير دالة ومعانيها غير منصوصة
ومن تتبع كلام الشافعي:
لم يره متعلقا بأصل ولكنه ينوط الأحكام بالمعاني المرسلة فإن عدمها التفت إلى الأصول مشبها كدأبه إذا قال: طهارتان فكيف يفترقان ولا بد في التشبيه من الأصل كما سنجري في ذلك فصلا إن شاء الله تعالى.
قلت:
لعل كلام الجويني الآن بدأ يتضح تماما سواء كان في مصدر قوله الذي صار إليه، أو في حقيقة "الاستدلال" الذي يصححه وينسبه إلى الشافعي متتبعا كلامه.
ولعل تحليل كلام الجويني في هذا الموضوع يرجعنا إلى ما سبق مدارسته، فلعلنا نتجاوزه لوضوحه ونعتبره كالتلخيص الذي يجمع أطراف كلام الجويني رحمه الله.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 01:22 AM
ثم رجع الجويني رحمه الله إلى الرد على القاضي أبي بكر الباقلاني الذي أبطل الاستدلال مستدلا بأن عدم ضبط الشارع وعدم حصره للمعاني في الأصول مؤدي إلى التفلت من أحكام الشريعة واتباع وجوه الرأي...
فقال الجويني رحمه الله:
أما ذكره القاضي من المسلك الأول:
ففي طرد كلام الشافعي ما يدرؤه.
ولو قيل:
لم يصح في النقل عن واحد طرد القياس على ما يعتاده بنو الزمان من تمثيل أصل واستثارة معنى منه وربط فرع به لكان ذلك أقرب مما قال القاضي.
وأما ما ذكره:
من خروج الأمر عن الضبط والمصير إلى انحلال ورد الأمر إلى آراء ذوي الأحلام فهذا إنما يلزم مالكا رضي الله عنه ورهطه إن صح ما روى عنه كما سنقيم الآن واضح الرأي على أبي عبد الله مالك رضي الله عنه أولا حتى إذا انتجز ضممنا النشر وأنهينا النظر وأتينا بمسلك اليقين والحق المبين مستعينين بالله تعالى وهو خير معين.
قلت:
خلاصة جواب الجويني أن الشافعي يقيد الاستدلال بالقريب، فلا يريد عليه ما ألزمه به الباقلاني، ثم أحال إلزامه على الإمام مالك ورهطه إن صح ما روي عنهم من إطلاق الحكم بالاستدلال ...
وقد لفت الجويني الإنتباه إلى نكتة بليغة وهي:
أنه لو قيل: إنه لم يصح عن أحد من السابقين اعتبار القياس بصورته المبسوطة في كتب الأصول من إلحاق الفرع بالأصل لعلة....
لكان أقرب مما قال القاضي من نفي دليل الاستدلال الذي هو التعلق بالمعاني المشعرة بالحكم من غير التزام رسوم الأصول المحددة.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 01:36 AM
سأورد الآن رد الجويني على الإمام مالك في استرساله في اعتبار الاستدلال، وسأبحث عن ردود المالكية على الجويني، إما بمنازعته في ما فهمه عن الإمام مالك رحمه الله من إطلاق القول بالاستدلال والاسترسال فيه، وإما بجوابه عما أورده عليهم.

يقول الجويني رحمه الله:
فنقول لمالك رحمه الله:
أتجوِّز التعلق بكل رأي؟
فإن أبى لم نجد مرجعا نقر عنده إلا التقريب الذي ارتضاه الشافعي رضي الله عنه كما سنصفه.
وإن لم يذكر ضبطا وصرح بأن ما لا نص فيه ولا أصل له فهو مردود إلى الرأي المرسل واستصواب ذوي العقول فهذا الآن اقتحام عظيم وخروج عن الضبط ويلزم منه ما ذكره القاضي رحمه الله.
وما نزيده الآن قائلين:
لو صح التمسك بكل رأي من غير قرب ومداناة لكان العاقل ذو الرأي العالم بوجوه الإيالات إذا راجع المفتين في حادثة فأعلموه أنها ليست منصوصة في كتاب ولا سنة ولا أصل لها يضاهيها لساغ والحالة هذه أن يعمل العاقل بالأصوب عنده والأليق بطرق الاستصلاح
وهذا مركب صعب لا يجترئ عليه متدين ومساقه رد الأمر إلى عقول العقلاء وإحكام الحكماء ونحن على قطع نعلم أن الأمر بخلاف ذلك ثم وجوه الرأي تختلف بالأصقاع والبقاع والأوقات.
ولو كان الحكم ما ترشد إليه العقول في طرق الاستصواب ومسالكه تختلف للزم أن تختلف الأحكام باختلاف الأسباب التي ذكرناها ثم عقول العقلاء قد تختلف وتتباين على النقائض والأضداد في المظنونات ولا يلزم مثل ذلك فيما له أصل أو تقريب فإن شوف الناظرين إلى الأصول الموجودة فإذا رمقوها واتخذوها معتبرهم لم يتباعد أصلا اختلافهم ولو ساغ ما قاله مالك رضي الله عنه إن صح عنه لاتخذ العقلاء أيام كسرى أنو شروان في العدل والإيالة معتبرهم وهذا يجر خبالالا استقلال به.
وإن أخذ مالك رحمه الله وأتباعه:
يقربون وجه الرأي من القواعد الثابتة في الشريعة فالذي جاءوا به مذهب الشافعي رحمه الله على ما سنصف طريقه إنما وجهنا ما ذكرناه على من يتبع الرأي المجرد ولا يروم ربطة بأصول الشريعة ويكتفي ألا يكون في الشريعة أصل يدرؤوه من نص كتاب أو سنة أو إجماع .

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 03:04 PM
بما أن الجويني هو أول من ميز الاستدلال وأفرده بالبحث والنظر، فإنه يستحسن إلحاق كلام تلميذه الغزالي إلى كلامه، فإن الغزالي هو المطوِّر الأول لمدرسة الجويني، وهو أيضاً المدخل لحل عقد كلامه وفهم عويص استدلاله، والغزالي على كل حال درجة لا بد من المرور بها وأنت ذاهبٌ إلى الجويني إما داخلا وإما خارجا.


فوائد من كلام الغزالي رحمه الله في كتابه "المنخول"([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 1)):
1-وسمه: بـ "الاستدلال المرسل وقياس المعنى".
2- وذكر أنه: "عمدة كتاب القياس".
3- وذكر أن وجه إعواصه هو:
أن الصحابة رضي الله عنهم هم قدوة الأمة في القياس وعلم قطعا واعتمادهم على المصالح مع أنهم لم ينحصروا عليها في بعض المسائل ولم يسترسلوا أيضا استرسالا عاما
إذ المصالح كانت تنقسم لديهم:
1- إلى المتروك.
2- وإلى معمول به.
ولم يضبطوا لنا ما نتمسك به ولا يظن بهم بهم أنهم ضنوا بإبدائها بعد أن عرفوها والمصالح شتى وقد عسرت المآخذ وقصرت عن الدلالة على ضبطها فمنه ثار الثوار وردوا أصل القياس.
4- ذكر أن ضابط الاستدلال الصحيح منقحا من الإشكالات هو أنه:
"كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع لا يرده أصل مقطوع به مقدم عليه من كتاب أو سنة أو إجماع فهو مقول به وإن لم يشهد له أصل معين.
1- ذكر أن أقسامه لا ضبط لها فإنها لا يحويها عد ولا يضبطها حد:
أ*- فقد يتفق معنى مرسل يفيد أمرا كليا على إجمال.
ب*- وقد يفيد حكما جزئيا في صورة خاصة.
ت*- وقد يستثار من عكس علة إذ العلل يفيد عكسها عندنا نفي الحكم كما يخيل طردها.
ث*- وقد يفهم من قصد الشارع.

فإن قيل:ما الفرق بين مذهبكم ومذهب مالك رضي الله عنه؟
حيث انتهى الأمر به في اتباع المصالح إلى القتل في التعزير والضرب لمجرد التهمة وقتل ثلث الأمة لاستصلاح ثلثيها ومصادرة الأغنياء عند المصحلة وما الذي منعكم من اتبعاها والحاجة قد تمس إلى التعزيز بالتهمة فان الأموال محقونة والسارق لا يقر وإثباته بالبنية عسر ولا وجه لإظهارها إلا بالضرب وهذه مصلحة ظاهرة إلى غير ذلك مما عداها
قلنا:
الفرق بيننا:
أننا تنبهنا لأصل عظيم لم يكترث مالك به وهو أنا قدمنا الصحابة على قضية المصلحة وكل مصلحة يعلم على القطع وقوعها في زمن الصحابة رضي الله عنهم وامتناعهم عن القضاء بموجبها فهي متروكة
ونعلم على القطع أن الأعصار لا تنفك عن السرقة وكان ذلك يكثر في زمن الصحابة ولم يعزروا بالتهمة ولم يقطعوا قط لسانا في الهذر مع كثرة الهذزان ولا صادروا غنيا مع كثرة الأغنياء ومسيس الحاجات وكل ما امتنعوا عنه نمتنع عنه.
ومالك لم يتنبه لهذا الأصل. ..."
ثم أجاب الغزالي على ما قد يحتاج به المالكية من وقائع الصحابة التي قد يقال: إنهم استرسلوا في اتباع المصلحة، ثم بعد ذلك أورد الغزالي هذا السؤال:
فإن قيل:
لو حدثت واقعة لم يعهد مثلها في عصر الأولين وسنحت مصلحة لا يردها أصل ولكنها حديثة فهل تتبعونها ؟
قلنا: نعم
ولذلك نقول:
لو فرضنا انقلاب أموال العالمين بجملتها محرمة لكثرة المعاملات الفاسدة واشتباه المغصوب بغيره وعسر الوصول إلى الحلال المحض وقد رفع فما بالنا بقدر نبيح لكل محتاج أن يأخذ مقدار كفايته من كل مال لأن تحريم التناول يفضي إلى القتل وتجويز الترفه تنعم في محرم وتخصيصه بمقدار سد الرمق يكف الناس عن معاملاتهم الدينية والدنيوية ويتداعى ذلك إلى فساد الدنيا وخراب العالم وأهله فلا يتفرغون وهم على حالتهم مشرفون على الموت إلى صناعاتهم وأشغالهم والشرع لا يرضى بمثله قطعا فيبيح لكل غني من ماله مقدار كفايته من غير ترفه ولا اقتصار على سد الرمق ويباح لكل مقتر في مال من فضل من هذا القدر مثله.
ويشهد لهذا قاعدة وهي:
أن الشخص الواحد إذا اضطر إلى طعام غيره أو إلى ميتة يباح له مقدار الاستقلال محافظة على الروح فالمحافظة على الأرواح أولى وأحق
وكذلك نقول في المستظهر بشوكته المستولي على الناس المطاع فيما بينهم وقد شغر الزمان عن مستجمع لشرائط الإمامة:
ينفذ أمره لأن ذلك يجر فسادا عظيما لو لم نقل به.
قلت:
نخلص من قراءة كلام الغزالي بالنتائج التالية:
1- تابع الغزالي شيخه الجويني في قوله الذي صار إليه.
2- وتابعه أيضا في نسبة "الاسترسال في اتباع المصلحة" إلى الإمام مالك رحمه الله.
3- حاول التفريق بين مذهب ومذهب شيخه وبين مذهب الإمام مالك من جهة الدليل:
وهو أنهم تنبهوا لأصل عظيم لم يكترث به الإمام مالك وهو : تقديم ما تركه الصحابة من المصالح مما يعلم بالقطع وقوعها في زمنهم.
ثم رجع الغزالي وأكَّد: أن الإمام مالكا لم يتنبه لهذا الأصل.
قلت:
1- لا يبدو أي إضافة جوهرية في كلام الغزالي على كلام شيخه سوى أنه حاول أن يهذبه وأن يوضحه بما يميزه عن غيره، وأن يقيده بما يدفع عنه ما يحوم حاوله من الإشكالات.
2- وضح الغزالي الفرق بين مذهبهم ومذهب الإمام مالك من جهة الدليل.
3- أما نسبة هذا الأصل إلى الإمام مالك: فسنتوقف في كلام الغزالي كما توقفنا في كلام شيخه حتى نقف على جواب المالكية على ما نُسِبَ إلى إمامهم.
4- ما فرضه من "انقلاب أموال العالمين بجملتها محرمة" سبق مدارسته في أكثر من مناسبة وانظر:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
وانظر أيضاً:
لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
ـ‘ـــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
([1])المنخول - (ج 1 / ص 365)

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 03:29 PM
للمقارنة:
هذا تعريف الجويني رحمه الله للاستدلال:
وهو معنى مشعر بالحكم مناسب له فيما يقتضيه الفكر العقلي من غير وجدان أصل متفق عليه والتعليل المنصوب جار فيه.

وهذا تعريف الغزالي:
كل معنى مناسب للحكم مطرد في أحكام الشرع لا يرده أصل مقطوع به مقدم عليه من كتاب أو سنة أو إجماع فهو مقول به وإن لم يشهد له أصل معين.

ويمكن بالمقارنة بين التعريفين أن نخلص إلى النتائج التالية:
1- السبق للجويني في الالتفات إلى هذا الأصل وتمييزه عن غيره.
2- الإبداع للغزالي في ضبط هذا الأصل، ونخله من الإشكالات كما في كتابه "المنخول".
3- قول الغزالي "مطرد في أحكام الشرع" لا أثر له في تعريف الجويني، ويبدو لي أنه مما زاده الغزالي وأضافه إلى حد الجويني.، ولم يظهر لي وجهه إذ قد يكون استثناء، وقد يكون اعتباره نادرا ....
4- قول الجويني "فيما يقتضيه الفكر العقلي" محاه الغزالي من تعريفه، وما صنعه حسن لما في الجملة من إيهام وإبهام.
5- قال الجويني:
"من غير وجدان أصل متفق عليه"
بينما قال الغزالي:
"لا يرده أصل مقطوع به مقدم عليه من كتاب أو سنة أو إجماع"
وما ذكره الغزالي أوضح إذ عبارة الجويني فيها سعة.
6- قال الجويني:
"والتعليل المنصوب جار فيه".
بينما قال الغزالي:
" فهو مقول به وإن لم يشهد له أصل معين".
عبارة الجويني تدفع ما حصل من إيهام في سعة عبارته السابقة.
وعبارة الغزالي تقيد ما أطلقه في كلامه السابق من اعتبار الاستدلال.

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 03:45 PM
يقول د. أسعد الكفراوي:
ويجدر أن أشير إلى أن الغزالي وإن كان قد تابع شيخه في هذا، فقد تابعه أحد تلامذته وهو أبو الفتح ابن برهان في كتابه "الوصول إلى الأصول" لكنه اكتفى فقط بالإشارة إلى المذاهب وأدلتها دون كثير استطراد كما فعل شيخه.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 1))
ــــــــــــــــــــ ـ

([1]) الاستدلال عند الأصوليين ص 127، وكتاب ابن برهان "الوصول إلى الأصول" 2/286

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
08-04-20 ||, 04:05 PM
يقول ابن برهان في "الأصول إلى الأصول":
"فإن قيل:
فما المذهب المروي عن مالك؟
قلنا:
هو أجل قدرا من أن ينسب إلى مثل ذلك، وإنما نقل عنه مسائل تبتني على أصول خاصة، فظن طائفة من أصحابنا أنه أجاز التمسك بالاستدلال المرسل.
فمن ذلك:
أنه روي أن للإمام إذا رأى إنسانا قد أبطره الغنى أن يكسر من نخوته، ويحط من علو ما به بأخذ جزء من ماله، كما فعل عمر بن الخطاب بخالد، وهذا: فإن خالدا ما كان متكبرا ولا كان من أثرى الصحابة، فقد كان فيهم مثل عثمان عبد الرحمن رضي الله عنهم وما صادرهم، ولكنه اتهمه بأنه احتجز شيئا من بيت المال، فأخذ ما ظن أنه كان أخذه.
وكذلك: أجاز قطع اللسان عن النطق بالفحش، والقذف، والضرب عن التهمة.
فإنه قد كان في زمن الصحابة جمع من أهل الفواحش والمتهمين، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه فعل بهم ذلك، ولكنهم كانوا يحبسونهم حتى تزول التهمة وتنتفي الريبة.
وأما العقوبات:
فكيف تقام مع التهمة، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
"ادرؤا الحدود بالشبهات" ولا شبهة أعظم من أن السبب لم يتحقق،
فإن صح هذا عن مالك، فالحق به خلافه، والحق أحق بأن يتبع.ا.هـ.([1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn 1))

([1]) "الأصول إلى الأصول" لابن برهان 2/286 بواسطة "الاستدلال عند الأصوليين ص 126

عبد الرحمن بن عمر آل زعتري
09-09-01 ||, 05:11 AM
بارك الله فيكم ...وقد قال مقرض الكتاب : إن موضوع الإستدلال من المواضيع الخطرة جدا لدورها وأهميتها..


التعريف الثالث:
وقال الآمدي في تعريفه "للاستدلال":
هو عبارة عن دليل لا يكون نصا ولا إجماعا ولا قياسا.

لماذا استثى الآمدي رحمه الله القياس من مفهوم الإستدلال ؟