المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : ندوة التقعيد الفقهي والمقصدي: الحلقة (4)"هل يمكن أن تحل القواعد المقاصدية محل القواعد الفقهية؟



نور الدين أبو لحية الشافعي
10-12-23 ||, 06:39 PM
المبالغة في
"التقعيد" أو "التقصيد"



لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)



هل يمكن أن تحل القواعد المقاصدية محل القواعد الفقهية؟
إعداد
نور الدين أبو لحية الشافعي



عرف الفقه الإسلامي نشاطا كبيرا في التقعيد الفقهي، في الوقت الذي عرف فيه تقصيرا كبيرا في التقعيد للمقاصد الشرعية، ولعل ذلك هو السبب في القصور في استعمال المقاصد الشرعية في الفتوى والاجتهاد.
ذلك أن المؤلفات الكثيرة في القواعد الفقهية، مع أهميتها، لا تخضع للنظر المقاصدي عادة، بل أكثرها يخضع للرؤى الفقهية المختلفة، وبالتالي لا تؤدي تلك القواعد إلا لخدمة الفقه المذهبي كائنا من كان صاحب ذلك المذهب سواء كان من الأئمة الأربعة أو من غيرهم من المجتهدين.
بينما لا نجد ما يمكن تسميته بالقواعد المقاصدية، وهي القواعد التي لا تنطلق من الفروع المجردة وأدلتها الخاصة بها، بل تنطلق من مقاصد الشرع العامة أولا، ثم المقاصد المرتبطة بكل مسألة من المسائل الفقهية ثانيا.. وأدلتها عادة من الأدلة العامة التي لا يلتفت إليها الفقهاء ولا يعتبرونها.
وأنا أريد من خلال هذا الطرح الدعوة - عبر هذا المنتدى المبارك - إلى مساهمة أعضائه في وضع القواعد المقاصدية، وأدلتها وتطبيقاتها بحيث تصبح دستورا للفقهاء: المجتهدين منهم الناظرين في الأدلة، أو المقلدين المكتفين بأقوال العلماء.
أولا ـ بالنسبة للمجتهدين من الفقهاء:
أما بالنسبة للمجتهدين الذين ينظرون إلى الأدلة، ويفتون من خلالها، فإن هذه القواعد تهمهم كثيرا باعتبارها مصادر ينبغي مراعاتها أثناء الاجتهاد، باعتبار أن القواعد المقاصدية دليل من الأدلة، بل دليل قطعي أقرب إلى الشرعية من القياس والاستحسان وغيرها .. ذلك أن أدلته هي ما ورد في الشريعة من قيم وأخلاق لا ينبغي أن تتخلف في أي موضع.
وكمثال مقرب لهذا مسألة العقود الجعلية في الزواج، وخاصة في الصورة التي تكون فيها الشروط من النوع الذي لا يقتضيه العقد ولا ينافيه وللزوجة فيه مصلحة، وصوره – كما نعلم - كثيرة غير منحصرة، وهي من المسائل الواقعية المهمة، فمن مسائلها التي ذكرها الفقهاء (أن لا يتزوج عليها، أو أن لا يخرجها من بلدها، أو من بيتها، أو أن لا يغيب عنها)[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn1)
وقد اختلف الفقهاء في هذه المسائل– كما نعلم - على قولين، أحدهما غلب ما توهمه دليلا خاصا في المسألة، والثاني غلب ما تدل عليه مقاصد الشريعة العامة.
أما القول الأول، وهو المغلب لما توهمه دليلا خاصا، فقد قال بصحة العقد وعدم لزوم الشرط[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn2)، فقد رووا عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني، فقالت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ويكون ولاؤك لي فعلت، فذهبت بريرة إلى أهلها، فقالت لهم: فأبوا عليها، فجاءت من عندهم ورسول الله rجالس، فقالت: إني قد عرضت ذلك عليهم، فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فأخبرت عائشة النبي rفقال: خذيها واشترطي لهم الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق، ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله rفي الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:(أما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق)[3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn3)،
ولأصحاب هذا القول في الاستدلال بهذا الحديث برواياته المختلفة وجهان:
الوجه الأول: أن قوله r:(ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل)، يفيد بأن كل شرط ليس في القرآن، ولا في الحديث، ولا في الإجماع فليس في كتاب الله، بخلاف ما ورد فيها فإنه في كتاب الله بواسطة دلالته على اتباع السنة والإجماع، وهو استدلال الظاهرية.
أما الجمهور ـ القائلين بالقياس ـ فقالوا: إذا دل على صحته القياس المدلول عليه بالسنة أو بالإجماع المدلول عليه بكتاب الله فهو في كتاب الله.
الوجه الثاني: أنهم يقيسون جميع الشروط التي تنافي مقتضى العقد على اشتراط الولاء، لأن العلة فيه كونه مخالفا لمقتضى العقد، لأن العقود في الأصل توجب مقتضياتها بالشرع فإرادة تغييرها تغيير لما أوجبه الشرع كالتغيير في العبادات، ولهذ استندوا للاستدلال على قولهم بالنصوص الدالة على كمال الدين وحرمة تعدي حدود الله كقوله تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾(المائدة:3)، وقوله: ﴿ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾(الطلاق:1)، وقوله : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة:229)
أما القول الثاني[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn4)، فقد نظر إلى المسألة من زاوية أعمق، وهي الزاوية المقاصدية التي دلت عليها الأدلة الكثيرة، وقد ذهب إلى أن العقد صحيح لازم إن وفى به، وإلا فلها الفسخ[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn5).
وقد استدل هؤلاء بما ورد في الشريعة من النصوص الكثيرة الملزمة بالوفاء بالعقود والعهود، كقوله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾(المائدة:1)، والعقود هي العهود، وقوله: ] وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ﴾(الأنعام:152)، وقوله: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾(الإسراء:34)
وقد جعل النبي rضد ذلك صفة المنافق في قوله:(أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn6) ،وقال r:( ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة)[7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn7)وعن بريدة بن الحصيب، قال: كان رسول الله r إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا ثم قال:( اغزوا فيه بسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال فأيتهن ما أجابوك، فاقبل منهم، وكف عنهم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم، وكف عنهم)[8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn8)، فنهاهم عن الغدر وهو عام في كل الأحوال، ومنها شروط الزواج.
ومن الأدلة التي استدلوا بها قوله r وقد ذكر صهرا له فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، فقال:(حدثني وصدقني ووعدني فوفى لي)[9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn9)
ومنها ما ورد في في الحديث القدسي:( ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا ثم أكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره)[10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn10)، فذم الغادر وكل من شرط شرطا ثم نقضه فقد غدر.
واستدلوا بأن الأصل في العقود رضى المتعاقدين ونتيجتها هو ما أوجباه على أنفسهما بالتعاقد لأن الله تعالى قال في كتابه: ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾(النساء:29)، وقال: ] وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (النساء:4)، فعلق جواز الأكل بطيب النفس تعليق الجزاء بشرطه، فدل على أنه سبب له وهو حكم معلق على وصف مناسب، فدل على أن ذلك الوصف سبب لذلك الحكم، وإذا كان طيب النفس هو المبيح للصداق فكذلك سائر التبرعات قياسا بالعلة المنصوصة التي دل عليها القرآن.
واستدلوا بأن العهد بنص القرآن الكريم قد يعقده المرء على نفسه، وقد أمر سبحانه بالوفاء به كما قال تعالى: ] وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾(الأحزاب:15). فدل على أن عهد الله يدخل فيه ما عقده المرء على نفسه، وإن لم يكن قد أمر بنفس تلك العهود من قبل.
وهكذا .. فقد غلب هؤلاء الأدلة العامة الآمرة بالوفاء على ما توهمه المخالفون من الدليل الخاص.
ولم يكتفوا بذلك، بل حاولوا أن يفهموا ويفسروا الدليل الخاص على ضوء الدليل العام، فذكروا أن المراد بالشرط في قوله:( من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق)[11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn11) ، أن المشروط لا نفس التكلم بالشرط، ولهذا قال:( وإن كان مائة شرط) أي وإن كان مائة مشروط، وليس المراد تعديد التكلم بالشرط، وإنما المراد تعديد المشروط، والدليل على ذلك قوله r:( كتاب الله أحق وشرط الله أوثق)، أي: كتاب الله أحق من هذا الشرط وشرط الله أوثق منه، وهذا إنما يكون إذا خالف ذلك الشرط كتاب الله وشرطه بأن يكون المشروط مما حرم الله تعالى.
ولهذا فإنه إذا لم يكن المشروط مما حرمه الله، فإنه لا يخالف كتاب الله وشرطه حتى يقال:(كتاب الله أحق وشرط الله أوثق)، فيكون المعنى من اشترط أمرا ليس في حكم الله أو في كتابه بواسطة أو بغير واسطة فهو باطل، لأن المشروط إن كان فعلا أو حكما مباحا جاز اشتراطه ووجب الوفاء به، وإن كان محرما لم يجز اشتراطه، فإذا اشترط الرجل مثلا أن لا يسافر بزوجته فهذا المشروط في كتاب الله لأن الشرع ورد بجواز عدم السفر بها، وإذا شرط عدم السفر فقد شرط أمرا مباحا في الشرع.
ولهذا فإن الفقيه المقاصدي لا يغيب عنه ما ورد في النصوص من قيم الإسلام وهو يبحث في المسائل الفقهية، فإذا رأى في أي مسألة غياب تلك القيم اتهم فهمه للدليل الخاص، وغلب الدليل العام، كما قال ابن القيم مشيرا إلى هذا: (الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله r أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها)
2 ـ بالنسبة للمقلدين من الفقهاء:
وهذا هو الصنف الأعم الأغلب، وهم عادة إما يفتون بأقوال من ينتمون إليه من مذاهب الفقهاء، أو يخلطون، وينتقون، وهؤلاء يستفيدون كثيرا من هذه القواعد باعتبار التزام اختياراتهم بهذه القواعد، فلا يتقيد بقول مقلده، ولا بما أدى إليه الدليل الظني، بل يعتبر هذه القواعد هي الأصل بينما الأدلة الظنية، وهي معظم أدلة الفروع الفقهية، من الفروع التي تخضع للأصول.
أو يعتبر القواعد المقاصدية كالمحكم الذي يؤول إليه المتشابه، فتعتبر الفروع المختلف فيها - وهي التي لم تدل عليها الأدلة القطعية - بمثابة المتشابه من النصوص، فنفسر المتشابه من خلال المحكم.
فإن كان هناك مذاهب في فروع الأحكام تتماشى مع المقاصد قبلت جميعا، وإلا رفض منها ما لا يساير المحكم الذي هو المقصد الشرعي.
وذلك كما نتعامل مع قوله تعالى في أبواب العقائد :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11))(الشورى)، فإننا نعتبره من المحكم الذي تفسر من خلاله جميع النصوص المتشابهة في أبواب العقائد.
وهكذا نجد في الفروع أحكاما قد لا تتماشى مع مقاصد الشرع العامة أو الخاصة، وهذه ينبغي استبعادها، ولو تصورنا أن الدليل الخاص يدل عليها.
وكمثال تقريبي على ذلك ما ذكره ابن القيم من عدم الاكتفاء من وقع في تطليق زوجته باستفتاء مفت واحد، بل يعاود البحث والاستفتاء لعل مسألته تجد حلها الشرعي، ويعود لزوجته بالطريق المشروع، وقد عقد ابن القيم فصولا مهمة للمخارج من الوقوع في التحليل، قال في مقدمتها: (أي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله r كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه , ومباءته باللعنة)[12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn12)
ثم ذكر مصدره الذي اعتمده لاستنباط هذه المخارج، فقال: (فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة , بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف , أو أفتى به بعضهم , أو هو خارج عن أقوالهم , أو هو قول جمهور الأمة أو بعضهم أو إمام من الأئمة الأربعة , أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام , ولا تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن ذلك , فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر , ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه , ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا منها ارتكب فهو أولى من التحليل)[13] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn13)
وما قاله ابن القيم يمكن تطبيقه على الفقيه المقاصدي الذي يجعل من الأدلة ومن التراث الفقيهي مرجعه لتحقيق مقاصد الشرع في المسألة التي يبحث فيها.
ولهذا، فإن ابن القيم رجح أثناء بحثه في مخارج الطلاق أقوالا لا تتناسب مع توجهه الفقهي، ولكنه أخذ بها في هذا الموضع مراعاة لمقصد الشرع من تضييق دائرة الطلاق، والحيلولة بين المطلق والوقوع في التحليل الذي لعن الواقع فيه.
فقد ذكر أن المطلق إذا حلف بالطلاق ألا يكلم فلانا أو لا يدخل داره، فأفتاه مفت بعدم وقوع الطلاق في هذه اليمين , اعتقادا لقول علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وطاوس وشريح , أو اعتقادا لقول أبي حنيفة والقفال في صيغة الالتزام دون صيغة الشرط , أو اعتقادا لقول أشهب أنه إذا علق الطلاق بفعل الزوجة أنه لم يحنث بفعلها , أو اعتقادا لقول أبي عبد الرحمن الشافعي أجل أصحاب الشافعي إن الطلاق المعلق لا يصح كما لا يصح النكاح والبيع والوقف المعلق , وهو مذهب جماعة من أهل الظاهر.
ثم ساق الأمثلة الكثيرة على عدم مؤاخذة المقلد أو المتأول، ومنها أن النبي rلم يؤاخذ خالدا في تأويله حين قتل بني جذيمة بعد إسلامهم , ولم يؤاخذ أسامة حين قتل من قال لا إله إلا الله لأجل التأويل , ولم يؤاخذ من أكل نهارا في الصوم عمدا لأجل التأويل , ولم يؤاخذ أصحابه حين قتلوا من سلم عليهم , وأخذوا غنيمته لأجل التأويل , ولم يؤاخذ المستحاضة بتركها الصوم والصلاة لأجل التأويل ، وكذلك أصحاب رسول الله r ، فقد أجمعوا على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر في قتالهم في الفتنة , قال الزهري : وقعت الفتنة , وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم متوافرون , فأجمعوا على أن كل مال أو دم أصيب بتأويل القرآن فهو هدر , أنزلوهم منزلة الجاهلية.
قال ابن القيم بعد عرضه للأدلة الكثيرة على عدم المؤاخذة بالتأويل والتقليد: (فلا يحل لأحد أن يفرق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الذي قلد فيه بغير حجة ; فإذا كان الرجل قد تأول وقلد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحل له أن يحكم عليه بأنه حانث في حكم الله ورسوله , ولم يتعمد الحنث , بل هذه فرية على الله ورسوله وعلى الحالف , وإذا وصل الهوى إلى هذا الحد فصاحبه تحت الدرك , وله مقام , وأي مقام بين يدي الله يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلده)[14] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn14)
أمثلة تطبيقة:
ولتوضيح غرضي من هذه الورقة سأذكر منهجا اعتمدته في سلسلتي الفقهية (فقه الأسرة برؤية مقاصدية)[15] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn15) ، فقد حاولت فيها أن أستنبط قواعد مقاصدية في كل حكم من الأحكام الشرعية، ثم حاولت أن أبحث عن الأدلة القطعية التي تنص على ذلك المقصد، وبالتالي تصبح القاعدة من المحكم الذي يؤول إليه المتشابه من الأحكام.
ثم عمدت إلى الفروع المختلفة لأنظر فيها باعتبار ذلك المقصد، فأختار من أقوال الفقهاء ما يتناسب مع تلك القاعدة، وأستبعد ما لا يتناسب معها.
وسأذكر أمثلة على هذا ربما تشير إلى ما أريده من الموضوع، وسأقتبس الأمثلة من سلسلتي (فقه الأسرة برؤية مقاصدية):
المثال الأول:
لقد وجدت أن النصوص الكثيرة تدل على أن الشارع لا يعاقب بالتجويع وحرمان النفقة، فالله تعالى عندما عاقب بني إسرائيل في التيه لم يعاقبهم بالضروريات التي لابد منها لصلاح معاشهم، قال تعالى: (وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) (الأعراف)
وعلى ضوء هذا المقصد صدمت بما ذهب إليه الكثير من الفقهاء من أن النفقة من الزوج على زوجته تسقط طيلة مدة نشوزها لعدم تحقق شرط التسليم، بل إن البعض يصور المسألة على هذه الصورة، وكأنها محل اتفاق، قال ابن المنذر: « لا أعلم أحدا خالف هؤلاء إلا الحكم , ولعله يحتج بأن نشوزها لا يسقط مهرها , فكذلك نفقتها»، وقال الطحاوي:« لم يختلفوا أن الناشز لا تستحق النفقة ولا الكسوة لعدم التسليم)[16] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn16)، وقال في جواهر العقود:« واتفقوا على أن الناشز لا نفقة لها)[17] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn17)
لم أقتنع بهذا الاتجاه لمخالفته لما أتصوره من مقصد الشرع في هذا الباب، ولذلك عدت أبحث من جديد لعلي أجد من يرى خلاف هذا، فيكون قوله أقرب لمقصد الشرع في هذا الباب، وقد وجدت بحمد الله أن المسألة مختلف فيها فقد قال الظاهرية، وكثير من المالكية[18] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn18) بوجوب النفقة على الزوج في حال نشوز الزوجة.
بل وجدت أن الأدلة الخاصة تكاد تصرح بهذا، فقد ذكر ابن حزم الأدلة الكثيرة على هذا القول، ومنها أن الله تعالى بين ما على الناشز فقال: ) وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا((النساء:34)، فأخبر تعالى أنه ليس على الناشز إلا الهجر والضرب , ولم يسقط عز وجل نفقتها ولا كسوتها.
ومنها ما روي عن حكيم بن معاوية القشيري قال: قلت: يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال:« أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت , ولا تضرب الوجه , ولا تقبح , ولا تهجر إلا في البيت)[19] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn19) فعم رسول الله r كل النساء ولم يخص ناشزا من غيرها , ولا صغيرة ولا كبيرة , ولا أمة مبوأة بيتا من غيرها.
ومنها أن اعتبار النفقة مقابل الجماع , والطاعة غير صحيح، وأول من يبطله من يستدل به ( أما الحنفيون , والشافعيون فيوجبون النفقة على الزوج الصغير على الكبيرة , ولا جماع هنالك ولا طاعة. والحنفيون , والمالكيون , والشافعيون: يوجبون النفقة على المجبوب والعنين ولا خلاف في وجوب النفقة على المريضة التي لا يمكن جماعها)[20] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn20)
المثال الثاني:
وجدت من خلال البحث في مقاصد الشريعة أن الشارع يتشوف إلى إثبات الأنساب، بل يعتبره حقا من الحقوق، فإذا تعارض نسبان قدم الشارع أشرفهما وأكرمهما.
لكني وجدت في خلال الأقوال الفقهية قصورا في اتباع هذا المقصد، وكمثال على ذلك ما ذكره الفقهاء في ثبوت النسب بالعلاقة غير الشرعية، فقد اتفقت المذاهب الفقهية المختلفة على عدم ثبوت هذا النوع من النسب، حتى اعتبر عند بعضهم من الإجماع الذي لا يرقى إليه شك، قال ابن عبد البر :« فنفى أن يلحق في الإسلام ولد الزنى، وأجمعت الأمة على ذلك نقلا عن نبيها r وجعل رسول الله r كل ولد يولد على فراش لرجل لاحقا به على كل حال إلى أن ينفيه بلعان على حكم اللعان)[21] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn21)
وقد استدل هؤلاء كما هو معلوم بقوله r : (الولد للفراش وللعاهر الحجر)، وبما روي عن ابن عباس قال: قال رسول الله r: «لاَ مُسَاعَاة في الإِسلامِ، مَن سَاعى في الجَاهِلِية فَقَد لَحِقَ بِعَصبَتِهِ، وَمَن ادعى وَلَداً مِن غَيرِ رشدَةٍ، فَلاَ يَرِثُ وَلاَ يُوَرثُ)[22] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn22)، والمساعاة هي الزنى، وبما روي عن عمرو بن شعيب، عن أبـيه، عن جده «أن النبـي r ، قضى أن كُل مستلحَقَ استُلحِقَ بعد أبـيه الذي يُدعى له، ادعاه ورثتُه، فقضى أن كُل مَن كَانَ مِن أمَةٍ يملِكُها يومَ أصابَها فقد لَحِقَ بمن استلحقَه، وليس له مما قُسِمَ قَبله من الميراث، وما أَدرَكَ مِن ميراثٍ لم يُقسم، فله نصيبُه، ولا يُلحق إذا كان أبوه الذي يُدعى له أنكرَه، وإن كان مِن أمةٍ لم يملكها، أو من حُرة عَاهَرَ بها، فإن لا يُلحَق ولا يرثُ، وإن كان الذي يُدعى له هو ادعاهُ، فهو من ولدِ زنية مِن حرة كان أو أمة)[23] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn23)، وفي رواية: «وهو ولد زنى لأهل أمه من كانوا حرةً أو أمة، وذلك فيما استلحق في أولِ الإسلام، فما اقتسم مِن مال قبل الإسلام، فقد مضى»
لكني مع هذا الإجماع المحكي لم أتصور أن المسألة يمكن أن تكون بهذه الصورة، فالعدل يقتضي أن يتحمل الرجل جريرة خطئه كما تتحملها المرأة سواء بسواء، وكذلك الولد له حق النسب مطلقا سواء كان من طريق شرعي أو من طريق غير شرعي.
وعند معاودة البحث في المسألة على ضوء هذا المقصد وجدت أن المسألة محل خلاف لا إجماع، فقد ذكر ابن القيم أن المولودَ مِن الزنى إذا لم يكن مولوداً على فراش يدعيه صاحبه، وادعاه الزاني، أُلحِقَ به، هو قول إسحاق بن راهويه ، والحسن البصري، وعروة بن الزبـير وسليمانَ بن يسار.
وقد انتصر لهذا القول ابن القيم، فقال: (وهذا المذهبُ كما تراه قوة ووضوحاً، وليس مع الجمهور أكثرُ مِن « الولد للفراش » وصاحبُ هذا المذهب أولُ قائل به، والقياسُ الصحيح يقتضيه«، ومن الأدلة التي ذكرها ابن القيم لذلك:
1 ـ أن القياس يدل عليه ، فالأبَ أحدُ الزانيـين، وقد وُجِدَ الولدُ مِن ماء الزانيـين، وقد اشتركا فيه، فلماذا يلحق بأمه، وينسب إليها،وترثه ويرثُها، ويثبت النسب بـينه وبـين أقارب أمه مع كونها زنت به، ، ويمنع من لحوقه بالأب إذا لم يدعِهِ غيرُه.
2 ـ حديث جريج للغلام الذي زنت أمُّه بالراعي حيث قال له: من أبوك يا غلام؟ قال: فلان الراعي، فهذا القول من الغلام يدل على صحة النسب للزاني، قال ابن القيم:» وهذا إنطاق من الله لا يُمكن فيه الكذبُ«
3 ـ عدم صحة حديث المساعاة الذي استدلوا به ، قال ابن القيم:»ولكن في إسناد هذا الحديث رجل مجهول، فلا تقوم به حجة«، وسببه يمنع الاستدلال به على هذا، فقد كان قوم في الجاهلية لهم إماء بغايا، فإذا ولَدَت أمةُ أحدهم وقد وطئها غيرُه بالزنى، فربما ادعاه سيدها، وربما ادعاه الزاني، واختصما في ذلك، حتى قام الإسلام، فحكم النبـيُّ r بالولد للسيد، لأنه صاحب الفراش، ونفاه على الزاني، أما الحديثُ الثاني فهو صحيح في الدلالة لكنه ضعيف في الثبوت ، قال ابن القيم:» لكن فيه محمد بن راشد، ونحن نحتج بعمرو بن شعيب، فلا يُعلل الحديثُ به، فإن ثبت هذا الحديثُ، تعينَ القولُ بموجبه، والمصير إليه، وإلا فالقولُ قول إسحاق ومَن معه)[24] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn24)
وقد ذكرت في كتابي (الحقوق النفسية والصحية للأولاد) عند ترجيحي لقول ابن القيم في هذه المسألة بعض النواحي المقاصدية لا بأس من ذكرها هنا، قلت: (نرى أن الأرجح في المسألة هو ثبوت نسب ابن الزنا لأمه وأبيه، ونرى أن سبب ثبوت نسبه لأمه شرعا هو دليل ثبوت نسبه لأبيه ، لأنه من كليهما حصل الزنا، فلا معنى لثبوته من أحدهما ونفيه عن الآخر ، ثم تعليل ذلك بكونه من زنا.
فإذا انتفت هذه العلة، والتي بها يعتقد الإجماع على عدم ثبوت نسب ابن الزنى من الزاني، بقي أن نبحث عن علة ثبوت نسبه لأمه، وهي ـ كما مر معنا ـ تتلخص في كون نسبته إليها محققة، فهي التي ولدته، ولا شك في نسبه منها بخلاف ابن الزنا ، فقد ينتسب لهذا الزاني أو ذاك، فلذلك ينفى عنهم جميعا لعدم التحقيق، فالعلة إذن من نفي نسب ابن الزنا عن الزاني هي عدم التحقق من صحة نسبته لا كونه ابن زنا[25] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn25).
فلذلك إذا انتفت هذه العلة ، واستطعنا أن نتعرف على نسبه إما بادعاء أبيه له، أو بوسائل أخرى جازمة ، فإن نسبه يثبت إلى الزاني بلا شك.
وليس في النصوص ما ينفي هذا، أما قوله r :« الولد للفراش » فهو بناء على الأصل، وحرص منه r على إثبات الأنساب، ولكن حديثنا هنا على امرأة ليست فراشا، ولذلك كان عمر t يلحق الأنساب التي لا فراش لها، قال ابن عبد البر :« وقد ظن أن عمر بن الخطاب كان يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم كان هناك فراش أم لا ، وذلك جهل وغباوة وغفلة مفرطة، وإنما الذي كان عمر يقضي به أن يليط أولاد الجاهلية بمن ادعاهم إذا لم يكن هناك فراش)[26] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ftn26)
وعلة ذلك هي حاجة الولد لنسب ينتمي إليه، فإن كان الفراش نسبا ، فهو أشرف الأنساب ، فلذلك إذا تنازع الزاني وصاحب الفراش قدم صاحب الفراش، لكن في حال عدم التنازع، فإن الولد لأبيه سواء كان صاحب الفراش أو غيره، ودليل ذلك أن النبي r قال هذا الحديث في حال ممارسته القضاء عند التنازع.
هذا عن الدليل الذي نراه كافيا لإثبات نسب ابن الزنى، ولا نرى الاكتفاء بالثبوت عند الادعاء، لقلة من يدعي ابن الزنا، بل نرى لولي الأمر أن يبحث في أنساب أبناء الزنى بالطرق المختلفة بشرط كونها جازمة، ثم إلحاقهم بآبائهم، خاصة مع توفر الوسائل العلمية التي تؤكد ذلك، رعاية لمقصد الشرع من حفظ الأنساب ، وإلحاقها بأصحابها.
وقد يقول البعض بأن في هذا فتحا لمفسدة الفواحش، ونقول إجابة عن ذلك: بل هو سد لهذه المفسدة، وسد لأخطر آثارها:
أما كونه سدا للمفسدة، فإن الرجل إن علم بأن زناه قد يلاحقه بابن ينسب إليه قد يفتضح به أمره ربما يرعوي عن الفاحشة، فإن فعلها اجتهد في الوسائل التي تمنع حصول الحمل ، فيكون ذلك درءا لمفسدة أخرى.
ثم إن الذين يعترضون بهذا لماذا يحملون المرأة ، وهي طرف في هذه الخطيئة جريرة ما فعلت وحدها ، وينزهون الرجل، فوصمة العار تبقى في المرأة طول الدهر، ولو أصبحت كرابعة تقى وورعا، بينما يتمسح بالرجل إن تلفظ بالاستغفار الذي يحتاج إلى استغفار.
أما كونها سدا لأخطر آثارها ، فهو أن أخطر آثار الزنى هو اختلاط الأنساب، وإنتاج المشردين الذين قد يصبحون عالة على المجتمع، ويكون المجتمع سبب ما يحصل لهم، فكيف نرجو من ولد ندعوه ابن زنا، ونحرمه من أبسط حقوقه ، وهو النسب، أن يرضى عن مجتمع ينظر إليه ، وكأنه هو الخطيئة بعينها، مع أنه لا علاقة له بها، ولا إثم له فيها.
فلذلك كان أكبر ما يقدم لهؤلاء المظلومين والمشردين والباحثين عن أصولهم هو تمكينهم من ذلك، بل توفير ذلك لهم ، فينتسبون إلى آبائهم، ويعولهم آباؤهم شاءوا أم أبوا، أما الاكتفاء برعايتهم رعاية مادية، فإن ذلك لا يسد الجوع الذي في نفوسهم لمعرفة جذورهم ، ولا يلامون في ذلك فهو جبلة كل إنسان.
فإن لم يفعل ولي الأمر هذا ، فإنا نرى أن الواجب على من انتسب إليه ولد بهذا الطريق أن يضمه إليه ويلحقه به، ولا تكمل توبته إلا بذلك ، فلا معنى لأن يعمر المسجد ، ويطقطق المسابح بيده، وولده يعمر المواخير ، ويتيه في الشوارع، لا يجد أبا ينسبه إليه، ولا بيتا يحميه)
دعوة
من خلال هذا المنتدى المبارك أدعو إلى الكتابة في القواعد المقاصدية بحيث يضع كل باحث قاعدة من القواعد على هذا المنوال:
القاعدة المقاصدية:
معناها:
أدلتها:
تطبيقاتها:
بحيث يتوفر لنا كم من القواعد يمكن اعتباره بعد ذلك دستورا للفقهاء يرجعون إليه في الاجتهاد أو الانتقاء.


([1]) المنتقى: 3/296، الإنصاف: :8/155.

([2]) وهو قول الزهري، وقتادة وهشام بن عروة ومالك، والليث، والثوري، والشافعي، وابن المنذر، والحنفية، ولهم تفاصيل مختلفة في آحاد تلك الشروط مع اتفاقهم على بطلانها وصحة العقد بدونها واستحباب الوفاء بها، ولبعض هذه المذاهب تفاصيل خاصة تقربهم أحيانا من القول الثاني.

([3]) البخاري:2/759، 2/903، مسلم:2/1141، ابوداود:4/21، النسائي:3/194، ابن ماجة:2/842، الموطأ:2/780، أحمد:6/81.

([4]) انظر: الإنصاف:8/155 فما بعدها، الفروع: 5/318، مطالب أولي النهى:5/115، المبدع: 7/80، دليل الطالب: 231، مختصر الخرقي: 94، المحرر في الفقه: 2/23، زاد المستقنع:170، المغني: 7/71.

([5]) وهو يروى عن عمر بن الخطاب وسعد بن أبي وقاص، وبه قال شريح، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، وطاوس، والأوزاعي، وإسحاق، وهو مذهب الحنابلة.

([6]) البخاري:1/21، مسلم:1/78، الترمذي: 5/19، النسائي:6/35، أحمد:2/357.

([7]) البخاري: 3/1164، مسلم: 3/1360، الترمذي: 4/144، النسائي:5/224، ابن ماجة: 2/959.

([8]) مسلم:3/1357، الترمذي:4/162، النسائي: 5/172، ابن ماجة: 2/953، أحمد:5/352، الدارمي: 2/284.

([9]) البخاري: 2/970.

([10]) البخاري:2/776، ابن ماجة:2/816، أحمد:2/358، سنن البيهقي الكبرى: 6/121.

([11]) مسلم:4/214 وغيره.

([12]) إعلام الموقعين: 4/47.

([13]) إعلام الموقعين: 4/47.

([14]) إعلام الموقعين: 4/90.

([15]) يمكن مطالعتها من هذا الرابط: (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد)

([16]) مختصر اختلاف العلماء:2/371.

([17]) جواهر العقود:2/174.

([18]) مواهب الجليل:4/183، التاج والإكليل:4/188، حاشية الدسوقي:2/343.

([19]) أبو داود: 2/210 وغيره.

([20]) المحلى: 9/510.

([21]) التمهيد: 8/183.

([22]) الحاكم: 4/380، البيهقي: 6/259، أبو داود: 2/279، أحمد: 1/362.

([23]) الدارمي : 2/483، البيهقي: 6/260، أبو داود: 2/279، ابن ماجة: 2/917، أحمد: 6/253.

([24]) زاد المعاد: 5/429.

([25]) ويدل لهذا قول الجصاص السابق: » الزانية لا نسب لولدها من قبل الأب ; إذ ليس بعض الزناة أولى به لحاقه به من بعض».

([26]) التمهيد: 8/193.

أحمد محمد عروبي
10-12-28 ||, 10:10 PM
شكر الله لك أخي الكريم
والموضوع معروض على أنظار الإخوة للمناقشة
بارك الله فيكم

وليد طيفوري نصر الدين
10-12-30 ||, 10:14 PM
بارك الله فيك على هذا الموضوع الرائع

أبو عبد الله المصلحي
10-12-31 ||, 11:12 PM
أولاً :
بارك الله بالاخ الباحث على هذا البحث.
ثانياً :
ممكن تفسير الحديث ( ولد الزنا شر الثلاثة ) بما يتلائم مع ما ذهب اليه الباحث من التفسير المقاصدي لاثبات نسب ولد الزنا لابيه.
وشكراً.

نور الدين أبو لحية الشافعي
11-01-01 ||, 10:39 AM
أولا ـ أعتذر للأخوة الكرام عن التأخر في الرد، وذلك لظروف خاصة.
ثانيا ـ أنبه إلى أني كتبت هذه الورقة على استعجال، وقد طرحت فيها فكرة طالما راودتني، وهي محاولة وضع دستور للقواعد المقاصدية على شاكلة القواعد الفقهية.
وقد حاولت أن أجتهد في بعض هذا في سلسلتي (فقه الأسرة برؤية مقاصدية)، وقد ذكرت بعض الأمثلة على ذلك.
وذلك جهد فردي، وقد طلبت من إخواني مشاركتي فيه، بحيث تكون القواعد المقاصدية إطارا يحمي أحكام الشريعة من بعض الأقوال التي لا تتناسب مع ما جاءت به من رحمة وعدالة وقيم نبيلة.
بخصوص ما ورد في ابن الزنا لدي كتيب في هذا في سلسلة (فقه الأسرة برؤية مقاصدية) حاولت أن أبين فيه الحقوق التي أعطتها الشريعة للقيط، فهو مسكين لا ذنب له ولا تزر وازرة وزر أخرى.
أما ورد في حقه من الآثار فلا أصل لها، وهي تتناقص مع ما ورد من النصوص من أن الإنسان لا يؤاخذ إلا بما كسبت يداه.
تجد الكتاب على هذا الرابط، وهو مطبوع بدار الكتاب الحديث بالقاهرة، وللدار فرع في الجزائر والكويت، ويمكن شراء الكتاب منها
ويمكن قراءته في نفس الوقت على هذا الرابط : لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد
وهذا اقتباس مختصر حول الحديث الذي ذكره بعض الإخوة الأفاضل:
باب في عتق ولد الزنى )
( ولد الزنى شر الثلاثة ) أي الزانيان وولدهما
قال الخطابي اختلف الناس في تأويل هذا الحديث فذهب بعضهم إلى أن ذلك إنما جاء في رجل بعينه كان معروفا ( موسوما ) بالشر
وقال بعضهم إنما صار ولد الزنى شرا من والديه لأن الحد قد يقام عليهما فيكون العقوبة مختصة بهما وهذا من علم الله لا يدري ما يصنع به وما يفعل في ذنوبه
وقال عبد الرزاق عن بن جريج عن عبدالكريم قال كان أبو ولد الزنى يكثر أن يمر بالنبي صلى الله عليه و سلم فيقولون هو رجل سوء يا رسول الله صلى الله عليه و سلم فيقول صلى الله عليه و سلم هو شر الثلاثة يعني الأب قال فحول الناس الولد شر الثلاثة وكان بن عمر إذا قيل ولد الزنى شر الثلاثة قال بل هو خير الثلاثة
قال الخطابي هذا الذي تأوله عبدالكريم أمر مظنون لا يدري صحته والذي جاء في الحديث إنما هو ولد الزنى شر الثلاثة فهو على ما قال رسول الله صلى الله عليه و سلم
وقد قال بعض أهل العلم إنه شر الثلاثة أصلا وعنصرا ونسبا ومولدا
وذلك أنه خلق من ماء الزاني والزانية وهو ماء خبيث
وقد روي العرق دساس فلا يؤمن أن يؤثر ذلك الخبث فيه ويدب في عروقه فيحمله على الشر ويدعوه إلى الخبث وقد قال الله تعالى في قصة مريم ما كان أبوك أمرأ سوء وما كانت أمك بغيا فقضوا بفساد الأصل على فساد الفرع وقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص في قوله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس قال ولد الزنى مما ذرئ لجهنم وكذا عن سعيد بن جبير
وعن أبي حنيفة أن من ابتاع غلاما فوجده ولد زنا فإن له أن يرده بالعيب فأما قول بن عمر أنه خير الثلاثة فإنما وجهه أن لا إثم له في الذنب باشره والداه فهو خير منهما لبراءته من ذنوبهما
وفي المستدرك من طريق عروة قال بلغ عائشة أن أبا هريرة يقول إن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول ولد الزنى شر الثلاثة قالت كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال من يعذرني من فلان فقيل يارسول الله إنه مع ما به ولد زنا فقال هو شر الثلاثة والله تعالى يقول ولا تزر وازرة وزر أخرى
وفي سنن البيهقي من طريق زيد بن معاوية بن صالح قال حدثني السفر بن بشير الأسدي أن رسول الله صلى الله عليه و سلم إنما قال ولد الزنى شر الثلاثة أن أبويه أسلما ولم يسلم هو فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم هو شر الثلاثة
قال البيهقي وهذا مرسل
وفي مسند أحمد من طريق إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ولد الزنى شر الثلاثة إذا عمل عمل أبويه
وفي معجم الطبراني من حديث بن عباس مرفوعا مثله
وفي سننن البيهقي عن الحسن قال إنما سمى ولد الزنى شر الثلاثة أن امرأة قالت له لست لأبيك الذي تدعي له فقتلها فسمي شر الثلاثة قاله السيوطي في مرقاة الصعود

د. فؤاد بن يحيى الهاشمي
11-01-03 ||, 09:12 AM
إجابتي لسؤال الموضوع: لا، لا يمكن أن تحل القاعدة المقاصدية محل القواعد الفقهية.
لكن لو عكس السؤال، فكان كما يلي:
هل تغني القاعدة الفقهية عن القاعدة المقاصدية؟
فجوابي: نعم.

أبو عبد الله المصلحي
11-01-03 ||, 05:06 PM
إجابتي لسؤال الموضوع: لا، لا يمكن أن تحل القاعدة المقاصدية محل القواعد الفقهية.
لكن لو عكس السؤال، فكان كما يلي:
هل تغني القاعدة الفقهية عن القاعدة المقاصدية؟
فجوابي: نعم.


أردت ان اكتب مثل هذا، بل زوّرت في نفسي كلمات مشابهة وقريبة جدا من هذا الجواب.
ولكن احجمت خشية ان ارمى بكثرة الالحاح.

أبو عبد الله المصلحي
11-01-04 ||, 05:31 PM
وهكذا نجد في الفروع أحكاما قد لا تتماشى مع مقاصد الشرع العامة أو الخاصة، وهذه ينبغي استبعادها، ولو تصورنا أن الدليل الخاص يدل عليها.

قلتُ:
نعم، هذا هو منهج الاستدلال الشائع عند المقاصديين المعاصرين.
لكن:
ماذا نقول في كلام الشاطبي الاتي:
( فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع فى النظر بينهما. لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد. إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع .
وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي ).
الموافقات 3/176، ط : مشهور.

نور الدين أبو لحية الشافعي
11-01-05 ||, 05:52 PM
شكرا على هذه التعقيبات القيمة، ولكن ربما لم يفهم قصدي من الموضوع جيدا.
فأنا قد انطلقت من ان الكثير من القواعد الفقهية تنطلق من الآراء المذهبية المستندة للأدلة الظنية، وبذلك فإن هذه القواعد لا تزيد المستعمل لها الا استغراقا في المذهبية وفي استعمال الظني من الادلة على حساب ما قد يكون قطعيا من المقاصد.
أما القواعد المقاصدية التي دعوت هذا المنتدى المبارك الى محاولة صياغة دستور لها، فإن أهم ضابط لها في تصوري هو استنادها للأدلة القطعية، وبالتالي يصبح لهذه المقاصد حكم الدليل الذي ينفع على الاقل عند الترجيح.
وكمثال بسيط على هذا مسألة الكفاءة في الزواج، فالفقهاء انطلقوا في فروعهم المذهبية من أدلة ظنية تتحمل وجوها مختلفة، في مقابل ما ورد في النصوص من الأدلة القطعية، والتي يمكن أن تصاغ منها قاعدة أن المسلمين جميعا أكفاء بعضهم لبعض يسعى بذمتهم أدناهم.
ولا بأس هنا أن أذكر شيئا من هذا ذكرته في كتاب لي بعنوان (الضوابط الشرعية لحماية الزواج)عند حكم الكفاءة لأبين كيف خرج الفقهاء من المقاصدية بناء على مراعاة قواعد مذهبية في الأعراف.
قلت بعد بيان آراء المذاهب المختلفة في الكفاءة في النسب وأدلتهم:
لا شك في القول باعتبار الكفاءة في الزواج من هذه الجهة قولا حادثا في الملة، لم يعرفه السلف الصالح، وقد كان السلف من الفقهاء ينكرون مثل هذا القول، وقد قيل لمالك: إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربية ومولى، فأعظم ذلك إعظاما شديدا وقال: أهل الإسلام كلهم بعضهم لبعض أكفاء، لقول اللهI في التنزيل: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (الحجرات:13) [1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n1)
ولكنه مع ذلك لا ينبغي أن يساء النظر بهؤلاء الفقهاء، فيزعم أن آراءهم في ذلك من منطلق الذاتية والتعصب، فإن تصور ذلك خطأ شنيع، فهم أرفع شأنا وأعظم قدرا وأزكى نفوسا من الانحطاط إلى هذا الدرك، بل كان منطلقهم هو تصورهم للكفاءة بحسب الأدلة الشرعية كما فهموها، والدليل على ذلك أن معظم القائلين بالكفاءة في النسب كانوا من العجم، وكان يقال: (إن سفيان الثوري رحمه الله كان من العرب فتواضع ورأى الموالي أكفاء له، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى كان من الموالي فتواضع ولم ير نفسه كفؤا للعرب) [2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n2)
ومع هاتين النظرتين، نظرة السلف المتقدمين، ونظرة الفقهاء المتأخرين، لا نتجنى على الفقهاء إن ذكرنا أن بعضهم ـ ولو كانوا عجما ـ بالغوا في اعتبار الكفاءة في النسب حتى اعتبروا ما دل من النصوص السابقة على الأخوة العامة بين المؤمنين خاصا بالآخرة، فقد نقل بعضهم قول مالك قوله: لا تعتبر الكفاءة إلا في الدين، واستدلاله من القرآن والسنة على ذلك فرد عليه بقوله:(قلنا: المراد به في حكم الآخرة وكلامنا في الدنيا)،قال الشارح: (وإلا ففي الدنيا ثابت فضل العربي على العجمي بالإجماع) [3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n3)، ولسنا ندري أي إجماع يدعيه، ولا أي مستند لذلك الإجماع، بل الإجماع هو ما نص عليه رسول الله r وما دل عليه القرآن الكريم، وما أيدته قواعد الدين ومقاصده الكلية.
وقد نقل بعضهم مذهب الغزالي في النسب، ورد عليه بقوله:(قال الإمام والغزالي: وشرف النسب من ثلاث جهات: جهة النبوة وجهة العلم وجهة الصلاح المشهور، ولا عبرة بالانتساب لعظماء الدنيا والظلمة المستولين على الرقاب، وإن تفاخر الناس بهم)، قال الرافعي: ولا يساعدهما عليه كلام النقلة في العظماء، فيعتبر الانتساب إليهم … وكيف لا يعتبر وأقل مراتب الإمرة ونحوها أن تكون كالحرفة؟ وذو الحرفة الدنيئة لا يكافئ النفيسة) [4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n4)
وقد نشأ عن فتح هذا الباب العصبية المحرمة بين العرب وغيرهم، بل بين العرب أنفسهم، بل نجد هذه العصبية قد انتقلت لكتب الفقه نفسها، ففي كتاب منها يقول صاحبه:(سائر العرب بعضهم أكفاء لبعض، وبنوا باهلة ليسوا بأكفاء لعامة العرب؛ لأنهم يعرفون بالخساسة قيل: إنهم يستخرجون النقي من عظام الميتة ويأكلونه قال الشاعر:


إذا قيل للكلب يا باهلي عوى الكلب من لؤم هذا النسب[5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n5)

ويعلل فقيه آخر ذلك بأنهم يطبخون العظام ويأخذون الدسومات منها ويأكلون بقية الطعام مرة ثانية[6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n6)، ويورد آخر حديثا في ذلك، ويستدل بقول شاعر، فبعد أن ذكر عدم كفاءتهم لسائر العرب قال: (لأنهم معروفون بالخساسة والدناءة ويدل عليه قول الشاعر:


إذا ولدت حليلة باهلي غلاما زاد في عدد اللئام

وروي أن رجلا قال لرسول الله r(: أتتكافأ دماؤنا؟ قال: نعم ولو قتلت باهليا لقتلتك به)) [7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n7)
فهؤلاء الفقهاء ـ مع جلالة قدرهم ـ تركوا الأدلة الصريحة الصحيحة لقول شاعر، ويمكنهم لو ساروا على منواله أن يهجوا القبائل جميعا، بل الخلق جميعا.
ونجد فقيها آخر يفضل الجاهلة بنت العالم على العالم ابن الجاهل، ويصرح بذلك بقوله:(العالم ابن الجاهل ليس كفئا للجاهلة بنت العالم) [8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n8)
وهذا الخروج عن القواعد الشرعية في الأنساب نجده عند الإباضية في التفريق بين البدو والحضر، ففي شرح النيل:(وحرم على بدوية تزوجت حضريا أن تتزوج بدويا بعده إن طلقها أو مات أو حرمت عنه أو فارقها بوجه ما، لأنها قد صارت حضرية بتزوج الحضري، وإن فعلت هلكت) [9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n9)
وكل ذلك لا دليل عليه، لا من النصوص ولا من غيرها من سائر الأدلة، أما ما استدلوا به من نصوص فإنها متكلفة ولا علاقة لها بما يعتبرونه، ومن أمثلة التكلف في الاستدلال هذا النقل من بعضهم بتصرف:(قال رسول الله r:(العرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة ورجل برجل إلا حائكا أو حجاما)، رواه أبو يعلى بسند فيه عمران بن أبي الفضل الأيلي، وضعف بأنه موضوع وأن عمران هذا يروي الموضوعات عن الأثبات، وروى الدارقطني عن ابن عمر مرفوعا (الناس أكفاء قبيلة لقبيلة وعربي لعربي ومولى لمولى إلا حائكا أو حجاما) وضعف ببقية بن الوليد وهو مخيل إن عنعن الحديث ليس غير، وبأن محمد بن الفضل مطعون فيه. ورواه ابن عدي في الكامل من حديث علي وعمر باللفظ الأول، وفيه علي بن عروة قال منكر الحديث، وعثمان بن عبد الرحمن قال صاحب التنقيح هو الطرائفي من أهل حران يروي المجاهيل، وقد روي هذا الحديث من وجه آخر عن عائشة وهو ضعيف، وروى البزار عن خالد بن معدان عن معاذ بن جبل يرفعه) العرب بعضهم أكفاء لبعض (، وابن معدان لم يسمع من معاذ، وفيه سليمان بن أبي الجون قال ابن القطان: لم أجد له ذكرا)
فبعد أن ذكر هذا الكم الكبير من الضعف والوضع، قال:(وبالجملة فللحديث أصل)، ثم بنى على هذا الأصل ما عبر عنه بقوله: (فإذا ثبت اعتبار الكفاءة بما قدمناه، فيمكن ثبوت تفصيلها أيضا بالنظر إلى عرف الناس فيما يحقرونه ويعيرون به، فيستأنس بالحديث الضعيف في ذلك، خصوصا وبعض طرقه كحديث بقية ليس من الضعف بذاك، فقد كان شعبة معظما لبقية وناهيك باحتياط شعبة، وأيضا تعدد طرق الحديث الضعيف يرفعه إلى الحسن) [10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n10)
وكل الأدلة التي استدل بها هؤلاء من هذا النوع، قال ابن حجر:(ولم يثبت في اعتبار الكفاءة بالنسب حديث، وأما ما أخرجه البزار من حديث معاذ رفعه العرب بعضهم أكفاء بعض والموالي بعضهم أكفاء بعض، فإسناده ضعيف واحتج البيهقي بحديث وائلة مرفوعا، أن الله اصطفى بني كنانة من بني إسماعيل الحديث وهو صحيح أخرجه مسلم لكن في الاحتجاج به لذلك نظر) [11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n11)
وقد قال ابن تيمية في مناقشته لأصحاب هذا القول: (وهذه مسائل إجتهادية ترد إلى الله والرسول r، فإن جاء عن الله ورسوله ما يوافق أحد القولين فما جاء عن الله لا يختلف والا فلا يكون قول أحد حجة على الله ورسوله، وليس عن النبى r نص صحيح صريح في هذه الأمور، بل قد قال r:(إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء الناس رجلان مؤمن تقى وفاجر شقى)) [12] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n12)، ثم أورد النصوص الصحيحة الدالة على ذلك)



([1]) المدونة:2/107.

([2]) المبسوط:5/23.

([3]) تبيين الحقائق :2/128.

([4]) شرح البهجة:4/124.

([5]) الجوهرة النيرة:2/11،وانظر:فتح القدير:3/298.

([6]) البحر الرائق:3/141.

([7]) تبيين الحقائق: 2/129.

([8]) شرح البهجة:4/125.

([9]) شرح النيل :6/118.

([10]) فتح القدير :3/296.

([11]) فتح الباري:9/133.

([12]) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في الفقه: 19/28.

وقلت عند ترجيح ما ورد من هذا في باب الكفاءة في الحرفة:
نرى أن الأرجح عدم اعتبار الكفاءة في الحرفة، للاعتبارات التالية:
الاعتبار الأول: النصوص الدالة على عدم اعتبار الحرفة فارقا بين المسلمين، وأن أساس الفضل بين المؤمنين هو التقوى، وقد مر ذكر بعضها عند بيان خصلة الكفاءة في النسب.
الاعتبار الثاني: النصوص الدالة على فضل التكسب والاحتراف، من دون تفريق بين حرفة وحرفة، ومن تلك النصوص قوله تعالى:﴿ وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾(النبأ:11) فقد ذكر تعالى ذلك في معرض الامتنان على عباده، وقال تعالى:﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُون﴾(الأعراف:10)فج علها نعمة وطلب الشكر عليها، وقال تعالى:﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾(البقرة:198) وقال تعالى: ﴿وَآخرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ الله﴾ (المزمل:20)وقال تعالى: ﴿فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ الله﴾(الجمعة:10)
أما السنة، فقد وردت بها النصوص الكثيرة، ومنها:
· قوله r:(والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلا فيسأله أعطاه أو منعه) [1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n1)
· عن أنس - رضي الله عنه - قال: آخى رسول الله r بين قريش والأنصار، فآخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف فقال له سعد: إن لي مالا فهو بيني وبينك شطران، ولي امرأتان فانظر أيهما أحب إليك فأنا أطلقها، فإذا حلت فتزوجها قال: بارك الله لك في أهلك ومالك دلوني على السوق، فلم يرجع حتى رجع بسمن وأقط قد أفضله، قال: ورأى رسول الله r علي أثر صفرة فقال: مهيم فقلت: تزوجت امرأة من الأنصار فقال: أولم ولو بشاة[2] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n2).
· عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: قال رسول الله r:(إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولد الرجل من كسبه) [3] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n3)
· عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن رجلا من الأنصار أتى النبي r يسأله،فقال: أما في بيتك شيء؟ قال: بلى حلس نلبس بعضه ونبسط بعضه وقعب نشرب فيه من الماء قال: ائتني بهما قال: فأتاه بهما فأخذهما رسول الله r بيده وقال: من يشتري هذين قال رجل: أنا آخذهما بدرهم قال: من يزيد على درهم مرتين أو ثلاثا قال رجل: أنا آخذهما بدرهمين فأعطاهما إياه وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري وقال: اشتر بأحدهما طعاما فانبذه إلى أهلك واشتر بالآخر قدوما فأتني به فأتاه به فشد فيه رسول الله r عودا بيده،ثم قال له: اذهب فاحتطب وبع ولا أرينك خمسة عشر يوما، فذهب الرجل يحتطب ويبيع فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها ثوبا وببعضها طعاما فقال رسول الله r: هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة، إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة لذي فقر مدقع أو لذي غرم مفظع أو لذي دم موجع[4] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n4).
الاعتبار الثالث: أن في القول بالكفاءة في الحرفة تجسيدا للطبقية في المجتمع، فينظر إلى الناس باعتبارات غير شرعية، بل جاء الشرع بمحاربتها والنهي عنها، وسنذكر هنا بعض الأمثلة عن آراء الفقهاء القائلين بالكفاءة في الحرفة وفتاواهم، ولنتأمل أثر مثل هذه الفتاوى وخطورتها النفسية والاجتماعية، ونقارن ذلك بما دعا إليه الإسلام بالنصوص القطعية واعتبره أصلا من أصوله، وقد تحرجت كثيرا من نقل مثل هذه الفتاوى، ولولا ضرورة التوثيق ما وثقتها:
سئل بعضهم عن تاجر قمح يقرأ بعض القرآن زوج ابنته لرجل شلبي طحان، فهل الزوج كفء لها وهل العقد صحيح أو لا؟ فأجاب بهذه الصراحة: (أنه ليس الزوج كفء الزوجة ونكاحها باطل) [5] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n5)، وليس ذلك لأجل القرآن، لأن القرآن ليس حرفة، وإنما لأجل التجارة.
وفي فتوى أخرى سئل عن أخوين أحدهما حائك وتاجر والآخر حائك فقط زوج الأول ابنته بولاية الإجبار لابن الثاني فهل هو كفء لها أو لا؟
فأجاب بأنه لا يكافئ بنت عمه المذكورة لأن المكافأة المساواة وهي معتبرة في الزوجين وآبائهما وشرف التجارة عرفا المتصف به والدها غير موجود في والده وظاهر أن ابن الحائك ليس كفؤا لبنت التاجر) [6] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n6)، فالأخوان لا يكافئ بعضهما بعضا لأجل التجارة.
وفي فتوى أخرى أجاب:(بأنه ليس بكفء لها لأنه ابن حائك وأبوها تاجر) [7] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n7)
وفي فتوى أخرى سئل عما إذا تزوج عالم ببنت عالم ولم يكن أبو الزوج عالما يصح النكاح أم لا؟ فأجاب بأنه إن زوجها وليها به بإذنها فيه ولو بسكوت البكر صح نكاحها، وإلا فلا يصح لعدم الكفاءة) [8] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n8)
وفي فتوى أخرى ينقلها ابن حجر الهيثمي بقوله:(وقع في الدرس السؤال عما لو جاءت امرأة مجهولة النسب إلى الحاكم وطلبت منه أن يزوجها من ذي الحرفة الدنيئة ونحوها، فهل يجيبها أم لا؟ والجواب عنه: أن الظاهر الثاني للاحتياط لأمر النكاح، فلعلها تنسب إلى ذي حرفة شريفة، وبفرض ذلك فتزويجها من ذي الحرفة الدنيئة باطل، والنكاح يحتاط له) [9] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n9)
وقد عبر السبكي عن علة هذه الفتاوى بقوله عندما سئل عمن يأكل من كسب يده، هل هو أشرف ممن يأكل من الصدقة، وهل أحدهما كفء للآخر؟ فأجاب بقوله:(الذي يظهر أنه يعتبر في ذلك عرف أهل بلد الزوجة المطردة إذ الأفضلية في ذلك أمر شرعي، والفقهاء في هذا الباب ينظرون للعرف أكثر من نظرهم للفضائل الشرعية) [10] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n10)
ولم يكتف هؤلاء بحرفته فقط بل عمموا ذلك إلى حرفة آبائه فلا تزال تنزل عليه لعناتها، فلذلك قالوا:(حرفة فيه أو في أحد من آبائه وهي ما يتحرف به لطلب الرزق من الصنائع وغيرها) [11] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_ft n11)

([1]) البخاري: 2/535، النسائي: 2/51، الموطأ:2/998، أحمد: 2/418.

([2]) البخاري: 2/722، الترمذي: 4/328، البيهقي: 7/236، النسائي: 3/336، أحمد: 3/190.

([3]) أبو داود: 3/288، مجتبى النسائي: 7/240، ابن ماجة: 2/723، ابن حبان: 10/74، المستدرك: 2/53، البيهقي: 7/480.

([4]) قال المنذري: رواه أبو داود والبيهقي بطوله واللفظ لأبي داود وأخرج الترمذي والنسائي منه قصة بيع القدح فقط وقال الترمذي حديث حسن، الترغيب والترهيب:1/335، سنن البيهقي الكبرى: 7/25.

([5]) فتاوى الرملي :3/159.

([6]) فتاوى الرملي:3/170.

([7]) فتاوى الرملي:3/171.

([8]) فتاوى الرملي:3/176.

([9]) تحفة المحتاج:7/278.

([10]) الفتاوى الفقهية الكبرى: 4/94.

([11]) تحفة المحتاج:7/281.
يمكن تحميل الكتاب الذي ورد فيه هذه المسائل من المرفقات:

نور الدين أبو لحية الشافعي
11-01-05 ||, 06:07 PM
بخصوص تعقيب أخي الفاضل الدكتور المصلحي، والذي عقب به على قولي: وهكذا نجد في الفروع أحكاما قد لا تتماشى مع مقاصد الشرع العامة أو الخاصة، وهذه ينبغي استبعادها، ولو تصورنا أن الدليل الخاص يدل عليها.


قائلا:
نعم، هذا هو منهج الاستدلال الشائع عند المقاصديين المعاصرين.
لكن:
ماذا نقول في كلام الشاطبي الاتي:
( فإذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع فى النظر بينهما. لأن الشارع لم ينص على ذلك الجزئي إلا مع الحفظ على تلك القواعد. إذ كلية هذا معلومة ضرورة بعد الإحاطة بمقاصد الشريعة فلا يمكن والحالة هذه أن تخرم القواعد بإلغاء ما اعتبره الشارع .
وإذا ثبت هذا لم يمكن أن يعتبر الكلي ويلغى الجزئي ) الموافقات 3/176، ط : مشهور.
فالجواب على ذلك بالاضافة الى ما سبق هو أن هناك اخطاء كثيرة في تصوري في علاقة الفروع بقواعدها، وإلا فإن الأصل أن القواعد الكلية لا تنخرم بحال من الاحوال، فان انخرمت دل ذلك على ان محلها ليس هذا الباب، وإنما باب آخر.
والذي جعل الفقهاء بما فيهم الشاطبي يقعون في هذا هو ما أصلوه من القواعد المبنية على الظنيات، ولو أنهم أسسوا على القواعد المقاصدية المجردة، فإنه يستحيل أن يقع الشذوذ أو الانخرام.
فيستحيل أن تتخلف القيم التي جاءت في الشريعة في أي محل من المحال، فإن تخلفت فإن ذلك يدل على أننا لم نفهم النصوص الظنية فهما صحيحا.
هذا إن تعلق الامر بالنصوص أما إن تعلق بغيرها من الأدلة الملحقة، فالأمر فيها اخطر
والأدلة على هذا كثيرة جدا رأيت الكثير منها في سلسلتي الفقهية حول الاسرة، وكمثال على ذلك مسألة مراتب الأولياء، فقياس الفقهاء مسائل الزواج على المسائل المالية جعلهم عند ذكر مراتب الأولياء يجعلون ابن ابن العم أقرب في الولاية للمرأة من خالها مع أن البديهة الفطرية تدل على أن الخال أقرب، ولكن القياس الظني حملهم على هذا متناسين ما ورد في النصوص والمقاصد الشرعية من احترام الأقرب فالاقرب من الاقارب

سلوى
11-01-05 ||, 07:34 PM
فأنا قد انطلقت من ان الكثير من القواعد الفقهية تنطلق من الآراء المذهبية المستندة للأدلة الظنية، وبذلك فإن هذه القواعد لا تزيد المستعمل لها الا استغراقا في المذهبية وفي استعمال الظني من الادلة على حساب ما قد يكون قطعيا من المقاصد.
أما القواعد المقاصدية التي دعوت هذا المنتدى المبارك الى محاولة صياغة دستور لها، فإن أهم ضابط لها في تصوري هو استنادها للأدلة القطعية، وبالتالي يصبح لهذه المقاصد حكم الدليل الذي ينفع على الاقل عند الترجيح.



الأخ الفاضل
أرجو مدنا بالمزيد من الأمثلة للقواعد التي ذكرت أنها تنطلق من أراء مذهبية مستندة للأدلة الظنية حتى استطيع أن أفهم ما ترمي إليه.
وأثابك الله خيراً

نور الدين أبو لحية الشافعي
11-01-06 ||, 02:15 PM
يمكن للدكتورة الكريمة الرجوع للكتب المؤرخة للقواعد الفقهية، وستجد أن أكثرها إن لم نقل كلها ينطلق من المذهب الذي ينتمي إليه واضع القواعد.
وكمثال على ذلك من الكتب الموضوعة في قواعد المذهب المالكي كتاب (إيضاح المسالك إلى قواعد الإمام مالك) الذي ألفه أحمد بن يحي الونشريسي (914هـ)، فكتابه هذا، وهو من أشهر ما ألف في قواعد المذهب المالكي يتضمن مائة وثماني عشرة قاعدة، معظمها قواعد مذهبية تنطلق من المذهب المالكي، وهو يوردها بصيغ استفهامية على اعتبار أنها قواعد خلافية، وأحياناً يعرضها بصيغة خبرية للإشارة إلى أن القاعدة لا خلاف فيها بين الفقهاء.
ومن الأمثلة على القواعد المذهبية التي ذكرها، والتي لا يتفق عليها كل الفقهاء (درء المفاسد أولى من جلب المصالح)، و(المعاملة بنقيض المقصود)
وإن شاءت الأخت الفاضلة المزيد من الأمثلة فسأسوق لها ذلك.

د. بدر بن إبراهيم المهوس
11-01-06 ||, 09:01 PM
بارك الله في الدكتور الفاضل نور الدين أبو لحية وجزاه الله خيرا على هذه الورقة النافعة ولي بعض الإضافة البسيطة إن سمح لي فضيلة الدكتور والشيوخ الكرام :
أولاً :
في نظري أن جل القواعد الفقهية تفي بتغطية جل القواعد المقاصدية وذلك ان القواعد الفقهية اخذت من الشريعة سواء كانت من النصوص مباشرة بنصها أو معناها او أخذت من الفروع الفقهية ، وعلى اختلاف سعة القاعدة وما يندرج تحتها من فروع ، وإذا علم انها أخذت من الشريعة نصا أو اجتهادا فهي بلا شك مشتملة على مقاصد الشريعة لأن كل أحكام الشريعة مشتملة على المقاصد سواء كانت مقاصد عامة أو مقاصد جزئية ، وهذا بخلاف القواعد الأصولية التي ترجع في غالبها إلى اللغة ، ومن ثم قد لا تظهر فيها الحكم والأسرار الشرعية ، وبهذا الفرق فرق العلماء بينهما ، ومن أشهر من ذكر ذلك القرافي في صدر كتابه الفروق حيث قال : " إن الشريعة المعظمة المحمدية زاد الله تعالى منارها شرفاً وعلواً اشتملت على أصول وفروع ، وأصولها قسمان :
أحدهما المسمى بأصول الفقه وهو في غالب أمره ليس فيه إلا قواعد الأحكام الناشئة عن الألفاظ العربية خاصة وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح ونحو الأمر للوجوب والنهي للتحريم والصيغة الخاصة للعموم ونحو ذلك وما خرج عن هذا النمط إلا كون القياس حجة وخبر الواحد وصفات المجتهدين .
والقسم الثاني قواعد كلية فقهية جليلة كثيرة العدد عظيمة المدد مشتملة على أسرار الشرع وحِكَمه ، لكل قاعدة من الفروع في الشريعة ما لا يحصى ولم يذكر منها شيء في أصول الفقه ... "
وكتاب الفروق يشتمل في جل قواعده على القواعد الفقهية وقد اجتهد القرافي في بيان مقاصد الشريعة ضمن هذه القواعد .
ثم إن المقاصد الشريعة تظهر في القواعد الفقهية من جهة بيان المدرك الذي تدور حوله القاعدة وهو العلة أو الحكمة التي تربط بين الفروع الفقهية ولذلك كان التعليل هو احد طرق التقعيد الفقهي .
ثانياً :
نحن لو رأينا على سبيل المثال القواعد الفقهية التي ذكرها العلماء في كتب القواعد لرأينا كيف أظهرت قواعد الفقه مقاصد الشريعة ومن أمثلة ذلك :
قاعدة " الأصل في المنافع الإذن وفي المضار المنع "
وقاعدة : " الأصل في الفروج التحريم حتى يتيقن الحلّ "
وقاعدة " الأصل في الأموال العصمة "
وقاعدة " الأصل في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم التحريم "
وقاعدة " الأصل البراءة من القصاص "
وقاعدة " الأصل براءة الذمة "
فهذه القواعد كلها متفرعة عن قاعدة " اليقين لا يزول بالشك " وهي إحدى القواعد الكلية الكبرى وهي كلها قواعد مقاصدية تمثل حفظ بعض الضروريات .
ومثل قاعدة " لا ضرر ولا ضرر " وما تفرع عنها من قواعد مثل :
" رعاية درء المفاسد أولى من رعاية حصول المصالح "
و " إذا تَعارضتْ المفسدة الدنيا والمفسدة العليا فإنَّا ندفع العليا بالتزام الدنيا "
" دفع أعظم المفسدتين بإيقاع أدناهما"
وقل مثل ذلك في قاعدة المشقة تجلب التيسير وما تفرع عنها من قواعد .
فنحن نرى أن جل قواعد المقاصد هي قواعد فقهية ولو رأينا في الكتب التي تكلمت عن التقعيد الفقهي كالتقعيد الفقهي للدكتور محمد الروكي مثلاً لوجدنا أن من الأسس التي استندت إليها القواعد الفقهية حال تقعيدها المصالح فضلا عما له ارتباط بالمقاصد كسد الذرائع والاستحسان والعرف ونحوها وفضلا عن مصادر المقاصد كالكتاب والسنة .

ثالثاً :
ما ذكرتم من جمع القواعد المقاصدية هو مشروع قائم الآن في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية يقوم عليه عدد من المتخصصين كالدكتور أحمد الريسوني والدكتور عبد الرحمن الكيلاني وغيرهما وقد جمعوا أكثر من مائة قاعدة مقاصدية حتى الآن .

نور الدين أبو لحية الشافعي
11-01-07 ||, 08:15 AM
بارك الله في الدكتور الفاضل أبي حازم الكاتب وجزاه عني خيرا على تعقيباته المهمة، وارجو أن يسمح لي بتعقيبات بسيطة على بعض ما طرحه:
أولاً : على قوله (في نظري أن جل القواعد الفقهية تفي بتغطية جل القواعد المقاصدية وذلك ان القواعد الفقهية اخذت من الشريعة سواء كانت من النصوص مباشرة بنصها أو معناها او أخذت من الفروع الفقهية ، وعلى اختلاف سعة القاعدة وما يندرج تحتها من فروع ، وإذا علم انها أخذت من الشريعة نصا أو اجتهادا فهي بلا شك مشتملة على مقاصد الشريعة لأن كل أحكام الشريعة مشتملة على المقاصد سواء كانت مقاصد عامة أو مقاصد جزئية)
نعم يمكن اعتبار القواعد الفقهية المستندة للنصوص الشرعية القطعية قواعد كلية، بل يمكن اعتبارها من القواعد المقاصدية، ولكن الإشكال ليس في هذا النوع من القواعد، وإنما في القواعد الفقهية المستندة للأدلة الظنية، وخاصة ما كان منها مستندا للقياس أو سد الذرائع أو الاستحسان أو غيرها، فإنها أحيانا قد تصادم ما ورد في الشريعة من مقاصد، وبالتالي نحتاج إلى إعادة النظر فيها على ضوء ما ورد في الشريعة من المقاصد التي لا ينبغي تخلفها في أي موضع من المواضع.
ثانيا: نعم إن الشريعة كلها مصالح وكلها مبنية على مقاصد في منتهى السمو .. ولكن الشريعة شيء وآراء الفقهاء واجتهاداتهم شيء آخر .. فآراء الفقهاء مع احترامنا لها قد تبتعد عن مقاصد الشريعة .. بل قد تشوه ما ورد في الشريعة من القيم، ولهذا نجد الفقهاء في مناظراتهم قد يستندون إلى المقاصد ليردوا على خصومهم، ومن أمثلة ذلك ما رد به ابن حزم على ما ذهب إليه مالك من التفريق بين الشريفة والدنية في مواضع من اجتهاداته، فقد قال: :« أما قول مالك فظاهر الفساد , لأنه فرق بين الدنية وغير الدنية , وما علمنا الدناءة إلا معاصي الله تعالى، وأما السوداء , والمولاة فقد كانت أم أيمن - رضي الله عنها - سوداء ومولاة , ووالله ما بعد أزواجه r في هذه الأمة امرأة أعلى قدرا عند الله تعالى وعند أهل الإسلام كلهم منها، وأما الفقيرة، فما الفقر دناءة , فقد كان في الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - الفقير الذي أهلكه الفقر - وهم أهل الشرف والرفعة حقا - وقد كان قارون , وفرعون , وهامان: من الغنى بحيث عرف - وهم أهل الدناءة والرذالة حقا -، وأما النبطية: فرب نبطية لا يطمع فيها كثير من قريش ليسارها , وعلو حالها في الدنيا , ورب بنت خليفة هلكت فاقة وجهدا وضياعا »[1] (لا يمكنك مشاهدة الروابط قبل الرد_f tn1)
ثالثا : أنا انطلقت في ورقتي من الدعوة إلى تفعيل مقولة ابن القيم التي سبق ذكرها، والتي يقول فيها: ((الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله r أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون وهداه الذي به اهتدى المهتدون وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل وطريقه المستقيم الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل فهي قرة العيون وحياة القلوب ولذة الأرواح فهي بها الحياة والغذاء والدواء والنور والشفاء والعصمة وكل خير في الوجود فإنما هو مستفاد منها وحاصل بها وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها)
فلذلك نحن بحاجة إلى إعادة قراءة الفقه الإسلامي على أساس المقاصد الشرعية، ولا يمكن أن نفعل ذلك ما لم نبحث عن هذه المقاصد بفروعها المختلفة لتكون هي الحكم في الخلاف.
رابعا: حول قولك (ما ذكرتم من جمع القواعد المقاصدية هو مشروع قائم الآن في مدينة جدة في المملكة العربية السعودية يقوم عليه عدد من المتخصصين كالدكتور أحمد الريسوني والدكتور عبد الرحمن الكيلاني وغيرهما وقد جمعوا أكثر من مائة قاعدة مقاصدية حتى الآن)
أظن أن هذا الأمر أعظم من أن يكفي فيه هؤلاء .. وأعظم من أن يكون لاختصاص واحد .. فمحاولة التعرف على مقاصد الشريعة يستدعي كل المختصين ليدلي كل بدلوه حول ما يرتبط به من فروع الشريعة.


(3) المحلى :9/33.

احمد شاكر المعماري
13-03-02 ||, 11:11 PM
جزاك الله خيرا واحسن اليك

محمد ابراهيم دريوش
13-03-10 ||, 03:43 PM
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إخواني الأعزاء جزاكم الله خيرا على هذا الجهد الرائع
وفقكم الله وسدد خطاكم
أخوكم محمد دريوش

فوزفواز الفائز
15-01-14 ||, 02:27 AM
موضوع رائع وذو أهمية كبيرة بارك الله فيك وجزاك خيرالجزاء.

بوزيان عباس بغداد
15-01-14 ||, 11:43 PM
في الحقيقة .نظرية المقاصد بتفريعاتها وتقسيماتها والبحوث الجديدة المتجددة فيها تدعوا إلى التفاءل وأن شريعتنا مرنة متجددة تستجيب لمختلف الحاجيات الانسانية
ورحم الله ابن عاشور فقد كان أول من اضاف بعض القواعد إلى القواعد الخمس الكلية
وكم كانت فرحتي ودهشتي يوم وقفت على مئات القواعد المقاصدية لشيخ المقاصد في العصر الحديث وهو الشيخ الريسوني حفظه الله
فقد أورد مئات القواعد في المجلدات الثلاث أو الاربع من موسوعة معلمة زايد للقواعد الفقهية والمجلدات متوفرة للتحميل من موقع سماحته
البعض يتحفظ على التقعيد المقصدي بالاكتفاء بالتقعيد الفقهي وكان فيه إيحاء بالتخوف من كل جديد وهو أمر غير مبرر
ذالك أن سادتنا المتضلعين في هذا العلم لا بد من أن يفتحوا الأبواب على مصراعيها للتجديد من دون الخروج عن الكليات وهي قاعدة معروفة بداهة
والله أعلم
التقعيد المقصدي يأتي في اطار عملية تجديد كلية متكاملة وهي علمية بحتة فضلا عن التجديد في عوالم أخرى
وهذه الكلية المتكاملة نعني بها فقه الاولويات وفقه الموازانات وفقه المآلات والفقه الحضاري والتقعيد المقصدي هو المخزون الفقهي الذي يضع المعالم والضوابط لهاته الأنواع الجديدة من الفقه
والله أعلم