المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مهمات من شرح كتاب الجنائز من بلوغ المرام



طالبة فقه
10-12-25 ||, 02:25 PM
الجنائز جمع جَنازة وجِنازة, بفتح الجيم وكسرها, واللفظان للميت, أو للسرير وعليه الميت, ومنهم من يجعل الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل, جَنازة للميت وجِنازة للسرير, ويطردون هذا في بعض الألفاظ, فيقولون مثلاً دَجاجة بالفتح للذكر ودِجاجة بالكسر للأنثى, ويقولون الماتح بالتاء المثناة من فوق للذي يكون في أعلى البئر والمايح بالياء للذي يكون في أسفل البئر عند استقاء الماء من البئر. ولا يوجد في كتب المتقدمين تعريف مثل هذه الألفاظ المعروفة, وإنما احتاج إليها المتأخرون لاحتمال أن يوجد من لا يعرف المراد بهذه الألفاظ, لكثرة الاختلاط بين من يعرف هذه الاصطلاحات مع غيرهم. والترتيب العلمي في اصطلاح العلماء أن يُعرَّف الشيء ثم بعد ذلك تُذكَر الأحكام المتعلقة به, فهم يرون أن الأحكام المترتبة على اللفظ لا تكون إلا بعد تصوره.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r {أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اَللَّذَّاتِ: اَلْمَوْتِ} رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ, وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

وصححه الحاكم وابن السكن وجمع من أهل العلم, وله طرق وشواهد تجعل لتصحيحهم وجهاً. وجاء في بعض الألفاظ (هادم) بالدال المهملة, وجاء في بعضها (هازم), والفرق بين هذه الألفاظ أن الهاذم هو القاطع, والهادم هو المزيل كالذي يهدم البناء, والهازم هو الغالب, وإذا نظرنا إلى الموت وجدنا فيه هذه المعاني كلها. فهو يقطع اللذات المحسوسة من متع هذه الحياة الدنيا ويحول بين المرء وبينها, وهذا بالنسبة لمستوى الناس كلهم الذي يشتركون فيه في متع هذه الحياة الدنيا, لكن من الناس من ينتقل إلى ما هو أشد متعةً ولذةً مما في الحياة الدنيا, ومنهم من ينتقل حالٍ سيئة نسأل الله السلامة والعافية. وهو أيضاً هادم ومزيل للنعم, مزيلٌ لها بحقيقته أو بذكره عند من أحيا الله قلبه. وهو أيضاً غالبٌ لهذه
اللذات. ولذا ينكر كثيرٌ من الناس على من يذكر الموت في أوقات الانبساط وفي الأعياد والأعراس, لكن أولى ما يُذكَر فيه الموت هذه المواطن, مع أنه ينبغي أن يكون على لسان المسلم امتثالاً لهذا الحديث, وللمصلحة المترتبة على ذكره لأنه لا يُذكَر في كثيرٍ إلا قلله ولا في قليلٍ إلا كثَّره, ولئلا يسترسل في اتباع شهواته وملذاته وينسى ما أمامه من أهوال, فإذا استحضر ذكر الموت ارتاح ضميره وعمل لما بعد الموت. وجاء في بعض ألفاظ هذا الحديث بعد الأمر بذكر الموت أن من أكثر ذكره أحيا الله قلبه, ومعناه صحيح, لأنك إذا تصورت ما أمامك عملت, وإذا نسيت ما أمامك أهملت وغفلت.

وَعَنْ أَنَسٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r {لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ اَلْمَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ, فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اَللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ اَلْحَيَاةُ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ اَلْوَفَاةُ خَيْرًا لِي} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

على المسلم أن يكثر من ذكر الموت ليحدوه ذلك إلى العمل, لكن لا يتعجل الموت لما يقاسيه من آلام ومشاق, فكل ما طال عمر المسلم وحَسُن عمله كان خيراً له, والذي يتصور الهدف الحقيقي من وجوده في هذه الحياة ويتمنى أن تكون عاقبته حسنة لا يتمنى انقطاع وقت الزرع, ليزداد من حياته لموته, لأن الموت يقطع الزاد الموصل إلى مرضاة الله وإلى جناته إلا ما استثني. وقوله (لضر نزل به) أي لا يتمنى الموت لهذا السبب, وهو حصول الضر في أمور الدنيا في بدنه أو في ولده أو في ماله, وأما تمني الموت بسبب أمر من أمور الآخرة - بأن رأى أسباب الفتن قد انعقدت وغلب على ظنه أنه لا يثبت أمام هذه الفتن - فإنه لا بأس حينئذ في تمني الموت خشية أن يفتن في دينه. فالمؤمن يتمنى طول الحياة لا لذات الحياة وإنما ليغرس فيها ويعمل لآخرته, لكن إذا كان يغلب على ظنه أن يتضرر من هذه الحياة فلا مانع من أن يتمنى الموت. ومريم بنت عمران عليها السلام تمنت الموت, لأنها خشيت أن تفتن في دينها بتسلط الناس عليها حين يرون أنها أتت بولد من غير زوج. فإذا وجد مبرر شرعي ديني وخشي الإنسان على دينه لا على دنياه فإنه له أن يتمنى الموت. ومن ذلك تمني الشهادة, والشهادة موت, والنبي عليه الصلاة والسلام قال: والذي
نفس محمد بيده لوددت أن أغزو في سبيل الله فأقتل، ثم أغزو فأقتل، ثم أغزو فأقتل. وقوله (فإن كان لا بد متمنياً) يعني لم يحتمل المصيبة التي يعيشها (فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي, وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي) لأنه لا يعلم الغيب, فيكل الأمر إلى الله جل وعلا ويجعل الخيرة له سبحانه وتعالى يختار له ما يصلح له في دينه ودنياه.
يجوز أن يكون الإنسان سبباً في قتله إذا كانت المصلحة راجحة, مثل أن يقتحم صفاً, أو ينزل في بكرة من حصن على الكفار ويغلب على الظن أنه يقتل, أو يدل العدو على كيفية قتله كما في قصة الغلام التي هي في شرع من قبلنا لكنها سيقت مساق المدح في شرعنا. وأما أن يباشر قتل نفسه فلا أعلم في النصوص ما يدل على جوازه مهما كان المبرر, وفرقٌ بين التسبب والمباشرة, وعلى كل حال هناك من يفتى في هذه المسائل بأن الإنسان له أن يقتل نفسه إذا ترجحت المصلحة لا سيما المصلحة العامة, فلو خشي إفشاء الأسرار للكفار اتجه القول بجواز أن يباشر قتل نفسه عند بعض أهل العلم. ومثل ذلك العمليات التي يختلفون فيها, فمن أهل العلم من أجازها لأنه رأى أن فيها نكاية بالعدو وأنه لا وسيلة لتحصيل الحقوق إلا بها, وأما أنا فلا أعرف نصاً يبيح ذلك, والمسألة اجتهادية, لأنه وُجِد في النصوص ما يبيح التسبب مما يقرب من المباشرة كما في قصة الغلام, فإنه كان يقول لهم (خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني) وكانت المصلحة راجحة, ولم يباشر قتل نفسه, لكنه تسبب تسبباً قريباً من المباشرة.
جاء في الحديث الدعاء بقوله (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون) وهذا من الخوف على الدين, وجاء أيضاً قول يوسف عليه السلام (توفني مسلماً وألحقني بالصالحين) وهذا فيه طلب الوفاة لكن لا مطلقاً, وإنما طلب الوفاة على الإسلام, ولا يلزم من ذلك أن تكون الوفاة الآن أو قريباً من الآن, بل يطلب أن يكون مسلماً حال وفاته, فلا تعارض, وكلٌ يدعو ربه ويتمنى أن يموت على الإسلام ولو بعد حين.
ذم طول الأمل هل فيه مخالفة مع النهي عن تمني الموت؟ دعاء الإنسان لنفسه بطول العمر يقابل تمني الموت, فهل مفهوم النهي عن تمني الموت أن يدعو الإنسان بطول العمر؟ أو يترك الأمر لله جل وعلا ويعمل ما أُمِر به؟ ولذا جاء ذم طول الأمل, كما في قوله (يشب
ابن آدم ويشب منه خصلتان حب الدنيا وطول الأمل) بل جاء ما يدل على تقصير الأمل, وفرق بين أن يسعى في تقصير عمره وبين أن يعمل على مقتضى قصر عمره, فإن ما يقتضيه قصر العمر اغتنام الوقت, وما يقتضيه طول الأمل التفريط في الأوقات, فنظراً لما يقتضيه الأمران استُحِب هذا وذُمَّ هذا, ولذا جاء في الحديث الصحيح (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) لأن تصور الإنسان أنه غريب يحدوه إلى مضاعفة جهده في كسب الحسنات والابتعاد عن السيئات.

وَعَنْ بُرَيْدَةَ t عَنِ اَلنَّبِيِّ rقَالَ: {اَلْمُؤْمِنُ يَمُوتُ بِعَرَقِ الْجَبِينِ} رَوَاهُ اَلثَّلَاثَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

لم يخرِّج أبو داود هذا الحديث, وإنما خرَّجه الترمذي والنسائي وابن ماجه, وهذا يرد على اصطلاحه في الثلاثة. وللحديث شاهد من حديث ابن مسعود وغيره, وهو قابل للتصحيح بشاهده.
وقوله عليه الصلاة والسلام (المؤمن يموت بعرق الجبين) عبارةٌ عما يكابده المؤمن عند نزع روحه, وذلك لما له من عِظَم الأجر عند الله تعالى. قال ابن مسعود للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك توعك وعكاً شديداً, فقال عليه الصلاة والسلام: أجل, إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم, قال ابن مسعود: ذلك أن لك أجرين, قال: أجل. فكل ما زادت منزلة المرء عن الله جل وعلا زادت المشقة عليه أثناء النزع ليعظم أجره, والموت له سكرات. ومنهم من يرى أن تفسير الحديث أن المؤمن ينصب ويتعب في هذه الدنيا في طلب الحلال مع تعبه لدينه, وأمر الدنيا إذا اقترنت به النية الصالحة أُجِر عليه الإنسان وصار من أمر الآخرة. فالمؤمن يعرق جبينه في أمور دنياه وآخرته, وإذا جاءه النزع ضوعفت عليه الشدة ليزداد أجره بذلك. وكأن في الحديث الحث على متابعة السعي وعدم الكسل وأن يكون المسلم نافعاً لنفسه ولولده ولمن تحت يده ولأمته. قال الله تعالى (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين) أي ليستمر عملك ونصبك وتعبك وعرقك إلى أن تموت وأنت على هذه الحال.
فائدة: يفهم من قوله تعالى (ولا تنس نصيبك من الدنيا) أن الأصل في المسلم أن يكون عمله محضاً للآخرة, ولذا وُجِّه إلى ألا ينسى الدنيا, ليستعين بها على تحقيق الهدف وهو العبودية.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r{لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ, وَالْأَرْبَعَةُ.

هذا من أجل أن يكون آخر ما ينطق به المسلم (لا إله إلا الله) وقد جاء في الحديث الصحيح (من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة) فتلقين الشهادة مستحب. وقوله (موتاكم) يعني من قربت وفاته من المسلمين, والموتى جمع ميِّت وهو من سيموت, لا أنه يلقن الشهادة بعد وفاته, لأنه قال (من كان آخر كلامه من الدنيا) وقد انتقل من هذه الدنيا فلا تنفعه, والميت لا يقبل التلقين ولا يسمع ولا يرد الجواب, والمراد تلقين من يقبل التلقين ليقول (لا إله إلا الله) ويختم بها حياته.
المغمى عليه يلقن إذا ظهرت عليه علامات الموت, لأنه ما دامت روحه في جسده فهو في حكم من يسمع, ولعموم الحديث, ولأنه قد يسمع التلقين فيقولها حسب استطاعته, ولو بالطريقة التي يعلمها الله جل وعلا وإن لم يعلمها البشر. ويلقن أيضاً من قرر الأطباء أنه مات دماغياً, وكلام الأطباء يغلب على الظن ثبوته والواقع يشهد بذلك لكنه ليس بقطعي, بدليل قصة واقعة, وهي أن شخصاً قرر ثلاثة أطباء أنه مات دماغياً, وأُحضِر إخوته الأربعة من أجل أن يتبرعوا بأعضائه, فوافق ثلاثة وامتنع الرابع بحجة أن أخاه لم يوصِ وأنهم لا يملكون التصرف في أعضائه, ثم أفاق أخوهم بعد ذلك, فصارت العداوة بينه وبين إخوته الثلاثة, وصار أخوه الرابع أحب إليه حتى من نفسه وولده, وذكر أنه يسمع كل ما دار بينهم. فمثل هذا إذا وصل إلى هذا الحد فإنه يدخل في عموم الحديث ويلقن.
تنبيه: المتجه المنع من التبرع بالأعضاء, لا من الشخص نفسه ولا من غيره, لأنه لا يملك ذلك.
عيادة المريض سنة, ولو كان لا يحس بمن حوله, وقد ترجم البخاري رحمه الله بقوله (باب زيارة المغمى عليه) وزار النبي عليه الصلاة والسلام جابر بن عبد الله وهو مغمىً عليه, فللمسلم كامل الحقوق ما دامت روحه في جسده, ولا يجوز التعدي عليه بحال ما لم تفارق روحه بدنه.
لا يجوز رفع الأجهزة عن المريض الذي إذا رفعت عنه مات بحجة أنه يحجز السرير والأجهزة لمدة طويلة, لأنه مسلم له كامل الحقوق ما دامت روحه في بدنه. لكن قد ينظر في ذلك فيما لو حضر مريضٌ آخر بحاجة إلى هذه الأجهزة, وهو أرجى منه في الحياة, بحيث لو تُرِك مات ونسبة حياته ستين إلى خمسين بالمائة والآخر نسبة حياته واحد إلى عشرة بالمائة, فهذا محل نظر بين أن نرفع عنه الأجهزة أو نقول إنه سبق فهو أحق, لكن رفع الأجهزة دون حاجة لا يجوز. ومثل هؤلاء المرضى داخلون في عموم الحديث, فيلقنون.
والمخاطب بهذا الحديث المسلمون, وإن كان يتناول من بُعْد الميت القريب من المسلم وإن كان غير مسلم, والنبي عليه الصلاة والسلام عرض الشهادة على عمه أبي طالب, وعرضها على اليهودي الذي زاره, فلتُعرَض حتى على غير المسلم لعل الله ينفعه بها, لا سيما من ظهر نفعه في المسلمين, فلا مانع, بل الدليل يدل على أنه تعرض عليه الشهادة, وإن كان قوله (موتاكم) خاص بالمسلمين لأنه يخاطب المسلمين, والكافر ليس بميت للمسلم بل هو بعيد عنه والصلة منقطعة عنه تاماً.
ينبغي أن يكون التلقين برفق, ولا يكرر عليه إلا بقدر الحاجة بالأسلوب المناسب, لأن الإنسان في هذا الظرف يضيق خلقه فيُخشَى أن ينطق بكلمة تضاد الشهادة. ومما ذكره أهل العلم في هذا الباب أنه ينبغي أن تُذكَر أعماله الصالحة التي عُرِف بها ليحسن الظن بالله جل وعلا وينشرح صدره وتمنى لقاء الله, لأنه جاء في الحديث الصحيح (لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه) وقال الله جل وعلا في الحديث القدسي (أنا عند حسن ظن عبدي بي) وهذا بخلاف ما لو ذكرت عنده أعماله السيئة, اللهم إلا إذا كانت هناك فسحة في الأمر ليُذكَّر بها فيتوب عنها, وأما إذا ضاق الوقت بحيث لا يتمكن من التوبة وتخشى العواقب والآثار السيئة فإنه لا يُذكَّر بأعماله السيئة, وإنما يُذكَّر بسعة رحمة الله وجل وعلا وبأعماله الصالحة.

طالبة فقه
10-12-25 ||, 02:29 PM
وعلى الإنسان أن يعمل في حياته من الأعمال الصالحة ما يجعله يحسن الظن بالله جل وعلا وما يكون سبباً في حسن العاقبة والخاتمة, ومن عاش على شيءٍ مات عليه, ومن مات على شيءٍ بُعِث عليه, ومن لزم الأعمال الصالحة ذكرها عند موته وكررها وقت اختلاطه وهرمه وشَغِف بها وأحبها, وأهل العلم يقولون (الفواتح عنوان الخواتم). قد يكون في نفس الإنسان هواجس وخواطر يرددها وأماني تغلب على تفكيره فإذا أصابه إغماء أو خرف أو تخليط صار يرددها عند الناس, ذكر ذلك ابن القيم في عِدَة الصابرين.

وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ t أَنَّ اَلنَّبِيَّ r قَالَ:{اقْرَؤُوا عَلَى مَوْتَاكُمْ يس} رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

هذا الحديث مضعَّف عند أهل العلم, رواه أبو داود, ورواه النسائي في عمل اليوم والليلة. والمراد بالموتى من سيموت, وذكروا من فائدة قراءة سورة يس أنها تخفف وتهون وتسهِّل خروج الروح, لكن الحديث ضعيف, قال الدار قطني: مضطرب الإسناد مجهول لا يصح.

وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {دَخَلَ رَسُولُ اَللَّهِ r عَلَى أَبِي سَلَمَةَ t وَقَدْ شُقَّ بَصَرُهُ فَأَغْمَضَهُ, ثُمَّ قَالَ: "إِنَّ اَلرُّوحَ إِذَا قُبِضَ اتَّبَعَهُ الْبَصَرُ" فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ, فَقَالَ: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ. فَإِنَّ اَلْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ". ثُمَّ قَالَ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي سَلَمَةَ, وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي اَلْمَهْدِيِّينَ, وَافْسِحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ, وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ, وَاخْلُفْهُ فِي عَقِبِهِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قوله (وقد شق بصره) أي شخص وارتفع, لأن الروح إذا خرجت تبعها البصر وارتفع لينظر أين تذهب, فأغمضه النبي عليه الصلاة والسلام, ولذا يستحب تغميض عيني الميت, لأن منظره مخيف إذا كان بصره شاخصاً, ولا شك أن إغماض عينيه أكمل, لأن قيمة البصر في الإبصار وقد انتهى الإبصار فانتهت قيمة البصر فيُغمَض. ولأنه يُخشَى أن يدخل
في عينيه شيء, أو تتأثر عيناه مما في الجو وتتعفن. وقوله (شق بصره) بفتح الشين, و (بصره) فاعل, وضبطه بعضهم بالنصب, يعني شق المرء بصرَه.
وهل التبعية في قوله (تبعه البصر) تبعية حسية, بمعنى أن الروح تمكن رؤيتها أو لا تمكن؟ هل هي جسم أو عرض؟ يتكلم العلماء في هذا كثيراً, لكن الجواب الإلهي جاء في قوله تعالى (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً) والبرهان على ذلك ما في الآية نفسها, فالروح بين جنبي الإنسان مائة سنة ولا يدري ما هي, فيغالط نفسه ويكذب على نفسه من يريد أن يطلع على كل شيء ويعرف كل شيء, فضلاً عمن يزعم أنه يعرف كل شيء. فهذه التبعية الله أعلم بها, تبعاً للمتبوع, وأما اتباع البصر في حال الحياة للأمور مُدرَك, فهو يتبع المرئيات يميناً وشمالاً, لكن المتبوع هنا وهو الروح غير مُدرَك, فهذه التبعية تبعاً لهذا المتبوع غير مدركة.
قوله (فضج ناس من أهله) لأنهم فهموا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أن الرجل قد مات, وكان قبل ذلك يرجى أن تعود إليه الروح والحياة. وقوله (لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير) لأن الغالب أن الإنسان في هذه الحال مع شدة الفزع يدعو على نفسه بالهلاك أو بالبوار أو بأي شيء. جاء في بعض الألفاظ (واخلفه في عقبه في الغابرين, واغفر لنا وله يا رب العالمين, وافسح له في قبره ونوِّر له فيه). وتعرض العلماء والشرَّاح والمفسرون لبيان حقيقة الروح, لكن الأولى ألا يُتَعرَّض لها, وكل من تكلم فيها كلامه ضربٌ من الظن والتخمين, لأن الله عز وجل قطع الطريق على من أراد أن يتكلم فيها, ولم يجب سبحانه من سأل عنها. وجاء الأمر بالكف عن الأسئلة التي يترتب بعضها على بعض, والشيطان يلقي على لسان الإنسان أسئلة تكون فيها شبهات, فإذا وصل الإنسان إلى هذا الحد عليه بالتسليم, وهناك شبه لا يمكن الجواب عنها, ولذا يخطئ في حق عوام المسلمين من يطلب المناظرة أمامهم في مسائل كبرى, فقد يوجد شبه لا يستطيع المدافع أن يجيب عنها, فما موقف طلاب العلم فضلاً عن العوام في مثل هذه الشبه؟ لأن الشبه إذا علقت بالأذهان يصعب اجتثاثها, ولا يمكن أن يوجد من تتوافر فيه الأهلية لأن يجيب على جميع الشبه, لأن العقل البشري لا يدرك كل شيء, فهناك أمور لا بد أن يقف عندها المسلم, كما قال أهل العلم (قدم الإسلام لا تثبت إلا على قنطرة التسليم).
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا: {أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ r حِينَ تُوُفِّيَ سُجِّيَ بِبُرْدٍ حِبَرَةٍ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

التسجية هي التغطية, والبرد الحِبَرة هو المخطط وفيه أعلام, وقد غطي عليه الصلاة والسلام بذلك بعد أن مات وقبل تغسيله وتكفينه. وهذه التسجية مطلوبة لئلا ينكشف الميت فيبدو منه شيء, لأن الميت إذا مات وفارقت روحه بدنه تتغير صورته فيفزع رائيه.

وَعَنْهَا {أَنَّ أَبَا بَكْرٍ اَلصِّدِّيقَ t قَبَّلَ اَلنَّبِيَّ r بَعْدَ مَوْتِهِ} رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.

تقبيل الميت ولا سيما بالنسبة لذويه ومحبيه سنة, وقد قبَّل النبي عليه الصلاة والسلام عثمان بن مظعون وهو ميت والنبي عليه الصلاة والسلام عيناه تذرفان رحمةً وشفقةً ومودة لهذا الصحابي. وهذا كالتوديع له.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ اَلنَّبِيِّ r قَالَ: {نَفْسُ اَلْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ, حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ} رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ.

الميت لا يزال مشغولاً يهمه أمر الدين, لأنه سوف يطالب به ويحاسب عليه, فإذا قضي عنه دينه بردت جلدته. وقد ورد التشديد في أمر الدين, حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام ترك الصلاة على المدين حتى ضُمِن دينه, وجاء أن الشهيد يغفر له عند أول دفعةٍ من دمه إلا الدين. والدين في الحياة ذلٌّ في النهار وهمٌّ في الليل, وقال بعضهم إنه ما دخل الدين في قلبٍ امرئٍ إلا ذهب من عقله بقدره ما لا يعود إليه.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ اَلنَّبِيَّ r قَالَ فِي اَلَّذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَمَاتَ: {اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
كان هذا الرجل واقفاً بعرفة, وقد سقط عن راحلته فوقصته فمات. وقد جاء في رواية (ولا تحنطوه) وجاء في رواية (وكفنوه في ثوبيه) يعني في الإزار والرداء. وقوله (اغسلوه بماءٍ وسدر) هل معناه أن يُخلَط السدر مع الماء أو يكون السدر مستقلاً ويصب عليه الماء أو يكون السدر في غسلة من الغسلات ويتابع عليه الماء بدون سدر؟ لأن أهل العلم يختلفون في مسألة (ما يخالط الماء من الطاهرات هل يسلبه الطهورية أم لا) وقد تقدمت في كتاب الطهارة, لكن يُغسَل بالماء والسدر ثم بعد ذلك يُتبَع بالماء, ويُجعَل السدر في الماء ويُغسَل به لمزيد النظافة. وغسل الميت تعبدي, لا لنجاسته ولا لأن الموت حدث موجب للغسل. وفي الحديث أمر بالغسل, ولذا عامة أهل العلم على أن غسل الميت فرض كفاية, فلو تُرِك الميت المسلم دون غسل أثم من علم بحاله, وإن رجح بعضهم من المالكية أنه سنة, لكن الأمر صريح في ذلك, وجاء الأمر في حديث أم عطية في قوله (اغسلنها). والماء هو الأصل في الغسل, والسدر للتنظيف, ويكفن في ثوبيه ولا يخمَّر رأسه ولا وجهه ولا يُحنَّط ولا يُطيَّب لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً, وعلى هذا لا يُكمَّل عنه الحج. وفي قوله (وكفنوه) ما يدل على وجوب التكفين, وأنه لا يشترط أن يكون وتراً, والنبي عليه الصلاة والسلام كفن في ثلاثة أثواب, وهنا قال (كفنوه في ثوبيه) لأنه ثوب زاول فيه هذه العبادة وسوف يستمر في هذين الثوبين حتى يفرغ من هذه العبادة ولم يفرغ منها حتى يبعث يوم القيامة يلبي في حكم الحاج, فيكفن في ثوبيه اللذين مات فيهما. وقوله (يبعث يوم القيامة ملبياً) لم يذكره المؤلف رحمه الله تعالى لأنه لا يدخل في هذا الباب, وهو يدل على أن من شرع في عمل طاعة ثم اخترمته المنية دون إتمامه أنه يحصل له ما يؤمله ويرجوه من الله جل وعلا كاملاً قياساً على هذا الذي يبعث يلبي وأن الله يكتب له أجر ذلك العمل.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: { لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ اَلنَّبِيِّ r قَالُوا: وَاَللَّهُ مَا نَدْرِي, نُجَرِّدُ رَسُولَ اَللَّهِ r كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا, أَمْ لَا؟} اَلْحَدِيثَ، رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ.
هذا الحديث مخرَّج في المسند وسنن أبي داود وهو حديث حسن. ودل قولهم (كما نجرد موتانا) على أن الأموات يجردون من ثيابهم عند الغَسل, على أن تستر العورات ولا تباشر باليد عند الغسل. وتمام الحديث عند أبي داود (فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا وذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي عليه الصلاة والسلام وعليه ثيابه فغسلوه وعليه قميصه) وتولى الغسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه, وعائشة رضي الله عنها قالت: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. وعلى كل حال الرجل يغسِّله الرجال, وللزوجة أن تغسِّل زوجها, والمرأة يغسِّلها النساء, وللزوج أن يغسِّل زوجته, على خلافٍ في ذلك.

وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {دَخَلَ عَلَيْنَا اَلنَّبِيُّ r وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا, أَوْ خَمْسًا, أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ, بِمَاءٍ وَسِدْرٍ, وَاجْعَلْنَ فِي الْآخِرَةِ كَافُورًا, أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ, فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ.فَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ"} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ: {ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا وَمَوَاضِعِ اَلْوُضُوءِ مِنْهَا}. وَفِي لَفْظٍ ِللْبُخَارِيِّ: {فَضَفَّرْنَا شَعْرَهَا ثَلَاثَةَ قُرُونٍ, فَأَلْقَيْنَاهُ خَلْفَهَا}.

أم عطية اسمها نُسَيبة أو نَسيبة, بالضم أو بالفتح, والأكثر على الضم, بنت كعب أو بنت الحارث الأنصارية, وهي من المراجع للصحابة والتابعين في غسل الميت, لأنها حضرت غسل بنت النبي عليه الصلاة والسلام, على الخلاف في حضورها غسل واحدة أو اثنتين.
ودخوله عليه الصلاة والسلام على هؤلاء النسوة اللاتي يغسِّلن البنت إما أن يكون مع علمهن بذلك وفعل ما يجب فعله تجاه الرجال, وهذا على القول أنه يُحتَجب عنه عليه الصلاة والسلام, أو على القول المرجح عند جمع من أهل العلم كابن حجر وغيره أنه لا يجب الاحتجاب من النبي عليه الصلاة والسلام.
والبنت هذه هي زينب, هذا هو المشهور, وهو الذي جاء في بعض روايات الصحيح, وهي زوج أبي العاص بن الربيع, وهي أم أمامة التي حملها النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي. وكانت وفاتها في أول سنة ثمان من الهجرة. ووقع في رواية عند ابن ماجه وغيره
أنها أم كلثوم, وفي البخاري عن ابن سيرين: لا أعلم أي بناته. وعلى كل حال تعيين المبهم هنا بكونها زينب أكثر وأشهر, وإن جاء ما يدل على أنها أم كلثوم, ولا مانع من أن تكون أم عطية شهدت غسل البنتين, فمن نقل أنها زينب فباعتبار, ومن نقل أنها أم كلثوم فبالاعتبار الثاني.
قوله عليه الصلاة والسلام (اغسلنها ثلاثاً) من الأدلة على وجوب تغسيل الميت, وأنه فرض كفاية, وعند المالكية وجه أنه سنة وليس بواجب, والمعتمد عند عامة أهل العلم أنه على الوجوب الكفائي. وهل العدد واجب أو ليس بواجب؟ بمعنى هل المأمور به الغسل والعدد قدر زائد على الواجب كما في غسل الحي؟ منهم من يرى أن تعميمه بالماء كافٍ كغسل الحي, ومنهم من قال إن أول عدد بدئ به الثلاث فهو أقل المجزئ, فالأمر بالغسل ثلاثاً.
قوله (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك) على التخيير الذي مرده الحاجة, وليس مرده التشهي, فإن كفت الثلاث فبها ونعمت, وإن لم تكف زدن على ذلك.
قوله (أو أكثر من ذلك) منهم من قال إن السبع لا يزاد عليها, بدليل أنه قال في بعض الروايات (أو سبعاً). ومنهم من قال يزاد على السبع ما دامت الحاجة قائمة, مع أن ابن عبد البر يقول: لا أعلم أحداً قال بمجاوزة السبع. على أنه جاء في بعض الروايات (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك) وهذه الرواية في سنن أبي داود, وهي دليل على مشروعية الزيادة على السبع إن دعت إلى ذلك الحاجة. وقوله (إن رأيتن ذلك) يعني إن رأيتن الحاجة داعية إلى ذلك, فمرد هذه الرؤية الحاجة وليس مردها التشهي.
والسدر له خصوصيات, فهو ينظِّف ويليِّن جسد الميت, ويقوم مقامه ما توجد فيه هذه الخصوصيات.
قوله (واجعلن في الآخرة) أي في الغسلة الأخيرة (كافوراً) لأنه طيب الرائحة, ويساعد في طرد الهوام وفي بقاء الجثة دون تغير. وقوله (أو شيئاً من كافور) شك من الراوي, وهو يدل على التقليل, ولا ينافي الرواية الأخرى (واجعلن في الآخرة كافوراً) لأن قوله (كافوراً) نكرة في سياق الإثبات فلا تعم, فتنصرف إلى أدنى شيء.
قولها (فلما فرغنا آذناه) أي أعلمناه (فألقى إلينا حَقوَه) بفتح الحاء وقد تكسر, وهو الإزار, والأصل في الحقو أنه معقِد الإزار, وأطلق على الإزار من باب إطلاق المحل وإرادة الحال.
قولها (فقال: أشعرنها إياه) يعني اجعلنه شعاراً لها, والشعار هو اللباس الذي يلي جسد الميت ويلامس شعره من غير فاصل, بخلاف الدثار الذي يُلبَس فوقه, ولذا جاء في الحديث المذكور في مناقب الأنصار بعد غنائم حنين (الأنصار شعار والناس دثار) فهم بمنزلة الشعار الذي يُلبَس مما يلي الجسد, فهم أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) يعني ابدأن بالجهة اليمنى منها, ومقتضى قوله (ابدأن بميامنها) أن تغسل الرجل اليمنى قبل اليد اليسرى, لأن الرجل اليمنى من الميامن, واليد اليسرى من المياسر, والميامن تغسل قبل المياسر. والجملة الثانية تدل على العكس, أن اليد اليسرى تغسل قبل الرجل اليمنى, لأنها كذلك في الوضوء. فيقال: الغسلة التي فيها الوضوء يُقدَّم فيها مواضع الوضوء, وما عداها من الغسلات يُقدَّم غسل الشق الأيمن. وقد جاء في غسل الحي أنه يتوضأ وضوءه للصلاة, وعلى هذا يغسل اليد اليسرى قبل الرجل اليمنى, ثم بعد الوضوء يفيض الماء على رأسه ثلاثاً, ثم يغسل شقه الأيمن بما فيه رجله اليمنى, ثم شقه الأيسر بما فيه اليد اليسرى, وعلى هذا ليس هناك تنافٍ, فيُبدَأ بالميامن في الغسلة التي لا وضوء فيها, ويبدأ بمواضع الوضوء في الغسلة التي فيها الوضوء.
قولها (فضفرنا شعرها ثلاثة قرون) تعني جعلناه ثلاث ضفائر بعد نقضه وغسله, وتلقى هذه الضفائر خلف المرأة لقولها (فألقيناه خلفها) هذا ما يدل عليه الحديث, وبه قال الجمهور. وقال الحنفية إنه يلقى الشعر مرسلاً من غير ضفر خلفها وعلى وجهها, وحديث الباب دليل على ما ذهب إليه الجمهور, وهو حديث متفق عليه. والحنفية لم يأخذوا بهذا الحديث, وكأنهم رأوا أن هذا من تصرف أم عطية ومن معها دون أمره عليه الصلاة والسلام, لأنها قالت (فضفرنا شعرها) وليس فيه ما يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر النسوة أن يضفرن شعرها. لكن جاء في بعض الروايات (اجعلن لها ثلاثة قرون) فهذا نص قاطع للنزاع, مع أن تصرف هؤلاء النسوة في مثل هذا الموضع لا يكون إلا عن علمه عليه الصلاة والسلام وتوجيهه.

والوضوء والغسل تعبدي بالنسبة للميت, لأن المؤمن طاهر حياً وميْتاً, لكن تتجدد سِمَتُه بالنسبة للوضوء في ظهور أثر الغرة والتحجيل, وأما بالنسبة للغسل فإنه للتنظيف وهو تعبدي, يعني لو قُدِّر أنه اغتسل غسلاً مبالغاً في تنظيفه قبيل وفاته فإنه لا يكفي, لأن غسل الميت تعبدي.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {كُفِّنَ رَسُولُ اَللَّهِ r فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ مِنْ كُرْسُفٍ, لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

كُفِّن عليه الصلاة والسلام في ثلاثة أثواب لا سبعة كما جاء في بعض الروايات الضعيفة, وجمع بعضهم بأن قال إن هذا ما اطلعت عليه عائشة, لكن الصواب أنه كُفِّن في ثلاثة أثواب. وحديث المحرم (وكفنوه في ثوبيه) يدل على أن الثوبين يكفيان, والثلاثة أكمل, والواحد الذي يغطي جميع البدن هو أقل القدر المجزئ, والنبي عليه الصلاة والسلام إنما فُعِل به الأكمل. وجاء بيان هذه الأثواب الثلاثة في طبقات ابن سعد عن الشعبي أنها إزار ورداء ولِفافة. وهذه الأثواب بيض, فيستحب أن يكون الكفن أبيضاً, وجاء في الحديث (البسوا من ثيابكم البياض, فإنها أطيب وأطهر, وكفنوا فيها موتاكم) والأمر فيه أمر استحباب, لأن النبي عليه الصلاة والسلام لبس الحلة الحمراء, ومن أهل العلم من يعتني بلبس البياض, فيلبس الغترة البيضاء والبشت الأبيض, وما دام ثبت أن النبي عليه الصلاة والسلام لبس الألوان الأخرى فلا ضيق في المسألة, فإذا لبس الثوب الأبيض ولبس معه غيره من لونٍ آخر صدق عليه أنه لبس البياض, مع أن العناية بالأبيض ينبغي أن تكون أوفر وأكثر. والحنفية يستحبون المخطط, لأن النبي عليه الصلاة والسلام سُجِّي ببردٍ حبرة, والبرد الحبرة هو المخطط, وسبق بيان معنى التسجية وأنها التغطية, غطي النبي عليه الصلاة والسلام بهذا البرد الحبرة بعد وفاته وقبل غسله, ولو غُطِّي به بعد تكفينه ليُنزَع عنه بعد ذلك فلا بأس, كما يوضع البشت على كفن الرجل والمرأة, لكن الأكفان الأفضل فيها أن تكون بيضاء.

طالبة فقه
10-12-25 ||, 02:34 PM
وسُحُول قرية في اليمن ترد منها هذه الأثواب, ومنهم من يقول هي مأخوذة من السَّحْل وهو الغسل, لكن المرجح أنها قرية في اليمن, لأنه إذا قيل إنها مأخوذةٌ من السحل وهو الغسل فإن سُحُول جمع سَحْل, والنسبة إلى الجمع شاذة.
قولها (من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة) الكرسف هو القطن, وهو بارد على الجسد, واستحب بعض العلماء التكفين في القميص, والنبي عليه الصلاة والسلام كفِّن في ثلاثة أثواب ليس فيها قميص, وما كان الله ليختار لنبيه إلا الأفضل, فكيف يقال باستحباب القميص؟ والنبي عليه الصلاة والسلام كفن عبد الله بن أُبَي في قميصه, فكيف يفعل خلاف الأفضل؟ الجواب أن يقال إن تكفينه عبد الله بن أُبَي في قميصه كان مكافأةً لولده المسلم المؤمن الصادق وجبراً لخاطره, ومكافأةً للأب الذي كسى العباس قميصاً, فهذه مكافأةً لئلا تبقى له منة على النبي عليه الصلاة والسلام. ومن أجوبتهم عن حديث الباب قولهم إن المراد بقولها (ليس فيها) يعني ليس في الثلاثة, والمعنى أن الثلاثة إزار ورداء ولفافة وأيضاً قميص, فيكون القميص ليس في الثلاثة, بل هو قدر زائد على الثلاثة, لكن ليس هذا هو الظاهر من النص, بل الظاهر من النص الاقتصار على الثلاثة دون غيرها, لأنها قالت (كُفِّن في ثلاثة أثواب) يعني فقط, فلا يستحب التكفين بالقميص ولا العمامة, اللهم إذا كان لا يوجد إلا هذا القميص فإنه يكفن فيه, والمسألة مسألة استحباب. والواجب من الكفن ما يستر البدن, ولو كان قطعة واحدة, فإن لم يوجد ما يستر جميع البدن سُتِرت العورة, فإن زاد على ذلك فليُجعَل في أعالي البدن, ويُجعَل على الرجلين شيء من الحشيش, كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في عمه حمزة ومصعب بن عمير, الذين ماتوا قبل أن تُبسَط الدنيا وتتوسع.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: {لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اَللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جَاءٍ اِبْنُهُ إِلَى رَسُولِ اَللَّهِ r. فَقَالَ: أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ, فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
عبد الله بن أُبَي هو رأس المنافقين, الذي نُهِي النبي عليه الصلاة والسلام عليه, وأخباره كثيرة شهيرة في مضادته ومحادته للدعوة ولصاحبها عليه الصلاة والسلام, ومات على نفاقه, نسأل الله السلامة والعافية.
قوله (أعطني قميصك أكفنه فيه) هذه محبة جبلية من الابن تجاه أبيه, وإلا فالمنافق عدو لا تجوز مودته ولا محبته, لكن هذه جبلة, ولو عارضت المحبة الجبلية المحبة الشرعية والحكم الشرعي صارت محرمة, ولو قدم هذه المحبة الجبلية على أوامر الشرع لم يكن الله ورسوله أحب إليه مما سواهما, ولو كان هذا مما نهي عنه لم يجرؤ الابن على طلبه من رسول الله صلى الله عليه وسلم, والابن مجبولٌ على حب أبيه والبحث عن شيء لعلَّه ينفعه.
وسبق أن إعطاءه القميص كان مكافأة, فإن العباس لما أُسِر ببدر كساه عبد الله بن أُبَي قميصاً, فأراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يكافئه. وقد جاء ما يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام لما دُفِن ابن أُبَي كساه النبي عليه الصلاة والسلام قميصه ونفث فيه من ريقه, فهل المراد أنه لما دُفِن نبش النبي عليه الصلاة والسلام قبره وألبسه قميصه ونفث فيه من ريقه؟ أو أنهم لما أرادوا دفنه ودَلَّوه في قبره كساه النبي عليه الصلاة والسلام قميصه؟ الفعل الماضي يطلق ويراد به حقيقته, وهو حصول الفعل والفراغ منه, ويطلق ويراد به الشروع فيه, ويطلق ويراد به إرادته, والرواية التي فيها أنه لما دُفِن ألبسه قميصه صحيحة, في البخاري وغيره, لكن الرواية المتفق عليها أنه أعطاه القميص قبل أن يُكَفَّن, وعلى الرواية التي فيها أنه لما دُفِن ألبسه قميصه يحتمل أنه نبشه بعد دفنه ويحتمل أنه بعد أن دُلِّي في القبر وقبل أن يُدفَن ألبسه القميص. والروايتان بمجموعهما تدلان على أنهما قميصان, لأن هذا طلبه الابن فأعطاه إياه ليكفنه, ولما جاء يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام القميص ليكفنه لم يكن أباه قد كُفِّن, فكفنه في هذا القميص, والنبي عليه الصلاة والسلام لما جاء إليه بعد دفنه وأخرجه من قبره ونفث فيه من ريقه وألبسه قميصه يدل على أنه قميص آخر. ومنهم من يقول إن ما جاء في حديث ابن عمر هو مجرد عِدَة, يعني وعده أن يعطيه القميص, فلما حصل ما حصل ذهب إليه وألبسه إياه في قبره, ومنهم من يقول هما قميصان, لكن مجموع النصوص يدل على أنه قميص واحد.

ومثل هذا التصرف من النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يترتب عليه مصالح, لأن هذا الميت كان كبير قومه, ومثل هذه التصرفات تؤثر في قومه, وله ابن مصاب به, فتخفيف المصيبة على الابن بهذا التصرف لا شك أنه لائق بخلقه عليه الصلاة والسلام.
وهذا الحديث دليل لمن يستحب التكفين بالقميص, لأن هذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام, وذاك ما فُعِل به, على أنه يمكن التوفيق بينهما بأن تكون الثلاثة غير القميص والعمامة, لكن الظاهر من النص أن القميص لا يوجد في أكفانه عليه الصلاة والسلام, وإنما أكفانه ثلاثة فقط.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ اَلنَّبِيَّ r قَالَ: {الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ, فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ, وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ} رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ إِلَّا النَّسَائِيَّ, وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.

قوله (فإنها من خير ثيابكم) أي أطيب وأطهر, لأن القذر يظهر فيها أكثر من غيرها, فيُسارَع إلى تنظيفها وتطهيرها, والألوان الأخرى قد يقع عليها شيء من النجاسة فلا يُشعَر به. وإذا كان الغالب عليه البياض فلا يضره أن يلبس معه غيره, والنبي عليه الصلاة والسلام لبس غير البياض لبيان أن هذا الأمر أمر استحباب, والذي يعتني بهذا الأمر ولا يلبس إلا البياض لا شك أنه أسعد بمثل هذا النص, لكن من لبس ثوباً أبيض وجعل ما زاد على ذلك بلونٍ آخر فإنه لا يُثرَّب عليه. واشتهر بين الناس قبل ثلاثين سنة أن الغترة البيضاء لا يلبسها إلا الناس الأقل في الاستقامة والالتزام, وأما أهل الفضل والخير والصلاح فإنهم يلبسون الشماغ الأحمر, حتى كان جواب بعض أهل العلم بهذا, لما سئل وقيل له لم لا تلبس الغترة البيضاء والنبي عليه الصلاة والسلام يقول (البسوا من ثيابكم البياض)؟ فكان جوابه: لما لبستها أنت وأمثالك تركناها. لكن يبقى أن من يُعنَى بالبياض أسعد بمثل هذا النص.
قوله (وكفنوا فيها موتاكم) تقدم أن النبي عليه الصلاة والسلام كُفِّن في ثلاثة أثوابٍ بيض, والأصل في الأمر الوجوب, لكن لبس النبي عليه الصلاة والسلام غير الأبيض.

وَعَنْ جَابِرٍ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r {إِذَا كَفَّنَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنَهُ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قوله (فليحسن كفنه) أي ليكن نوعه حسناً ولونه حسناً, ولتكن الكمية كافية ضافية, والمقصود إحسان الكفن من كل وجه. وسيأتي حديث علي وهو ضعيف (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ولا تغالوا في الكفن, فإنه يسلب سلباً سريعاً) لأن مآله إلى الذهاب والبلى, لكن إحسان الكفن مطلوب لحديث جابر الصحيح, والمغالاة ممنوعة سواء كانت في الكفن أو في غيره, فالنهي عن المغالاة لا يعارض الأمر بإحسان الكفن, فيكون إحسانه بدون مغالاة وبدون إسراف.

وَعَنْهُ قَالَ: {كَانَ اَلنَّبِيُّ r يَجْمَعُ بَيْنَ اَلرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحَدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ, ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ?", فَيُقَدِّمُهُ فِي اَللَّحْدِ, وَلَمْ يُغَسَّلُوا, وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ} رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.

قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد) يتطرقه احتمالان: الاحتمال الأول أن الرجلين يُدرَجان في كفنٍ واحد, بمعنى أنهما يلفان لفاً واحداً, والاحتمال الثاني أن الرجلين يُقسَم بينهما الثوب الواحد, فإن كفى جميع البدن, وإلا غطيت العورة والرأس وما يليه, وهذا أفضل من أن يدرَج الاثنان إدراجاً واحداً, بحيث تمس بشرة أحدهما بشرة الآخر, وهذا الاحتمال يرى بعضهم أنه هو المتعين. والاحتمال الأول يكون عند الضرورة, إذا لم يوجد إلا كفن واحد لمجموع الاثنين بحيث يدرجان فيه إدراجاً واحداً, لأنه قد لا تكفي القطعة الصغيرة التي تكفي للفِّهما مرة واحدة معاً لو قُطِعت بينهما, كما هو الاحتمال الثاني, فهذا للضرورة, وهو الاحتمال الأول.
قوله (يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد) لأن القتل كَثُر في غزوة أحد, ولا شك أن مثل هذا يوجِد حاجة وضرورة إلى كثرة الثياب وإلى كثرة القبور.
قوله (أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟ فيقدمه في اللحد) بمعنى أنه يُجعَل في القبر الواحد أكثر من واحد, لكن الذي يظهر أنهم يجعلون بين كل اثنين شيئاً من التراب. ولا شك أن هذا فرع من فروع ما يُكسِبه القرآن صاحبه من الرفعة والتقديم والإجلال في الدنيا والآخرة. وظاهر النص أن الأكثر حفظاً للقرآن يُقدَّم في الدنيا, والله يتولاه في الآخرة إن كان مخالفاً للقرآن, وهذا من باب قوله عليه الصلاة والسلام (إن الله يرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين). وهذا وصف فاصل, والأوصاف الأخرى قد تخفى, فالمفاضلة التقوى تحتاج إلى شيء من الدقة, لأنه قد يخفى أمر كثير من الناس إذا أردت المفاضلة بينهم, لأن عند هذا ما ليس عند هذا, وعند هذا ما ليس عند الآخر.
قوله (ولم يُغسَّلوا, ولم يُصلَّ عليهم) الشهداء لا يُغسَّلون, والشهيد لا يحتاج إلى من يشفع له, بل هو يشفع لغيره, والصلاة على الميت شفاعة للميت ودعاء له بمغفرة الذنوب, والشهادة تجب هذه الذنوب من غير طلب, فقد جاء أن الشهيد يغفر له كل شيء عند أول قطرة من دمه إلا الدين. وبعض السلف كسعيد بن المسيب والحسن يقولون إنه يجب غسله كغيره, لكن حديث الباب الصحيح نص في المسألة أنه لا يُغسَّل. وجاء أنه يدفن بدمه ويبعث يوم القيامة وجرحه يثعب بدماً اللون لون الدم والريح ريح المسك, فإذا غسَّلناه أذهبنا هذا الأثر, فالمعتمد أنه لا يُغسَّل, وبهذا قال الجمهور.
والجمهور على أن الشهيد لا يصلى عليه, لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على قتلى أحد, وذهب الحنفية وإسحاق إلى أنه يصلى عليه كغيره, لعموم أدلة الصلاة على الميت, ولأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على شهداء أحد بعد ثمان سنين كالمودع لهم, ولم يصل عليهم في أول الأمر كما في حديث الباب, وعندهم الصلاة على القبر لهم فيها شروط, ولا يدخل فيها طول المدة. لكن كيف يجيب الجمهور عن صلاته على شهداء أحد بعد ثمان سنين كالمودع لهم؟ قال جمع من أهل العلم إن المراد بالصلاة - في قصة صلاته عليهم بعد ثمان سنين - الصلاة اللغوية وهي الدعاء, ومنهم من قال إنه مر عليهم وصلى عليهم صلاة الجنازة وهذا من خصوصياتهم, ولذا لم يُذكَر أنه طلب من
الصحابة أن يخرجوا معه للصلاة عليهم كما فعل بالنجاشي. ولا يمنع مانع من حمل الصلاة على الصلاة اللغوية, لأن الصلاة في اللغة بمعنى الدعاء, فالمعنى أنه خرج إليهم في قبورهم ودعا لهم. ويُسلَك مثل هذا للتوفيق بين النصوص, فقد جاءت الأخبار المتواترة التي منها حديث الباب أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على شهداء أحد, وكونه صلى عليه بعد ثمان سنين كالمودع لهم لا يمنع أن تكون الصلاة لغوية وهي الدعاء, بدليل أنه لم يجمع الصحابة كما هي عادته في الصلاة على الجنازة, فلم يقل (اخرجوا لنصل على شهداء أحد) كما نعى النجاشي للصحابة وخرج بهم إلى المصلى وصلى عليه, فالمرجح أن الشهيد لا يصلى عليه.

وَعَنْ عَلِيٍّ t قَالَ: {سَمِعْتُ اَلنَّبِيَّ r يَقُولُ: "لَا تُغَالُوا فِي اَلْكَفَنِ, فَإِنَّهُ يُسْلُبُ سَرِيعًا"} رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

إسناده ضعيف, لأنه من رواية الشعبي عن علي رضي الله عنه, فهو منقطع, لأن الدار قطني وغيره نصوا على أنه لم يسمع من علي إلا حديثاً واحداً ليس هذا. وفيه علة أخرى, وهي عمرو بن هشام الجنبي, وهو ضعيف. وعلى كل حال المنع من المغالاة دلت عليه النصوص الأخرى المستفيضة التي تنهى عن الإسراف والتبذير, فالمغالاة نوع وضرب من الإسراف والتبذير, فلا يغالى لا في كفن ولا في غيره.
قوله (فإنه يسلب سلباً سريعاً) لأنه يبلى ويذهب وتأكله الأرض, فلا داعي للمغالاة فيه, ولذا لما أوصى أبو بكر رضي الله عنه أن يُغسَل ثوبه الذي عليه ويكفَّن فيه قيل له (إن هذا خَلِق) فقال رضي الله عنه (الحي أولى بالجديد من الميت). والكفن إنما هو للمَهْلَة والصديد والقيح والهوام والحشرات, وأما بالنسبة للحي فإنه يعبد الله فيه ويستقبل فيه إخوانه ويحضر به الجمع والجماعات, فهو أولى به. وعلى كل حال الحديث ضعيف, ومعناه صحيح, فالمغالاة ممنوعة, لا بالنسبة للحي ولا بالنسبة للميت.
وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا ; أَنَّ اَلنَّبِيَّ r قَالَ لَهَا: {لَوْ مُتِّ قَبْلِي لغَسَّلْتُكِ} اَلْحَدِيثَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَابْنُ مَاجَهْ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

سبق قول عائشة (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه) ففي هذا ما يدل على أنه للزوج أن يغسِّل زوجته والعكس, وفاطمة رضي الله عنها أوصت أن يغسِّلها علي, فما زالت الرابطة والعلاقة موجودة بين الزوجين, بدليل أنها تستمر حتى في الجنة. فالزوج أولى الناس بالاطلاع على زوجته, وهي أولى الناس بالاطلاع عليه. ومن أهل العلم من يقول إن الرابطة انقطعت بالموت, فالمرأة لا تغسِّل زوجها, والزوج لا يغسِّل زوجته. ومنهم من يفرِّق فيقول إن الزوجة تغسِّل والزوج لا يغسِّل, لأن المرأة تعتد, والزوج لا يعتد, لأنه لو ماتت المرأة انتهت جميع العلائق بها, لكن لو مات الزوج بقيت حبيسة من أجله حتى تخرج من العدة. والصواب ما يدل عليه الحديث, أنه للزوج أن يغسِّل زوجته, وللزوجة أن تغسِّل زوجها. وأما بالنسبة للرجل بين النساء والمرأة بين الرجال غير الأزواج فقد جاء في المراسيل لأبي داود عن مكحول أن النبي عليه الصلاة والسلام قال (إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس فيهم امرأة, والرجل مع النساء ليس فيهن رجل, فإنهما ييممان ويدفنان) لأن الرجال لا يجوز أن يطلعوا على النساء, والنساء لا يجوز أن يطَّلعن على الرجال, وهذا في حال الموت, ففي حال الحياة من باب أولى. وقال بهذا جمع من أهل العلم, أن التغسيل يسقط, فلا يغسَّل الرجل إذا لم يوجد رجل يغسِّله, ولا تغسَّل المرأة إذا لم توجد امرأة تغسِّلها. ومنهم من يرى إرسال الماء على الرجل أو على المرأة من بُعْد, فيسقط به الواجب وتنتفي به المفسدة.

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا: {أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا اَلسَّلَامُ أَوْصَتْ أَنْ يُغَسِّلَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اَللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ} رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيُّ.

الدار قطني روى هذا الحديث بإسنادٍ لا بأس به ومقبول في الجملة, ويشهد له الحديث السابق. وأسماء بنت عميس كانت تحت جعفر الطيار, وبعده تحت أبي بكر, وبعده تحت علي, فلها علاقة بالموضوع, لأنها تزوجت علي بعد فاطمة, فاطلعت على مثل هذا. وهذا الحديث يدل على أن الرجل يغسِّل زوجته. وتقدم قول عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه. تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأوصى أبو بكر امرأته أسماء أن تغسِّله, والمقصود أن مثل هذا جائز بين الزوجين, بل لو قيل إن المرأة أولى الناس بتغسيل زوجها لاطلاعها على ما لم يطَّلع عليه غيرها والزوج أولى الناس بتغسيل زوجته لاطلاعه على ما لم يطَّلع عليه غيره لكان له وجه. على أن النبي عليه الصلاة والسلام غسَّله علي رضي الله عنه واستعان ببعض الصحابة, فدل على أن الرجل يغسِّله الرجال, والمرأة يغسِّلها النساء. وعند الفقهاء بالنسبة للجنسين يفرقون بين من بلغ السبع وبين من لم يبلغ السبع, فالذي بلغ السبع له عورة محترمة مؤثرة في الناظر, فلا يغسِّله إلا جنسه, وأما من كان دون السبع فللمرأة أن تغسِّله وللرجل أن يغسِّله.

وَعَنْ بُرَيْدَةَ t -فِي قِصَّةِ الْغَامِدِيَّةِ اَلَّتِي أَمَرَ اَلنَّبِيُّ r بِرَجْمِهَا فِي اَلزِّنَا- قَالَ: {ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصُلِّيَ عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

جاء نسبتها إلى جهينة, والقصتان في الصحيح, قصة الغامدية وقصة الجهنية, فهل هما اثنتان أو واحدة؟ سياق القصتين متقارب جداً, حتى جعل بعض أهل العلم يقول إن القصة واحدة وغامد بطن من جهينة. ويمكن أن يكون هناك فخذ من جهينة يقال لهم غامد, وهم غير القبيلة المعروفة. والذين قالوا إن غامد هنا بطن من جهينة فحول وشرَّاح كبار, فلم يقولوا ذلك تخرصاً, والاحتمال قائم.
هذه الغامدية التي حصل منها ما حصل ورُجِمت تابت توبةً لو قُسِمت على سبعين من أهل المدينة لوسعتهم, وفي رواية (لو تابها صاحب مَكْس) وأمر النبي عليه الصلاة والسلام برجمها لأنها زنت وهي محصنة.

قوله (ثم أمر بها فصُلِّي عليها ودُفِنت) دل على أن الميت بحد يصلى عليه, لأنه مسلم. وأمر عليه الصلاة والسلام برجمها فرُجِمت, ولم يباشر الرجم, وأمر بها فصُلِّي عليها, ولم يباشر الصلاة عليها, فدل على أن الإمام لا يباشر مثل هذه الأمور, لا سيما الصلاة على من كان سبب وفاته فيه شيء, لئلا يقال إن فعله صحيح ولا شيء فيه وأنه لو لم يكن فعله صحيح ما صلى عليه, فمن مات بحد - الذي أصله ارتكاب مخالفة - لا يصلي عليه الإمام. والعلماء بينهم خلاف في الصلاة على الفساق وعلى من قُتِل بحد وعلى المحارب وعلى ولد الزنا, وعلى كل حال هم في دائرة الإسلام ويصلى عليهم, لكن يبقى أن علية القوم وأشراف الناس والإمام على وجه الخصوص يتورعون عن الصلاة عليهم.

وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: {أُتِيَ اَلنَّبِيُّ r بِرَجُلٍ قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ, فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

المشاقص جمع مِشقَص وهو النصل العريض, وهذا الذي باشر قتله ترك النبي عليه الصلاة والسلام الصلاة عليه عقوبة له وردعاً وزجراً لمن أراد أن يفعل مثل فعله, ومباشرة قتل النفس جريمة وكبيرة من كبائر الذنوب. فمباشرة قتل النفس لا تجوز بحال, ولا يوجد في النصوص ما يدل عليها, وإن جاء في النصوص ما يدل على التسبب لكن المباشرة لم يأت في النصوص ما يدل عليها. ومثل هؤلاء لا يصلى عليهم من قبل الإمام, وإلا فهم في دائرة الإسلام, والمسلمون مطالبون بالصلاة عليهم.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t - فِي قِصَّةِ اَلْمَرْأَةِ اَلَّتِي كَانَتْ تَقُمُّ اَلْمَسْجِدَ - قَالَ: {فَسَأَلَ عَنْهَا اَلنَّبِيُّ r فَقَالُوا: مَاتَتْ, فَقَالَ: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي"? فَكَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا أَمْرَهَا, فَقَالَ: "دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهَا", فَدَلُّوهُ, فَصَلَّى عَلَيْهَا} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ مُسْلِمٌ, ثُمَّ قَالَ: {إِنَّ هَذِهِ اَلْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ ظُلْمَةً عَلَى أَهْلِهَا, وَإِنَّ اَللَّهَ يُنَوِّرُهَا لَهُمْ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ}.

الخلاف في كون الذي مات رجل أو امرأة موجود في الروايات الصحيحة, وبعضهم شك هل هو رجل أو امرأة, وبعضهم جزم, وعلى كل حال الحكم المستنبط من القصة لا يتوقف على كونه ذكراً أو أنثى. وقوله (التي كانت تقم المسجد) يعني تخرج القمامة وهي الكُنَاسة, يعني تنظف المسجد, والأمر ببناء المساجد وتنظيفها وتطييبها معروف, لأنها معدة لإقامة شعائر الله كالصلاة والذكر وقراءة القرآن وتعليم العلم. ولا مانع من خدمة النساء للمساجد إذا أُمِنَت الفتنة, لكن مع وجود الفتنة لا يجوز بحال أن تدخل أماكن الرجال, لها أن تنظف أماكن النساء ومصلياتهن, وأما أماكن الرجال فلا, كما أنه لا يجوز للرجل أن يدخل ويغشى أماكن النساء.
كان العمل يصدر منهم ابتغاء وجه الله جل وعلا دون مقابل, فلا يتصور أنها كانت تقم المسجد بمقابل, لكن إذا صُرِف من بيت المال لمثل هؤلاء فهذا من خير المصارف بلا شك, لكن كون الإنسان يتبرع بمثل هذه الأعمال الصالحة فثوابه عظيم إن شاء الله تعالى.
قوله (فدلُّوه) من الدلالة, وقولنا (فدلَّوه) من التدلية, ومثله قول الإمام (تراصُّوا) أمر بالتراص, وقوله (تراصَّوا) فعل ماض. وفي الحديث دلالة على الصلاة على القبر, وهذا مستثنى من النهي عن الصلاة إلى القبور, في حديث أبي مرثد (لا تصلوا إلى القبور, ولا تجلسوا عليها) فدل على أن المنهي عنه الصلاة المعروفة المعتادة ذات الركوع والسجود, وأما صلاة الجنازة على القبر فإنها مستثناة لثبوتها من فعله عليه الصلاة والسلام, كما في هذا الحديث, فلا يدخل هذا في النهي عن اتخاذ القبور مساجد. وهذا الحديث مخصص لعموم النهي, ويبقى أنه لا يُقاس على هذا الخاص غيره, ويبقى أن الأصل النهي عن الصلاة إلى القبور وعن الصلاة في المقبرة وعن الصلاة في المسجد الذي فيه قبر. وثبت أنه عليه الصلاة والسلام صلى على البراء بن معرور بعد شهر من وفاته, فحد بعضهم الصلاة على القبر إلى شهر, ويختلفون في المدة التي تفوت فيها الصلاة على القبر, والمقصود أن صلاة الجنازة على القبر مشروعة ولا إشكال فيها لثبوتها من فعله عليه الصلاة والسلام, ويبقى ما عداها من صلاة ومن قراءة ومن ذكرٍ في حيز المنع, فالنهي عن اتخاذ القبور مساجد يتناول جميع العبادات التي تُزاوَل في المسجد. وقراءة القرآن في المقبرة بدعة, وجاء لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد, فدل على أن العبادات لا تزاول في المقبرة, ويُخَص من ذلك ما جاء الدليل بتخصيصه, وما عدا ذلك يبقى على المنع.

طالبة فقه
10-12-25 ||, 02:40 PM
زيادة مسلم (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها, وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) لم يخرِّجها البخاري, بل هي من أفراد مسلم, ويحتج بها من يرى أن الصلاة على القبر خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم, والمالكية والحنفية لا يرون الصلاة على القبر, لعموم النهي, والحنابلة والشافعية يرون جواز ذلك, لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث وغيره.
المدة التي تشرع فيها الصلاة على القبر منهم من قال إنها إلى شهر, لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على البراء بن معرور بعد مضي شهر, ومنهم من يقول إنها إلى أن يبلى الميت, فإذا بلي وفني لا يصلى عليه, لكن تعليق الحكم بشيءٍ لا يُطَّلع عليه ولا على مدته تعليق على مشكوكٍ فيه, وكونه صلى ووقعت منه المدة اتفاقاً لا يقتضي التحديد, وأما دعوى الخصوصية بالنبي عليه الصلاة والسلام فالخصوصية تحتاج إلى دليل يخصه عليه الصلاة والسلام, وإلا فالأصل أنه القدوة والأسوة, فإذا فعل شيئاً طُلِب من الأمة أن تفعله اقتداءً به. وقد يؤخذ التخصيص من التعليل بقوله (إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها, وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم) لكن الأصل الاقتداء, وهذه صلاة جنازة جاء الترغيب فيها, فلا يفوِّت المسلم أجره المرتب عليها.

وَعَنْ حُذَيْفَةَ t {أَنَّ اَلنَّبِيَّ r كَانَ يَنْهَى عَنِ اَلنَّعْيِ} رَوَاهُ أَحْمَدُ, وَاَلتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t {أَنَّ اَلنَّبِيَّ r نَعَى اَلنَّجَاشِيَّ فِي اَلْيَوْمِ اَلَّذِي مَاتَ فِيهِ, وَخَرَجَ بِهِمْ مِنَ الْمُصَلَّى، فَصَفَّ بِهِمْ, وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

حديث حذيفة رضي الله عنه حسن. ولا شك أن النعي الذي فعله عليه الصلاة والسلام غير الذي نهى عنه, والنعي هو الإخبار بالموت, وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بموت النجاشي, فمجرد الإخبار من أجل أن يجهَّز الميت ويصلى عليه ويبادَر بقضاء ديونه
واستيفاء حقوقه لا بأس به, فالنبي عليه الصلاة والسلام نعى لهم النجاشي في اليوم الذي مات فيه وأخبرهم ليجتمعوا فيصلوا عليه, فهذا مجرد إخبار. لكن النعي الذي جاء النهي عنه هو ما كانت الجاهلية تفعله من رفع الصوت في أفواه السكك والطرقات, وبعث البعوث إلى القبائل, وقولهم (ألا إن فلان بن فلان قد مات) وما يحصل مع ذلك من بيان محاسنه والنياحة عليه, فالمقصود أن النعي الذي لا يترتب عليه هدف شرعي هو الداخل في الذم, وأما إذا كان الإخبار والنعي لمجرد الاجتماع للصلاة عليه واستيفاء حقوقه وقضاء ديونه وتعزية أهله فإنه لا بأس به. ويُعلَن في الصحف أحياناً ويُصدَّر بما يدل على التزكية (يا أيتها النفس المطمئنة) وهذه تزكيةٌ لا تجوز. والأمور بمقاصدها, فإن كان للميت علاقات طويلة وأعمال مبعثرة, ولا يمكن تفريغ من له صلة إلا بالإعلان في الصحف, وكان هذا هو الهدف, فإنه يجوز منه ما يحقق هذا الهدف, وأما حجز الصفحات الأولى من الجرائد أو الصفحات الكاملة بالألوف المؤلفة فلا شك أن هذا تبذير, لكن إذا وُضِع خبر صغير بإعلان وفاته وأن من له عليه حق فليتقدم لتحصيل حقه فإن هذا هدف صحيح, وأما أن تحجَز الصفحات الكاملة للإعلان عن وفاته وللتعزية من أجل المباهاة فهذا هو المنهي عنه. فالإخبار حكمه يتبع ما يحققه, فإن كان يحقق للمخبِر المباهاة وليقال إنه صلى عليه الجموع الغفيرة وإنه تناقل الناس خبر وفاته فمثل هذا لا شك أنه يُنهَى عنه, وأما إذا كان لاجتماع أهله وذويه ومعارفه وأحبابه وأهل الخير والفضل والصلاح للصلاة عليه فهذا لا بأس به, بل هو مطلوب, لأن النبي عليه الصلاة والسلام نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه, ومنهم من يقول إنه لا يجوز النعي إلا في اليوم الذي يموت فيه, وعلى كل حال الأمور بمقاصدها, وكلٌّ يجد من نفسه ما يجد, لكن الملاحظ في كثير من التصرفات أن المباهاة لها دور كبير في النعي الموجود الآن. وتجد بعض الأخيار إذا سمع بوفاة شخص أو بجنازة ولو لم يعرف صاحبها يرسل رسائل بالجوال من أجل أن يحضر الناس للصلاة عليه, ومن دل على خير فله مثل أجر فاعله, فهذا لا بأس به, لأنه لا يقصد به المباهاة ولا المكاثرة, وإنما يقصد به أن يحصل المبلَّغ على أجر الصلاة على هذا الميت, ومثل هذا قول إمام المسجد لجماعته إنه سيصلى على فلان في الوقت الفلاني في المسجد الفلاني, فهذا ليس فيه فخر ولا مباهاة, وإنما ليحصِّل الناس أجر الصلاة على الجنازة.
وفي الحديث علم من أعلام النبوة, لأن نقل الخبر من الحبشة إلى المدينة يحتاج إلى وقت طويل, ومع ذلك نعاه في اليوم الذي مات فيه. قوله (وخرج بهم إلى المصلى, فصف بهم, وكبر عليه أربعاً) يستدل بهذا من يمنع الصلاة على الميت في المسجد, وأنه لا بد أن يُخرَج بها, وسيأتي أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على ابني بيضاء في المسجد, فالصلاة على الميت في المسجد يمنعها بعض أهل العلم خشية تلويث المسجد, ولأن النبي عليه الصلاة والسلام خرج للصلاة على النجاشي ولم يصل عليه في المسجد, لكن الصلاة على الغائب ليس فيها تلويث, والنبي صلى الله عليه وسلم إنما خرج بهم إلى المصلى ليكثر الجمع, ولذا تجدون الجنائز الكبيرة التي لا تستوعبها المساجد يصلى عليها في مصليات العيد, مع أنه يصلى على غيرها في المساجد. وهذا الحديث هو دليل الصلاة على الغائب, وقال الشافعية والحنابلة بشرعية الصلاة على الغائب مطلقاً, ونقل ابن حزم عن السلف أنه لم يأت عن أحد منهم خلاف هذا القول, وعند الحنفية والمالكية لا يصلى على الغائب, لكثرة من مات في عهد النبي عليه الصلاة والسلام بغير حضرته فلم يصل عليهم, لكن فعله في الصلاة على النجاشي وهو غائب دليل على الجواز, ولذا منهم من يقول إذا كان الغائب لم يصل عليه فيه بلده فإنه تصلى عليه صلاة الغائب, وأما إذا عُرِف أنه صلي عليه في بلده فإنه لا تصلى عليه صلاة الغائب, وإلى هذا ميل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى, لكن نحتاج إلى دليل يثبت أن النجاشي لم يصل عليه في بلده. نعم لا يصلى على كل أحد, إنما يصلى على من له أثر في الإسلام كالنجاشي, فإنه كان ردءاً نافعاً للمسلمين, فلو وُجِد من له نفع عام في الأمة أو نفع خاص لبعض الناس فإنه يصلى عليه وفاءً له. منهم من يقيد الصلاة على الغائب باليوم الذي مات فيه جموداً على ما جاء في الخبر, ومنهم من قال إنه يصلى عليه إذا كان الميت في جهة القبلة, والنجاشي في جهة القبلة بالنسبة للمدينة, لأن مكة تقع بين المدينة والحبشة, وهذا أيضاً جمود على النص, ويقول به ابن حبان, وعلى كل حال المرجح صحة وجواز الصلاة على الغائب, لا سيما إذا كان له أثر في الإسلام أو أثر فيمن يصلي عليه على وجه الخصوص, كما لو توفي والد والابن لا يستطيع الحضور للصلاة عليه فإنه لا يُمنَع من الصلاة عليه لأنه له أثر في حياته وفضل عليه, ومثله لو توفي شيخ له فإنه يصلي عليه.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا: سَمِعْتُ اَلنَّبِيَّ r يَقُولُ: {مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ, فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا, لَا يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ شَيْئًا, إِلَّا شَفَّعَهُمْ اَللَّهُ فِيهِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

مفهوم الحديث غير معتبر, لا في الميت ولا في المصلين عليه, لما ثبت في النصوص القطعية أن النساء شقائق الرجال, وحكم الرجال حكم النساء, إلا ما وردت الأدلة بتخصيص الرجل أو العكس. والمرأة ممنوعة من اتباع الجنازة ومن زيارة القبور, لكنها غير ممنوعة من الصلاة على الميت, وهي مخاطبة بالنصوص التي تدل على أن من صلى على جنازة فله قيراط, وعلى هذا لو مات رجل بين نساء فإنهن يصلين عليه, ولو صلى عليه أربعون امرأة فلا شك أنه يدخل في مثل هذا, لأن الوصف دلت الأدلة على عدم تأثيره, لأن هذا مما يشترك فيه الرجال والنساء. قوله (لا يشركون بالله شيئاً) ليُحرَص على أهل تحقيق التوحيد أكثر من غيرهم, هؤلاء هم الذين يُدعَون إلى الصلاة على الميت, ولا يُمنَع غيرهم من الصلاة عليه ولو كان من طوائف المبتدعة, لكن الحرص يكون على من لا يشرك بالله شيئاً, ليحصل الوعد المذكور في الحديث, ولأن هذه دعوة فيُدعَى للصلاة من ترجَى إجابة دعوته. والمبتدعة كغلاة الصوفية ومعظمي البشر والمعتزلة الذين جاء وصفهم بأنهم مجوس هذه الأمة وغيرهم لا يُدعَون للصلاة على الميت, لكن لو وُجِد منهم أحد كما في الحرمين فإنه لا يُخرَج منهم أحد, لأنه لم يثبت على مر التاريخ أن مثل هؤلاء يُمنَعون, لا من الصلاة العامة ولا من الصلاة الخاصة. لكن إذا دُعِي شخصٌ من أهل السنة للصلاة على مثل هؤلاء فإنه لا يجيب, لأن الصلاة شفاعة, والشفاعة لا تنال المشرك. وإذا كان الرجل في دائرة الإسلام فالدعاء له مشروع.

وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ t قَالَ: {صَلَّيْتُ وَرَاءَ اَلنَّبِيِّ r عَلَى امْرَأَةٍ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا, فَقَامَ وَسْطَهَا} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
قوله (ماتت في نفاسها) يعني بعد الولادة, أو أثناء الولادة. قوله (فقام وسطها) لعل من الحكم الظاهرة في هذا أن يستر هذا الوسط عن رؤية المصلين. وأما القيام بالنسبة للرجل فعند رأسه, ومن أهل العلم من يقول عند صدره, والنبي عليه الصلاة والسلام قام عند رأسه, لما أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على رجل فقام عند رأسه وصلى على مرأة فقام عند عجيزتها, يعني وسطها كما في هذا الحديث, فهذه هي السنة.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {وَاَللَّهِ لَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ r عَلَى اِبْنَيْ بَيْضَاءَ فِي اَلْمَسْجِدِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

قالت عائشة رضي الله عنها ذلك رداً على من أنكر عليها الصلاة على الميت في المسجد. وابنا بيضاء هما سهل وسهيل, والبيضاء أمهما, وأبوهما وهب بن ربيعة. وعمر رضي الله عنه صلى على أبي بكر في المسجد, وصهيب صلى على عمر في المسجد, وما زالت صلاة الجنازة تؤدى في المسجد في عهده عليه الصلاة والسلام وبعده, ففي هذا رد على من يرى عدم إدخال الميت المسجد لشبهة التلويث أو لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى على النجاشي في المصلى. فالصلاة على الميت في المسجد جائزة من غير كراهة, وبهذا يقول الجمهور, وذهب بعضهم إلى أنها لا تجوز, وبعضهم يطلق الكراهة, وبعضهم يتجاوز فيطلق عدم الصحة, لكن الراجح جواز الصلاة على الميت في المسجد, والاحتجاج عليهم بما ذُكِر.

وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ: {كَانَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ يُكَبِّرُ عَلَى جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا, وَإِنَّهُ كَبَّرَ عَلَى جَنَازَةٍ خَمْسًا, فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ r يُكَبِّرُهَا} رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالْأَرْبَعَةُ. وَعَنْ عَلِيٍّ t {أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ سِتًّا, وَقَالَ: إِنَّهُ بَدْرِيٌّ} رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ, وَأَصْلُهُ فِي اَلْبُخَارِيِّ. وَعَنْ جَابِرٍ t قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ r يُكَبِّرُ عَلَى
جَنَائِزِنَا أَرْبَعًا وَيَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ اَلْكِتَابِ فِي اَلتَّكْبِيرَةِ اَلْأُولَى} رَوَاهُ اَلشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ. وَعَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: {صَلَّيْتُ خَلَفَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى جَنَازَةٍ, فَقَرَأَ فَاتِحَةَ الكْتِابِ فَقَالَ: "لِتَعْلَمُوا أَنَّهَا سُنَّةٌ"} رَوَاهُ اَلْبُخَارِيُّ.

عبد الرحمن بن أبي ليلى من خيار التابعين وثقاتهم, وحديثه في الصحيحين وغيرهما, وابنه محمد الإمام الفقيه المشهور الذي يدور اسمه كثيراً في كتب الفقه, لكنه بالنسبة للرواية ضعيف سيء الحفظ, والأب من ثقات التابعين. قوله (كان زيد بن أرقم يكبر على جنائزنا أربعاً) هذا هو الغالب في التكبير على الجنازة, والتكبير على الجنازة جاء عدده متفاوتاً في الروايات الصحيحة من ثلاث إلى تسع, لكن الاتفاق في النهاية كما قال ابن عبد البر وغيره وقع على الأربع, وكانت التكبيرات تزاد في حق من زاد فضله وبان أثره, فمنهم من يقول إن هذا الاتفاق يمنع من الزيادة فيما بعد, ومنهم من يقول إن الزيادة ما زالت, ولذا يُذكَر عن بعض أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى وقتنا هذا من قد يزيد, لكن ينبغي أن يكون على قلة, وهذا إذا سُوِّغَت الزيادة, لكن يبقى أن الاتفاق له هيبة, وإن كان الأصل الجواز. النبي عليه الصلاة والسلام كبر على النجاشي أربعاً, وهذا الحديث يدل على الخمس, فذهب الجمهور من السلف والخلف ومنهم الأئمة الأربعة وكثير من أتباعهم إلى أن الأمر استقر على الأربع, فلا يزاد عليها, ومنهم من يرى أنه ما دامت الزيادة قد ثبتت من فعله عليه الصلاة والسلام فإنه لا مانع من الزيادة على الأربع حسب قوة الأثر لهذا الشخص في الدين, ولذا علي رضي الله عنه لما صلى على سهل بن حنيف كبر عليه ستاً وقال إنه بدري, وهذا رواه سعيد بن منصور وأصله في البخاري, وفي البخاري أن علياً رضي الله عنه كبر على سهل بن حنيف – من دون ذكر الست - وقال إنه شهد بدراً. والتعليل بشهوده بدراً يدل على أن هناك زيادة في العدد, والبرقاني في مستخرجه ذكر هذه الزيادة, يعني من الطريق التي روى بها البخاري الحديث, فهذا يدل على استمرار الزيادة لمن كان له أثر. وعند البيهقي من حديث أبي وائل قال: كانوا يكبرون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعاً وخمساً وستاً وسبعاً - وابن عبد البر أخبر بما هو من الثلاث إلى التسع - فجمع عمر رضي الله عنه أصحاب رسول الله
صلى عليه وسلم فأخبر كلٌّ بما رأى, فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. وهذه حجة من لا يرى الزيادة, يقول لأنه أفتى به عمر وجمع الناس عليه ولم يخالفه أحد, لكن صنيع علي رضي الله عنه لما كبر على سهل بن حنيف ستاً - وإن كان العدد ليس في الصحيح - وتعليله بكونه شهد بدراً يشعر بأن هناك زيادة في العدد, فهذا يستدل به بعضهم على أنه لم يحصل إجماع, والحجة في الاتفاق.
وحديث جابر رضي الله عنه قال المصنف فيه: رواه الشافعي بإسناد ضعيف. بل هو ضعيف جداً, لأنه من طريق شيخه إبراهيم بن أبي يحيى, وهو متروك, والحفاظ على تضعيفه, بل ضعفه شديد, والإمام الشافعي رحمه الله تعالى يحس الظن به من حيث الصدق لا من حيث الديانة, فيقول: حدثنا المتهم في دينه الثقة في روايته. وكثيراً ما يقول: حدثني الثقة, ويريد بذلك إبراهيم بن أبي يحيى.
والتكبير على الجنائز أربعاً تقدم ما يشهد له, وأما القراءة بفاتحة الكتاب في التكبيرة الأولى فيدل لها ما رواه البخاري من حديث طلحة بن عبد الله بن عوف أنه قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب, وقال: لتعلموا أنها سنة. وقول الصحابي (سنة) أو (من السنة) له حكم الرفع, لأنه لا يريد بذلك إلا سنة النبي عليه الصلاة والسلام, ولذا جاء في كتاب الحج في البخاري قول ابن عمر للحَجاج (إن كنت تريد السنة فهجِّر) قال سالم: وهل يريدون بذلك إلا سنة النبي صلى الله عليه وسلم. فبعد التكبيرة الأولى يقرأ بفاتحة الكتاب, بدلالة هذا الحديث, ولعموم حديث عبادة (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب) وصلاة الجنازة صلاة فيشملها هذا الحديث, فلا بد من قراءة الفاتحة, والمسألة خلافية, لكن هذا الذي يدل عليه الدليل. فقراءة الفاتحة في صلاة الجنازة ليست بسنة, بل واجبة, وبعضهم يقول بركنيتها كالصلاة لعموم حديث عبادة, وأما قول الصحابي (لتعلموا أنها سنة) فمراده أنها عمل مأثور عن النبي عليه الصلاة والسلام, والسنة هنا أعم من أن تكون سنة اصطلاحية.

وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ t قَالَ: {صَلَّى رَسُولُ اَللَّهِ r عَلَى جَنَازَةٍ، فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ, وَارْحَمْهُ وَعَافِهِ, وَاعْفُ عَنْهُ, وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ, وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ, وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ
وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ, وَنَقِّهِ مِنْ اَلْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ اَلثَّوْبَ اَلْأَبْيَضَ مِنَ الدَّنَسِ, وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ, وَأَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ, وَأَدْخِلْهُ اَلْجَنَّةَ, وَقِهِ فِتْنَةَ اَلْقَبْرِ وَعَذَابَ اَلنَّارِ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

الأصل في مشروعية الصلاة على الجنازة الدعاء للميت, ومن أجله شُرِعَت, لأنها شفاعة. قوله (فحفظت من دعائه) دل على أن الدعاء أطول من هذا, ويحتمل أن النبي عليه الصلاة والسلام جهر بهذا الدعاء جهراً خفيفاً حتى سُمِع وحُفِظ, وهذا لا يؤثِّر, ويكون عوف حينئذ قريبٌ منه, ولذا لم يحفظه كله, ويحتمل أنه سأله بعد أن سلم فحفظ عنه, كما سأل أبو هريرة النبي عليه الصلاة والسلام عما يقوله في سكوته بين التكبير والقراءة فأخبره بدعاء الاستفتاح. وبعضهم أخذ من هذا مشروعية الجهر بالدعاء, لكن لو شُرِع الجهر به لحُفِظ التأمين عليه, فدل على أنه مما يسر به الإمام ويسر به الإمام, ولا يمنع أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر ببعض الدعاء فحفظ عنه, كما كان يجهر بالآية أحياناً في الصلاة السرية.
في دعاء الاستفتاح جاءت التنقية قبل الغسل, وهنا جاء الغسل قبل التنقية, وقد يقول قائل إن الواو في هذا الحديث لا تقتضي الترتيب, وسواء غُسِل قبل أو نُقِّي قبل فالمسألة معنوية, لكن ترتيب الكلام في المحسوسات ما جاء في دعاء الاستفتاح أظهر مما جاء هنا, لأن المسألة هنا معنوية. قال عوف بعد سياق الدعاء: فتمنيت أن لو كنت أنا الميت لدعاء الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك الميت.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ r إِذَا صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ يَقُولُ: "اَللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا, وَمَيِّتِنَا, وَشَاهِدِنَا, وَغَائِبِنَا, وَصَغِيرِنَا, وَكَبِيرِنَا, وَذَكَرِنَا, وَأُنْثَانَا, اَللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى اَلْإِسْلَامِ, وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى اَلْإِيمَانِ, اَللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ, وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ} رَوَاهُ مُسْلِمٌ, وَالْأَرْبَعَةُ.
هذا الحديث لا يوجد في مسلم, وإنما هو موجود في السنن, وأعله بعضهم, لكن العلة التي ذُكِرَت لا تقدح, فأقل أحوال الحديث الحُسْن, وهو مقبول في الجملة. قوله (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى على جنازة يقول) يعني من ضمن ما يقول من الأدعية بعد التكبيرة الثالثة هذا الدعاء. الصغير لم يقترف ذنباً يعاقب عليه, لأنه غير مكلف, لكن يدعى له لأنه موجود, وتكون الدعوة موقوفة حتى يكلف ويرتكب الذنب. الحي يشمل الشاهد والغائب والصغير والكبير والذكر والأنثى, وكذلك الميت يشمل ذلك كله, لكن هذا تفصيل لما قد يعزب عن الذهن أثناء الدعاء فيُستَحضَر. قوله (من أحييته منا فأحيه على الإسلام) أي على الأعمال الظاهرة المتطلبة للباطنة, وقوله (ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) أي على الكمال, لأن الإيمان أكمل من الإسلام, فيُطلَب الكمال عند الخاتمة. وهذا نوع من أنواع أدعيته عليه الصلاة والسلام إضافةً إلى ما تقدم. وجاء في سنن أبي داود والبيهقي وغيرهما (اللهم أنت ربها, وأنت خلقتها, وأنت هديتها إلى الإسلام, وأنت أعلم بسرها وعلانيتها, وأنت قبضت روحها, جئناك شفعاء فاغفر له, اللهم إنه في ذمتك وحبل جوارك فقه فتنة القبر وعذاب النار, وأنت أهل الوفاء والحمد, اللهم فاغفر له وارحمه, إنك أنت الغفور الرحيم). والمقصود أنه حُفِظ أدعية عن النبي عليه الصلاة والسلام, فإن أمكن أن تقال جميعها, وإلا يُقتَصر على بعضها.

وَعَنْهُ أَنَّ اَلنَّبِيَّ r قَالَ: {إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى اَلْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا لَهُ اَلدُّعَاءَ} رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ.

هذا حديثٌ حسن. قوله (فأخلصوا له الدعاء) لأن الصلاة على الميت شفاعة, والإنسان يدعو من أجل أن يُستَجاب له, فإذا لم يخلص في دعائه ولا في شفاعته فحريٌّ ألا يُستَجاب الدعاء ولا تُقبَل الشفاعة, وصلاته حينئذ تكون عبثاً, ولا يترتب عليها الأثر المنوط بها لا بالنسبة للمصلي ولا بالنسبة للمصلى عليه. فإذا أخلص المصلي وأحضر قلبه نفع أخاه بدعائه الذي أخلص فيه, وانتفع هو بهذه الصلاة وترتب عليها أثرها من الأجر الآتي ذكره إن شاء الله تعالى. للمظلوم أن يدعو على الظالم في حياته بقدر مظلمته لقوله تعالى (لا يحب الله الجهر بالسوء إلا من ظُلِم) وإن ترك الدعاء استوفى حقه كاملاً يوم القيامة, وإن أباحه وحلله ضوعف له في الأجر لقوله تعالى (فمن عفا وأصلح فأجره على الله) وفي الحديث (ما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً).
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t عَنِ اَلنَّبِيِّ r قَالَ: {أَسْرِعُوا بِالْجَنَازَةِ, فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ, وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

الأمر في قوله (أسرعوا بالجنازة) يراد منه المبادرة وتقليل الوقت بين خروج الروح وإدخاله القبر, فيُبادَر بتجهيزه والصلاة عليه, ويُسرَع في المشي أيضاً إلى المقبرة. منهم من يفهم أن الإسراع هو مجرد الطريق من المسجد بعد الصلاة عليها إلى دفنها, لكن العلة تتناول جميع ما يحتاجه الميت من خروج روحه إلى إدخاله في قبره. يقول أهل العلم: يسن الإسراع بها دون الخَبَب, يعني دون ما يؤثر على الحامل وعلى المشيع, ولا يعرِّض الميت للسقوط. ولا يقتضي الحديث أن نسرع بالصلاة, لأن إطالة الصلاة من مصلحة الميت ومن مصلحة المصلي. قوله (فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه) لأنها تُقدَّم إلى روضة من رياض الجنة, ولذا جاء في الخبر أنه يقول (قدموني قدموني). وقوله (وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم) لأن التخلص من الأشرار مطلوب أحياءً وأمواتاً, والميت منهم يبادر بدفنه ويستراح منه. وجاء في الخبر أنها تقول (أخروني أخروني) لأنها تقدم على جزاء عملها السيء. قوله (تضعونه عن رقابكم) أي عنكم, وذكر الرقاب لا يقتضي حقيقة الرقبة, لأن بعضهم يستدل بهذا على أن المراد به الإسراع في أثناء حملها, لكنها تُحمَل على المناكب لا على الرقاب, اللهم إلا إذا وُجِد من الحملة الأربعة شخص قصير يريد أن يضعها على رأسه فإنه ممكن. لكن الأصل أنها تُوضَع على المناكب, فالرقبة ليست مقصودة بذاتها, فلا يقال إن المراد بهذا الإسراع بها أثناء حملها, بدليل أنهم يقولون (فلان تحمل في رقبته ديناً) فليس المراد الرقبة على وجه التخصيص, وإنما لأن الأصل أن يوضع القيد في رقبة المدين أو المطلوب عموماً ويُسلَّم لدائنه أو لطالبه فتعدى هذا إلى بقية التصرفات, ولا يراد حقيقة الرقبة. والأمر بالإسراع نقل جمع من أهل العلم الاتفاق على أنه للندب لا للوجوب,
وأوجبه ابن حزم. وإذا كانت الوفاة فجأة وأريد التأكد من ذلك لوجود احتمال فلا شك أن التأخير واجب, ويُذكَر قصص في بعض المستشفيات أنه يُحكَم على الشخص بالموت ويُكتَب تقرير وفاته ويُدخَل الثلاجة ثم بعد ذلك يوجد وهو جالس وقد مات من البرد, فمثل هذا لا يُستَعجل فيه ولا يُكتب التقرير حتى يُجزَم أنه مات. فإذا وُجِد هذا الاحتمال لا تجوز المبادرة والإسراع إلا بعد التأكد, فيجب التثبت في مثل هذا.

وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r {"مَنْ شَهِدَ اَلْجِنَازَةَ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا فَلَهُ قِيرَاطٌ, وَمَنْ شَهِدَهَا حَتَّى تُدْفَنَ فَلَهُ قِيرَاطَانِ". قِيلَ: وَمَا اَلْقِيرَاطَانِ? قَالَ: "مِثْلُ اَلْجَبَلَيْنِ اَلْعَظِيمَيْنِ"} مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِمُسْلِمٍ: {حَتَّى تُوضَعَ فِي اَللَّحْدِ}. وَلِلْبُخَارِيِّ: {مَنْ تَبِعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا, وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا وَيُفْرَغَ مِنْ دَفْنِهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطَيْنِ, كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ}.

قوله (من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط) أي من حضر الجنازة, والمقصود بذلك الصلاة على الجنازة, لأن ما قبل الصلاة وسائل, يعني كون الإنسان يتبعها حتى يصلى عليها هذه وسيلة للصلاة عليها, بدليل أنه جاء في بعض النصوص ترتيب القيراط على الصلاة. ومن حضر الجنازة لكن لم يصل عليها فليس له قيراط, للتصريح بصلاته عليها في النصوص الأخرى, وليس المراد مجرد الشهود, وهذا كما جاء في الحديث الآخر (ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة) فلا يكفي مجرد الشهود, وإنما المقصود فعل الصلاة.
قوله (ومن شهدها حتى تدفن فله قيراطان) يعني من حضرها حتى تدفن, بأن يتبعها ويشيعها من المصلى إلى المقبرة, لأن الاتباع والتشييع له أثر وذُكِر في النصوص الأخرى. فمن صلى عليها ثم تبعها إلى المقبرة ثم شهد الدفن وشارك فيه فله قيراطان. لكن إذا تبعها من المسجد وحال دونه ودونها ما هو خارج عن إرادته فإنه يعد تابعاً لها, لأن هذا الأمر ليس في يده. ولو قال أنا أجلس في المسجد أقرأ جزءاً من القرآن وأصلي الراتبة حتى تنفك الزحمة وأصل معهم, فإنه لم يتبع الجنازة. والقيراطان للصلاة وللدفن, وإن كان بعضهم فهم من اللفظ أنه إذا صلى فله قيراط, وإذا شهد الدفن فله ثلاثة قراريط. قوله (حتى توضع في اللحد) وقبله قال (حتى تدفن) أي حتى توارى بالتراب, وجاء في رواية (حتى يفرغ من دفنها) فعندنا مجرد وضعها في اللحد ولو لم تدفن, كما دلت عليه رواية مسلم, وعندنا أيضاً (حتى تدفن) يعني حتى يُشرَع في دفنها وتوراى بالتراب ولو لم يتم الدفن, وعندنا الرواية الثالثة (حتى يفرغ من دفنها) فالرواية الأولى تقتضي أن القيراط مرتب على مجرد وضعها, والثانية تقتضي أن القيراط مرتب على مواراتها بالتراب ولو لم يفرغ منها, والثالثة تقتضي أن القيراط مرتب على الفراغ من دفنها, ولا شك أن الذي ينتظر حتى يفرغ من دفنها ينال القيراط بيقين, وأما إذا انصرف قبل ذلك فقد دلت بعض الروايات أن له قيراط, لكن الرواية الأخرى تدل على أنه ليس له القيراط, فضلاً عن كونه ينصرف بمجرد وضعها ولا يشارك في دفنها. قوله (من تبع جنازة مسلم إيماناً واحتساباً) يعني إيماناً بالله جل وعلا وتصديقاً وإذعاناً, واحتساباً بالإخلاص في طلب الثواب من الله جل وعلا وبالإحسان على أخيه بالدعاء له وأداء حقه, لا مكافأةً له, لأن كثيراً من الناس يتكلف الحضور إلى الجنازة, ولكن يُحرَم الأجر بسبب قصده, بحيث يكون قصده من الحضور مكافأة أهل الميت على حضورهم جنازة ميتٍ له. قوله (وكان معه حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين) هذا نص مفسر لما تقدم, فيرجع بقيراطين, قيراط للصلاة وقيراط للاتباع والدفن. قوله (كل قيراط مثل أحد) بعض الناس لا يطلب هذا القيراط, بل يسعى في نقص أجره في كل يوم قيراط, فمن اقتنى كلباً إلا ما استثني - ككلب الصيد والزرع والغنم - فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراط, وفي رواية لمسلم قيراطان, فإن كان القيراط المذكور في اقتناء الكلب هو القيراط المذكور في الصلاة على الجنازة واتباعها فالأمر عظيم. القيراط في عرف الناس جزء من أربعة وعشرين جزءاً, ولذا قال بعضهم إن المراد بالقيراط جزء من أربعة وعشرين جزءاً من عمل المصلى عليه, وهذا غريب, ولما أراد تنزيل القيراط على القيراط العرفي احتاج إلى شيء ينسبه إليه, أي هو جزء من أربعة وعشرين جزءاً, لكن من أي شي؟ فما وجد إلا أن يقول (من عمل المصلى عليه) وبناءً على ذلك حث على الحرص على الصلاة على الأخيار, لأن الأخيار هم
أصحاب الأعمال الصالحة الذين تكثر أجورهم. لكن هذا في مقابل ما عندنا من نص صريح لا يُعوَّل عليه, فقد جاء تفسير القيراط في الحديث الصحيح بكونه مثل جبل أحد, وفي رواية أصغرهما مثل جبل أحد. وقد تقدم الحث على الإسراع بالجنازة, في تجهيزها وفي الصلاة عليها وفي المشي بها وفي دفنها, وجاء الحث على حمل الجنازة, واستبق إلى ذلك الصحابة ومن بعدهم من خيار الأمة وحملوا الجنائز, ولذا ينص أهل العلم على أنه يسن التربيع في حملها, بأن يحملها أربعة ويتناوبون الأماكن أو يتناوبون مع غيرهم, ومنهم من حملها بين العمودين, وكل هذا على حسب ما تقتضيه الحاجة, فبعض الأموات ثقيل فيحتاج إلى أربعة, وبعضهم خفيف فيُحمَل بين العمودين من قِبَل اثنين, وعثمان بن عفان رضي الله عنه حمل جنازة أمه بين العمودين, وثبت أيضاً عن غيره من الصحابة, والتربيع أيضاً ثبت.

وَعَنْ سَالِمٍ, عَنْ أَبِيهِ t {أَنَّهُ رَأَى اَلنَّبِيَّ r وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ, يَمْشُونَ أَمَامَ الْجَنَازَةِ} رَوَاهُ اَلْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَأَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ وَطَائِفَةٌ بِالْإِرْسَالِ.

ممن أعله بالإرسال الإمام أحمد رحمه الله, وقال الترمذي: أهل الحديث يرون المرسل أصح. ومنهم من حكم بوصله, والحديث على كل حال مصحح عند جمع من أهل العلم. وهو دليل على أن المشاة يكونون أمام الجنازة, وجاء ما يدل على أن الركبان خلفها, والقول بأن المشاة يمشون أمامها هو قول الأكثر, والحنفية يرون المشي خلفها مطلقاً للمشاة والركبان, ومنهم من قال يتفرقون خلفها وأمامها وعن يمينها وعن شمالها, ليكون أيسر لهم وأسهل, وعلى كل حال الحديث يستدل به من يرى أن المشاة يكونون أمام الجنازة, وهو قول أكثر العلماء, لكن إن كان لا يستطيع اللحوق بهم ومشى خلفها وتبعها فهذا هو مقتضى الاتباع, فمقتضى الاتباع أن يكون خلف الجنازة, لأن التابع يكون خلف المتبوع, والحديث يُنزَّل على من يستطيع السرعة ويمشي أمام الجنازة ليصل قبلها ويهيئ لها ما يُحتَاج إليه, وهذا أفضل, والذي لا يستطيع أن يمشي أمامها وتبعها حصل له الأجر الموعود إن شاء الله تعالى, وهو مقتضى الاتباع
وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ, وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا} مُتَّفَقٌ عَلَيْه ِ.

هذه الصيغة لها حكم الرفع عند الجمهور, لأنه لا يُتَصور أن يقول الصحابي (أُمِرنا) و (نُهِينا) في مسألة شرعية وهو لا يريد بذلك من له الأمر والنهي, وهو النبي عليه الصلاة والسلام, وأبو بكر الإسماعيلي وبعض أهل العلم وهم قلة يرون أن الصحابي لا بد أن يصرح بالآمر, وإلا فهو يحتمل أن يكون غير النبي عليه الصلاة والسلام, ولذا لا يُحكَم له بالرفع. فقولها (نُهِينا) مرفوع على القول الصحيح, وصرحت بالناهي في بعض الروايات, فقالت كما في البخاري (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم) وهذا مرفوع قطعاً, والجمهور على أنه لا فرق بين قولها (نهانا) وقول النبي عليه الصلاة والسلام (لا تتبعوا الجنائز) فلا فرق بين أن ينقل الصحابي اللفظ النبوي أو يعبر عنه, وهما في دلالتهما على التحريم سيان. ويُنقَل عن داود الظاهري وبعض المتكلمين أن قول الصحابي (أمرنا) أو (نهانا) لا يدل على الأمر أو على النهي, لاحتمال أن يسمع كلاماً يظنه أمراً أو نهياً وهو في الحقيقة ليس بأمرٍ ولا نهي, لكن هذا كلام باطل, لأننا بهذا نشكك في نقل الشرع إلينا, لأن الصحابة عايشوا النبي عليه الصلاة والسلام وعرفوا موارده ومصادره مقاصده وهم العرب الأقحاح الذين فهمهم سالم من الشوائب, وإذا لم يعرفوا مدلولات الألفاظ فهل يعرفها من اختلطت ثقافته بثقافات الأمم الأخرى؟!! وهل يعرفها من لم يهتم بالدين كاهتمام الصحابة؟!! كيف نفهم النصوص إذا لم يفهمها الصحابة؟!!.
الأصل في النهي التحريم, وقولها (ولم يُعزَم علينا) صارف للنهي من التحريم إلى الكراهة, وبهذا قال جمع من أهل العلم. لكن الاتباع غير الزيارة, فالزيارة ثبت فيها اللعن, والصلاة على الجنازة مطلوبة من النساء كالرجال, ولها من الأجر مثل ما رُتِّب للرجال, لكنهن منهيات عن الاتباع, وليس فيه أجر, بل هو مكروه عند الجمهور, وأما الزيارة فإنها محرمة.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ t أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ r قَالَ: {إِذَا رَأَيْتُمُ الْجَنَازَةَ فَقُومُوا, فَمَنْ تَبِعَهَا فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى تُوضَعَ} مُتَّفَقٌ عَلَيْه ِ.

قوله (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) يعني إذا مرت بكم, كما جاء في بعض النصوص, والأمر بالقيام للجنازة إذا مرت ثابت, وتشمل جنازة المسلم والكافر, لأن القيام من أجل الموت, والموت له رهبة, ويستوي فيه المسلم والكافر, ومن أجل الذي قبض روح هذا الميت, كما جاء تعليله في بعض النصوص. وجاء أن النبي عليه الصلاة والسلام مرت به جنازة فلم يقم, فمن أهل العلم من يرى أن الترك للقيام ناسخ, فيكون القيام للجنازة منسوخاً, ومنهم من يرى أن القعود وعدم القيام صارف للأمر من الوجوب إلى الاستحباب. ويبقى أن المسلم إذا مرت به جنازة قام, وإذا رأى الجنازة قام ولو لم تمر به, لأن النص بالمرور يحكي حالة, والذي معنا (إذا رأيتم الجنازة فقوموا) وفي كثير من المساجد يُهيأ مكان للصلاة على الجنازة في المسجد ويكون دونها باب مغلق أثناء صلاة الفريضة ثم يُفتَح هذا الباب وهي باقية في مكانها, وحديث الباب يدل على أن من رآها يقوم ولو لم تمر به, لكن ننظر أيضاً إلى عدم القيام ومجرد الترك في آخر الأمر هل هو ناسخ أو صارف؟ وهو محتمل, وكثير من أهل العلم يرى أن القيام منسوخ, ومنهم من يرى أنه صارف, فمن لم يقم لم يأثم, وكأن شيخ الإسلام يرى أنه صارف غير ناسخ. قوله (ومن تبعها فلا يجلس حتى توضع) يحتمل أن يكون الوضع هنا على الأرض, ويحتمل أن يكون الوضع في اللحد, وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه جلس وجلس أصحابه من حوله انتظاراً للدفن, وكان ينكت في عود وحدثهم وهو جالس, فالمرجح أن المراد حتى توضع على الأرض لا في اللحد, وتُنتَظر من جلوس أثناء الدفن. مروان جلس قبل أن توضع ومعه أبو هريرة رضي الله عنه, فجاء أبو سعيد فأخذ بيديه, وهذا إنكار بالفعل, وقال (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الجلوس حتى توضع) وأبو هريرة رضي الله عنه أخذ بالرخصة, وأن هذا هو الأولى, وأنه لا يأثم من جلس قبل ذلك, لكن مخالفة النهي في قوله (فلا يجلس) ليست بالهينة, وأبو سعيد رضي الله عنه عُرِف بمواقفه في الإنكار, وأنكر على مروان وهو على
المنبر, ولما أراد أن يخطب قبل الصلاة أنكر عليه, وأبو هريرة رضي الله عنه ترخص ورأى أن هذا في مثل هذا الموضع يمكن أن يُتجَاوز عنه. في معاملة الكبار هل يُسكَت عن مثل هذا ويجامَل فيه ويدارى فيه تحصيلاً لمصالح أعظم؟ أو تتبع النصوص ويدار معها من غير نظر إلى غيرها؟ لا شك أن الإسلام جاء بتحصيل المصالح ودرء المفاسد, والأصل (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده, فإن لم يستطع فبلسانه) لكن إذا ترتب على مثل هذا الإنكار منكر أعظم منه فلا شك أن الإنكار حينئذ يكون مرجوحاً, وأهل العلم ينصون على هذا.

وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ, أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ t {أَدْخَلَ الْمَيِّتَ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيِ الْقَبْرَ، وَقَالَ: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد.

أبو إسحاق هو السَّبيعي, وعبد الله بن يزيد هو الخطمي, صحابي شهد الحديبية. قوله (من قِبَل رجلي القبر) أي الموضع من القبر الذي توضع فيه الرجلان, وهو من إطلاق الحال وإرادة المحل, والموضع الذي يوضع فيه الرأس من القبر هو رأس القبر. وقول الصحابي (من السنة) له حكم الرفع, والحديث يدل على أن أول ما يُنزَل في القبر الرجلان وما يليهما, وهذا الوضع مناسب جداً, لأن تدلية الرجل من قِبَل رأسه ليس هو الوضع الطبيعي, والإنسان في حياته أول ما يضع رجليه قبل رأسه, ثم يضع رأسه, وحرمة المؤمن بعد موته كحرمته حال حياته, فيُصنَع به كما يصنع في الحياة. هذا ما يدل عليه هذا الحديث, وبه قال الشافعية والحنابلة, ومنهم من قال إن الرأس أفضل فيوضع في القبر قبل, وروى الشافعي عن الثقة مرفوعاً – والثقة عنده إبراهيم بن أبي يحيى كما نص على ذلك أهل العلم وجماهير العلماء على ضعفه – من حديث ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم سلَّ ميْتاً من قِبَل رأسه. وهو أحد قولي الشافعي, والقول الأول هو الذي يؤيده حديث الباب, وهناك قول ثالث وهو لأبي حنيفة وهو أنه يُسَلُّ من قِبَل القبلة معترضاً, بحيث يوضع رأسه ورجلاه في آنٍ واحد, والذي يدل عليه حديث الباب أن الذي الرجلان توضعان في اللحد قبل الرأس, وهذه هي السنة كما قال عبد الله بن يزيد, لكن إذا لم يتيسر ذلك, وخشي
مثلاً من ثقل الميت وأنه لو دُلِّيَت الجهة التي فيها الرجلان قبل جهة الرأس أو العكس أنه يسقط من حامليه لثقله فإنه يُسَل سلاًّ ويُفعَل الأرفق به وبحامله.
مسألة ستر القبر عند إدخال الميت فيه: جاء من حديث ابن عباس عند البيهقي وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام جلل القبر في جنازة سعد, لكنه ضعيف, والصحابة يرون أن يُبسَط رداء إن كان الميت امرأة, بل نزع بعضهم الرداء لما وُضِع على جنازة رجل ورأى أن هذا خاص بالنساء اللاتي هن بحاجة إلى ستر.

طالبة فقه
10-12-25 ||, 02:46 PM
وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, عَنِ النَّبِيِّ r قَالَ: {إِذَا وَضَعْتُمْ مَوْتَاكُمْ فِي الْقُبُورِ, فَقُولُوا: بِسْمِ اللَّهِ, وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اَللَّهِ r} أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ, وَأَبُو دَاوُدَ, وَالنَّسَائِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ, وَأَعَلَّهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِالْوَقْفِ.

هذا الحديث صححه جمع من أهل العلم, وأعله النسائي والدار قطني بالوقف. ورفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيه ما فيه, لكن له شواهد, وإن كانت مفرداتها لا تثبت, فبمجموعها تدل على أن له أصلاً. وجاء أيضاً قوله بعد وضعه في قبره (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى) وهذا الحديث خرَّجه البيهقي مرفوعاً, لكنه ضعيف. فيستحب أن يقال (بسم الله وعلى ملة رسول الله) والذي يعمل بالضعيف في مثل هذا الموطن - وهم الجمهور - وهو في الترغيب يقول بعد ذلك (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارةً أخرى) والذي لا يعمل بالضعيف مطلقاً لا يعمل بمثل هذا.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا; أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ r قَالَ: {كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِهِ حَيًّا} رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِم. وَزَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: {فِي الْإِثْمِ}.

الاعتداء على الميت كالاعتداء على الحي, فالمسلم محترم حياً وميتاً. الذي يكسر العظم في حال الحياة يضمن ويقتص منه وتؤخذ قيمة جنايته, ومقتضى الرواية الأولى أن من كسر رجل الميت مثلاً فإنه تكسر رجله أو تؤخذ ديتها إن لم يمكن الاقتصاص, لكن رواية ابن ماجه تدل على أن كسر عظم الميت ككسر عظم الحي في الإثم لا في الاقتصاص كما في الدنيا, فيختلف الحي عن الميت في أن الحي الجناية عليه توجب الاقتصاص أو الدية, وأما الجناية على الميت فمقتضى الرواية الأولى أنه كالحي, ومقتضى الرواية الثانية أنه لا يقتض منه. لكن إذا عُرِف شخص باعتدائه على الأموات لأن في نفسه شيء على هذا بعينه أو على قبيلة بعينها أو على بلد بعينه فمثله يعزر تعزيراً بليغاً يردعه عن فعله, لأن المسلم محترم. إذا احتيج إلى الكسر لأن القبر صغير والمساحة ضيقة بحيث لا يمكن توسيع القبر أو لأن القبر صلب لا يمكن الزيادة فيه - والمسألة مفترضة في عدم وجود غير هذا القبر الصغير - فإن الميت يثنى ولا يكسر.

وَعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ t قَالَ: {أَلْحَدُوا لِي لَحْدًا, وَانْصِبُوا عَلَى اللَّبِنِ نُصْبًا, كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ r} رَوَاهُ مُسْلِم. وَلِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ جَابِرٍ نَحْوُهُ, وَزَادَ: {وَرُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ} وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان.

اللحد والإلحاد هو الميل, واللحد في القبر الميل به إلى جهة القبلة, بأن يُحفَر في داخل القبر إلى جهة القبلة, فيوضع فيه الميت. وأما الشق فهو مجرد الحفر في الأرض دون ميل إلى جهةٍ بعينها. وكان في المدينة رجل يلحد القبور ورجل لا يلحد, فطُلِب أحدهما فجاء الذي يلحد فحفر للنبي عليه الصلاة والسلام لحداً, هكذا جاء عند أحمد وابن ماجه بإسناد لا بأس به, فدل على جواز الأمرين, وإن كان اللحد أفضل, لأن الله جل وعلا ما كان ليختار لنبيه إلا الأفضل, وجاء في الحديث (اللحد لنا والشق لغيرنا) وعلى كل حال إذا لم يمكن اللحد فالشق لا بأس به, كما لو كانت الأرض رخوة بحيث لو تُعُرِّض لها من أي جهةٍ منها انهارت, لكن إن أمكن اللحد فهو أفضل من الشق. قوله (وانصبوا علي اللبن نصباً) بأن تجعل واقفة مائلة إلى جهة اللحد. قوله (كما صنع برسول الله صلى الله عليه
وسلم) هذه هي السنة. قوله (ورُفِع قبره عن الأرض قدر شبر) صححه ابن حبان, لكنه معلول, وقد جاء النهي عن كون القبور مشرفة يعني مرتفعة, وأوصى النبي عليه الصلاة والسلام علي بن أبي طالب ألا يرى قبراً مشرفاً إلا سواه, لكن يرفع القبر قدر شبر بحيث يتميز ويعرف أنه قبر, وأما أكثر من ذلك فهو إشراف لهذا القبر, وتجب تسويته. فيرفع القبر بقدر ما يعرف أنه قبر, وذلك يتم بكونه قدر شبر, ويكون أيضاً مسنَّماً أي محدَّباً, لأنه إذا كان مسطحاً استقرت عليه المياه وأثرت عليه, وكونه مسنَّماً لا يجعل الماء يستقر عليه.

وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ: {نَهَى رَسُولُ اَللَّهِ r أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ, وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ, وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ}.

تجصيص القبور والبناء بالإسمنت مثلاً أو بالرخام كما يفعل في بعض البلدان أو رفعها وتشييد الأبنية عليها كل هذا من البدع المنهي عنها, وهي من وسائل الغلو في الأشخاص والشرك, وما وقع الشرك الأكبر في الأمة إلا بهذه الوسيلة, نسأل الله السلامة والعافية, وتتابع المسلمون في أقطار الأرض على هذا, وبنوا على القبور ثم شيدوا وبالغوا ورفعوا الأضرحة فوقع الشرك الأكبر في هذه الأمة. وقد سمع الشيخ في موسم الحج أحدهم يقول وهو يطوف بالكعبة (يا فلان - سماه باسمه - جئنا بيتك وقصدنا حرمك نرجوا مغفرتك) نسأل الله السلامة والعافية. وقد سد النبي عليه الصلاة والسلام جميع الذرائع الموصلة إلى الشرك وحمى جناب التوحيد, ولهذا نهى أن يبنى على القبر وأن يجصص. قوله (وأن يُقعَد عليه) لأن القعود عليه إهانة, وفي حديث أبي مرثد الغنوي عند مسلم (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) فالجلوس على القبر حرام. الإمام مالك رحمه الله تعالى يجوِّز الجلوس على القبر فيما يُذكَر عنه, ويحمل ما جاء في ذلك على الجلوس والقعود لقضاء الحاجة, ويُذكَر عن بعض الصحابة أنه كان يتوسد القبر ويضطجع عليه, لكن لم يبلغهم مثل هذا النص قطعاً, وجاء في الحديث (لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وتخلص إلى جلده خير من أن يقعد على قبر).

وَعَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ t {أَنَّ النَّبِيَّ r صَلَّى عَلَى عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ, وَأَتَى الْقَبْرَ, فَحَثَى عَلَيْهِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ, وَهُوَ قَائِمٌ} رَوَاهُ اَلدَّارَقُطْنِيّ ُ.

هذا الحديث ضعيف جداً. والمشاركة في الدفن مطلوبة ورُتِّب عليها الثواب العظيم, لكن الحديث بهذه الصيغة ضعيف لا يثبت, وذكر بعضهم حديث أبي هريرة (من حثا على مسلم احتساباً كُتِب له بكل ثراةٍ حسنة) لكنه أيضاً ضعيف جداً. ودفن الميت فرض كفاية, والمشاركة فيه فيها ثواب عظيم.

وَعَنْ عُثْمَانَ t قَالَ: {كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ r إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اِسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ, فَإِنَّهُ الْآنَ يُسْأَلُ"} رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ, وَصَحَّحَهُ الْحَاكِم.

هذا الحديث مصحح عند أهل العلم, ولا بأس به. قوله (وسلوا له التثبيت) لأنه إذا وضع في قبره وتم دفنه وانصرفوا وسمع قرع نعالهم يأتيه ملكان فيسألانه أسئلة, فيُسأل للمسلم التثبيت وذلك بالإجابة الصحيحة عن هذه الأسئلة. قوله (فإنه الآن يُسأل) من قِبَل الملكين, وجاءت تسميتهما عند ابن حبان والترمذي بأنهما منكر ونكير, والكلام في التسمية معروف عند أهل العلم, لكن هما ملكان جاء وصفهما بالغلظة والشدة. والميت إذا دفن تعاد إليه روحه وإذا أكلته السباع أو حُرِّق وذُرِّي في الهواء فإن الله جل وعلا قادر على إعادته على الكيفية التي يشاءها. والنعيم والعذاب في الدنيا يكون على البدن, وفي البرزخ على الروح, فالروح في البرزخ هي التي تجيب والنعيم والعذاب يقع عليها, وفي الآخرة يكون النعيم والعذاب على الروح والبدن.
وَعَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ أَحَدِ التَّابِعِينَ قَالَ: {كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا سُوِّيَ عَلَى الْمَيِّتِ قَبْرُهُ, وَانْصَرَفَ اَلنَّاسُ عَنْهُ, أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ! قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. ثَلَاثُ مَرَّاتٍ, يَا فُلَانُ!
قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ, وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ, وَنَبِيِّ مُحَمَّدٌ r} رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مَوْقُوفًا. وَلِلطَّبَرَانِيِّ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا مُطَوَّلاً.

التابعي إذا قال (كانوا) فإنه يعني الصحابة. والخبر يدل على أن الميت يلقن في قبره, لكنه خبرٌ ضعيف, لا يشك أهل المعرفة بالحديث أنه لا أصل له, فلا يُعمَل به. وعرفنا أن التلقين الذي جاء في قوله (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله) يكون لمن حضرته الوفاة, ليكون آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله.

وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ الْأَسْلَمِيِّ t قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r {كنت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا} رَوَاهُ مُسْلِم. زَادَ اَلتِّرْمِذِيُّ: {فَإِنَّهَا تُذَكِّرُ الْآخِرَةَ}. زَادَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: {وَتُزَهِّدُ فِي الدُّنْيَا}.

جاء النهي رافع للإباحة الأصلية, ثم رُفِع هذا الرافع, فالنهي عن زيارة القبور منسوخ, والدليل على النسخ يؤخذ من لفظ الحديث. قوله (فزوروها) أمر, وحكمه عند عامة أهل العلم الاستحباب, لوجود العلة والأثر المترتب على الزيارة, وهو قوله (فإنها تذكِّر الآخرة) وفي اللفظ الآخر (وتزهِّد في الدنيا) فالعلة تدل على الاستحباب, وإن كان الأصل في الأمر الوجوب, وقال بعضهم بوجوبها اتباعاً للأمر, لكن العلة تدل على السنية. قد يقول قائل إن هذا أمر بعد حظر, وبعضهم يطلق في الأمر بعد الحظر الإباحة كما في قوله تعالى (إذا حللتم فاصطادوا) وقوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا) لكن المحقق أن الأمر يعود إلى ما كان عليه قبل الحظر, وهنا الأمر لا شك أنه للاستحباب, والعلة تدل على هذا. قال تعالى (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) يعني شغلكم التكاثر في الأموال والأولاد وفي أمور الدنيا حتى حصلت لكم هذه الزيارة حال كونكم أحياء أو حال كونكم أمواتاً, لأن الميت إذا دفن في قبره فهو زائر, ولذا لما سمع الأعرابي قوله تعالى (ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) قال: بُعِث القوم ورب الكعبة. فأخذ من هذه الآية دليلاً على البعث, لأن
الزائر لا بد أن يعود, ولا يمكث في مكانه. ولا شك أن في زيارة القبور الأثر النافع سواء للزائر نفسه بالاعتبار أو للمزور. بعض الناس يزور القبور لكن لا يحصل له الأثر, لما غشى القلوب من الران وغطى عليها من الشبهات والشهوات. وكان الناس إذا مُرَّ بالجنازة في الشارع يتأثرون أسبوعاً, وليس السبب الخوف من الموت, وإنما السبب الخوف مما بعد الموت, والخوف النافع هو الذي يبعث على العمل. ومن أراد أن يستفيد في هذا الباب فليقرأ تفسير القرطبي في سورة (ألهاكم التكاثر) وقد قال إن كثيراً من الناس يزور المقابر لكن بعد مدة يجد الأمر عادياً, فهذا عليه بمشاهدة المحتضرين, لأن مشاهدة المحتضر يبقى لها أثر حتى مع طول المدة, لأنها ليست على لون واحد بل على ألوان, وكل إنسان من المحتضرين له ما يخصه من هذه الألوان, فلا بد أن يجد ما يؤثر فيه. قوله (فزوروها) خطاب للرجال, والنساء يدخلن في عموم خطاب الرجال, وجاء في مريم عليها السلام أنها كانت من القانتين, لكن جاء ما يخص المرأة في حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t {أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ r لَعَنَ زَائِرَاتِ الْقُبُورِ} أَخْرَجَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ, وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّان.

هذا الحديث صحيح بشواهده, وهو يدل على منع النساء من زيارة القبور وإخراجهن من النص العام, وذلك لما جُبِل عليه النساء من التأثر وعدم التحمل. جاء في لفظ (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوَّارات القبور) بصيغة المبالغة, وهذا اللفظ جعل بعض العلماء يحمله على المكثرات من الزيارة, لكن إذا كان العمل بمفرده مباحاً فكيف يُلعَن من كرره؟ وهنا (زائرات) يعني ولو مرة واحدة يصدق عليها أنها زائرة, فمن تزور مرة واحدة يشملها الحديث, ومن تكرر الزيارة يشملها الحديث أيضاً. واللعن دليل على أن الزيارة بالنسبة للمرأة كبيرة من كبائر الذنوب. جاء أن عائشة رضي الله عنها زارت أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر, وهذا بعد وفاته عليه الصلاة والسلام, وقالت فيما أخرجه مسلم: كيف أقول يا رسول الله إذا زرت القبور؟ قال: قولي (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين, يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين, وإنا إن شاء الله بكم
لاحقون) فأخبرها ما تقول, ولم يقل لها إن الزيارة حرام, وهذا يمكن تخريجه على أنه كان قبل اللعن, وأما ما حصل منها بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام من زيارة أخيها عبد الرحمن فهو اجتهاد منها لا يعارَض به المرفوع, ولها اجتهادات لم توافَق عليها.
لو مر إنسان بمقبرة خارج السور فإنه يسلم, ويحمل قول عائشة (كيف أقول إذا زرت القبور) على أنه مجرد مرور, وبعضهم يمنع من السلام بحجة أنه لم يزر ولم يدخل فكيف يسلم قبل الدخول؟!! لكن نقول: السلام قبل الدخول بالنسبة للأحياء مشروع, وكذا السلام على الأموات قبل دخول المقبرة لا مانع منه, ثم إنه لو قلنا إنه لا يسلم إلا بعد الدخول والمار لا يسلم لقلنا انقطع التسليم على النبي عليه الصلاة والسلام, لأنه لا يمكن الدخول عليه, وكان ابن عمر يمر بقبره عليه الصلاة والسلام وقبري صاحبيه من وراء الحجرة ويسلم, وعلى هذا إذا مر بجوار مقبرة قال (السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين, يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون) كما يفعل إذا مر بقبره عليه الصلاة والسلام من وراء ثلاثة جدران ويقول (السلام عليك يا رسول الله, السلام عليك يا أبا بكر, السلام عليك يا عمر). فيلزم من قولنا إنه لا يسلم من خارج المقبرة أنه لا يسلم على النبي عليه الصلاة والسلام, والحاصل الآن ليست الزيارة للقبر وإنما الزيارة للروضة, والقبر دونه ثلاثة جدران لا تمكن زيارته, ووقوف المرأة خارج السور لا يأخذ حكم الزيارة التي تباشر القبور, وعلى كل حال الأمر فيه سعة إن شاء الله تعالى. قوله عليه الصلاة والسلام (بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) خطاب يخاطب به الرجال والنساء, وقد يقول قائل: ما الذي يخص هذه الروضة من العبادات؟ ومنهم من يقول إن قوله (روضة من رياض الجنة) كما يقال (النيل والفرات من أنهار الجنة) ولا يستحب للناس أن يسبحوا في النيل والفرات, وعلى هذا لا يصلى في الروضة ولا يقرأ في الروضة أكثر مما في غيرها, لكن نقول: هذه البقعة يشملها عموم قوله عليه الصلاة والسلام (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا) وتفسير رياض الجنة بحلق الذكر تفسير ببعض الأفراد ولا يقتضي التخصيص, كتفسير الظلم بالشرك وتفسير القوة بالرمي وما أشبه ذلك.
وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ t قَالَ : {لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ r اَلنَّائِحَةَ , وَالْمُسْتَمِعَةَ} أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: {أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اَللَّهِ r أَنْ لَا نَنُوحَ} مُتَّفَقٌ عَلَيْه.

قوله (والمستمعة) لأنها شريكة للنائحة, لكن الحديث ضعيف, ويغني عنه حديث أم عطية, ولا شك أن اللعن أشد من أخذ البيعة على شيء, وإن كانت هذه البيعة مقابل رأس المال وهو الإسلام. والنياحة هي رفع الصوت بذكر محاسن الميت وإظهار الجزع عليه, وحديث أم عطية دل على أنها حرام, وجاءت البراءة من النائحة, وفي الحديث المتفق عليه (ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية) وفيه (أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق) أي من الحالقة والصالقة والشاقة التي تشق الثوب, والمقصود أن مثل هذا حرام, بل من كبائر الذنوب, لكن لا مانع من أن يبكي الإنسان من غير رفع صوت, فالعين تدمع والقلب يحزن, وقد فعله النبي عليه الصلاة والسلام, وهذا رحمة. وإذا صحب البكاء صوت فهو ممنوع.

وَعَنْ عُمَرَ t عَنِ اَلنَّبِيِّ r قَالَ: {اَلْمَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ} مُتَّفَقٌ عَلَيْه. وَلَهُمَا: نَحْوُهُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَة.

الشارح مشى على أن راوي الحديث ابن عمر, وهو ثابت من حديث عمر ومن حديث ابن عمر, وعائشة رضي الله عنها استدركت على عمر وعلى ابنه. قوله (يُعذَّب في قبره بما نيح عليه) يعني يُعذَّب ببكاء أهله عليه, ومفاده أنه يؤاخذ بعمل غيره, فيكون معارضاً بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى). هذا وزر من ناح ومن بكى فكيف يؤاخذ به الميت الذي لم ينح ولم يبك؟!! ولذا عائشة أنكرت هذا الحديث على عمر, وكذلك أنكره أبو هريرة. وأهل العلم لهم أجوبة عن هذا, منهم من يقول إن هذا محمول على ما لو عرف الميت أن من عادة أهله البكاء والنياحة ولم ينههم عن هذا, فيكون عذابه ضريبة
سكوته على هذا المنكر, ولا شك أن سكوته عن قول الحق حينما يجب الإنكار له وزره وعليه إثمه, ومنهم من قال إن الحديث فيمن أوصى بأن يبكى عليه ويناح عليه, والوصية بذلك معروفة عند العرب, يقول قائلهم:
إذا مـِتُّ فـابـكـيـنـي بـمـا أنـا أهـلُـهُ وشُـقِّـي عـليَّ الجـيـب يـا ابنـة مـعـبـدِ
فإذا وُجِد من يوصي فلا شك أنه آثم بوصيته, ومنهم من حمل الحديث على الكفار, وأن المؤمن لا يُعذَّب بذنب غيره, لكن نقول: من عدل الله جل وعلا ألا يعذب أحداً بذنب غيره, لا مسلم ولا كافر. ومنهم من يقول إن معنى التعذيب هنا توبيخ الملائكة, فإذا ذُكِر هذا الميت بحسنة من حسناته أو بفعل من أفعاله قيل له: وهل أنت كذلك؟ لكن العذاب يدل على أن له أثر في المعذَّب, ومنهم من قال إن المراد أنه يتألم في قبره مما يسوءه, فبكاؤهم ونياحتهم لا شك أنها تؤثر فيهم, فهو يتألم من أجل هذا الأثر فيهم, والألم عذاب. والجمهور حملوه على ما إذا أوصى, فيكون إثمه ووزره على فعله, وعلى هذا يتحد الحديث مع الآية.

وَعَنْ أَنَسٍ t قَالَ: {شَهِدْتُ بِنْتًا لِلنَّبِيِّ r تُدْفَنُ, وَرَسُولُ اَللَّهِ r جَالِسٌ عِنْدَ اَلْقَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ} رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ.

جاء في بعض الروايات أن البنت هي أم كلثوم, وقال بعضهم إنها رقية, لكن رده البخاري بأن رقية ماتت ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر, فلم يشهد دفنها. فالمتجه أنها أم كلثوم, وتسميتها لا يتعلق بها حكم, وإنما الحكم متعلق ببكاءه عليه الصلاة والسلام بمجرد دمع العين وحزن القلب, ولا يقال في مثل هذا الظرف إلا ما يرضي الله جل وعلا, كما قال عليه الصلاة والسلام لما مات ابنه إبراهيم (إن القلب ليحزن, وإن العين لتدمع, ولا نقول إلا ما يرضي ربنا, وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون) ولا شك أن الإنسان يؤثر فيه موت قريبه أو عزيز عليه, لكن لله ما أخذ وله ما أعطى, ومثل هذا الموقف من المضايق, فالإنسان يصعب عليه أن يتصرف التصرف الشرعي مثل تصرفه عليه الصلاة والسلام, بأن يحزن القلب وتدمع العين ولا يكون في القلب أدنى اعتراض على قدر الله جل وعلا, لأن حزن القلب ينشأ عنه الاعتراض, سواء كان ملفوظاً به أو غير ملفوظ به, وهذا نظير ما لو باشر الإنسان السبب ولم يلتفت إلى السبب ألبتة, ولذا قال عليه الصلاة والسلام في حديث السبعين الألف (لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون) مع أن هذه أسباب, والمسبِّب هو الله جل وعلا, لكن لا يمكن أن تباشر هذه الأسباب ولا تخدش هذه المباشرة بتوكلك, وليس الكلام مع من يعتمد كلياً على السبب, بل الكلام مع شخص يرى أن المسبِّب هو الله, لكن ألا يقر في قلبه الالتفات إلى السبب لا سيما إذا وجد النفع المباشر من العلاج مثلاً؟ النبي عليه الصلاة والسلام باشر الأسباب, لكن لا يتصور بحال أنه التفت إلى شيء من هذه الأسباب, بل علاقته مع المسبِّب. وهنا لا يتصور أنه عليه الصلاة والسلام اعترض على القدر بحال, وبعض الناس يقول إن الرضا بالقدر هو أن يكون رضاك بما قدر الله جل وعلا أفضل من رضاك بعدمه, يعني إذا مات لك ولد يكون في قلبك ارتياح لموت هذا الولد أكثر من بقاءه, وهذا صعب بالنظر إلى حال كثير من الناس, ولذا الحريص على الرضا بالقدر لما صَعُب عليه الأمر وضاق في نظره التوفيق لما مات ولده ضحك, ليحقق تمام الرضا بالقدر, لأنه يقول: لا يمكن أن يحزن القلب وتدمع العين ولا أعترض على القدر. لكن هذا خلاف السنة. والمصائب مكفرة للذنوب, ويشترط جل أهل العلم لتكفيرها أن يصبر ويحتسب, ومنهم من يقول إن الأجر المرتب على المصيبة إنما هو على المصيبة ولو لم يصبر, وأجر الصبر قدر زائد على أجر المصيبة, وفضل الله واسع.

وَعَنْ جَابِرٍ t أَنَّ اَلنَّبِيَّ r قَالَ: {لَا تَدْفِنُوا مَوْتَاكُمْ بِاللَّيْلِ إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا} أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَه. وَأَصْلُهُ فِي "مُسْلِمٍ", لَكِنْ قَالَ: زَجَرَ أَنْ يُقْبَرَ اَلرَّجُلُ بِاللَّيْلِ, حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهِ.

الحديث الذي أخرجه ابن ماجه صحيح إن شاء الله تعالى. قوله (لا تدفنوا موتاكم بالليل) لأن الدفن في الليل سبب للتقصير في حق الميت, كما دلت على ذلك النصوص الأخرى,
لأن الصلاة عليه بالليل تحول دون الصلاة عليه من قِبَل كثير من الناس, فيقل من يصلي عليه ويقل من يشيعه, وقد لا يكفن في كفن مناسب, ولذا زجر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه, فالزجر سببه عدم الصلاة عليه لا قبره بالليل, لقوله (حتى يصلي عليه) لأنه قد يُذكَر النهي عن الشيء في حالٍ معينة أو يُطلَب الشيء في حالٍ معينة فلا يسري على بقية الأحوال, فقول يوسف عليه السلام (توفني مسلماً) المراد به طلب الوفاة على الإسلام وليس المراد به طلب الوفاة, وهنا زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى عليه, أي إلى هذه الغاية, فإذا صلي عليه جاز الدفن بالليل, وجوازه يدل عليه أدلة كثيرة, فأبو بكر رضي الله عنه دفن ليلاً, وعلي رضي الله عنه دفن فاطمة ليلاً, وفعل الصحابة يدل على هذا. وفي الترمذي من حديث ابن عباس (أن النبي عليه الصلاة والسلام دخل قبراً ليلاً فأُسرِج له سراج فأخذه من قِبَل القبلة) الحديث. فالدفن بالليل لا بأس به, وإن كان الدفن بالنهار أفضل, والزجر إنما هو في حق من دُفِن بالليل مع التقصير في حقه. والليل كان إلى وقت قريب عائق عن تحصيل كثير من الأمور. جاء في حديث عقبة بن عامر (ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع, وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس, وحين تتضيف الشمس للغروب حتى تغرب) فهذه الأوقات المضيقة لا يصلى فيها, لا على جنازة ولا على غيرها, ولا يُدفَن فيها الميت, بل يُنتَظر حتى يخرج وقت النهي, ولو أعاد المؤلف هذا الحديث أو أشار إليه هنا لكان أولى, ليذكِّر به.
فائدة: رجح الشيخ ابن باز رحمه الله ضبط (حتى يصلي عليه) بكسر اللام, وذكر أن هذا ضبط ابن حجر, واستدل بحديث عند النسائي (لا يموتن فيكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به, فإن صلاتي عليه له رحمة). فالضمير في قوله (حتى يصلي عليه) يعود إلى النبي عليه الصلاة والسلام. قال الشيخ عبد الكريم حفظه الله: هذا متجه.

وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: {لَمَّا جَاءَ نَعْيُ جَعْفَرٍ - حِينَ قُتِلَ- قَالَ اَلنَّبِيُّ r "اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا, فَقَدْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ"} أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ, إِلَّا النَّسَائِيّ.
هذا الحديث حديث حسن, بل قال الترمذي: حديث حسن صحيح. قوله (لما جاء نعي جعفر) حينما قُتِل بمؤتة مع صاحبيه, ولما شُغِل أهله بخبر وفاته وذُهِلوا به لم يكن عندهم من الفراغ ما يمكِّنهم من صنع الطعام, ولذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام بصنع الطعام لهم, فصنع الطعام لأهل الميت سنة, وهذا أقل أحواله, لكن يُصنَع لهم بقدر الحاجة, وإذا كان أكثر من قدر الحاجة فقد جاء أن الاجتماع وصنع الطعام كان يعد من النياحة. ومعلوم أن الناس قد تعارفوا بينهم – سواء في الضيافات أو في غيرها – أن الطعام لا بد أن يُزَاد فيه ويُحسَب للنوائب حسابها, فلا يحسن بمن أراد أن يصنع لهم طعاماً أن يسألهم عن عددهم لكي يصنع لهم طعاماً بعددهم, بل يقدِّر ويصنع طعاماً يكفيهم ويكفي أقاربهم وضيوفهم, وهذا لا بأس به. ويكره أهل العلم كثرة الكلام في أمور الدنيا والضحك وتبادل النكت والطرائف أثناء حزن بعض الناس, كما أنه يستحب أن يُرَى أن في الدين فسحة في أيام الأعياد والأعراس وما أشبهها, لكن بالتوسط في هذا وفي هذا, ولا بد من مراعاة الآداب الشرعية في البابين. والمنع بالكلية من صنع الطعام مخالف لهذا الحديث, والتوسع الغير مرضي في الظروف العادية أولى بالمنع في هذا الظرف.

وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ r يُعَلِّمُهُمْ إِذَا خَرَجُوا إِلَى اَلمَقَابِرِ: {اَلسَّلَامُ عَلَى أَهْلِ اَلدِّيَارِ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ, وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اَللَّهُ بِكُمْ لَلَاحِقُونَ, أَسْأَلُ اَللَّهَ لَنَا وَلَكُمُ الْعَافِيَةَ} رَوَاهُ مُسْلِم.

السلام على الميت جاء بالتعريف, وأما بالنسبة للسلام على الحي فأنت مخير, إن شئت فعرِّف وإن شئت فنكِّر, ولذا يقول أهل العلم: ويخيَّر في تعريفه وتنكيره في سلامٍ على الحي. مفاده أن السلام على الميت يعرَّف ولا ينكَّر, لأن النصوص كلها جاءت بالتعريف, وأما بالنسبة للسلام على الحي فقد جاءت النصوص بهذا وهذا. قوله (السلام على أهل
الديار) المقبرة دار مسكونة معمورة بأهلها. والمشيئة في الحديث لا تفيد شكاً في اللحاق بالأموات, وإنما هي للتبرك. ومن فوائد زيارة القبور أن ينتفع الميت بالسلام والدعاء له.

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: {مَرَّ رَسُولُ اَللَّهِ r بِقُبُورِ اَلْمَدِينَةِ, فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "اَلسَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ اَلْقُبُورِ, يَغْفِرُ اَللَّهُ لَنَا وَلَكُمْ, أَنْتُمْ سَلَفُنَا وَنَحْنُ بِالْأَثَرِ"} رَوَاهُ اَلتِّرْمِذِيُّ, وَقَالَ: حَسَن.

هذا الحديث فيه ضعف, لكن لعل الترمذي حسنه بشواهده. والميت ينتفع بالدعاء إجماعاً, وينتفع بالصدقة بلا خلاف, وينتفع بالحج والعمرة, فقد جاء في الحديث (حج عن أبيك واعتمر) فهذه أمور تقبل النيابة, والخلاف في مسألة إهداء الثواب للأموات وللأحياء مسألة معروفة عند العلماء, فمهم من يرى الاقتصار على ما ورد من هذه الأمور المذكورة, ويجعل ما عداها على خلاف الأصل, ومنهم من يقول أي قربة فعلها ثم أهدى ثوابها لحي أو ميت وصله, ويدخل في ذلك الصلاة والصيام وقراءة القرآن. قال الشيخ عبد الكريم حفظه الله: الاقتصار على الوارد هو الأصل, فليقتصر عليه وعلى ما في معناه.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ r {لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَاتَ, فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا} رَوَاهُ اَلْبُخَارِيّ. وَرَوَى اَلتِّرْمِذِيُّ عَنِ اَلمُغِيرَةِ نَحْوَهُ, لَكِنْ قَالَ: {فَتُؤْذُوا الْأَحْيَاءَ}.

السب يكون بالشتم وإظهار المساوئ وكشف الإسرار. قوله (لا تسبوا الأموات) الأموات جنس, عند بعض أهل العلم يشمل المسلمين والكفار. فلا يُسَب الميت لأنه قد أفضى إلى ما قدم, وسوف يواجه حكماً عدلاً لا يظلمه فيجازيه على حسناته ويعاقبه على سيئاته, فالسب لا نتيجة له ولا فائدة منه, لكن إذا ترتب عليه مصلحة ولم يُقصَد السب وإنما قُصِد النصيحة فلا بأس به, وهذا يظهر جلياً في جرح الرواة, فقولنا (فلان كذاب) يعد سباً له, لكن يترتب على هذا التصحيح والتضعيف, وصيانة الدين مقدمة على حرمات الأشخاص, فكوننا ننهى عن سب الأموات لا يعني أننا لا نحذِّر من هذا الكذاب أو الضعيف أو المبتدع الذي يُخشَى من ضرر بدعته. فالنهي عن سب الأموات مثل النهي عن سب الأحياء, ولا تجوز بحال غيبة الأحياء, إلا إذا ترتب عليها مصلحة أعظم مصلحة منها. والله جل وعلا حكى ما حكى عن الأمم السابقة وذكر كفرهم وجرائمهم وتكذيبهم للأنبياء وقتلهم لهم, وهم أفضوا إلى ما قدموا, لكن ذكر الله ذلك لما يترتب عليه من المصلحة الراجحة, لأنه كما قال عمر وغيره (مضى القوم ولم يُرَد به سوانا) وقال تعالى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب) وجاء ذكر الجنازة التي مرت بهم فأثنوا عليها شراً فلم ينكر النبي عليه الصلاة والسلام عليهم, بل أقرهم على ذلك وقال (وجبت) يعني النار, وجاء في ذكره أنه كان فظاً غليظاً, فإما أن يقال إن هذا كان قبل النهي, أو يقال إن مثل هذا شره ظاهر ولا يستتر به ولا يخفيه, وما كان مما يظهره الإنسان ويخشى من تعديه إلى غيره ويقتدى به فيه يُحذَّر منه. قوله (فتؤذوا الأحياء) يعني هذا الميت الذي ارتكب ما ارتكب مما يبرر سبه يتأذى بهذا السب, كما أن قريبه الحي يتأذى بذلك أيضاً, ولا شك أن الإنسان لا يرضى أن يذكَر قريبه بما يسوؤه فيتأذى بذلك, وأذية المؤمنين أحياء وأمواتاً محرمة, فمثل هذا المؤذي يُمنَع في حق الحي والميت لا سيما المسلم, وأما الكافر فمحل خلاف, ولا أعظم من وصفه بالكفر, لا سيما إذا كان ممن يستريح منه المسلمون. من الأذية للميت القعود على قبره والمشي عليه, وجاء في الحديث الصحيح (لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) وجاء في حديث أبي مرثد (لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها) فالجلوس على القبور محرم, وجاء عن علي رضي الله عنه أنه كان يضطجع على القبر ويجلس عليه, ومثله جاء عن ابن عمر, ولعل النهي لم يبلغهما, ولذا قال مالك إن القعود على القبر بالنسبة للجلوس العادي لا شيء فيه, وحمل ما جاء من النهي عنه على القعود لقضاء الحاجة, لكنه تأويل مستكره بعيد جداً, لأنه من الامتهان أن يوطأ القبر, وقد نهي عن المشي في النعال بين القبور لا على القبور, فكيف
بالقعود؟!! وهذا لا يقدح في الإمام مالك, فهو إمام دار الهجرة ونجم السنن.

طالبة فقه
10-12-25 ||, 02:52 PM
فوائد مأخوذةٌ من الأسئلة:
· قصر الأمل المطلوب إنما هو في أمور الدنيا, والمذموم منه ما يبعث على ترك العمل والتواني فيه والتراخي. وكونه ينوي نية الخير ولو طال أملها ليس بمذموم.
· قبل خروج الروح يموت المؤمن بعرق الجبين لكن إذا وصل إلى مرحلة خروج الروح تخرج روحه كما تخرج القطرة من في السقاء بخلاف روح الكافر.
· حديث (من غسَّل ميتاً فليغتسل, ومن حمله فليتوضأ) ضعيف.
· سؤال: هل العقل في القلب أم في الدماغ؟
لا شك أن العقل هو مناط التكليف, وفيه حديث (رفع القلم عن ثلاثة) وذكر منهم (والمجنون حتى يفيق), وخطابات الشرع كلها موجهة إلى القلب, والصلاح والفساد معلق بالقلب, فدل على أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين القلب والعقل, فجل أهل العلم يقولون إن العقل محله القلب, وعند الأطباء العقل محله الدماغ, ويستدلون على ذلك بأمور حسية, وأنه يمكن أن يغير القلب المحسوس الذي هو المضغة في الجسد ولا يتغير شيء من حال الشخص, وإذا تأثر دماغه تأثر عقله, وقول الإمام أحمد فيه جمع بين هذه الأقوال ونظر إلى ما جاء في النصوص وإلى ما يشهد به الواقع, فيقول إن العقل محله القلب وله اتصال بالدماغ.
· سؤال: إذا مات الشخص وعليه دين, ثم قام أحد أبنائه وقال (من كان له دين فهو في ذمتي حتى أقضي عنه) فهل تبرأ ذمة الميت؟
نعم تبرأ ذمة الميت, لكنها براءة مؤقتة إلى أن يقضى هذا الدين, ولذا استمر النبي عليه الصلاة والسلام يسأل (ما فعل الديناران) ولما قضيت قيل (الآن بردت جلدته).
· أهل العلم ينصون على أن زكاة الفطر تتبع البدن, فيخرجها الإنسان عن نفسه في مكان إقامته الذي فيه بدنه, وجمع من أهل التحقيق لا يرون مانعاً أن يخرجها الأب عن ولده المسافر, لكن إن أخرجها الولد المسافر عن نفسه فهو أحوط.
· السائمة التي لم تعد للتجارة زكاتها زكاة بهيمة الأنعام, وكونه ينوي أنه إن جاءه فيها سعر مغري باعها وإلا لم يبعها فهذه النية لا تكفي لأن تكون من عروض التجارة.
· لا يجوز كشف وجه الميت عند إنزاله في القبر إلا إذا كان محرِماً.
· لفظة (الموت) في حديث (أكثروا ذكر هاذم اللذات: الموت) الذي يظهر أنها من الحديث, لأن الهاذم للذات والقاطع لها أعم من أن يكون الموت أو غيره, فلا يختص هاذم اللذات بالموت, بل المرض يقطع اللذات, والهم يقطع اللذات, فجاء الحديث لتعيين القاطع الحقيقي, وليست دلالة (هاذم اللذات) على الموت لغوية بحيث يعرفها الصحابة فيكتفى بقوله (أكثروا ذكر هاذم اللذات).
· سؤال: ما رأيكم فيمن يقول إن التلقين يكون بعد الموت أي في القبر, والدليل أن الميت يسمع قرع النعال؟
كون الميت يسمع قرع النعال لا دلالة فيه على أنه يسمع غيره.
· سؤال: ذكر شيخ الإسلام في الفتاوى أن ابن عمر أوصى بأن يقرأ عليه عند دفنه فواتح سورة البقرة وخواتيمها, وكذلك أُثِر عن بعض الصحابة, فهل يُنكَر على من يوصي بذلك أو يقرأ فواتح سورة البقرة وخواتيمها عند دفن الموتى, والإمام أحمد يرى الأخذ بفعل الصحابي ما لم يخالَف؟
لم يثبت ذلك في المرفوع, إلا ما يفهم من قوله (اقرؤوا على موتاكم) و (لقنوا موتاكم) مع أنه يمكن تخريج ذلك على وجه يصح دون معارضة للنصوص, ولم يفعله من هو أفضل من ابن عمر, فينكر على من فعل ذلك, وإلا لقيل لمن يرى ذلك (لك أن تدخل الماء في عينيك حتى يكف بصرك اقتداءً بابن عمر, وهو صحابي مؤتسي من خيار الأمة) لكن في الأمة من هو خير منه, رضي الله عن الجميع.
· لا يجوز للابن أن يغسِّل أمه إذا ماتت, ولا يجوز للأب أن يغسِّل ابنته إذا كان لها أكثر من سبع, وليس للأم أن تغسِّل ابنها, فالتفاوت بين الجنسين إنما هو بين الزوجين.
· سؤال: إذا أسلم الكافر فهل نلزمه بدفع الزكاة, أم أنه يطالب بها إذا حال الحول من إسلامه؟
إذا كان الإمام قد تمكن من قتله وإذا طلبت منه الزكاة فوراً لا يكون عنده تردد في الإسلام ولا يؤثر ذلك عليه فالأصل أنها وجبت عليه من قبل وحال عليها الحول, فتُطلَب فوراً, لكن إن كان في تأجيلها ترغيب له في الإسلام فالأمر فيه سعة إن شاء الله تعالى.
· سؤال: ما حكم تعليق الفضة على الجدران كمنظر تراثي, وهل عليه زكاة؟
هذا يدخل في باب الإسراف والتبذير, وعليه الزكاة إذا بلغ النصاب.
· لا يحتاج إلى تقديم الثناء على الله والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم بين يدي الدعاء في السجود.
· قصة ماعز الأسلمي غير قصة الغامدية.
· اعتراف طرف بالزنا لا يلزم منه إقامة الحد على الطرف الآخر. ولذلك لما اعترف ماعز ما سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن المزني بها, فاعتراف طرف لا يؤثر على الآخر.
· سؤال: هل يجوز الاتفاق مع العمال بتأجيرهم ورشة مثلاً وهم تحت كفالته؟
إذا أمنت لهم ما تطلبه الورشة ثم أجرتها عليهم فالأجرة جائزة, وهم من أهلها, لكن إذا كانت الأنظمة لا تجيز ذلك وكان في هذا تحايل على الاكتساب من غير جهد فهذا قد يُمنَع إذا كان مجرد حيلة, يعني بدلاً من أن تأتي بالعمال وتسرِّحهم في الأسواق وتأخذ عليهم الأموال بدون مقابل تؤجر عليهم محلاً بأجرة المقصود منها الحيلة للوصول إلى المال, كأن تستأجر محلاً بعشرة آلاف مثلاً وتقول بدلاً من أن تدفعوا لي كل شهر ألف أؤجركم المحل بعشرين ألف, وهذه حيلة ظاهرة.
· ترك إمامة المسجد بحجة الخوف من العجب بالنفس بسبب حسن الصوت وإتقان التجويد ليس بعلاج, بل على المرء أن يعالج مرض القلب, والترك ليس بعلاج, وإلا هذا التخوف يعرِض لجميع العبادات.
· سؤال: يوجد لدينا في العمل مصلى, وأحياناً نرابط يوم الجمعة فهل نصليها جمعة أم نصليها ظهراً؟
إذا كان المسجد مسجد جمعة ورُخِّص له في ذلك وجاءت الفتوى بإقامة الجمعة فيه صلوا فيه الجمعة وإلا فلا.
· التصوير حرام, واقتناء جوال الكاميرا يعين على ارتكاب المحرم ويسهله, فالأولى تركه, لكن مجرد الاقتناء لا للتصوير أو لتصوير أشياء ليست من ذوات الأرواح, إذا كان يضمن أن هذا الجوال لا يقع في يد غيره فالأمر فيه سهل إن شاء الله تعالى.
· سؤال: هل يجوز إتمام الأذكار في المقبرة؟
إن كان يتصور أن للذكر في هذه البقعة فضل لوجود الأخيار والصالحين والأولياء فهذا لا يجوز بحال, وإن كان لا يتصور هذا وأراد إتمامه لئلا يفوت وقته فالأمر إن شاء الله أخف, لكن عندي أن الأعمال التي هي من خصائص المسجد من العبادات لا تفعل في المقبرة تشبيهاً لها بالمسجد.
· الأولى ألا تسلك مسالك التمثيل والمسرحيات في باب الدعوة, لأن هناك وسائل شرعية للدعوة جاءت في نصوص الكتاب والسنة وفعلها سلف هذه الأمة وخيارها, والتمثيل والمسرحيات أمور حادثة وطارئة, نعم هي وسائل, لكن يبقى أنها تزاول في عبادة, فتتقى بقدر الإمكان. من أهل العلم من أجازها وأباحها, وإن كان فيها شوب الكذب, لكن المصلحة راجحة عندهم, والذي عندي أنها لا تفعل, بل تسلك الوسائل الشرعية.
ليس هناك أفضل من نخبة الفكر مع شروحها المقروءة والمسموعة بالنسبة للمبتدئين في دراسة علم مصطلح الحديث, وللمتوسطين اختصار علوم الحديث للحافظ ابن
· كثير, مع ما كُتِب عليه, وللمتقدمين ألفية العراقي مع شروحها, ثم العمل, لأن هذا العلم عملي أكثر منه نظري.
· سنن أبي داود له شروح كثيرة, منها شرح ابن رسلان ولم يُطبَع إلى الآن, ومنها شرح العيني والموجود منه مطبوع, ومنها شرح للخطابي (معالم السنن) وهو أقدم هذه الشروح, وهو شرحٌ على اختصاره الشديد نفيس لا يستغني عنه طالب علم, فإذا قرئ هذا الشرح مع تهذيب ابن القيم استفاد الطالب فائدة كبيرة, وعون المعبود أيضاً كتاب طيب ويدور مع الدليل,وبذل المجهود أيضاً فيه فائدة, لكنه على طريقة الحنفية.
· الصلاة الأولى على الميت في المسجد أفضل من الصلاة عليه في المقبرة.
· إذا اجتمع رجل وامرأة فإنا نجعل رأس الرجل بحذاء وسط المرأة.
· الأصل أن التقبيل يكون قبل التكفين, وأما بعد التكفين فلا يتعرض له بشيء, وإن قبله من وراء الكفن فلا بأس.
· الشخص الواحد يصلي على الميت مرة واحدة لا مرتين, لكن تعدد الصلوات لأشخاص لم يصلوا عليه لا بأس به.
· الأصل أن أقارب الميت يدفنون ميتهم ثم ينصرفون, وجعل مجلسٍ في المقبرة مخصص لتقبل التعازي من قِبَل أقارب الميت أمرٌ حادث.
· أفضل تحقيق للألفية كان في الطبعة الهندية بتحقيق علي حسين علي.
· ليس كل شخص يقدر على إنزال الميت في القبر, فإن كان الابن يقدر على إنزال أبيه في القبر فهو أولى الناس به, وبعض الناس لا يستطيع ذلك, فلا يكلف ما لا يستطيع.
· سؤال: قوله عليه الصلاة والسلام (وأهلاً خيراً من أهله) ألا يدل على أن المؤمن لا يجتمع مع زوجته المؤمنة في الجنة؟
ثبت أن المرأة تتبع زوجها في الجنة, إذا كانت من أهلها, لكن يبدل خيراً منها من الحور العين معها.
· يرى بعض الصحابة أنه تقرأ سورة بعد الفاتحة في صلاة الجنازة, والأكثر على قراءة الفاتحة فقط.
· الذين يجيزون الصلاة على الغائب وهم الأكثر لم يشترطوا أن يكون الميت في جهة القبلة, ولا أعرف هذا الشرط إلا عن ابن حبان.
· النبي عليه الصلاة والسلام صلى على البراء بن معرور بعد دفنه بشهر, وبعضهم رأى أنه لا يوجد ضابط إلا هذا, منعاً للاسترسال, بحيث كلما دخل الإنسان بلداً ذهب إلى المقبرة وصلى على الأموات, وهذا لم يُفعَل أبداً. وليس هناك ما يدل على المدة إلا هذا الحديث, مع أن مجرد الفعل لا يدل على التحديد. والمقصود أنه إذا كان له عليه حق أو له في الإسلام أثر فهو كالصلاة على الغائب, فإذا حضر إلى البلد فإنه يصلي عليه متى بلغه الأمر, كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام بالمرأة التي كانت تقم المسجد.
· أفضل طبعات صحيح مسلم الطبعة العامرة التركية ذات الثمانية أجزاء, وطبعة محمد فؤاد عبد الباقي جيدة, مخدومة ومرقمة وصحيحة في الجملة, وهي مأخوذة من العامرة.
· يشترط لصحة الخطبة أن يتقدمها خطبتان, فإذا سها الإمام يوم الجمعة فلم يخطب إلا خطبة واحدة ولم يذكِّره أحد فإنهم يعيدون الصلاة, وإذا خرج الوقت أعادوها ظهراً.
· إذا دعا الإمام في الخطبة فإن المأموم يؤمِّن سراً بينه وبين نفسه.
· يجوز كون سجود السهو قبل السلام أو بعده, والخلاف إنما هو في الأفضل.
الصلاة على المقتول في حد ترجع إلى اجتهاد الإمام, فإذا رأى الإمام أن هذا قد تاب توبة محت أثر الذنب فلا مانع من أن يصلي عليه, لكن إذا رأى أن الصلاة
· عليه قد تكون مبرراً ومسهلاً عند بعض الناس لما ارتكبه من ذنب فإنه لا يصلي عليه, فالمسألة مسألة مصلحة شرعية.
· الشهيد حي في قبره, ومقتضى ذلك أنه لا تأكله الأرض.
· إذا رأى أهل الميت أن يصلى عليه في مسجد أبعد من مسجدهم لكي يكثر الجمع فلا بأس, لأن هذا مقصد شرعي. واتخاذ مسجد من أجل أن يقصده الناس بهذه النية لا بأس به, لكن على ألا يحرم الناس في بقية المساجد من هذا الفضل العظيم.
· سؤال: يستخدم في هذه المنطقة بدل اللبن لوح من البلك؟
هذا يحتاج إلى اطلاع عليه, وإذا كان اللبن لا يثبت لرخاوة الأرض فإنه يوضع مكانه ما يثبت.
· سؤال: في مصر بعض الأراضي طينية والماء فيها قريب جداً فتبنى القبور من الأحجار والإسمنت مرتفعة يوضع فيها الموتى فما حكم هذا العمل؟
البناء لا يجوز, واستخدم الآجر والإسمنت لا يجوز, وعلى كل حال إذا كانت الأرض طينية والماء قريب فإنه يوضع على سطح الأرض ويوضع عليه من التراب ما يعادل قبر, ولو ارتفع هذا التراب, بحيث إذا دفن بجانبه آخر وسُوِّي ما بينهما مما يحتاج إليه القبر يكون الارتفاع بمقدار شبر, يعني بقدر الحاجة.
· الصلاة على القبر لا تتقيد بزمان, لكن إذا طالت المدة صار كغيره.
· إذا استسقى الخطيب يوم الجمعة ولم يرفع يديه فإن المأموم يتابعه ولا يرفع يديه
· الميت لا يرى من يغسِّله ومن يشيعه لأن روحه فارقت جسده.
· إذا وقع طواف الإفاضة بعد دخول وقته أي بعد مضي أكثر الليل من ليلة النحر - عند الجمهور - وقبل الذهاب إلى مزدلفة للمبيت فيها فإن الطواف صحيح, ويكون المبيت بمزدلفة قد فات بتفريطه, ويلزمه بسبب ذلك دم, والرجوع إلى مزدلفة للمبيت فيها لا يجزئ, لأنه تمكن من الوقوف فلم يقف. وإن وقع الطواف قبل دخول وقته فليس بصحيح.
· القول بلزوم الدم لمن تجاوز الميقات دون إحرام هو قول عامة أهل العلم, وهو قول وسط بين قولي سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير, فابن المسيب يقول لا شيء عليه, وابن جبير يقول لا حج له.
· لا يقُطَع تتابع الطواف من أجل الأذان, لكن قطع التتابع من أجل الإقامة وصلى مع الناس ثم أكمل من حيث وقف فإنه يكفيه إن شاء الله تعالى, وإن استأنف من بداية الشوط فهو أحوط, والسعي مثل الطواف.
· إذا ولغ الكلب في غير الإناء فحكمه حكم الإناء في الغسل.
· أثناء بروز حروف القرآن على شاشة الجوال فلا شك أنه قرآن لا يجوز الدخول به إلى دورات المياه, لكن لو لم يكن القرآن على الشاشة فلا بأس. وهذا إذا كان في الشاشة قرآن متتابع برسم القرآن, وإذا كان برسم آخر ولا يمس الشاشة بل من الطرف أو من أسفل الجوال فلا شيء فيه إن شاء الله تعالى.
· يستشكل بعض الناس وجود القرآن كاملاً على هيئته وصورته في المصحف لكن معه تفسير, فإذا كان قرآن وبهامشه تفسير فله حكم القرآن, وهذا إذا كان القرآن أكثر من التفسير, وأما إذا كان تفسير ومعه قرآن كما لو طبع تفسير ابن سعدي أو تفسير ابن كثير ومعه القرآن فالحكم للتفسير, لأن التفسير أكثر من القرآن فيه.
· إذا كان الأذان المستخدم في نغمة الجوال ليس الأذان الشرعي الكامل فالأمر فيه سعة, وأما وضع الأذان الكامل فلا.
· لا يجوز لبس النعال في المقبرة, اللهم إلا إذا كان هناك ضرورة من حر شديد أو شوك أو ما أشبه ذلك بحيث لا يتمكن من المشي إلا بها.
· إذا استتر وأمن الرشاش جاز له أن يبول قائماً, وقد ثبت ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام عند السبعة من حديث حذيفة, وهو أنه انتهى إلى سباطة قوم فبال قائماً.
النبي عليه الصلاة والسلام لما سقط عن فرسه وجُحِش شقه أي جُرِح صلى جالساً, فقاموا خلفه فأومأ إليهم أن اجلسوا, وذكر العلة وهي قوله (كدتم تشبهوا
· فارس والروم) وفي الحديث (وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعين) أو (أجمعون) وهذا يستدل به الحنابلة على أن إمام الحي إذا ابتدأ الصلاة جالساً لعلة يرجى برؤها فالمأموم يلزمه الجلوس. وفي آخر صلاةٍ صلاها في مرض موته جاء إليهم وهم يصلون وإمامهم أبو بكر فجلس عن يساره, أبو بكر يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام وهم يقتدون بأبي بكر, فصلى جالساً وهم صلوا من قيام, ولا ترد مثل هذه الصورة على الحنابلة, لأن الصلاة افتتحت من قيام, والعلة لا يرجى برؤها, لكن لا مانع من ترجيح القول بأن الحديث الأول منسوخ بفعله عليه الصلاة والسلام في آخر الأمر, كما يقول الحنفية والشافعية, وقول الحنابلة له قوة, لأن العلة التي ذكرت في الحديث - وهي منصوصة - لا زالت قائمة, وهي مشابهة فارس والروم, وإذا قيل بالقيود التي ذكرها الحنابلة صار لقولهم وجه, وإذا قيل بالنسخ فالنسخ باب معروف من أبواب الدين وهو رفع للحكم, وتبقى المسألة مع عدم المعارضة لحديث عمران بن حصين (صل قائماً, فإن لم تستطع فجالساً) فقيد الحكم بعدم الاستطاعة, فقول الحنفية والشافعية أيضاً له وجه, وقول المالكية هو أن إمامة القاعد لا تصح مطلقاً, ويستدلون بحديث (لا يؤمن أحد بعدي جالساً) لكنه ضعيف جداً, فلا يُعتَمد عليه. ولا شك أن القيام ركن من أركان الصلاة, والمحافظة عليه أولى من المحافظة على بقاء العلة. وقول الحنابلة وقول الحنفية والشافعية كلاهما عندي له وجه قوي جداً, لكن ميلي إلى قول الحنفية والشافعية.
· سؤال: ما الجمع بين قول ابن عباس في التعوذ من مضلات الفتن (فإن من الفتن ما ينفع) وحديث (تعوذوا من الفتن ما ظهر منها وما بطن)؟
من الفتن ما ينفع, قال تعالى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) ولا يتصور أن يستعيذ الإنسان من ماله وولده, إنما يستعيذ من شر ماله ومن شر ولده, وإلا الفتن أصلها يطلق على ما يشغل, والأموال والأولاد والزوجات كل ذلك يشغل فهو فتنة, فإذا دعونا بإطلاق شمل هذا, لكن قد يطلق اللفظ العام ويراد به الخصوص, فأنت تستعيذ بالله من الفتن وتريد ما يضرك منها في دينك.
· الدعاء على عموم الكفار حتى على غير الظالمين منهم بالهلاك يخالف السنة الكونية, لكن المسلم مأمور بأن يدور مع السنن الشرعية ومع الإرادة الشرعية لا مع الإرادة الكونية, ولا بد أن يبقى من الكفار من يبقى, وكوننا ندعو عليهم بالهلاك مخالف لهذا, لكن أنت مأمور بقتالهم, قال تعالى (يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم) والدعاء عليهم أسهل من قتالهم, وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا على قبائل, ومن هذه القبائل من أسلم, وأنت مأمور بأن تدعو لنفسك وتدعو لولدك وتدعو لعموم المسلمين, مع أن من عموم المسلمين من سيدخل النار, فلا معارضة بين هذا وهذا, وجاء في الموطأ من قول أحد التابعين (أدركنا الناس – يعني الصحابة – وهم يدعون على عموم اليهود والنصارى). وقد جاء من النصوص ما يدل على أن هذا الأمر سيقع كوناً, مع أنك مأمور بالأدلة الصحيحة الصريحة بمخالفة هذا الأمر, ففي آخر الزمان يفشو ويكثر الجهل ويكثر الهرج وهو القتل, وهذه إرادة كونية, لكن أنت مأمور شرعاً بأن تحول دون وقوع هذه الأشياء. وجاء في الحديث أنه سيأتي يوم الظعينة فيه تسير من عدن إلى صنعاء بمفردها لا تخشى إلا الله, فلا يقال إن هذه إرادة كونية فللمرأة أن تسافر بدون محرم, بل نحن مأمورون أن ندور مع الإرادة الشرعية لا مع الإرادة الكونية.

أبوبكر بن سالم باجنيد
10-12-25 ||, 03:57 PM
بما أن الكتاب كتاب الجنائز فثمَّ مسألة :

ذهب لحج الفريضة، ووقف بعرفة ورمى وحلق، ولكن روحه قُبِضَت قبل أن يطوف للإفاضة، فهل يجب أن يُحَج عنه؟


قال الإمام البخاري في صحيحه:
( بَابُ المُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ،وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَجِّ )


قال ابن بطال: وفيه دليل أن من شرع فى عمل من عمل الطاعات وصحت فيه نيته الله، وحال بينه وبين تمامه الموت؛ فإن الرجاء قوى أن الله قد كتبه فى الآخرة من أهل ذلك العمل وتقبله منه، ويشهد لهذا قوله تعالى: ((وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللهِ)).


قال الحافظ في الفتح: (قَوْلُهُ بَابُ الْمُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الْحَجِّ) يَعْنِي لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ. أهـ


قلت: هنا مربط الفرس؛
- فقد يقال: إن عدم النقل ليس نقلاً للعدم، وإن الأصل أنه لم يتم الحج، ومن لم يطف للإفاضة لم يتم حجه.
- وقد يقال: هذا مقام البيان ولم يبين، وتأخير البيان عن وقته لا يجوز وقوعه.


فما تقولون أعضاءَ الملتقى؟